تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الحرية لا تبلغ نهاياتها، فهي مشروع لا ينتهي، ومسعى متواصل لا يعرف الاكتمال. كلما بلغ الإنسان محطة في سعيه نحو التحرر، قادته تلك المحطة إلى أفق أوسع، ونقطة أبعد، لتحطيم قيود أخرى لم يكن يراها من قبل.كلما انعتق من قيد، تكشفت له قيود جديدة تحاصره من حيث لا يدري، تتوالد في كهوف السلطة، وتتغذى من الاستبداد، وتنبعث من تسلط الشركات الرأسمالية العملاقة للذكاء الاصطناعي، وتسلط المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية. حتى ما يبدو تطورًا تكنولوجيًا، لا يخلو من وجه آخر يقيد الإنسان ويحد من حريته.

يتبدل مفهوم السلطة كلما تطور واتسع حضور الذكاء الاصطناعي، فلم تعد السلطة يحتكرها السلاح، وإنما تتجسد في رؤوس أموال شركات هذا الذكاء العملاقة، بما هي قوة شاملة تعيد تنظيم العالم وتوجيه مساراته المتنوعة. المال لم يعد أداة تبادل، وإنما صار بنية حاكمة توجه إنتاج المعرفة، وتحدد حدودها واتجاهاتها وغاياتها، وتقرر مَن يملك حق الوصول إليها ومَن يحرم منها. مَن يمتلك المال يمتلك اقتصاد المعرفة، ومَن يمتلك اقتصاد المعرفة يمسك بالمفاتيح الخفية للسلطة والهيمنة، حيث تصاغ الخوارزميات، وتدار البيانات، ويعاد تعريف الإنسان بوصفه معطى رقميًا قابلًا للاستثمار والتوظيف. في هذا الواقع تفقد المعرفة حيادها، وتخضع لمنطق السوق، وتنقطع عن وظيفتها الإنسانية، فتتحول من أفق للتحرر إلى أداة سيطرة شاملة، تعيد إنتاج اللامساواة بين البشر، على أساس القرب من منابع المعرفة والتحكم بها.

التربية والتعليم تتحكم بمخرجاتها سلطة رؤوس الأموال ومتطلبات أسواق العمل، ذلك ما نراه في انصراف الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون وتضخم التخصصات التي تستجيب لطلبات أسواق العمل. تخضع التربية والتعليم اليوم لسلطة السوق في توجيه مخرجاتهما، فتغدو المعرفة محكومة بمنطق الربح المالي والطلب، لا بحاجات تكوين الإنسان وبناء عقله وتنوير وعيه، وايقاظ القيم وترسيخها في ضميره، ولا بإنتاج وتنمية المعاني الأخلاقية والروحية والجمالية لديه. يظهر ذلك بوضوح في انصراف أعداد متزايدة من الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون، بوصفها معارف لا تحقق عائدًا ماليًا سريعًا، ويواكب هذا الانصراف تضخم التخصصات التي تستجيب لمتطلبات أسواق العمل. في هذا الواقع تخسر التربية والتعليم وظيفتهما بوصفهما أفقًا لبناء العقل وتنمية القدرة على التساؤل والنقد وتنوير الوعي، وتنمية الحس الأخلاقي، وبناء المعنى، وتصيران مسارًا تقنيًا يجري اعداد الطالب فيه لمهنة تلبي متطلبات أسواق العمل، وتقاس قيمة هذه المهنة بما تقدمه من عوائد مادية سريعة، لا بما تسهم به في اثراء وعي الإنسان وحماية كرامته وتوسيع أفق إنسانيته. هكذا تنشأ سلطة وتتغول لتحدد وجهة التفكير بما تنشده أسواق العمل، وتوجه الرغبات، وتحدد ما يظهر وما يغيب، وفي عالم تحكمه هذه السلطة تغدو معركة الإنسان معركة على المعنى، وعلى تحرير المعرفة من قبضة المال، وردها إلى موقعها بوصفها شرطا لكرامة الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.

الذكاء الاصطناعي، بكل ما يعد به من تسهيلات، ينطوي على تهديد متصاعد لحرية الفرد واستقلال إرادته، ما لم تضبط مساراته بقيم إنسانية، وتشريعات عادلة، ورقابة أخلاقية حقيقية. وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي يمارسان شكلًا جديدًا من الإكراه، لا يستند إلى العنف الظاهر، بل يتسلل إلى وعي الإنسان بالإغراء والتكرار، وضيق مساحة الاختيار. ما يتاح له أن يراه أو يتلقاه أو يثق به، ليس ما ينشر وحده ما يصوغ هذا الإكراه، بل الخوارزميات نفسها، التي تتحكم في آلية التوزيع، لا تعمل بوصفها أدوات محايدة، بل تمارس تحيزاتها الخفية، وتعيد توجيه الرغبات، وتعيد هندسة الذائقة، كما لو أن هناك أيديولوجيا خوارزمية تشتغل في الخفاء.

في التطور الفائق للذكاء الاصطناعي تعاد صياغة الوعي، ويضيق أفق الأسئلة، وتخفت إمكانيات التأمل الحر،كلما طال مكوث الإنسان وغرق في نسيج الخوارزميات. حين يألف نمطًا واحدًا من التفكير والتلقي، يتبلد عقله النقدي، وتتراجع حاجته إلى الآخر المختلف، ويبدأ في الانغلاق على هويته الصلبة بوصفها كل العالم في نظره. عندئذ، تتقوض التربية بوصفها مشروعًا لتحرير الإنسان، وتفقد المعرفة قدرتها على الكشف، وتغدو مجرد تكرار لما تنتجه الآلة، لا لما تتطلبه حرية الفكر وطرق اكتشاف الحقيقة. بدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لتوسيع الأفق، تتحول إلى قيد جديد، ينقض ما تبقى من حرية الإنسان في التفكير والتعبير والاختيار.

الذكاء الاصطناعي قدر عصرنا، لا مهرب من التعايش معه، ولا سبيل لعزل الحياة عنه. المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في أثره المتزايد على حرية الإنسان واختياراته وإرادته. تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش سلطة الإنسان، فكلما تقدم الذكاء الاصطناعي خطوة، تقلص معها هامش الحرية، واتسع مجال تسلطه، وضاق مجال سلطة وقرار البشر، حتى يغدو الإنسان تدريجيًا كما لو أنه آلة تنفذ ما تمليه عليها خوارزميات خفية.

من أخطر الآثار السلبية لتطور الذكاء الاصطناعي تخدير الذهن وكسله وشعوره بالعجز حيال الأسئلة العويصة، حين يتكفل بالإجابة السريعة عن كل شيء، فيغري العقل بالاكتفاء، ويصرفه عن عناء التفكير العميق. عندئذ تخبو ملكة التأمل، ويضعف الشغف بالتعلم الذي يوقد طاقة الابداع وإنتاج المعرفة، ويوقظ الأسئلة الخاملة، ويحرك القلق الخلّاق في الوعي. في هذا الواقع يدمن العقل على الاتكاء على غيره، ويفقد ثقته تدريجيًا بقدرته على الإجابة عن الأسئلة الحائرة والبحث والتمحيص، مع أن نموه الحقيقي لا يتحقق إلا حين يعتمد على نفسه، ويخوض تجربة السؤال والجواب، ويتدرب على بناء المعرفة داخله، لا استهلاكه لها جاهزة.

في ظل هذا الواقع يتراجع الاجتهاد، وتضمحل الحاجة إلى امتحان العقل بالتفكير الصبور العميق، ويستبدل الوعي الإنساني بوعي مستعار يمليه الذكاء الاصطناعي. لا يقتصر أثره على المعرفة فقط، بل يمتد إلى تشكيل نمط وجود الإنسان وإعادة تعريفه لذاته وهويته، وتهديد بنية الثقافة، وتفكيك الذاكرة الجمعية. يتسلل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى عمق الذات، ويعيد ترتيب صلاتها بالعالم، على نحو يزعزع الأسس التي يتكون فيها المعنى، وتتجذر فيها المرجعيات الشخصية والاجتماعية.

في هذا العصر نواجه ضربًا جديدًا من التشييء، لا يفرضه عنف مباشر، بل يتسرب ببطء حتى تتآكل الحرية، وتذوب الذات في صيغ برمجية لا تتيح لها أن تكون حرة فاعلة مختلفة. الذكاء الاصطناعي يهدد بتحولات بنيوية للحياة الإنسانية، ما لم يضبط بمبادئ قيمية وضمائر أخلاقية يقظة، ويحصن بضوابط قانونية صارمة بتطبيقها، تراعي كرامة الإنسان، وتحمي حرياته من الذوبان في نسيج الخوارزميات. لا يمكن الوثوق بما يعد به التطور الفائق للذكاء الاصطناعي من تسهيلات، إن لم تخضع لرقابة الأخلاق، ومساءلة القيم، واستحضار الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

أخطر ما يهدد مصير الإنسان وحضارته أن ينفلت الذكاء الاصطناعي من قبضته، ويدير ذاته بمعزل عن إرادة الإنسان، فتغدو كيانًا مستقلًا لا يسهم الإنسان في توجيه مساره، ولا يملك زمام قراراته. ذلك ما تلوح بوادره في تنبؤات بعض خبراء الخوارزميات، وما يتكشف في الأفق من سيناريوهات تنذر بانقلاب العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حتى يغدو الإنسان ملحقًا به، لا صانعًا له. حين تقصى القيم الإنسانية من هندسة هذا الذكاء، وتختزل الغايات في الكفاءة والربح المادي فقط، يتحول التطور الفائق للذكاء الاصطناعي إلى تهديد وجودي، ويغدو ما ينتج باسم التقدم سببًا في غربة الإنسان عن كينونته الوجودية، وضمور جوهره الأخلاقي والروحي والعاطفي، وتشويه ذائقته الفنية، وإضعاف حسه الجمالي، وتجفيف منابع وعيه وعقله النقدي.

الإنسان ليس أداة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وظيفة في نظام آلي، يجرده من إرادته، ويصادر حريته في أن يكون ذاته. مستقبل الإنسانية مرهون بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي على أساس إنساني عميق، يستعيد فيه الإنسان مركزيته، ويعيد توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون خادمًا لحاجاته، لا سيدًا لمصيره. التقدم الحقيقي لا يقاس بما تتيحه الآلة من قدرات، بل بما تحتفظ به الروح من إمكان للسمو، وبما تصان به كرامة الإنسان من الضياع في مدارات الوظائف والسرعة والعائد المادي. الذكاء الاصطناعي الفائق الذي لا يحرسه القانون العادل، ولا توجهه الأخلاق، يتحول إلى قوة عمياء، تهدم ما يبدو أنه يبنيه، وتفرغ الحياة من معناها، وتقصي الإنسان عن موقعه بوصفه سيدًا للأرض.

https://alsabaah.iq/128253-.html

 

مَنْ يمتلك وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلك السلطة

د. عبد الجبار الرفاعي

كلّما ابتعد الدينُ عن لحظة التأسيس لم يعد الواقعُ كافيًا لإشباع مخيِّلة الأتباع؛ لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحًا، لا لغز فيه، ولا يبوحُ بسرّ. الإنسانُ الديني مولعٌ بالمقدّس، ينجذب لما ينطوي عليه من حيرة وغموض وإبهام وسحر وأسرار، وينتهي ذلك إلى تضخّمِ المقدّس في المتخيَّل، وقوةِ حضوره في الحياة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل تتشكل فيه الأديان على شاكلته. في المتخيَّلِ الديني يتشكّل المكانُ والزمان المقدّسان، وتتشكل صورةُ الشخصيات المقدّسة على وفق ما يختزنه المخيال، المكان والزمان المقدّسان يتوالدان ويتسعان ويتضخمان في المتخيَّل، وهما غير المكان المادي والزمان الفيزيائي، الخاضعين لكلِّ مشروطياتِ التاريخ الأرضية، وعواملِ إنتاجه وتوالده وصيرورته.

المتخيَّل موطنُ صناعة المعنى الديني، تتسع آفاقُ هذا المعنى ويتمدّد ويشتدّ، بنحوٍ يتجاوز آفاقَ وحدودَ ولادة الدين الأولى بكثير، وبالتدريج تطغى الصورةُ اللاحقة للدين الذي تشكّل في المتخيَّل وتتقلص صورتُه الأولى. قوةُ الفرد والجماعة بقوةِ الحضورِ في الواقع، والتطلعِ للمستقبل بوعيٍ علمي ورؤيةٍ مُلهِمة، وبقدرةِ المتخّيل على توليد المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في الحياة. المتخّيلُ المقيمُ في الماضي يأسرُ الإنسانَ بتشديده على مغادرة الواقع واتخاذ الماضي موطنًا. المتخّيلُ الذي ينسى الحاضرَ يجعل الإنسانَ يعيش حالةَ غفلة عن واقعه ويصادر عليه مستقبلَه.

مَنْ يمتلكُ وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلكُ السلطةَ سواء أكانت روحية أو زمنية، ويمتلكُ التحكّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم ومصائرهم في مجتمعاتنا. المتخيَّلُ الديني يُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية، ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها، ويُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها. في المتخيَّل يتوالد المقدّس ويتمدد، وينعكس مباشرة على حياة الإنسان ومواقفه وسلوكه وطريقة عيشه. المتخيَّلُ مؤثر بفاعلية قوية في بناء ثقافة الأفراد والمجتمعات، وتجذّرِ البُنى اللاشعورية في الوعي الفردي والجمعي، وتوجيه بوصلة مصائر المجتمعات وأقدارها التاريخية. للمتخيَّل الديني سلطةٌ واسعة على العقل في مجتمعاتنا. المتخيَّلُ الديني فضاء بلا أسوار، لا يصنع له الأسوارَ إلا العقلُ، فإذا نام العقلُ ينشط هذا المتخيَّلُ بفاعلياته القصوى، ويظل يضيف ويراكم ويكرّس ويجذّر المقدّسَ باستمرار، وربما ينتهي تغوّلُ سلطته إلى تغييب العقل وتعطيله نهائيًا. وحدَه العقل يستطيع معاندةَ المتخيَّل وعصيانه والتغلب على سلطته، لا يستردّ سلطةَ العقل إلا التفكيرُ النقدي الذي يعيد المتخيَّلَ إلى مجاله ويضعه في حدوده، ويعمل على توظيفه بشكلٍ فاعل في إنتاج العلوم والمعارف والثقافة والفنون والآداب والبناء والتنمية والتطلع للغد. إلا أن تمادي العقل بسطوته وطغيانه يمكن أن يُهمِّشَ المتخيَّل، وربما ينتهي إلى إسكات صوته، ويصادر على الإنسان منبعَ إلهام أساسي لآدابه وفنونه وثقافته ومعارفه وعلومه،كما حاولت ذلك تياراتُ العقلانية الصارمة والاتجاهاتُ العلموية والمادية في القرن التاسع عشر وما قبله.

تنشط المخيِّلةُ وتتضخم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرتْ معالمُه الأثرية، واختفى مكانُه وزمانُه وصورُه عن الأنظار. تعيد المخيِّلةُ ابتكارَ الصور في فضائها، وهو فضاءٌ رحب يتعاظم باستمرار، فتولِّد المخيِّلةُ الأحلامَ والأماني والرغباتِ المختلفة وحتى الأوهام، وما يصدر عن نرجسيات الهوية المتجذّرة في البُنى اللاشعورية، وما تختزنه من أوهام تفوّق هذه الهويةَ واصطفائها وقدراتها الاستثنائية الفذّة، وإن كانت تعيش واقعًا بائسًا يضجّ بالأمية والفقر والمرض، غير أنها تلجأ للذاكرة العتيقة والأمجاد الامبراطورية لأسلافها. تكرّر هذه الهوية بلا جدوى، لسنواتٍ طويلة تجنيدَ الإنسان، وما يمكن توظيفُه من طاقات في المجتمع، لإيقاد رمادِ نرجسية امبراطورية مندثرة، من دون أن تكترثَ هذه الهويةُ بهزائمها، ولا تقف عندها وتدرس أسبابَها وتكتشف ثغراتها، ولا تسعى أن تجرّب طريقةً بديلة في توكيد حضورها في الواقع وصناعة حاضرها ومستقبلها.

التمثلاتُ البشرية للأديان لا تقتصر على التعاطي مع الشخصيات الدينية في إطارها التاريخي، بل تحاول أن تتخطى ذلك لتخرجَها من عالمِها الأرضي وخصائصِها البشرية،كما يفعل أكثرُ مريدي المتصوفة وغيرُهم، الذين يغالون بشيوخهم فيخرجونهم من الزمان التاريخي الأرضي إلى زمانٍ مقدّس لاتاريخي. جلال الدين الرومي وأمثاله من الشخصيات الروحية عاشوا في الواقع كما يعيش غيرُهم من البشر في زمانهم، كانت لديهم احتياجاتُ كلِّ إنسان طبيعي.كانوا يأكلون ويشربون، ويفرحون ويحزنون، ويغضبون، ويضحكون ويبكون، ويصابون بالأمراض ويموتون. جلال الدين في متخيَّل المولوية والمتصوفة كائنٌ أسطوري، كلُّ كلماته لا نقاشَ فيها، تاريخُه يعلو على تاريخ الإنسان، آثارُه لا تصحّ إعادةُ غربلتها وتمحيصها، الحكايات المنحولة حول حياته الشخصية ومواقفه وسلوكه ينبغي التسليمُ بها وقبولُها كما هي، ولو كان المنطقُ العلمي يرفضها، ولا تقبلها بداهات العقل السليم. وهذه ظاهرةٌ موجودة في الأديان والمعتقدات المختلفة،كلُّ دين ينتج ذلك على شاكلة مجتمعه، وطريقة عيش ذلك المجتمع، وثقافته، ورؤيته للعالم.

الأنبياء والأولياء والصحابة والتابعون الذين عاشوا في الارض كانوا يمارسون حياتَهم واحتياجاتهم كما يفعل كلُّ إنسان. لا يكتفي بعضُ الناس بهذه الصورة للنبي “ص” بوصفه إنسانا يعيش مثل بقية البشر، يمتاز على غيره بالاتصال بالله عبر الوحي. هؤلاء تنتج أذهانُهم صورًا غير بشرية للنبي، فهو في نظرهم لا يأكل ولا يشرب، ولا يمشي في الأسواق، ولا يعيش مثل الناس، وغير ذلك. هذه الصورة تتضخم بمرور التاريخ، حتى يتم تجريد النبي بوصفه بشرًا من طبيعته، فيرونه ينتمي إلى ملكوت السماء، مقطوع الصلة تمامًا بالأرض، لا يشبه البشرَ في شيء، ولا يخضع للزمان والمكان والبيئة والتاريخ والثقافة، يتحول إلى كائنٍ مجرد لا يشبه الإنسانَ الأرضي، ولا يشبه ذلك النبيُّ الإنسانَ الذي كان بشرًا عاش في عصره مثل غيره. هذه أحدُ فاعليات المتخيَّل الديني في الأديان السماوية والأرضية المتنوعة.

في الدين غطاءٌ ميثولوجي، لكن حين يستهلك الغطاءُ المضمونَ، تخسر الأديانُ غاياتِها الروحية والأخلاقية والجمالية وتتبدّد أهدافُها القيمية والإنسانية. عبورُ أيِّ شخصيةٍ دينية من الواقعي إلى الميثولوجي، بل انقلابِها من كونِها حقيقةً إلى خيالٍ محض، لا حضورَ له في الواقع الذي عاشت فيه. وقتئذٍ تصير هذه الشخصيةُ مُنوِّمة بعد أن كان مُلهِمةً، مُخدِّرةً بعد أن كان مُوقِظة. وتنقلب أهداف الأديان بعد هربها إلى عالمٍ غير عالمها، عالم تخسر فيه رسالتَها.

 

https://alsabaah.iq/91720-.html

الكتابة بوصفها سلطة

   د. عبدالجبار الرفاعي

ظهر التدوين مبكراً، وابتكر الانسانُ طرائقَ متنوعة لتدوين كتاباته، مذ كان يرسم صورةَ أفكاره ومعتقداته وأحلامه وأساطيره على جدران الكهوف، ثم انتقل للكتابة على الحجر، وألواح الطين، والبردي، والعظام، والجلود، إلى أن اخترعَ الورق في الصين، واخترع غوتنبرغ المطبعة الحديثة. ظلت الكتابةُ على الدوام أثرى مستودعٍ أودع فيه الانسانُ منجزاتِه وإبداعاته، وأوسعَ خزّان يستوعب أحلامَ الإنسان وأفكارَه وأساطيره ومتخيَّله، وسجلًا يحتفظ بأوجاعه، ومدونةً لأرشفة مواقفه.

جرى توظيفُ الكتابة في مختلف العصور بوصفها سلطةً تمنح مشروعيةً باسم السماء للحاكم، يستعملها في ترويض المحكومين على الطاعة وقهرهم وإخضاعهم. في حضارة وادي الرافدين ما هو مكتشف أكثر من مليون لوح ورقيم كتابي قبل أكثر من نصف قرن[1]، غير أن ما له قيمة نوعية، وما استطاع أن يخترقَ العصور التاريخية، نصوصٌ نادرة من ذلك الموروث الهائل. ملحمةُ جلجامش، شريعةُ أور نمو، شريعةُ حمورابي، الرياضياتُ البابلية، وشيءٌ من المدونات القليلة جدًا، هي الخالدة، وهذا هو الحال في ميراث حضارات أخرى متأخرة عنها.كانت الشرائعُ في حضارات بلاد الرافدين تستمدّ مشروعيتَها ومصدرَ الإلزام فيها من تدوينها باسم الآلهة، ففي مسلة حمورابي المدونة نحو 1772 ق.م، يظهر الملكُ حمورابي وهو يقف أمام إله الشمس “إله العدالة”، يتلقى منه القوانين. وسبقت حمورابي شرائعُ سومرية كثيرة، فقد ” كانت أقدم مدونة قانونية في التاريخ شريعة أوروكاجينا في القرن 24 ق.م. والثانية من حيث العراقة شريعة أورنمو (2047-2030 ق.م) [أو 2112-2095 ق.م] الذي أسس – في سومر- سلالة أور الثالثة، وربما يكون ابن أورنمو وخليفته شولكي (2029-1982 ق.م) [أو 2094-2047 ق.م] هو الذي أصدر القانون المنسوب إلى أبيه، فإن كان الأمر كذلك فالمرجح أنه أصدر القانون اعتمادًا على قانون أبيه أو امتثالًا لنصائحه”[2]. لم أقرأ عن شريعة قديمة، في حضارات سومر وبابل وآشور، لا تستمدّ شرعيتَها من الآلهة المعروفة في تلك الحضارات. ذلك أحد أهم أسباب الاهتمام بتلك الشرائع والحرص على كتابتها بعناية فائقة، وتعدد نسخها وتوارثها عبر الأجيال.

يعود صمودُ هذه المدونات القانونية وغيرها من النصوص الأدبية مثل ملحمة جلجامش، أمام عوامل التعرية التاريخية، مضافًا إلى ما سبق، إلى قيمتها الفنية الإبداعية، ومضمونها الوظيفي، ورصيدها الاجتماعي، ووظيفتها الأساسية بوصفها سلطة، وكونها أداةً لتمكين السلطات السياسية والعسكرية والدينية من الحكم. السلطة تكتب مدونتَها على وفق طريقتها في التسلط، وما ترسمه من حدود للهيمنة على حياة ومصائر المحكومين، ومن خلال هذه المدونة تستمدّ شرعيتَها وانصياع الشعب لها، وتنتسب هذه الشرعيةُ في الحكومات الثيوقراطية عبر التاريخ دائمًا إلى السماء. فئةُ الكتّاب تكتسب مكانةً إضافية بعملها في الكتابة تتفوق بها على غيرها من فئات المجتمع. صارت الكتابة ُكمؤسسة تتجاوز كونَها حرفةً فنية إلى إضفاء قوة وهالة على الكاتب، وسلطةً تمنحها له ممارسةُ هذه الحرفة. يرى الأنثروبولوجي الشهير كلود ليفي شتراوس في رحلته مع قبائل النامبيكوارا، بأن الكتابة “ظهرت، لكن ليس كما قد يتبادر الى الذهن، نتيجة لتعلمٍ جاد، فقد تمت استعارة رمزها، بينما ظلت حقيقتها غريبة، لغاية اجتماعية أكثر منها فكرية. لم يكن المقصود هو المعرفة والحفظ والفهم، بل زيادة الهيبة والسلطة، لفردٍ، أو وظيفة على حساب الغير”[3]، ويضيف أيضاً: “وبهذا اكتشف أحد أهالي العصر الحجري، أن وسيلة الفهم العظمى، حتى إذا لم تُفهم، يمكن لها أن تستخدم لغايات اخرى. وعلى كل فطوال آلاف السنين، وحتى الآن[4] في جزء كبير من العالم، وجِدتْ الكتابة كمؤسسة في مجتمعات لا يستطيع أفرادها في أغلبيتهم ممارستها”[5].

شهدت الكتابةُ منعطفات تحولت فيها من حالة إلى أخرى، كان تحولُ الكتابة الأول بالانتقال من الصورة إلى الحرف. بعد اكتشافه انتشر الحرفُ جغرافيًا وامتدّ زمانيًا، ولبث الحرفُ المسماري، الذي ظهر نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، أكثر من ثلاثة آلاف سنة أداةً للكتابة في حضارات بلاد الرافدين، وإيران، والشام. وفي حقبة تالية كُتبت اللغةُ المصرية القديمة بالخطوط: الهيروغليفية، والهيراطيقية، والديموطيقية، والقبطية. واستخدمت الأبجديةُ الفينيقية (الكنعانية) الحرفَ الفينيقي منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى القرن الخامس قبل الميلاد. التحول الثاني في مسار الكتابة تمثّل في اختراع الصينيين للورق في القرن الميلادي الأول، انتشر الورق لاحقًا وكثرت مصانُعه في مختلف أنحاء العالم. الورقُ أحدث منعطفًا كبيرًا في سهولة الكتابة وتيسيرها، واتساع استعمالها خارج إطار النخبة المختصة بذلك. التحول الثالث تمثل في اختراع الألماني يوهان غوتنبرغ أول مطبعة حديثة بحروف متحركة، بدأ بتصنيعها سنة 1448 وأكملها سنة 1450. أحدثَ اختراعُ المطبعة منعطفًا كبيرًا، يسّر انتشارَ الكتاب وسهولة الحصول عليه في مختلف أنحاء العالم. جاء اختراعُ الإنترنت أخيرًا وحضورُه في كلّ شيء في حياة الإنسان بوصفه التحولَ الرابع الأسرع والأشد ايقاعًا والأعمق للكتابة، إنه تحول كمي وكيفي استثنائي مهول، أحدث انقلابًا في وظيفة الكتابة، وأساليبها، ومضمونها، وكيفية تلقيها، وعبورها للاختصاص والانحصار بفئة الكتّاب، وهيمنتها واتساع استعمالها كسلطة.كلُّ إنسان بوسعه أن يصبح كاتبًا اليوم، ينشر ما يكتب مهما كانت لغتُه وبيانُه ومضمونُ كلماته. في كلِّ العصور جرى استعمال الكتابة بوصفها سلطة، في عصر الإنترنت تجاوزت سلطةُ الكتابة حدودَها المعروفة، وأمست متاحةً للجميع، يستعملها مَن يشاء كما يشاء.

شلال الكتابة الهادر في الإنترنت، لا يترك للإنسان فرصةً للتفكير والتأمل، والتريث في تمييز وفرز ما تتوفر فيه شروطُ الكتابة الحقيقية، وما هو هذر رث يأكل عمرَ الإنسان ويستنزف طاقاتِه لو انشغل بمتابعته والنظر فيه. عندما أعود للنشر في صفحات تطبيقات وسائل التواصل أشعر بقرف واشمئزاز من هجوم كتاباتٍ لا ينطبق عليها أيُّ مصداقٍ للكتابة، تنشغل بملاحقة الناس وانتهاك خصوصياتهم، وكيل التهم لهم، واستهدافهم بالأكاذيب.كلّما أردت الفرارَ منها وانتقاءَ النصوص النافعة أراها تلاحقني حيثما أنظر، لا أكاد أعثر على ما أبحث عنه إلا بتضييع وقتٍ كثير أنا بأمسّ الحاجة إليه.

[1] مالم يُكتشف في المواقع الأثرية غير المنقبة أضعاف ذلك بكثير كما يخبرنا الآثاريون، إذ يشير هؤلاء الخبراء إلى وجود أكثر من 12 ألف موقع أثري، أكثرها مازالت خارج عمليات التنقيب، ولم تستكمل تلك العمليات في المواقع المشهورة منها.

[2] Joshua J. Mark، عشر حقائق مهمة عن العراق القديم، ترجمة: الحسين الطاهر، مقالة منشورة على الانترنت.

[3] مداريات حزينة، كلود ليفي شتراوس، ترجمة: محمد صبح، تقديم: د. فيصل دراج، دار كنعان – دمشق، ط1: 2003/2000.

[4] – من الجدير بالذكر أن كتاب ليفي شتراوس: مدارات حزينة، ظهر عام 1955، وهو يتحدث عن رحلاته ما بين عام 1934-1939

[5] – مداريات حزينة، كلود ليفي شتراوس، ترجمة: محمد صبح، تقديم: د. فيصل دراج، دار كنعان – دمشق، ط1: 2003/2000.

 

https://alsabaah.iq/79400-.html