التدين العقلاني الأخلاقي

  د. عبد الجبار الرفاعي         

يتحقق الدين في حياة الإنسان في أنماط متنوعة من التدين، من أعقلها وأجملها وأكثرها تهذيبًا وتأدبًا التدين العقلاني الأخلاقي. في هذا التدين تسبق الغيرة على الإنسان الغيرة على الله، لا تبدأ في هذا التدين الغيرة على الله إلا عند الغيرة على الإنسان. التدين العقلاني الأخلاقي هو ذلك النمط من التدين الإنساني الذي تمتلئ فيه الروح، ويروي ظمأ الكائن البشري للصلة بالله، فينشغل بإشباع الحاجة الوجودية للكائن البشري، وإشباعها يكرس بناء الروح، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وتلك وظيفة الدين العظمى في بناء شخصية الفرد وتمتين بنية المجتمع.

إرواء ظمأ الكائن البشري للصلة بالله يشكل بنية أساسية متينة لحياة روحية وأخلاقية ملهمة للفرد والمجتمع، بنية ترتكز عليها العلاقات الاجتماعية الصالحة، وتساعد على بناء أمن عائلي وسلم مجتمعي، وتعمل على بناء أرضية ملائمة لعمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وتحفيز النشاط الاقتصادي السليم، وخلق بيئة مناسبة للثقافة والآداب والفنون. في ظل حياة روحية سليمة وضمير أخلاقي يقظ يمكن إعداد إنسان مسؤول حيال الوطن، وأكثر وفاء للنظام العام، وأشد التزامًا بتطبيق القوانين. هذا النمط من التدين ينشد حياة روحية ملهمة، وضميرًا أخلاقيًا يقظًا، وتذوقًا لجماليات الوجود.

التدين العقلاني الأخلاقي تدين يتجلى فيه صوت العقل، بموازاة حياة الروح ويقظة الضمير الأخلاقي، يتذوق فيه المتدين تجليات الجمال في الوجود. تدين تتكرس فيه كينونة الكائن البشري، ويحقق فيه الدين وظيفته في إرواء ظمأ الإنسان للصلة بالله. تدين يتموضع فيه الدين في مجاله الخاص، وينجز وعوده في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إنه تدين متصالح مع العقل والروح والقلب والضمير. لا يقترن الدين في هذا الشكل من التدين بالخوف، ولا بالرعب. الإيمان بالله في هذا التدين حالة يتذوقها الإنسان، وليس معلومة يدركها، والتوحيد يعني حياة توحيدية ملهمة، وليس اعتقادًا بمفاهيم ذهنية محنطة. الإيمان فيه ليس فكرة يتأملها المتدين، أو معرفة يتعلمها، أو معلومة يتذكرها. الإيمان فيه حالة للروح يعيشها، وتجربة للحقيقة يتذوقها.

يحتفي هذا التدين بالفن، ويدرك حاجة كل كائن بشري العميقة إلى الجمال، كحاجته إلى كل ما هو أساسي في حياته. إنه تدين يدرس الدين بوصفه ظاهرةً لها حقيقتها في أفقها الخاص، ويمكن إدراك جوهرها في الفضاء الخاص للحياة الروحية. الدين حقيقة يمكن اكتشاف تعبيراتها وتجلياتها وآفاقها بالعقل والعلوم والمعارف البشرية، غير أن هذه العلوم والمعارف لا تدرك مدياتها الباطنية القصية وجوهرها الروحي العميق، وإن كانت ترسم حدودها، وتحدد خارطة تميز ما هو ديني عما هو دنيوي. يدرك هذا التدين أن احترام الآخر المختلف ضرورة تفرضها ثقة الإنسان بدينه وهويته وثقافته، ويبرهن على أخلاقية دينه وإنسانيته. فمن لا يحترم الآخر المختلف في مجتمعه يغترب عن محيطه وعصره، ويفتقد الحجة التي تؤكد مصداقية أخلاقية دينه وإنسانيته.

يرى التدين العقلاني الأخلاقي أن أكثر الأساليب الموروثة لتبليغ الأديان والدعوة إليها والتبشير بها استنفدت فاعليتها؛ لذلك يشدد على أهمية الذكاء العاطفي ورعاية مشاعر الإنسان، وأثره ذلك النفسي الإيجابي في نظرة الآخر إلى مصداقية تدين الإنسان وأخلاقية دينه. للعواطف الصادقة سحر آسر في مشاعر البشر، من طبيعة الإنسان أن ينجذب إلى من يحب الناس، ويشفق على البؤساء ويرعاهم، مهما كانت ديانتهم. عبر العواطف الصادقة، والكشف عن الجوهر الروحي والقيم الأخلاقية المشتركة بين البشر، والحوار الأخلاقي البعيد عن المنطق الوثوقي للمقولات الاعتقادية المغلقة، يمكن التدليل على الدور الذي يؤديه الدين في إنتاج المعنى للحياة، والتأكيد على ضرورة التدين الأخلاقي لإنتاج ما يمنح الروح سكينتها وطمأنينتها، ويوقظ الضمير الأخلاقي.

يرى التدين العقلاني الأخلاقي إلى أن الحاجة إلى المعتقدات تكفي لاعتناقها، ولا يعني اعتناق الإنسان لها بالضرورة إقامة الدليل عليها أو القناعة العقلية بها. مهما أقمت من أدلة على عدم صحة معتقد ما، لن يتخلى عنه صاحبه ما دام محتاجًا إليه. إذا أردت تحرير إنسان من معتقداته المغلقة المتشددة، فحرره أولًا من احتياجاته النفسية والعاطفية والمادية التي تدعوه إلى اعتناقها، ثم أعد توجيه هذه الاحتياجات في أفق تدين أخلاقي منفتح.

ينشد هذا الشكل من التدين التحرر من كل ألوان الاستعباد والوثنية. التدين العقلاني الأخلاقي يقف ضد كل ما يستعبد الروح، والقلب، والضمير، والعقل، فكل وثن يستعبد على شاكلته. جوهر الوثنية موقف اعتقادي يستلب الإنسان، حين يرفع قيمة شيء صنعه هو، أو شيء آخر، ثم يخدع نفسه بصورة زائفة يخلع عليها خصائص وصفات لا تليق إلا بالإله، فيستسلم لها ويرضخ، مقابل الحط من قيمته وهدر كرامته، حتى يغدو ذلك المعبود سببًا في مسخ إنسانيته.

التدين العقلاني الأخلاقي هو الأقل حضورًا في الحياة الفردية والاجتماعية اليوم، وغالبًا ما تصدر الأحكام السلبية على الدين بسبب شيوع الأشكال الأخرى للتدين، وشحة حضور هذا التدين. من هنا يظن كثيرون أن تلك الأشكال وحدها تمثل الدين، وقلما ينتبه مَن ينتقد الدين إلى حضور التدين الأخلاقي في حياة شخصيات روحية وأخلاقية ملهمة.

الحياة الأخلاقية سلسلة مواقف، يصنع مجموعها طورًا وجوديًا خاصًا للكائن البشري، وهي الشرط الذي يتحقق به حضوره الإنساني في العالم. يتأنسن الإنسان بالأخلاق، ومن دونها يفقد إنسانيته؛ لذلك لا يعبر الدين عن حضوره الأصيل في الحياة إلا من خلال الحياة الأخلاقية. الحياة الأخلاقية تفضح كل تمثيل للدين يتلفع بأقنعة زائفة، فكل من ينتهك الأخلاق يهدر المعنى الإنساني للدين. لا قيمة لأي حكم ديني يتناقض مع أحكام العقل العملي الأخلاقي.كل فعل يرتدي قناعًا دينيًا من دون مضمون أخلاقي ليس، في مفهومي، دينًا، مهما يكن الشخص أو الجهة التي يصدر عنها.

إن أخطر ما يهدد وجود الدين في المجتمع ضمور الحس الأخلاقي في حياة الفرد والجماعة، وتفشي التبريرات والحيل التي تتخفى بنصوص دينية وتتخذها ذريعة لتسويغ انتهاك كرامة الإنسان والتضحية بحقوقه، واتخاذ الدين وسيلة للارتزاق، وتوظيفه في صراعات السلطة والثروة، واستغلاله قناعًا يخفي الممارسات اللاأخلاقية والمواقف اللاإنسانية.

الصلة بين الدين والأخلاق ديناميكية حية، يتفاعل فيها الدين مع الأخلاق، وتتفاعل الأخلاق مع الدين، حتى يغدو كل منهما معززًا للآخر، كما يتجلى ذلك في التدين الأخلاقي والتدين الرحماني. يمكن أن يكون الإنسان الأخلاقي غير مؤمن، كما نرى في شخصيات نبيلة تنضبط مواقفها وسلوكها بالمعايير القيمية الأخلاقية في حياتها الشخصية وتعاملها مع الآخرين. فهو صادق لا يكذب، وأمين لا يخون، وثقة لا ينقض عهدًا ولا يخلف وعدًا، ويسعى إلى إسعاد الناس ورعايتهم.

الإنسان متدين لأنه متخلق، وليس متخلقًا لأنه متدين[1]. الأخلاق أساس الدين، والدين يرسخ الأخلاق ويغذيها. من لا أخلاق له لا يمكن أن يكون متدينًا أخلاقيًا، وإن أمكن أن يكون متدينًا زائفًا شكليًا يلتزم صوريًا بأداء العبادات ويمارس الشعائر. يحضر التدين الزائف في كل المجتمعات، ويستعمل لتمويه السلوك اللاأخلاقي وإخفائه، ويتفشى بوصفه مرضًا أخلاقيًا للسلطة في حكومات الإسلام السياسي.

[1]  كانْت، إيمانويل، الدين في حدود مجرد العقل، نقله إلى العربية: د. فتحي المسكيني، ص١١، ١٢، ٤٥، ٢٠١٢م، جداول، بيروت.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387296

مَن يُلهِم المحبّة لغيره يعيش بسلام

د. عبد الجبار الرفاعي

يقعُ التناقضُ أحيانًا بين ما يرغبُ في فعله الإنسانُ ويتمناه بوصفه يكفلُ سلامَه الداخلي، وما تفرضه عليه طبيعتُه من نزوع للعنف، بوصف هذه الطبيعة ملتقى الأضداد. ترويضُ الطبيعة الإنسانية بالتربية الروحية والأخلاقية والجمالية يكفلُ احتواءَ هذا التناقض إلى حدٍّ كبير، إذ يخفض فاعلية عناصر الشرّ الكامنة في النفس الإنسانية، ويبعث ويغذّي عناصرَ الخير والمحبة والتراحم الكامنة فيها.

التربيةُ عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، إنها كالمعادلات الكيمياوية التي تختلفُ نتائجها تبعًا لاختلاف كيفيات عناصرها وكمياتها، فقد تكون ثمرتُها الاستعباد،كما هو نمط تربية أكثر المؤسسات في مجتمعنا الوارثة لتقاليد الاستبداد وثقافته، وقد تكون ثمرتُها الحرية، وهذه قليلًا ما نعثر عليها في مجتمعنا. التربيةُ إن كانت ترتكز على معطيات العلوم والمعارف الإنسانية والقيمِ الأخلاقية والروحية والجمالية فإنها تكون تربيةً خلّاقة، تثري الشخصية وتنتج الرأسمالَ البشري النوعي، الذي هو أثمن رأسمال في العالم. وحين تغيب في التربية القيمُ والمعايير والاستراتيجيات والأساليب العلمية، وتجهل روحَ عصرها، فإنها تصير كجرعة السمّ التي تقوّض الحياةَ العقلية، وتمرض الحياةَ الروحية، وتطفئ الضميرَ الأخلاقي، وتُفسِد الذائقةَ الجمالية.

قوةُ الانسانِ بقوة المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية المشبَعة فيها حياته. تكمنُ قوةُ الإنسانِ بغزارة منابعِ إلهامِ المعنى لحياتِه وعمقِ شعورِه فيها، وسعيه المتواصل لإفاضة المعنى على حياة إنسان آخر. الحبُّ من أعذبِ منابعِ المعنى، إنْ أحسَنّا إدارتَه بما يُصَيّرهُ مُلهِمًا للضوءِ والجمالِ والسلام الباطني. الحُبّ يعتمد على حكمتنا في إدارته وتوظيفه. إن أحسنا توظيفه والإفادة منه أسعد حياتنا، وإن أسأنا توظيفه والإفادة منه فتك بحياتنا. يشعر الإنسان السويّ بالحب كأنّه سياحةٌ في مدنِ الضوء.

الحُبّ الأخلاقي أسمى مراتب الأمن الروحي والعاطفي والنفسي. الضميرُ الأخلاقي سياجُ المحبة وكلّ العلاقات الإنسانية الأصيلة. الضميرُ الأخلاقي يدعو الإنسان لاحترام ذاته والصدق معها أولاً، والحرص على نقاء صورته وصفائها أمام ذاته، قبل حرصه على صفاء صورته أمام الناس، الوضوحُ والصراحة مع الذات تطهّرُ الحُبّ والعلاقاتِ الإنسانية من الرياءِ والمراوغةِ والنفاقِ. الحُبّ كما يعيشه الإنسانُ الأخلاقي يتجلّى فيه الصدقُ مع الذات، والأمان والحمايةُ والرعايةُ والتهذيبُ واللطفُ في التعاملِ مع الآخر. الحُبّ ثقةٌ ومسؤوليةٌ، والمسؤوليةُ أعلى مراتبِ الالتزام، من ثمرات الحُبّ المسؤوليةُ الأخلاقيةُ تجاه مَن نحبّ، الحُبّ بلا شعورٍ بمسؤوليةٍ أخلاقيةٍ حيال مَن نحبّ كذبة. الحُبّ يعكسُ أعذبَ درجاتِ اهتمامِ الإنسانِ بالإنسانِ الذي يشعرُ أنَّه الأنا بصورتِها الأجملِ.

العمل الذي يبدأ بالحُبّ والشغف يتفوق مقارنة بأمثاله. الحُبّ الأصيل يعتقنا من الانزواء والعزلة في حياتنا، أن نحبّ إنسانًا جديرًا بالحُبّ يصيّرنا مثلما يصيّره إنسانًا جديدًا. للحُبّ طاقة خلّاقة يكتسب فيها كلُّ شيء يتوالد منه تفوقًا وفرادة. مادام الإنسان يُحبّ فهو يحلم بالأجمل، ومادام يحلم بالأجمل فعقله يصبح خلّاقًا، وقلبه لن يغادر الشباب. الصلات بين إنسان وآخر بحُبّ تجعل العلاقات الحياتية المتنوعة يسودها الودادُ والوئام والسلام، التفكير بحُبّ يفتح آفاقًا مضيئة في الذهن، الكتابة بحُبّ تكتسي فيها الكلماتُ كيمياءَ مؤثرة، إنجاز أي منجز بحُبّ يجعله متفردًا. ‏لولا الحُبّ ما تمكّن الكتّابُ وأنا منهم من الكتابة عن الحُبّ وغيره، بل أستطيع القول: ما يُكتَب بعناية وإبهار هو ثمرة للشغف والحُبّ. ‏عندما ينضب الشغفُ بالأعمال والأشخاص والأفكار يُصاب الإنسانُ بالسأم والإحباط، الذي يقود إلى اليأس، وقد ينتهي إلى فقدان كلّ معنى، وأخيرًا الاكتئاب الحاد.

ما دُمْتَ تُلهِم المحبة لإنسان فأنت سعيد، حضورك في ضمير كلِّ إنسان يتجلى ببصمتك المضيئة في قلب هذا الإنسان. الحُبّ مُلهِم لتغيير الذات، بلا إكراهٍ أو قهر. ‏ الحُبّ مُلهِم لما أنجزته الإنسانيةُ من إبداعات واختراعات واكتشافات في العلوم والفنون والآداب المختلفة.كان ومازال الحُبّ والشغفُ يمدّان الإنسانَ بالصبرِ الطويل، والطاقةِ الضرورية لإنجاز الأحلام الكبيرة. إيقاظُ الحُبّ وتغذيةُ منابعِ المحبة ضرورةٌ تربويةٌ وأخلاقيةٌ وروحية وجمالية. الحُبّ أساس بناءِ العائلة السعيدة، وعيشِ المجتمع في فضاء التنوع والاختلاف، وترسيخِ أُسُسِ السِّلم الأهلي، وتعزيزِ بنية المجتمع والدولة.

مَن يُلهِم الحُبّ لغيرة يعيش بسلام، مَن يُلهِمون الحُبّ لغيرهم قليلون ‏وربما نادرون. أكثر الناس غير قادرين على العطاء العاطفي والروحي، لذلك ينبغي أن ينتقي الإنسان أولئك القادرين على منح حياته أعذب معانيها. حُبّ الإنسان شاقٌّ على الإنسان، الحُبّ الأصيل عطاء، وليس كلُّ إنسان قادرًا على العطاء. الشُحّ ليس استثناءً في حياة الإنسان، استعدادُ الإنسان للشُحّ أشدُّ من استعداده للعطاء، استعدادُ الإنسان للندم ومحبة الغير بعد رحيلهم للعالَم الآخر أشدُّ من استعداده للامتنان والتقدير والاعتراف بمزايا غيره ومحبته وتقديره في حياته. طالما سمعنا ثناءً على موتى من أشخاصٍ كانوا لا يعترفون لهم بفضلٍ في حياتهم، مهما كانت آثارهم، وما قدموه من أجلِ إسعادِ الإنسان، لكن بعد رحيلهم من هذا العالم، وحضورِ أعمالِهم الكريمةِ في المجتمع والاحتفاء بها، يعودُ هؤلاء الذين لم يعترفوا بهم أو كانوا يهجونهم للاعترافِ بما قدموه من آثار مهمة.

أسوأ أنواعِ الشُحّ العجزُ عن إكرام الإنسان بكلمةِ محبّةٍ صادقة، وتجاهلُ الاعتراف بمواهبه ومنجزاته.كلمةُ المحبّة الصادقة بصمةُ القلوب المضيئة، تصدر مثلُ هذه الكلمة عن الضمير الأخلاقي اليقظ، الذي يرى إنسانية الإنسان قبل أن يرى دينه ومعتقده وإثنيته وثقافته وموطنه. نحن لا نشكّل أهميّةً لغيرِنا إلا بالقدرِ الذي نمنحُهم ‏ما يحتاجونَه من معنىً لحياتِهم، مكانتُك عند الآخرين يتحكم بها شعورُهم بالحاجة إليك، وقدرتُك على تلبيتها بلطف وأريحية، الأمان والحُبّ والتقدير والامتنان من أهم ما يحتاجه كلُّ إنسان.

لا يمكن أن يمنحَ الإنسانُ الحُبّ لغيره إن كان كارهًا لنفسه، ولا يمكن أن يرحمَ الإنسانُ غيرَه إن كان عنيفًا مع نفسه. بعضُ الناس عاجزٌ عن إنتاج الحُبّ، على الرغم من حاجته الشديدة إليه، ربما يكون ذلك الإنسانُ عاطفيًّا بلا حدود، ربما يمتلكُ حساسيةً فائقةً يفتقر إليها كثيرٌ من الناس، غير أن عجزَه عن إنتاج الحُبّ يعود لعقدٍ نفسيةٍ وعاهاتٍ تربوية، وجروح طفولة غاطسة في البنية اللاشعورية في أعماقه، تفرض عليه حياةً خانقة كئيبة، لا يمكنه الخلاصُ منها أو تخفيفُ وطأتها إلا بمراجعة مصحّ نفساني. أحيانًا لا يعجز الإنسانُ عن الحُبّ فقط، بل يعجز عن الخلاص من كراهية الناس وامتلاء القلب بالغلّ والحقد عليهم. تجده يتعذّب بكُرْه كلِّ الناس، ولو فرضنا أنه في يوم ما لا يجد مَنْ يكرهه فإنه يعود إلى ذاته ليكرهها.

مَن يحتقر ذاته يحتقره الآخرون، ولا يحظى باحترام أحد. ومَن يُكرم ذاته يُكرمه الآخرون، ويفرض احترامه على الجميع. أما من يركن للخنوع والضِّعَة والهوان، ويغرق في الشعور بالدونية والاحتقار، فإنه يُصبح إنسانًا رخيصًا مبتذلًا، يمكن لأي شخص أن يستعبده. مثل هذا الإنسان يكون مستعدًّا لفعل أي شيء، من دون تحكيم ضميره أو الالتزام بالقيم أو القانون. وقد يُسخِّر ذاته لأبشع الأفعال، ويُصبح أداةً بيد الآخرين تُستغّل لأداء أقذر المهمات.

 

https://alsabaah.iq/106355-.html