ما أثمن الكتابة رغم كونها مكابدة مخاض

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ عمري أنفقته في القراءة والكتابة، أنظر لكتابتي بوصفها محاولات في فهم الوجود، واكتشاف ذاتي، وتفسير طبيعة الإنسان، ومعرفة العالم الذي أعيش فيه، وتحري وجوه الحقيقة وتعبيراتها المتنوعة، وأقرب وأوضح ما يوصل إليها من الطرق. لا أرى كتابتي جزميات ويقينيات نهائية، ذلك ما يجعلني أعيد النظر فيها وأمحّصها وأغربلها، وأحاول اكتشاف ثغراتها وأخطائها قبل غيري، وتصويبها، بلا أن يؤذيني ذلك، بل يعزز ثقتي في كلماتي بعد تصويبها وتنقيحها.

كتابتي أثمن ما أنجزته في محطات حياتي، وإن كانت كتابتي وجع ومكابدة مخاض، لكن عندما أكتب عن الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين، والإيمان والمحبة والتراحم، أشعر كأني أنصت لصوت الله في الوجود. ‏وعندما أدعو للإيمان والمحبة والتراحم والعيش في إطار التنوع والاختلاف، وأحاول أرسم بالكلمات صورة لله تضيؤها محبةُ الإنسان، تتكرس سكينة روحي وسلامي الداخلي.

‏ لا أرى نفسي مخترِعًا أو مكتشفًا، أنا إنسان مثابر على مهنتي، مدمن على القراءة والكتابة، لا أعبث بوقتي، لدي عجز مزمن في ميزانية الوقت. لم أكن أتوقع في بداية حياتي أن أصبح كاتبًا، وإن كنت أتوق لذلك منذ سنوات العمر المبكرة. وما أدركت لأول وهلة ورطة الكتابة، إلى أن تحولتْ إلى صنعة العمر، فصرت أراقب كتابتي بحذر، وأتتبع انطباعات القراء الخبراء وأرصد تصويباتهم، وما ينبغي عليّ أن أقدمه لهم. تولد كتابتي بسلسلة مراحل، ما يقرأه القارئ في الكتاب هو المرحلة الأخيرة في سلسلة الولادات. ‏أكتب العبارات في ذهني، وأعيد صياغتها مرات متعددة، قبل كتابتها. في الفراش وأنا أحاول النوم أنشغل بهذا النوع من الكتابة الذهنية، وإن كانت هذه الكتابة زئبقية، لحظة أتكاسل عن تدوينها لا أعثر عليها حين استيقظ صباحًا، قلما التقط الفكرة بعد فوات أوان حضورها الذهني، حتى لو فتشت عنها بهدوء في الذاكرة لا أراها. أسعفني الهاتف الذكي منذ سنوات، إذ منحني فرصة كتابة هذه العبارات حيثما أكون، أُملي على الهاتف ما يخطر لي، وهو يدوّن ما أقول، ولاحقًا أعود لتحريره.

الكاتب مدين للقراء، وعليه مسؤولية كبرى يفرضها ضميره الأخلاقي ليكون وفيًا لهم، القراء يأتمنون الكاتب الذي يثقون بوعيه على عقولهم وقلوبهم وأرواحهم، فعليه ألا يخذلهم، ولا يعبث بهذه الثقة الغالية. أنا قارئ شغوف بالمعرفة، عندما أقرأ بعض الكتابات وأشعر بالضجر، أتذكر مَن يقرأ كتاباتي ويعاني مثل هذا الشعور كما أعاني من تلك الكتابات، ذلك ما يستحثّني على إنفاق وقتي وطاقتي القصوى في الكتابة وإعادة الكتابة مرات متوالية.

لو أردت الكتابة أفكر طويلًا، وأقرأ كلَّ ما يتوفر في مكتبتي، وهي مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب المتنوعة، منتقاة بعناية قارئ محترف لتأمين ما يتطلبه شغفه بالقراءة وكتاباته. كنت أبحث في المكتبات الورقية، واليوم في الإنترنت، عما يخصّ الموضوع الذي أكتبه، أسعى بحدود قدرتي لدراسة الموضوع وبحثه من مداخله كافة، وصياغة رؤيتي بشأنه. لدي عادة، لا أعرف هل هي حسنة أو سيئة، كلُّ كتاب أعيد النظر فيه عند تقديمه لطبعة جديدة أعيد تأليفه، لذلك يرى القارئ الطبعة الجديد للكتاب ذاته وكأنه كتاب آخر، وإن كنت اليوم لم يعد وقتي يتسع للمزيد من عمليات إعادة الكتابة والتحرير.

خلق الخيال للإنسان، عبر الكتابة، عالمًا موازيًا للعالم الواقعي الذي يعيش فيه، ويتألم ويرتاح، ويحزن ويفرح، ويبكي ويضحك. الكتابة بمختلف فنونها وأجناسها وفرت للإنسان ملاذًا آمنًا يحميه من عبء الواقع ووطأته القاسية وعنفه. العالم الذي تصنعه الكتابة يجعل الإنسان يمتلك ما يبحث عنه، وإن كان يفشل بالظفر به في الواقع. بالكتابة يفرغ الكاتب آهاته ومواجعه بصورة كلمات، أكتم بداخلي شيئًا من آهاتي وحكايات مواجع حياتي وأخشى أن أموت قبل كتابتها. أكثر الكتّاب يداوون جروحهم بالكتابة، لولا الكتابة للبث الصراخ والآهات والأنين بين الضلوع، فمزّق الكاتب من الداخل. الكتابة تقاوم الشعور بعبثية الحياة وافتقارها للمعنى. الكتابة تضاعف قوة الذات وتخفض شعورها بالعجز، وتعزز شجاعة التفكير، وتعمل على تصلب الإرادة وتنميتها. الكتابة تخفض شعور الكاتب بقلق الموت، بل تسعى لتحدى الموت عبر تنمية الشعور بالخلود الأبدي. الكتابة مخاض لكنها كلّما تقدّم عمري ترفد سلامتي النفسية. على الرغم من إرهاق الكتابة ومشقاتها، لكن لو لم أكتب أتعب نفسيًا جدًا. أحيانًا أنقطع عن الكتابة مدة، فأشعر ببؤس حياتي وضنكها، الكتابة تنهكني لكنها تنقذني من الشعور بضراوة آلام الحياة، وهشاشة الإنسان في خوض صراعاتها المتواصلة، وتمكّني من الاصرار على الحضور في تحدياتها المنهكة.

الكتابة الحقيقية تعبير عن تجربة وجود يتحقّق فيها الكاتب بمرتبة أكمل. الإنسان بطبيعته ينشد الكمال،كما لا تنفد الكلمات أبدًا لا تنفد صور الكتابة، لتعمل هذه الصور على الامتداد الواسع لمديات التكامل. الكتابة مهارة تمنح الكاتب مقدرة على تطويع الكلمات وبراعة في تنويع استعمالاتها، بشكل يتيح له توسيع آفاق معانيها بتعدد وتنوع تركيباتها وصورها، وفي ضوء ذلك تتسع آفاق التكامل في نظره. لا تكون الكتابة كمالًا لكاتبها ومتعة لقارئها، إلا حين تبوح بغير الشائع من المعرفة العاميّة، وبما هو مودع من أسرار القلب، وتتجلى فيها استبصارات الروح. أبلغ النصوص تأثيرًا في القراء ما يكتبها الكاتب لحظة اتقاد عواطفه ووثبة قلبه ويقظة وعيه، حين يكتب القلب تتعطر الكلمات بنكهة فريدة. ما أجمل أن يحاول الكاتب جعل كتابته ضربًا من الرسم بألوان مضيئة، لحظة يراها القارئ يشعر كأنها صورًا مرسومة بألوان بهيجة.‏ هذا النوع من الكتابة يمكث طويلًا، وهي قليلة، مقارنة بالكمّ الهائل من الأوراق المكدّسة على أرفف المكتبات، الغارقة في فائض لفظي لا يتذوق فيه القارئ المحترف كلمة لذيذة، أو يكتشف في كلماته فكرة جادة. اللغة ربما تخذل كتّابًا متمرسين، ‏لحظة تنضب في مخزونهم اللغوي الكلمات المتناغمة وعمق العقل واتساع آفاق وعيه.

الإنسان كائن مسكون باكتشاف نفسه أولًا، واكتشاف الإنسان الذي يعيش معه، واكتشاف العالَم من حوله، أثمن الكتب ما يكتشف فيه الإنسان نفسه وغيره والعالَم من حوله. القراءة ضرب من الدهشة، القارئ الحاذق مكتشف، القراءة متعة الاكتشاف، عندما يقاد القارئ كأعمى تموت بهجة الدهشة، ويخسر متعة الاكتشاف. ينفر القارئ من السيرة الذاتية مثلًا، حين لا يقرأ فيها حديثًا عن الحياة الخاصة، وكشف خفايا لا يعرفها القراء عن الكاتب، ويراها تفتقر إلى نكهة الكتابة الممتعة. لا يبحث القارئ عن الذي يعرفه الناس من شؤون حياة الكاتب العامة، وما يشترك فيه مع غيره، أو ما يريد أن يستعرضه من مواطن تفوقه، ويعلنه من نرجسيته المتضخمة، وكون حياته وسلوكه استثناء، ويتحدث عن صفات اكتسبت فرادتها في شخصيته، ويستعمل كلمات تبوح بالتفاخر والتبجح. هذه الكتابة مضجرة، لأن القارئ لا يلمس فيها ما هو مختبئ في أعماق الكاتب مما يريد العثور عليه بداخله. في شخصية صاحب السيرة يفتش القارئ عن المتكتم عليه، وما يستره من ثغرات وهشاشة، يتطلع القارئ أن يرى ما تخفيه أقنعة يغطي فيها الكاتب ما تضمره أعماقه، لينكشف له ما هو غاطس في هذه الشخصية، القارئ يعلم أن العناصر الغاطسة مكونة لما هو جوهري في شخصية كلِّ إنسان.

تعلمت من الكتابة أشياء متنوعة، إلا أن أنفس ما تعلمته منها وأتعبتني به، هو الإيقاظ المتواصل للعقل والتفكير المتأمِّل، والتساؤل عن المسلّمات، وما اشتهر أنه بديهيات وقضايا لا تقبل النقاش. أعرف أن إدمانَ التفكير حالةٌ غير مريحة للروح والقلب والمشاعر، هذا النوع من التفكير إن كنا نعيشه على الدوام تنفر منه النفس لأنه لا يُطاق، التفكير المتأمل عملية شاقة يهرب منها أكثر البشر، إذا تواصلت يقظة العقل صمتت العواطف وخمدت المشاعر، وهذه حالة لا يطيقها معظم البشر. تظل للروح استبصاراتها، وللقلب لغته وذوقه، مسارات الروح والقلب والعقل في حياتي متوازية لا مترادفة، وإن كان العقل يظل مرجعية عليا يضبط احتياجات الروح والقلب، ويضيء لهما خارطة طريق إشباعها، لئلا يتخبطا في متاهات الضياع، والغرق في الوهم والخرافة والشعوذة. لا أفكر إلا بشيء أساسي في حياتي وداخل عائلتي وعلاقاتي، وهو أن أكون وفيًا لما يفرضه عليّ ضميري الأخلاقي، وما يكرّس سكينة روحي وطمأنينة قلبي ويسقيهما.

https://alsabaah.iq/105016-.html

 

الكراهية ليست طارئة

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ “أكرهك”! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثالَ هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. طالما أتت الرسائلُ من حسابات شبحية، يعمل المرسلُ حضرًا بعد إرسال هذا الكلام الجارح، لئلا أتعرّف عليه. في الحياة من الشرّ أكثر من الخير، ومن الكراهية أكثر من المحبّة. علّمتني جروحُ الحياة أن الإنسانَ يحتاج الكراهيةَ كما يحتاج المحبّة، وربما يحتاج الكراهيةَ أشدّ من المحبّة أحيانًا. الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، هناك حاجةٌ دفينة للكراهية في النفس كحاجتها للمحبة.

‏مَن يريدُ أن يعرفَ شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشرّ في الأرض عليه أن يراجعَ أرشيفاتِ الاسترقاق للأفراد والمجتمعات في الماضي والحاضر، ويقرأ تاريخَ الاستبداد والاستعباد الذي مارسه ومازال يمارسه الحكّامُ الطغاة، وانتهاكَهم لكرامة الإنسان وترويعَه في السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة، وينظر في جرائم الاستعمار والاحتلال الشنيعة أمس واليوم لمختلف بلدان العالم، ويرى المجازرَ في غزة والأرض المحتلة.

شخصيةُ الإنسان مركبةٌ مكوّنة من طبقات. الإنسان كائنٌ لا يمكن اختزالُ دوافع سلوكه بعاملٍ واحد. رأيتُ شيئًا من تعقيد شخصية الإنسان في مواقفِ الصعاليك وغرابةِ سلوكهم، إذ كنتُ ألتقط الصعاليكَ في مرحلة الشباب من حياتي وأتحمل تطفلَهم وعبثَهم وفوضويتَهم، وأتولى تأمينَ احتياجاتهم المتنوعة والمتواصلة، لم يبادر أحدٌ منهم بالشكر، كانوا يشعرون بأن ما أقدّمه لهم حقُّهم عليّ وعلى غيري، لذلك لا يتطلب منهم الإعرابَ عن الامتنان والتقدير.كنتُ أندهش مما يمتلكون من تهورٍ ووقاحةٍ في التعبير عن كثيرٍ من التناقضات المكبوتة لدى الإنسان. حاولتُ الابتعادَ عنهم منذ ثلاثين عامًا، لحظة صرتُ لا أطيق مَن يعشق دورَ الضحية في الحياة، والصعلوك أبرع مَن يمثّل هذا الدور، ويتفنّن في إخراجه بأساليب ذكية ووسائل مختلفة.

السلطةُ والشغفُ بالتسلّط والتملّك من أعمق الدوافع العدوانية للإنسان، حتى الصعلوكُ ينشدُ بمواقفه وسلوكه التسلّطَ عليك وتطويعَك لخدمته مجانًا، فيستعمل بمهارةٍ فائقة وبطريقته الخاصة كلماتِه، وتعبيراتِ وجهه ولغةَ جسده، ولباسَه، وبؤسَ مأواه، وغير ذلك؛ لتنقاد إليه وتلبي رغباتِه وطلباتَه بحماس، وتصبر على مواقفه الغرائبية مهما تمادتْ في خروجها على الذوق العام والأعراف والتقاليد والقيم والأخلاق. أكثرُ الكراهيات تنشأ من الشغفِ بالتسلّط على الغير وإخضاعِه، والاستئثار بالمال والثروة والسلطة، وهو سلوكٌ يمارسه الإنسانُ بحدود الفضاء الذي يعيشُ فيه ويمارسُ حضورَه وتأثيره. الأبُ يمارسه في العائلة الأبوية، والأمُ تمارسه في العائلة عندما يضعف دورُ الأب أو يختفي بالموت وغيره، المعلّمُ يمارسه مع تلامذته، الرئيسُ في المؤسسات الإدارية ومؤسسات السلطة، حتى الشرطيُ يمارسه في حدود ما تسمح له سلطُته.كلُّ إنسان يفعلُ ذلك بحدود طاقته، وحسبما هو متاح له من وسائل تمكّنه من ذلك، وحين يعجزُ الغيرُ عن المقاومة والدفاع عن النفس. ليس بالضرورة أن يلجأ الإنسانُ المتسلّط لتوظيف وسائل عنيفة أو مثيرة أو مباشرة بغية بلوغ هدفه، المتسلّطُ يستثمرُ القيمَ السائدة في العائلة والقبيلة والمجتمع،كما يستثمرُ العلاقاتِ المختلفة ويوجّهها في سياقٍ يكرّس سلطتَه، ويعملُ على استعمال اللغة وتغذيتها باستمرار بدلالاتٍ تنتج التسلّطَ وتمهّد للاستعباد.

الإنسان غير الروبوت، ليس هناك قواعد ميكانيكية أو معادلات رياضية صارمة تتحكم بالإنسان، الإنسان الذي يكون كالروبوت في كلِّ أقواله وسلوكه ومواقفه ليس طبيعيًا. ‏التناقض في الآراء والمواقف حالةٌ بشرية لا يكاد يسلم منها كليًا إنسان. ‏التناقض البغيض هو أن يقول الإنسان الشيءَ ونفيَه في موضوعٍ واحد ووقتٍ واحد. ‏هذا التناقض ينتجه أحيانا الإشفاقُ والمداراةُ والرفقُ بالآخرين، وأحيانا ينتجه الخوفُ من إعلان المواقف الصريحة، وأحيانا تنتجه مصالحُ عاجلة، وأحيانا عقدٌ نفسية كامنة في اللاشعور منذ الطفولة، وربما يعود ‏التناقضُ إلى النفاق، أو اضطراباتِ الشخصية والمرضِ النفسي.

الإنسانُ أعقدُ من قدرتنا على فهم كلِّ شيءٍ في أعماقه. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاتِه[1]، وتقلّبِ حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد باستمرار، مالم يفلح  بالتغلّب عليها بمزيدٍ من تكريسِ الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي والجمالي الذي يسمو به في مراتب الكمال.

أحلامُ الإنسان لا تكفُّ عن فرض رغباتٍ وأعباء تفوق طاقتَه، الرغباتُ والأحلام تثير الآخرين وتستفزّهم، لشعورهم بأن صاحبَها يصطاد فرصَهم في الحياة، ويستحوذ على مواقعهم، وذلك ما يصيّر الحياةَ حلبةَ صراع، تراها كأنها سلسلةُ حلولٍ لمشكلات، تبدأ منذ وقتٍ مبكر من عمر الإنسان ولا تقف إلا بالموت. الإنسانُ الحكيم يستطيعُ تفهمَ هذه الحالة وإدارتَها بذكاء. إنه يدرك أن الجمعَ بين الأضداد متعذّر، كما يدرك إمكانيةَ تفسير ذلك التضادّ ومعالجته، بوصفه حالةً ليست طارئةً أو استثنائية. يمكّنه هذا التفسيرُ من العمل بالتدريج، على خفضِ ما يرهقه ويستنزف حياتَه من صراع الأضداد في باطنه، بإيقاظِ صوتِ الله في روحه، والمحبةِ في قلبه، وتغذيتهما وتكريسهما ليصيرا مكونًا ثابتًا لكينونته الوجودية.

الإنسانُ كائنٌ غامضٌ جدًا في الوقت الذي يظهر لنا واضحًا جدًا، ما يجري من قوانين في الطبيعة تنطبق أكثرُها على جسده، لكن لا ينطبق كثيرٌ منها على نفسه وعواطفه وروحه وقلبه وعقله. تظل الطبيعةُ الإنسانية عصيةً على فهم كلّ طبقاتها بشكل واضح، حتى على الخبراء المتخصصين. لا يمكن أن ينتهي علمُ النفس إلى مواقف نهائية حاسمة في الكشف عن كلّ أسرار النفس الإنسانية، وذلك ما يؤشر إليه الاختلافُ الواسع الذي يصل حدَّ التهافت في بعض الحالات في مدارسِ علم النفس المتعدّدة، ومواقفِها المتنوعة في تفسيرِ سلوك الإنسان واكتشافِ الدوافع الخفية لمواقفه في مختلف أحواله. لم يجد علمُ النفس إجاباتٍ نهائية للأمراض والاضطرابات النفسية، إلا أنه كأيّ علمٍ ما يزال يواصل تنقيباتِه، ليكتشف المزيدَ مما هو مختبئٌ في النفس، ويعمل باستمرارٍ على نقد نظرياته وتمحيص آراء العلماء والمختصين ويغربلها ويعلن أخطاءَها ويرمّم ثغراتِها، ويواصل بجدية أبحاثَه ونتائجَه الجديدة[2]. المواقف المتضادّة لدى إنسانٍ واحد، في أزمنةٍ متوالية وحتى في يومٍ واحد، ليست غريبةً على طبيعة الإنسان. الإنسانُ الذي يمتلك عقلًا يقظًا مسكونًا بالتفكير العميق والأسئلة الوجودية الكبرى، يمكن أن يمتلك قلبًا متقدًا. الإنسانُ كائنٌ لا يشبه إلا ذاتَه. الإنسانُ كائنٌ شديد الغموض، ربما تراه غارقًا في الغربة الوجودية، وغارقًا في المحبة في وقتٍ واحد.

لن يختفي الشرُّ الأخلاقي ما دام الإنسانُ إنسانًا، مادام الإنسانُ يكذبُ ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. ‏الثقافاتُ والقوانين والعقوبات والأديان تهدفُ إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولا ذلك لتحوّل الناسُ إلى أكلة لحوم البشر. الإنسانُ ليس كائنًا بريئًا أو محايدًا، بعضُ الأصدقاء لا ينقل لك من الأخبار العامة وما يخصّك الا ما يؤذيك، إنما يفعل ذلك بدافع التشفي الذي يلبي حاجةً عميقة تفرغ فيها نفسُه ألمَها، وتعيد تقديرَها لذاتها؛ بإشعارِ الغير بأنه غيرُ جدير بالثقة والتقدير.

لا وصفةَ نهائية تتطابق وكلَّ الاحتياجات المتنوعة للبشر في مراحل حياتهم المختلفة، حتى الفرد الواحد تختلف احتياجاتُه في مراحل عمره المتعدّدة، ربما تقوده عواطفُه للتعلّق بشخصٍ أو أيّ شيءٍ آخر في مرحلةٍ من عمره، غير أنه قد ينفر منه في مرحلةٍ أخرى. الإنسانُ كائن يمكن أن يختلف يومُه عن أمسه، الإنسانُ يتغيّر تبعا لتنوّع صلاته الوجودية بما حوله من بشرٍ وأشياء، وتتجدّد بعضُ احتياجاته ومصالحه، وتندثر احتياجاتٌ ومصالحٌ في المراحل المختلفة من عمره، وتضاف أخرى.

يختلف كلُّ شيء باختلاف زاوية النظر إليه، وهذا ما يُصطلح عليه في الفلسفة قديما بـ (الحيثية)، يقال: “لولا الحيثيات لبطلت الفلسفة”، بمعنى أن كلَّ زاوية نظر تقودنا إلى نتيجة، ومن مجموع زوايا النظر تتعدّد وتتنوع المواقفُ الفلسفية في المعرفة والوجود والقيم، وهكذا يختلف تفسيرُ الحقائق وتختلف طرقُ الوصول إليها وإدراكها. باختلاف زاوية النظر يمكن للإنسان ملاحظةُ صور كثيرة بعضُها متضادّ في إنسان واحد. أحيانا تختلط المحبّةُ بالكراهية فتتناوبان، عندما تتصارع زاويةُ النظر الواعية لإنسانٍ مع زاوية النظر اللاواعية في باطنه. تراه لحظةً يحُبّ إنسانًا، ولحظةً أخرى يكره هذا الإنسان، وهو لا يدري كيف يحدث ذلك، مثل أن ترى المرأةُ في رجلٍ واحد صورًا متضادّة، أو يرى الرجلُ في امرأةٍ واحدة مثلَ هذه الصور. في بعض حالات حبِّ الرجل للمرأة وحبِّ المرأة للرجل، يحدث تناوبٌ للحبِّ والكراهية باضطرادٍ مُضجِر. أظنه يعود إلى أن المرأةَ تكره صورةَ الرجل الأعمّ من هذا الرجل وغيره؛ إثر ما يستفيق من مواجعَ جروحٍ كامنةٍ في اللاوعي لحياةٍ زوجية عاشتها أمس مع رجلٍ عنيف، ختمتْ بعد سنواتٍ من الصراع المرير بطلاق، وإن كانت هذه المرأةُ تحب الصورةَ الشخصية لهذا الرجل النبيل الذي تزوجته بعد الطلاق. الرجلُ أحيانًا يكره صورةَ الأنثى الأعمّ من هذه المرأة وغيرها في شخصِ هذه المرأة؛ إثر ما يستفيق من مواجعَ كامنةٍ في اللاوعي من حياةٍ زوجية مشاكسة مع غيرها أمس، لكنه يحُبّ الصورةَ الشخصية لهذه المرأة المهذّبة التي هي زوجته اليوم. وأحيانًا يكون التناوبُ عكسيًا في الحالتين.

[1] التضاد والتناقض ليس بالمعنى المعروف في المنطق والفلسفة، أعني بالتضاد والتناقض هنا ضرب من المفارقة.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 70، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/89769-.html