الصمت فعل مقاومة للثرثرة والابتذال

د. عبد الجبار الرفاعي

الصمت الحكيم قوة تحرر الإنسان من استعباد الانفعالات، تكمن قوة الصمت في أنه يهب الإنسان إرادة متماسكة تنمو بمرور الوقت، وتجعله قادرًا على الحضور العميق في ذاته، والامتناع عن تبديد طاقته في الانغماس في ضجيج الناس وأحاديثهم العابرة، التي لا تُفضي إلا إلى الضياع. الصمت الحكيم رحلة داخل الذات، يتوغل فيها الإنسان ليكتشف طبقاتها الباطنية، ويستنطق أعماقه التي لا تُرى في زحمة الكلام. بهذا الصمت يهدأ القلق الوجودي، ويتخلص من الخواء الروحي، ويتراجع شعوره باللامعنى. من يختار الصمت ينشغل بنفسه، ومن يفرط في الكلام ينشغل بغيره. من عرف نفسه كفّ أذاه عن الآخرين، لأن من يسكن ذاته لا يجد حاجة إلى إيذاء أحد.

حين تزداد الثرثرة في مجتمع ما، تتصاعد معدلات العنف فيه، سواء أكان رمزيًا أو لفظيًا أو جسديًا، ويتراجع فيه العمل والإنتاج والإبداع والابتكار. المجتمعات التي تعرف فضيلة الصمت تنعم بالسلام الداخلي والأمن العائلي والمجتمعي، لأنها تمنح الكلام معنى حين يأتي بعد إنصات عميق. هكذا نجد الإنسان الياباني وأمثاله من الآسيويين، حيث يُعد الصمت قيمة متجذرة في ثقافتها وفضائها الميتافيزيقي. الإنسان في هذه البلدان يحضر من خلال العمل والإنجاز وليس الكلام، فتسود حياته روح الطمأنينة والسلام، ويتحول الصمت في حياته إلى حكمة عيش ونمط وجود.

ما يتعلمه الإنسان من الصمت الحكيم أعمق وأبقى مما يتعلمه من الكلام، لأن الصمت ليس امتناعًا عن النطق، بل هو إصغاء لنداء باطني، ووعي بالذات، واستحضار للوجود في أصفى حالاته. الصمت مرآةٌ تنعكس فيها سكينة النفس، ويغدو وسيلةً لتزكية الروح وانكشاف البصيرة. لذلك لجأ إليه العرفاء والمتصوفة في أديان الشرق، خاصة في الهند والفضاء الآسيوي، بوصفه طريقًا لتسامي الذات وعبورًا من ضوضاء الخارج إلى صفاء الداخل، ومن تشتت العالم إلى توحّد الكينونة. في مدارسهم الروحية يتدرّب الإنسان على الصمت في رياضة يومية تُهذّب الحواس، وتفتح القلب على أنواره الباطنة. الإنسان كائن تحيط به الأسرار وتتكثف في أعماقه المعاني التي لا تُقال، من يختار الصمت يشي لمن حوله بأنه يحمل سرًا، فيصنع حوله هالةً من الوقار، ويجذب الناس إليه من غير سعي أو تكلّف. النفوس تميل بطبيعتها إلى من يُشعرها بالعمق والغموض أكثر من الذين يغرقونها في ضجيج الكلام. قوة الشخصية لا تقاس بما يُقال، بل بما يُكتم، لأن ما يُخفى أحيانًا أبلغ مما يُفصح عنه، ولأن الهيبة تنبع من حضور داخلي يفيض سكونًا لا ضوضاء، وعمقًا لا ادعاء. الصمت الحكيم في جوهره لغة الأرواح التي تتخاطب بغير ألفاظ، وتفهم الوجود بلا وسائط، وتتعلم أن ما يُنصت إليه القلب أصدق مما تنطقه الشفاه.

الصمت الحكيم ليس مجرد امتناع عن الكلام، بل هو ممارسة وجودية تتيح للوعي أن يتحرر من ضجيج العالم الخارجي، ويستعيد قدرته على الإنصات إلى نبض الحياة في أدق تجلياتها. إنه ليس عزلة، بل انفتاح على ما وراء الظاهر، على ما لا يُقال وما لا يُلتقط بالحواس المألوفة، حيث تتلاشى الحدود بين الذات والعالم، ويصبح الإنسان مرآةً تعكس حركة الكون دون تشويش. حين يصمت الإنسان بوعي، يبدأ في تذوق جماليات الوجود، ويتحسس نقاء الأشياء قبل أن تفسدها يد الإنسان، وينقذ نفسه من ضوضاء الثرثرة اليومية التي تهدر الزمن وتفرغ المعنى. في تقاليد التأمل الآسيوي، يُنظر إلى الصمت بوصفه بوابة إلى الإدراك الصافي، حيث يصبح الحضور أعمق من أي تعبير لفظي، ويغدو الزمن نسيجًا حيًّا من الإمكانات. في التدريب على الصمت، يتعلم الإنسان أن ينصت إلى أي نغم كما ينصت إلى ذاته، وأن يدرك أن الطبيعة ليست خارجَه، بل امتداد لوعيه، وأن كل صوت في الكون جزء من سيمفونيته الداخلية. عندما يسكن الجسد ويهدأ الفكر، يتكلم الوجود بلغةٍ لا تحتاج إلى ألفاظ. عندها يتذوق الإنسان الشعر في صمت القصيدة، والموسيقى في خفقة الهواء، واللوحة في ظلّ الغيم.كل إبداع أصيل يولد من رحم هذا الصمت، لأن الفكر لا يبدع إلا حين يخرج من أسر الضجيج.

الصمت فعل مقاومة حيال الثرثرة والهذيان والابتذال، وموقف وجودي يرفض الانجرار إلى لغو لا يحمل قيمة، ويختار التأمل والإنصات بدلًا من الردود الانفعالية. في مختبرات العلم كما في مشاغل الفن، يولد الإبداع من لحظات صمتٍ مشبعة بالترقب، حيث تستفيق القدرات الذهنية والعاطفية بكامل طاقاتها الخلّاقة، لترى ما لا يُرى وتكتشف ما كان محجوبًا عن الإدراك. اللوحات الخالدة للفنانين، والقصائد العظيمة للشعراء، والاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى، كلها ثمرة صمتٍ عميق يعيد تشكيل صلة الإنسان والعالم. الصمت الحكيم ضرورة روحية، وشرط معرفي وجمالي، وممارسة تعيد للإنسان قدرته على أن يكون أكثر من مجرد صدى لضجيج الأصوات.كلما ازداد الإنسان قدرة على تهذيب انفعالاته، اقترب من إيقاظ الصمت في داخله، ذلك الصمت الذي لا ينبع من ضعف أو خنوع، بل من قوة داخلية تروض الغضب وتعيد تشكيله في قوالب لا تؤذي الذات ولا تجرح الآخرين.

الانفعالات، كما أن إعلانها قد يكون خطيرًا، فإن كبتها دون تفريغ قد يكون أخطر، لما يورثه من عقد نفسية تترك جروحًا عميقة يصعب الشفاء منها. التحكم بالانفعالات ليس قمعًا، بل فنٌ في تصريف الطاقة النفسية بذكاء، عبر منافذ لا تترك آثارًا مدمرة. فكما أن إعلان الانفعال قد يكون خطيرًا، فإن كتمانه دون تفريغ قد يورث النفس عقدًا يصعب تفكيكها. من هنا، تصبح الكتابة وسيلة علاجية، يسكب فيها الإنسان حرائقه على الورق، بعيدًا عن لهيب المعركة، لينزف جروحه في مساحة آمنة لا تحرقه ولا تحرق من حوله. وقد يجد البعض في الرياضة متنفسًا لتصريف التوتر، أو في الأعمال البدنية متنفسًا لتفريغ الغضب، أو في القراءة عزاءً يعيد التوازن، أو في لقاء صديق حميم نافذةً للبوح والتخفف. إن ترويض الانفعال لا يعني نفيه، بل احتواؤه، وتوجيهه نحو مساحات تسمح له أن يُقال دون أن يُؤذي، أن يُعاش دون أن يُفسد، وأن يتحول من طاقة مهددة إلى طاقة خلاقة. الصمت الحكيم لا يُولد من فراغ، بل من ممارسة يومية لفهم الذات، وتدريب مستمر على تحويل الانفعال إلى إدراك، والغضب إلى بصيرة، والوجع إلى حكمة. في هذا الصمت، يكمن جوهر الإنسان حين يختار أن يكون سيدًا على نفسه، لا عبدًا لانفعالاته.

ما يتعلّمه الإنسان من الصمت الحكيم في أغلب المواقف لا يتعلّمه من الكلام، لأن الصمت ليس مجرد امتناع عن النطق، بل هو ممارسة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. الصمت سيادة على الذات لا عبودية لانفعالاتها، وهو انعكاس لحالة من الاتزان الداخلي، حيث تتراجع الحاجة إلى التبرير والتفسير، ويحل محلها حضورٌ عميقٌ يفيض بالمعنى دون أن ينطق به. يتخذ الصمت كثير من العرفاء في الأديان، خاصة في التقاليد الهندية والآسيوية، طريقًا لتسامي الذات والارتقاء إلى طور وجودي أكمل، حيث يُدرّب الإنسان نفسه على الإنصات لما هو أعمق من الصوت، وعلى استقبال الإشارات التي لا تُلتقط بالحواس المعتادة. ارتياض العرفاء في تلك الأديان يشدّد على الصمت وفق برنامج يومي صارم، لا بوصفه عزلة، بل بوصفه انفتاحًا على الداخل، وتحررًا من سطوة الخارج.

الصمت الحكيم يوقظ في الإنسان إمكانية تذوق جماليات الطبيعة، ويجعله يتحسس نقاء الأشياء قبل أن ينهكها التلوث وعبث الإنسان وتخريبه، وينقذه من ضوضاء ثرثرات أكثر البشر، وانشغالهم اليومي بالكلام لأجل الكلام، وإهدارهم القيمة الثمينة للزمن. من ثمرات الصمت ضبط ميزان الزمن، والاقتصاد في إنفاقه بتدبير، وتنمية قدرات الإنسان على إدارة أعماله بواقعية، والتحكم بالأولويات، وتقديم ما هو أهم على المهم، والعناية بما تفرضه احتياجاته الضرورية، واكتشاف ما يمنح حياته المعنى الذي يعزز سلامه الداخلي، ويخفض إيقاع قلقه وشعوره بالاغتراب. في التجارب الروحية الآسيوية، يُعد الصمت مدرسة عليا لتربية الوعي وتحرير الفكر من هيمنة الضجيج.

 

 

 

إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام

د. عبد الجبار الرفاعي

تكمن قوةُ الصمت الحكيم في أنه يمنح الإنسانَ إرادةً تتصلب بمرور الوقت، وتجعله قادرًا بسهولةٍ على الحضورِ المكثَّف في ذاته، والكفِّ عن إهدار طاقته في الانغمار في لُّجة الناس وأحاديثهم المملّة، ولجوئهم للتكلم باستمرارٍ عن كلِّ شيء. الصمت الحكيم يسافر بالإنسان داخل الذات، ويتوغل فيها ليكتشف طبقاتِها العميقة، ويسبر أغوارَها. هذا الصمت يخفض القلقَ الوجودي، والخواءَ الروحي، والشعورَ باللامعنى. الصامتُ مشغولٌ بنفسه، مَن يتكلم كثيرًا مشغولٌ بغيره، مَن ينشغل بنفسه يكفُّ أذاه عن غيره، ونادرًا ما يلجأ للعنف في حلّ نزاعاته وإدارة مشكلاته. كلما ازدادت ثرثرةُ المجتمعات اشتدّت وتيرةُ العنف الرمزي واللفظي والجسدي فيها، وانخفض لديها الإنجازُ الفردي والناتج القومي.

ما يتعلّمه الإنسانُ من الصمت الحكيم في أغلب المواقف لا يتعلّمه من الكلام. الصمت يعكس حالةَ هدوء الذات وسكينتها، يتخذه كثيرٌ من العرفاء في الأديان، خاصة الهندية والآسيوية، ‏طريقةً لتسامي الذات، والارتقاءِ إلى طورٍ وجودي أكمل. ارتياض العرفاء في تلك الأديان يشدّد على الصمت على وفق برنامجٍ يتكرّر يوميًا. الإنسان كائنٌ مسكون بالأسرار، الصامت يوحي لمن حوله أنه إنسانٌ يختزن الأسرار، فيصنع له هالةً تجذب إليه بقوةٍ مَن يتعامل معه، ويستطيع أن يؤثر فيه أقوى ممن يثرثرون معه باستمرار. قوة الشخصية وسحرُ تأثيرها لا تظهر دائمًا بما تبوح به، بل كثيرًا ما تتجلى بما تختزنه ولا تبوح به.

الصمت الحكيم يوقظ في الإنسان إمكانيةَ تذوق جماليات الطبيعة، ويجعله يتحسّس نقاءَ الأشياء قبل أن ينهكها التلوث، وعبثُ الانسان وتخريبُه، وينقذه من ضوضاءِ ثرثرات أكثر البشر، وانشغالهِم اليومي بالكلام لأجل الكلام، وإهدارِهم القيمةَ الثمينة للزمن. من ثمرات الصمت ضبطُ ميزانة الزمن، والاقتصادُ في إنفاقه بتدبير، وتنميةُ قدرات الإنسان على إدارة أعماله بواقعية، والتحكمُ بالأولويات، وتقديمُ ما هو أهمّ على المهم، والعنايةُ بما تفرضه احتياجاتُه الضرورية، واكتشافُ ما يمنح حياتَه المعنى الذي يعزّز سلامَه الداخلي، ويخفضُ إيقاع قلقه وشعوره بالاغتراب.

يهرب أكثرُ كبار السن من المتقاعدين وغيرهم من المدن الكبيرة الصاخبة ويلجؤون للأرياف، من أجل الانغمارِ في سكينةِ الصمت، وبهجةِ قراءة الطبيعة وتأملِ ألوانها المرسومة على شكل لوحات خلّابة، والإنصاتِ للغة الأرض وحديثها عن عطائها وسخائها اللامحدود، وفهمِ مناشدة الأرض بضرورة رعايتها، والحدِّ من الجور عليها، واستنزافها وتخريب توازنها الحيوي وفسيفسائها المدهشة. تدعو الأرضُ الإنسانَ للإنصات لما تلهمه أشجارُها ونباتاتُها وأزهاُرها وطيورها وكائناتها المتنوعة في البرّ والبحر، من معانٍ تحرّر الذاتَ من وحشتها في الوجود. مَن يريد أن يواصل تعلّمَه إلى آخر يومٍ من حياته عليه أن ينصت لصوت الأرض.كلُّ شيء يلتقيه الإنسانُ في حياته يمكنه التعلّم منه، إن أصغى بهدوءٍ للغة الخاصة الناطق بها. كلُّ شيء يتأمله الإنسانُ يتحدث إليه بلغةٍ خارج اللغات المتداولة، بلغةٍ لو أنصت إليها بتأملٍ عميق يستطيع تلقي إشاراتها الملهِمة.

يتجلى الصمتُ الحكيم كأجمل ما يتجلى في الإبداع الفني والأدبي والعلمي. اللوحات الخالدة للفنانين هي تعبيرٌ عن صمتٍ وتأملٍ عميق، وهكذا ما يبدعه الشعراءُ الكبار من كلماتٍ كأنها صورٌ مرسومة بريشة فنانٍ عظيم. الاختراعات والاكتشافات العلمية ثمرةُ صمتٍ تستفيق فيه القدراتُ الذهنية والإدراكية بكامل طاقاتها الخلّاقة، لترى ما لا يُرى من قوانين محجوبة عن البشر.

‏الصمت الحكيم استراحةُ الذهن من الانشغال بالخارج، وعودةُ الإنسان لسبرِ أغوار الذات، وإيقاظِ منابع الإلهام والفاعلية فيها. يتطلب الصمتُ ارادةً لا تُقهر، إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام.‏ الصمت الحكيم يعكس قدرةَ الإنسان على التحكم بانفعالاته. ‏مَن يكسب الموقف، بل الذي ينتصر حتى في المعارك الكبرى، هو الأكثرُ قدرةً على التحكمِ بانفعالاته، وتحكيمِ قدراته العقلية، ووعيه بالحدودِ الحرجة للحظةِ الحرب ولحظةِ السلام، وما يتطلبه الواقعُ الذي يعيش فيه، وبراعتَه في حسابات الأرباح والخسائر، ومهارَته في إدارة التسويات، عندما لا يكون قادرًا على الانتصار وكسب المعركة على الأرض والفضاء، لئلا يخسر كلَّ شيء.

كلّما كان الإنسانُ أقوى في التحكم بانفعالاته كان أكثرَ قدرةً على التحكمِ بكلامه، وإيقاظِ الصمت الحكيم. التحكم بالانفعالات يحتاج إلى ترويضٍ متواصل للشخصية، وذكاءٍ في تفريغ الانفعالات المكبوتة فيما لا يؤذيه ويؤذي غيرَه. الانفعالات كما يكون إعلانُها خطيرا، يكون كبتُها أخطرَ من البوح بها، لما يورثه الكبتُ من عقدٍ نفسية. الوسيلة الأسهل هو أن يكتب المنفعلُ كلَّ شيء، ويسكب حرائقَه على الورق، وينزف جروحَه بعيدًا عن لهيب المعركة، لئلا يحترق فيها ويحرق غيرَه. الرياضة لدى بعض الأشخاص مكبٌّ لتفريغ التوتر وتصريف الغضب، وقد يفرغ بعضُهم شيئًا من مكبوتاته في الأعمال البدنية، أو القراءة، أو الرسم، أو لقاء صديقٍ حميم يبوح له بمواجعه.

طالما جرى استعمالُ الصمت بوصفه عقابًا، لحظةَ يضرب أحدُ الأشخاص عن الكلام داخل العائلة، أو في محلِّ العمل، أو مع بعض مَن يرتبط بهم بعلاقاتٍ اجتماعية، احتجاجًا على مواقف منزعج منها. هذا النوع من الصمت معروفٌ في الحياة الزوجية، فقد تصمت الزوجةُ خوفًا من ردود الأفعال العاصفة للزوج، أو عقابًا له على ما تراه إساءةً إليها، وقد يصمت الزوج احتجاجًا على ثرثرة الزوجة وهذيانها. وغالبًا ما تكون دواعي الصمت متشابهةً لدى الزوجين. وأحيانًا يُستعمل الصمتُ كموقفٍ يشي بالإهمال وعدم الاكتراث، أو الإهانة والاحتقار.

أتحدث عن ضرورة الصمت في مقام يتطلب الصمت، وضرورة الكلام في مقام يتطلب الكلام. لا أدعو للإضراب عن الكلام مطلقًا، ولا تعني الدعوةُ للصمت الحكيم الكفَّ عن كلِّ أنواع الكلام، الدعوة للصمت إنما تتحقّق في مقامٍ يتطلب الصمت. تميّز الإنسانُ عن غيره باللغة، واستطاع إنتاجَ المعارف والعلوم والفنون والآداب وبناء الحضارات باللغة الشفاهية والمدونة، ولو افتقد الإنسانُ القدرةَ على الكلام يفتقد القدرةَ على التفكير وتوليد المعاني والبناء والانتاج. اللغة مثلما هي أداةٌ لاستيعاب المعاني وتوصيلها، هي أداةٌ لتوليد المعاني أيضًا. ‏لم تعد وظيفةُ اللغة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات الحديثة وعاءً لحمل المعنى وإيصاله للمتلقي فقط، بل صارت أداةً لإنتاج المعنى وتكوينه أيضًا. التواصل بين الإنسان والإنسان يتحقّق ويتكرّس باللغة، بواسطة اللغة تنشأ العلاقاتُ الاجتماعية وتترسخ، ومثلما تبني هذه العلاقات كلماتُ المحبة الصادقة، تهدمها الكلماتُ السامّة. حين تحضر الكلماتُ السامّة ينبغي أن يرحل الإنسانُ عاجلًا ليتخذ من الصمت مقامًا.

مثلما يكون الصمتُ الحكيم ضروريًا أحيانًا لتربية الذات، يكون البوحُ ضرورةً يفرضها سلامُ الذات، وترويحُ النفس المتعبة لحظةَ لقاء المحبين. الحُبّ يتطلع على الدوام لإعلان المحبِّ عن أشواقه وولهه بمحبوبه. الحُبّ ينشد حضورَه وتنميتَه بكلمات المحبة الصادقة، الصمت لا يغذّي الحُبَّ ولا يثريه، يذبل الحُبّ إن كان أحدُ الحبيبين مُضرِبًا عن الكلام. البوح بالأشواق وبهجة لقاء المحبين ضرورةٌ لتغذية وتنمية المحبة وتكريسِها،كلماتُ المحبة الصادقة توقظ المحبة، ويرويها التعبيرُ عن الأشواق ولهفة اللقاء. وتعصف بها وتزلزلها الكلماتُ اللامسؤولة، وردودُ الأفعال العاصفة.

يحتاج الإنسانُ البكاء، وإعلانَ الحزن بأساليب متعارَفة في مجتمعه، للتنفيس عن نكبةِ فقدان حبيب، أو فجيعةٍ تعرّض لها. يحتاج الإنسانُ للتحدّث عن مواجعه وآلامه وهمومه، لمَن يجده ملاذًا يحتمي فيه.كبتُ الحزن وإكراهُ النفس على ما لا تطيق شيءٌ والصمت شيءٌ آخر، الكبتُ في مورد يطلب التعبيرَ عن مرارة الحزن يورث العقدَ النفسية. الإنسانُ الاستثنائي فقط يمكنه كبتَ أحزانه المريرة أحيانًا.

يُستعمل الصمتُ في بعض الأمراض النفسية بوصفه علاجًا، وكثيرًا ما يُستعمل الاعترافُ واستدعاءُ المكبوت واللاواعي في العلاج النفسي. الخطوةُ الأولى في العلاج هي اعترافُ المريض النفسي بأنه مريضٌ. تفرض الضرورةُ العلاجية في التحليل النفسي التحدثَ عن الذكرياتِ الموجعة الغاطسة، والجروحِ المنسية، والعقدِ النفسية المطمورة في اللاوعي، لتفريغِ ما هو مكبوتٌ في الأعماق، وتفتيتِ ما يثير الاكتئابَ والحزن والفزع، وما يتسبب في اضطرابات نفسية. المعالج الذي يعتمد التحليلَ النفسي وتفسيرَ أحلام المريض، يعتمد التداعي الحرّ لاستحضارِ الذكريات المؤلمة، وإخراج ِما هو غاطسٌ منذ زمن بعيد، بغيةَ تحرير المريض مما يختبئ في أغوار النفس.

 

https://alsabaah.iq/97805-.html