احياء حسن حنفي وتجديد عبد الجبار الرفاعي

بهاء سوادي[1]

تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.

ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.

أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.

غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.

في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.

يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.

أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.

في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.

من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: “لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم”. غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.

نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.

في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو “التجديد الديني” يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.

[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7/

 

فلسفة الدين عند عبد الجبار الرفاعي

 د. عبدالبشير فكرت[1]

عندما كنت أكتب بحثي عن “العقل والإيمان في العصر الجديد”، تتبعت الأعمال المكتوبة باللغة العربية حول هذا الموضوع، فوجدت أن معظم هذه الأعمال كانت ذات طبيعة کلامیة وليس فلسفية. الكُتّاب العرب تناولوا هذه القضية بشكل أساسي برؤية کلامیة، بينما كان تفسيري لها ذو طبيعة فلسفية. في هذا السياق، قرأت أعمال الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فرأيته يتناول هذه القضية بشكل أساسي من منظور فلسفة الدين. إسهامات الرفاعي أضافت بعدًا فلسفيًا قيمًا للموضوع، حيث لم يكتفِ بالتطرق إلى الأبعاد الکلامیة فحسب، بل عمق النظر في الأسس الفلسفية لتحليل الظاهرة الدينية وبيان الصلة بين العقل والإيمان. تظهر الرؤية الفلسفية في مؤلفات الرفاعي عن الدين في تعريفه للدين باعتباره “حاجة وجودية” كما يعبر عنه، وفي عناوين كتبه عن الدين، التي ورد فيها مصطلح الأنطولوجيا الفلسفية، كما في “الدين والظمأ الأنطولوجي”، وفي مصطلح الاغتراب الميتافيزيقي الفلسفي في كتابه: “الدين الاغتراب الميتافيزيقي”، وكثرة استعماله للتفسير الأنطولوجي الوجودي الفلسفي للدين، حتى عندما تحدث عن الكرامة في كتابه: “الدين والكرامة الإنسانية” وصف “الكرامة بقوله “مقام وجودي” منحه الله للإنسان عند خلقه، لذلك لا يمكن تجريده منها، ومصطلح “مقام وجودي” فلسفي، وهكذا فسّر الرفاعي الوحيَ بوصفه “طورًا وجوديًا يتسامى إليه النبي. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية للنبي بالله”.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو أحد الاستثناءات النادرة، حيث يتركز فكره على علم الكلام الجديد والتجديد الفلسفي للدين بشكل أساسي. يعتمد الرفاعي على البعد الفلسفي للحداثة الدينية، الذي واصل العمل على اشاعته في العالم العربي منذ أكثر من 30 سنة، من خلال مؤلفاته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، ومجلته قضايا إسلامية معاصرة التي أصدرها منذ نحو 30 سنة، وصدر منها 80 عددًا مرجعيًا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. عبد الجبار الرفاعي لبث سنوات طويلة في حوزة قم بعد انتقاله إليها من حوزة النجف، وتعلم اللغة الفارسية، مما أضاف أبعادًا جديدة لتكوينه الفلسفي. الرفاعي يعتبر جسراً يختصر المسافة الناجمة عن الاختلاف اللغوي بين خطاب الحداثة الدينية في العالم العربي والحداثة الدينية في إيران. أصدر الرفاعي في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عدة مؤلفات، وهي: “الدين والظمأ الأنطولوجي” و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي” و”مقدمة في علم الكلام الجديد” و”الدين والكرامة الإنسانية” و”الدين والنزعة الإنسانية” و “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، وتصدر في هذه السنة 2024 موسوعة فلسفة الدين في 8 أجزاء من إعداده وتحريره. وعلى الرغم من ذلك، لم تحظ أعماله بالاعتراف الكافي حتى الآن، وإن كان من المرجح أن يصبح منهجه الفلسفي مؤثراً في خطاب الحداثة الدينية في العالم العربي في المستقبل القريب.

في تأسيسه لمشروعه للتجديد على فلسفة الدين يختلف عبد الجبار الرفاعي عن أكثر المفكرين الدينيين في العالم العربي. یقول الأستاذ مصطفی ملكيان: “إن منطلق الحداثة في إيران يقوم على انفصال الإنسان عن التراث، سواء في مقام الثبوت أو الإثبات. كلما زاد هذا الانفصال، أصبح الشخص أكثر حداثة. أما في العالم العربي، فالحداثة لا تقترن بالانفصال عن التراث، بل تعني قراءة جديدة ورواية جديدة له. المثقفون العرب يعيشون في برزخ بين العالم القديم والجديد، وينظرون إلى خلفيتهم الثقافية بمنظور جديد، بينما المثقفون في إيران انعزلوا تماماً عن التراث وتوجهوا نحو العالم الجديد. ربما ينبع هذا التمييز من كون تيار الحداثة في إيران – بما في ذلك الحداثة الدينية – ذا طابع فلسفي، مشابه للحداثة الأوروبية، في حين أن الحداثة في العالم العربي تعتمد بشكل رئيسي على العقل اللاهوتي وتُعتبر استمراراً للتراث العربي الإسلامي”[2].

كلام ملكيان في التمييز بين الاتجاه الحداثي في ​​إيران والعالم العربي يحتاج إلى مزيد من التأمل، وذلك: أولاً وقبل كل شيء، فإن تيارات التجديد في العالم العربي وفي إيران المعاصرة عديدة ومتنوعة. وقد تحدث ملكيان نفسه عن أشكال التجديد المختلفة في إيران، مثل: الهايدجرية، والوضعية، والماركسية، والحداثة الدينية وغير ذلك. وهكذا توجد في العالم العربي مدارس فكرية مختلفة، مثل: اليساريين، والليبراليين، والقوميين وغيرها، مما يدل على تنوع الحركة الحداثية في العالم العربي. إن اتساع الوطن العربي، من المغرب إلی مصر ومن الشرق إلی الغرب، عامل آخر أدى إلى تنوع حركة التجديد فيه. ونظراً لتنوع وتعدد حركات التجديد في إيران والعالم العربي، يبدو أن إصدار حكم عام في هذا المجال أمر يحتاج إلى مزيد من التفكير. وبدلاً من ذلك، يبدو أن أسلوب التفکیک هو الأكثر ملاءمة في سياق الحقيقة، لأنه يتجنب إصدار حكم عام ويتم مقارنة کل من الاتجاهات الحديثة في إيران وفي العالم العربي بشكل منفصل.

ثانياً، كانت حركة التجديد في إيران بدایة، مثل العديد من البلدان الأخرى، مصحوبة بنوع من الشعور بالهزيمة الذاتية أمام الحضارة الغربية. واعتبر عدد من مفكري الجيل الأول في إيران، الحداثة سلعة تجارية غربية، وزعموا أنه إذا دخلت السلع والتكنولوجيا الغربية إلى إيران، فيمكن أيضًا استيراد القيم الحديثة مثل الفردية والحرية والحقوق الطبيعية وغيرها. وفي مقابل هذه المواجهة التي يمكن تفسيرها على أنها غربية متطرفة ومتجذرة في العقل المجرد الكانطي- الديكارتي، ظهر تيار آخر يعتبر كل ما يأتي من الغرب مرفوضاً واستعمارياً. في هذا الوسط، يمكن وضع تيار المثقفين الدينيين في الوسط، لأن هذه الحركة حاولت ایجاد التوافق بين التقليد والعالم الحديث، بحيث لا تنقطع عن التقليد الذي اعتبر الدين عنصره الأساسي، ولا تتجاهل الواقع الحديث.

بشكل عام، يمكن القول أن حركة المثقفين الدينيين في إيران أصبحت أكثر فلسفية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وقد ابتعد الجيل الجديد من المفكرين الدينيين فی إيران عن التراث أكثر من الماضي. ويكفي لإثبات هذا الادعاء الرجوع إلى مؤلفات محمد مجتهد شبستري، ومصطفي ملكيان، وعبد الكريم سروش، ولا سيما رؤيته الأخيرة للحقيقة والمنهج، والدكتور سروش دباغ[3]، والدكتور آرش نراقي.

في حين أن كبار مفكري الوطن العربي مثل: الدكتور حسن حنفي، والدكتور طه عبد الرحمن، والدكتور أبو يعرب المرزوقي، وغيرهم ما زالوا يقفون على أرض التقليد، ويحاولون إعادة فهم التراث الديني وانتاجه بلغة جديدة، يفكرون في التراث لإعادة بناء التراث. القراءة الفلسفية للدين ليست شائعة بين أكثر المفكرين العرب. من النادر أن نجد موضوعات في فلسفة اللغة، والفلسفة التحليلية، والتأويل الفلسفي المعاصر في خطاب الحداثة الدينية العربية.

 [1] أكاديمي من أفغانستان، آستاذ بجامعة کابول، کلیة الشریعة، مقيم اليوم في ألمانيا.

[2] مصطفی ملکیان: جریان‌شناسی فرهنگی معاصر ایران، ص10-11، سال 1376-1377 ش/ 1999 – 2000 م.

[3] الدكتور سروش دباغ ابن دكتور عبدالكريم سروش.

 

https://altanweeri.net/12851/%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/

عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

د. حسن حنفى[1]

أثناء زيارة قم بعد قيام الثورة، وبالمصادفة تعرفت على شاب عراقى فى مقتبل العمر في حوزة قم، يجتهد ويفكر فى مدينة الاجتهاد والتفكير. حوّل بيته إلى مكتبة، وحصير غرفه إلى منتدى فكري وقاعات للاستقبال والدراسة، على طريقة العلماء القدماء. هو وأسرته يستقبلون الطلاب. لا فرق بين منزل وجامعة، بين طعام الجسد وطعام الروح.

هو فقيه وعالم من علماء التراث، منفتح على قضايا العصر، مثل عديد من العلماء فى قم الذين يحملون همّ نشر التراث، كما تفعل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث للعلامة جواد الشهرستانى، التى أسسها وأنفق عليها، ويعمل فيها المححقون الشبان. ومثل أصحاب مكتبات التراث التى تزخر بها شوارع قم، فالدين والعلم قرينان. كما تزخر قم بعديد من مراكز الأبحاث لتربية العلماء الشبان، إقامة ودراسة،كما كان الحال فى تراثنا القديم، حتى أروقة الأزهر القريبة العهد. لا يحتاج العلم إلى دولة ترعاه، أو مؤسسة تسانده، بل يكفى أن يتطوع عالم بمفرده بكل ذلك، على سنة القدماء أو ما يسمى قطّاعا خاصا أو مؤسسات ثقافية للمجتمع المدنى. فالعلم هو الدولة، والدولة صرح يشيده العلماء.

بدأت الأعداد الأولى لمجلته “قضايا إسلامية معاصرة” فى الصدور، تنبئ بمضمونها واتجاهها، الطريق الثالث الذى يتجاوز السلفيين والعلمانيين. وتفتح صفحاتها إلى عديد من المفكرين الجدد الذين يمثلون هذا التيار، فى شكل حوارات معهم أو مقالات منهم، واضحة ومفهومة، وقادرة على إقناع القراء بما تريد. فما كنت أفكر فيه: في إنشاء مجلة فصلية “اليسار الإسلامى” ها هى تصدر فى قم، بصرف النظر عن العنوان. والأفكار تتوالى بصرف النظر عن المكان، قم أم القاهرة، مما يدل على مدى الحاجة إليها وواقعيتها. فقد آن الأوان لتطوير الفكر الإصلاحى، من الخطاب الأخلاقى الوعظى إلى الخطاب العلمى التحليلى.

 

هو عراقى مهاجر إلى حوزة قم، بعد أن حُكم عليه بالإعدام فى بغداد، أيام حكم الاستبداد السابق، ومطاردة العلماء والقادة الوطنيين. لم تكن الهجرة إلى باريس أو لندن للنضال من بُعد، بل كانت إلى قم مدينة العلم والثورة، والقريبة إلى بغداد. واستمر النضال الثقافى كأساس للنضال السياسى فى أيام الثورة الأولى، التى كانت تمثل أملاً للمسلمين جميعا، خاصة فى فلسطين بعد أن تحولت سفارة إسرائيل المفتوحة أيام الشاه إلى سفارة لفلسطين.

وصدرت الأعداد الأولى لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وكأننى أقرأ نفسى، لا فرق بين شيعة وسنة. تحمل نفس الهموم، قضايا “التراث والتجديد”، متجاوزة ما كان يصدر فى العالم الإسلامى، فى الكويت، أو فى ماليزيا. تحمل همومًا ثقافية، وإن لم تشر صراحة إلى العراق أو إيران أو الثورة الإسلامية. وقد تجلى ذلك فى المقابلة مع عبد الجبار الرفاعى، بعنوان “قم تسأل، والقاهرة تجيب”، مما أحزن بعض علماء قم، وكأن قم هى الحائرة، والقاهرة هى التى لديها الخبر اليقين، وهو غير صحيح على الإطلاق.كان يمكن أن يكون العنوان بالعكس “القاهرة تسأل، وقم تجيب”. فالسؤال أحيانا أهم من الجواب.

وفى القاهرة صدر العدد الأول من “اليسار الإسلامى” عام 1980 حاملاً همّ الأمة، فى العراق وفلسطين وكشمير والحجاز. فلماذا لا تتعدد البؤر الثقافية للإسلام التنويرى على مختلف مداخله، فى قم والقاهرة وفى كل مدينة ثقافية إسلامية. فالبحث جار عنه فى أندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا، يساهم فى تحرير الشعوب ونهضتها، وإنشاء جيل جديد يشق طريقه بين السلفيين والعلمانيين، بين القدماء والمحدثين، بين التقليديين والتجديديين، مثل “نهضة العلماء” فى أندونيسيا.

وتحويل “قضايا إسلامية معاصرة” من قم إلى بغداد، وعودة مؤسسها إلى موطنه الأصلى، شجاعة كبيرة فى جو العراق بعد نهاية الاستبداد، حيث الاحتلال مازال جاثما بطريقة أو بأخرى، وما يهدد العراق من مخاطر التجزئة. فالتحرر الحقيقى لا يأتى فقط عن طريق المقاومة العسكرية للاحتلال، أو مقاومة التجزئة الطائفية والعرقية، بين الشمال الكردى والوسط السنى والجنوب الشيعى، بل يأتى عن طريق العمل الثقافى على الأمد الطويل، وإعادة تفسير التوحيد بما يحقق وحدة العراق، والعدل بما يحقق العدالة الاجتماعية، والنبوة والمعاد كبعد للتاريخ بين الماضى والمستقبل، والإيمان والعمل هو الحاضر والتأثير فيه. ولا يكفى فقط إعادة قراءة العقائد، بل أيضا الأحكام الشرعية، وإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات. تستطيع “قضايا إسلامية معاصرة”  أن تكون منبرا للحوار الوطنى بين مثقفى العراق وعلمائه، وليس فقط بين ساسته. فالثقافة السياسية لها الأولوية على العمل السياسى.

شارك عبد الجبار الرفاعى فى أعمال الجمعية الفلسفية المصرية فى مؤتمرها بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية، وهو أحد أعضائها البارزين.كان سيقدم هذا العام سيرته الذاتية، لولا أن منعته الظروف من الحضور. وهو يمثل تيارا تنويريا فى العراق وإيران. كما يمثل “اليسار الإسلامى” هذا التيار فى مصر. وقد أصبح هذا التيار شائعًا كموضوع دراسة فى الماجستير والدكتوراه.

ومازالت هناك صعوبات أمام التيار الذى تمثله “قضايا إسلامية معاصرة”، و”اليسار الإسلامى”. كيف يمكن تحويل اجتهادات فردية فى بغداد والقاهرة إلى تيار فكرى، له مفكروه وطلابه وأنصاره وتأثيره؟ فمازال الاستقطاب بين التيارين الكبيرين، الإسلامى والعلمانى شديدًا، لدرجة الخصومة والتناقض، بل والعداوة والعدوان. الإسلاميون يكفّرون المدنيين، والمدنيون يخوّنون الإسلاميين، لدرجة قسمة البلاد إلى فريقين متناحرين متنازعين. ونسى كلاهما العداوة الرئيسية للاستبداد فى الداخل، والعدوان فى الخارج، والتبعية لأمريكا، والاستيطان الإسرائيلى. مازال كل فريق يتسابق نحو السلطة، ظانا أنه إذا حصل عليها استطاع أن يحقق برنامجه الدينى أو المدنى: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

لا تتبنى الرفاعي أية مؤسسة، أو أى حزب، أو أى نظام سياسى. فمازال المنطق السائد هو منطق “إما… أو” على النقيضين، وليس منطق “معًا” أو “سويًا”، تحت تأثير حديث الفرقة الناجية، ووجود الحق من جانب واحد. بل إن الإصلاح الذى حاول التجديد والخروج من مأزق الاستقطاب كبا أكثر من مرة، بسبب اضطهاد الإسلاميين وسجنهم وتعذيبهم، فارتدوا معظمهم سلفيين محافظين.

الكل ينادى بالحل الثالث، وضرورة تجاوز الاستقطاب، لكن الواقع لا أحد يريده أو يفهمه، لأنه لا يطالب بالسلطة مطلب الفريقين المتنازعين. ويعمل على الأمد الطويل، التغيير الثقافى، والانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة. يتهمه العلمانيون بالإسلامية المتخفية، ويتهمه الإسلاميون بالعلمانية المتخفية. ليس له منبر يستطيع التحدث من خلاله. مازال تيارًا فكريًا يتمثله بعض المثقفين. وهو بعيد عن الوسطية التى تنتهجها التيارات الإسلامية المحافظة، لأنه يتطلب أحيانًا الثورة والتطرف فى أخذ حقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وحقوق المستضعفين من نهب المستكبرين. لا يتعامل مع نظم سياسية، حتى لا يفقد استقلاله، ويظل تيارًا فكريًا يخاطب المثقفين، لإعادة بناء الثقافة الشعبية. هذا ما تمثله “قضايا إسلامية معاصرة” بإشراف وتوجيه عبد الجبار الرفاعى.

تحتاج المجلة إلى مزيد من التعريف والانتشار خارج العراق. ومازالت فى حاجة إلى تعدد كتّابها، وعدم قصرهم على فئة واحدة. وكل شىء يبدأ صغيرًا وينتهى كبيرًا. و قضايا إسلامية معاصرة بدأت كبيرة ومازالت تكبر، بفضل صاحبها ومؤسسها وراعيها وحاميها من غوائل الزمان عبدالجبار الرفاعي.

نعيد نشر هذه الشهادة تخليدًا لذكرى الصديق العزيز المرحوم الدكتور حسن حنفي، الذي كتبها بمناسبة صدور العدد 60 التذكاري لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. عندما كانت كتاباته حاضرة بكثافة في المجلة، خاصة في موضوع “علم الكلام الجديد”، الذي خصصت له المجلة ستة أعداد في سنواتها الأولى، وغيره من محاور المجلة في سنوات لاحقة.

[1] مفكر مصري.

 

https://tafker.net/2024/07/11/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%82%D9%84/