انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة

د. عبد الجبار الرفاعي

بعد عصر البعثة اتسع أفق التساؤل والنقد في التفكير الديني لدى المسلمين، وتوالدت تأويلات للآيات القرآنية ذات المضمون الاعتقادي، أثارت أسئلة عن القضاء والقدر، والحرية الإنسانية، والعدل الإلهي، وصفات الله، وعلاقة الوحي بالعقل. لم تلبث هذه الأسئلة أن تجاوزت الجدل الديني المبكر، وتحولت إلى قضايا معرفية كبرى استدعت ابتكار مناهج جديدة للفهم والاستدلال. ومع اتساع النقاش حولها نشأت المدارس الكلامية في القرون الأولى، وتبلورت اتجاهات متنوعة في النظر الاعتقادي، سعت إلى بناء رؤى عقلية لتفسير المعتقدات والدفاع عنها، وصياغة أجوبة تتناسب مع مستوى الوعي وما فرضه الواقع في تلك المرحلة.

هكذا نشأ علم الكلام استجابةً لحاجة العقل إلى فهم المعتقد الديني بما يتناسب مع مستوى وعيه والواقع الذي يعيش فيه، والبحث عن أجوبة للأسئلة التي أثارها التأمل في آيات القرآن. وتبلور هذا العلم في سياق اتساع آفاق المعرفة وتعدد التحديات، فسعى إلى بناء رؤية عقلية للعقائد، والدفاع عنها، وتفسيرها بلغة تتحدث بعقل عصرها وأسئلته ونمط الوعي المتسيّد فيه.

تكشف ولادة علم الكلام ثم الفلسفة عن حيوية العقل في مراحله التأسيسية، وحضوره الفاعل في إنتاج المعرفة. كلما واجه المسلمون أسئلة جديدة سعوا إلى الاستعانة بأدوات جديدة للفهم، وكلما تطورت خبرتهم بالعالم اتسعت حاجتهم إلى التفكير والتساؤل والنقد والتأويل. لم يكتفوا بتلقي المعارف السائدة، وإنما شاركوا في إعادة بنائها وصياغتها وتطويرها بما يستجيب لأسئلتهم وتحولات عصرهم ونمط وعيهم. أسهم علم الكلام والفلسفة معًا في إثراء الحياة المعرفية للمسلمين في القرون الأولى، وفتحا آفاقًا رحبة للحوار مع الآخر، في واحدة من أكثر مراحل الحضارة الإسلامية خصوبة وإبداعًا.

خضع العقل في الإسلام، في مراحل طويلة من تاريخه، لوصاية المتكلمين بعد انغلاق الاجتهاد في علم الكلام، وإقصاء العقلانية الاعتزالية، كما خضع لوصاية الفقهاء، فأضحى التفكير العقلي موضع ارتياب واتهام. ففي النصف الأول من القرن الخامس الهجري صدر ما عُرف بـ”الاعتقاد القادري القائمي” باسم الخليفة العباسي القادر بالله (381-422هـ)، فكان من أشد وثائق الإقصاء العقدي للتفكير العقلي في ذلك العصر. تبنى هذا الميثاق الاعتقادي رؤية الحنابلة في الاعتقاد، وانحاز إلى مواقفهم، واستهدف سائر الاتجاهات الإسلامية المخالفة، وعدَّ بعض أتباعها مستحقين للعقوبة لمجرد تمسكهم بمعتقد يخالف ما ورد فيه. مثلًا ورد فيه أن “مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه”[1].

أخرج القائم بأمر الله “الاعتقاد القادري” سنة 432هـ وقرئ في الديوان بحضور الفقهاء، وكان “ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”[2]. وذكر ابن الجوزي أن القادر بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ “فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام”[3]. وفي سنة 460هـ تُلِي “الاعتقاد القادري” في الديوان بناءً على طلب الفقهاء وأعيان أصحاب الحديث الذين أجمعوا على أن “من لا يُكفِّر من يُكفِّرهم (الاعتقادُ) فهو كافر”[4].

لم يقتصر هذا الموقف على الفقهاء، فقد تصدى للفلسفة أيضًا أبو حامد الغزالي (450-505هـ). ففي كتابه “تهافت الفلاسفة” لم يكتف بنقد آراء الفلاسفة، وإنما حكم بكفرهم في ثلاث مسائل: القول بقدم العالم، والقول إن علم الله لا يتعلق بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد. لم يحرّم الغزالي الفلسفة بإطلاق، ولم يرفض المنطق، بل عدّه آلة للعلوم، وافتتح به كتابه “المستصفى”. ويصف الغزالي الباحث الألماني فرانك غريفيل بأنه: “منطق الفكر السني”، إذ أدخل المنطق الأرسطي في أصول الفقه وعلم الكلام الشافعي الأشعري. وكان يسعى إلى الدفاع عن العقيدة كما يفهمها، غير أن أثر كتابه تجاوز حدود الجدل الكلامي، فأثار ريبة بالعقل الفلسفي وأضعف الثقة به، ورسخ الخوف من الأسئلة التي تتجاوز المألوف. امتلك الغزالي عقلًا منطقيًا ومعرفة عميقة بالفلسفة، ويكشف كتابه “مقاصد الفلاسفة” عن استيعاب دقيق لمباحثها، غير أن هذه المعرفة انتهت في “تهافت الفلاسفة” إلى نقد الفلسفة المشائية ومحاصرة التفكير الفلسفي، مما أسهم في إضعاف حضور الفلسفة في معاهد التعليم الديني السنية.

ومع ذلك لم تتوقف الفلسفة في الإسلام، فقد استمرت في الأندلس مع ابن رشد (520-595هـ)، الذي دافع عن العقل ورد على الغزالي في كتابه “تهافت التهافت”، كما واصلت حضورها في المشرق مع شهاب الدين السهروردي (المقتول سنة 586هـ)، ثم ملا صدرا الشيرازي (980-1050هـ). غير أن الفلسفة في المشرق اتخذت مسارًا مختلفًا عن فلسفة ابن رشد العقلانية، وإنما مزجت بين البرهان العقلي والنصوص الدينية والإشراق والكشف العرفاني، فغدت فلسفة تجمع بين العقل والنقل والذوق الروحي.

لا تكمن المشكلة في نقد الفلسفة، فالنقد شرط لحيويتها، وإنما تكمن في انتقال الخلاف المعرفي إلى إصدار أحكام على إيمان الفلاسفة، وتحويل السؤال الفلسفي إلى تهمة. لم يكن الغزالي وحده مسؤولًا عن انحسار الفلسفة، فقد تضافرت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية وفقهية متنوعة على ذلك، غير أن مكانته العلمية والنفوذ المؤثر لكتاباته منحا هذا المسار قوة وتأثيرًا، واستند إليهما كثير من الفقهاء في التحذير من الفلسفة والتفكير العقلي، مع بقاء تيارات فلسفية لاحقة في المشرق والمغرب تؤكد أن الفلسفة لم تنقطع تمامًا في الإسلام.

ثم جاء ابن الجوزي “510-597هـ”، فخصّص في كتابه “تلبيس إبليس” فصولًا لنقد الفلاسفة والتحذير من آرائهم، وعدَّ كثيرًا منها من ضروب الضلال. وظهرت بعده مواقف وفتاوى متعددة في مناهضة التفكير الفلسفي لدى أهل الحديث والفقهاء. وأسهمت هذه الفتاوى والمواقف، على تفاوت دوافعها وحدّة أحكامها، في ترسيخ الارتياب والنفور من الفلسفة وإقصائها من أكثر مؤسسات التعليم الديني، وأفضت إلى انكماش حضور التفكير الفلسفي، وتراجع دور العقل في التفكير الديني قرونًا طويلة.

شيئًا فشيئًا حلّ تكرار الإجابات، والانشغال بالتعليقات والشروح وشروح الشروح، محل المغامرة العقلية، وغلبت الأجوبة الموروثة على إنتاج الأسئلة، فخبا التفكير النقدي، وانحسر الإبداع. وبعد انسداد آفاق العقل الكلامي، تصدى بعض الفقهاء لإصدار فتاوى تحرّم الفلسفة، وتنبذ الأسئلة، وتزدري التفكير العقلي، فضاق مجال التفكير الحر، وانحسر حضور السؤال الفلسفي. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري “577 – 643 هـ” التي جاء فيها: “الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان… وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية”[5].

عندما وقع العقل تحت وصاية فتاوى ابن الصلاح الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكير الديني في الإسلام في التكرار والاجترار، فتراجعت روح التساؤل الحر، وانطفأت الأسئلة الكبرى التي تغذي حيوية التفكير، واضمحل حضور العقل النقدي، وحلت محله نزعة تميل إلى استعادة الأجوبة الجاهزة أكثر من إنتاج أسئلة جديدة. ولما كانت الفلسفة تقوم على استقلال العقل، وحقه في التساؤل والنقد وتمحيص المسلّمات، أفضى تحريمها إلى ضمور التفكير الفلسفي، وانكماش آفاق الاجتهاد، وتراجع قدرة العقل على مراجعة مسلّماته واختبار مقولاته، ففقد الفكر الديني رافدًا أساسيًا لحيويته الخلّاقة التي ازدهرت بها حضارة الإسلام في القرون الأولى.

هناك تخادم بين مؤسسة السلطة ومؤسسة الفتوى. الفتوى أشد التصاقًا بالسلطة، لأن وظيفتها التاريخية لم تقتصر على تنظيم شؤون العبادات والمعاملات، وإنما امتدت إلى إنتاج الشرعية، وتبرير أنماط الحكم، وتكييف الوعي العام مع مقتضياتها. منذ وقت مبكر تشكلت علاقة تخادم متبادل بين الفقيه والسلطان؛ السلطان يحتاج إلى الفقيه ليضفي على سلطته مشروعية دينية، والفقيه يحتاج إلى السلطان ليحمي حضوره ونفوذه وسلطته الروحية، ويضمن فاعلية أحكامه في المجال العام. في هذا الفضاء غدا الفقه، في كثير من تمثلاته التاريخية، حارسًا للنظام القائم أكثر من كونه أفقًا لتحرير العقل وتوسيع إمكانات التفكير.

الفلسفة تنتمي إلى نمط مختلف من التفكير، فهي لا تبدأ من الجواب، وإنما من السؤال، ولا تتعامل مع المسلّمات على أنها حقائق نهائية، وإنما تفحص أسسها وتختبر مقدماتها. يزعج السؤال الحر كل سلطة، لأنه يكشف هشاشة ما يبدو راسخًا، ويعيد النظر في المبررات التي تستند إليها السلطة. لذلك لم يكن الصراع بين بعض الفقهاء والفلسفة صراعًا معرفيًا، وإنما كان صراعًا بين عقل ينشغل بحراسة الأجوبة وإعادة إنتاجها، وعقل لا يكف عن مساءلتها ونقدها.

من هنا نظر كثير من الفقهاء إلى الفلسفة بريبة، وأصدروا فتاوى بتحريمها أو التحذير منها، بسبب ما توقظه من نقد عقلي لليقينيات الشائعة، وما تفتحه من آفاق للتفكير خارج الوصايات المغلقة. الفلسفة تدرب العقل على الشك المنهجي، وتحرره من الخضوع الأعمى لكل سلطة، سواء كانت سلطة الفقيه أو المفسّر أو الحاكم. عندما وقع العقل المسلم تحت هيمنة التخادم التاريخي بين الفقيه والسلطان، انكمشت مساحة السؤال، وتسيدت روح الامتثال، وانشغل العقل بحراسة الأجوبة أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة. مع انحسار الفلسفة خسر الفكر الديني في الإسلام أحد أهم منابع حيويته المبدعة، وتراجع العقل النقدي الذي أسهم، في عصور الازدهار، في إثراء مديات النظر إلى الإنسان والعالم والدين. حيثما يضيق مجال السؤال تضعف الحرية، وحيثما تخنق الفلسفة يترسخ الاستبداد السياسي والمعرفي والروحي.

[1]  ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ج8: ص109 – 110، دار صادر، بيروت.

[2]  المصدر السابق. ج8: ص109.

[3]  المصدر السابق. ج7: ص287.

[4]  المصدر السابق. ج9: ص124.

[5] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ – ٢١٢).

https://alsabaah.iq/134445-.html

سيرة المعنى في الدين والظمأ الأنطولوجي

قراءة فلسفية في رحلة الإنسان إلى الله

ليلى تبّاني[1]

في زمن يغمر فيه الفراغ الوجوديّ روح الإنسان المعاصر، وفي وقت تهيمن فيه التكنولوجيات المعاصرة على عقل الانسان وعلى وجدانه وكيانه، يعود صوت عبد الجبار الرفاعي في كتابه ” الدين والظمأ الأنطولوجي ” (دار الرافدين، الطبعة الرابعة، 2023، 312 صفحة) ، ليذكّر فيه ، بأنّ ما فينا ليس عطشا إلى معرفةٍ عابرة ، بل ظمأ أنطولوجيٌّ إلى المعنى، إلى ما يتجاوزنا دون أن يفارقنا، إلى الله بوصفه الأفق الأسمى للكينونة. الدين عند الرفاعي ليس نسقا فقهيا ولا منظومة لاهوتية، بل هو حركة الوجود في الإنسان، تَوْقُه الأزليّ إلى ما يمنحه السكينة والاكتمال، وإلى ما يملأ الصدع الخفيّ بين الكائن وظله. يقول الرفاعي: “الظمأ الأنطولوجي هو حنين الكائن إلى المطلق، وتوقه إلى ما يثري وجوده ويمنحه سكينة لا تنضب” (صـ113).

هذا الظمأ لا ننشد منه ترفا روحيا، بقدر ما هو ضرورة وجودية تبرز أنّ الموت حقيقة وجودية؛ فحيث يوجد الموت، تنبثق الحاجة إلى الدين. الدين، كما يقول الرفاعي، هو الجواب الأنطولوجي الوحيد على تحدّي الفناء، لأنّه يمنح الوجود معنًى لا تقدر المادة على صياغته، ولا الفلسفة على استنفاده، يقول في هذا السياق: “ما دام هناك موت، فهناك حاجة إلى الدين، لأن الدين هو الجواب الوحيد لتحدي الفناء” (صـ114). هكذا يصبح الدين عنده جوابا أنطولوجيا على سؤال الكينونة، لا وعدا لاهوتيا مؤجّلا. وهو إذ يستعيد جوهر الدين كصوت في القلب قبل أن يكون خطابا في السلطة، يحفر عميقا في التجربة الداخلية للإنسان حين يفقد ذاته في ضجيج الجماعة، ليعيد تعريف الإيمان لا كيقينٍ جامد، بل كقلق مقدّس يطلع الكائن على سرّ الوجود: “الإيمان ليس يقينا جامدا، بل قلق مقدّس، بحث دائم عن الله في عمق الإنسان (صـ88)، الإيمان إذن ليس انغلاقا، بل انفتاح مستمر على اللانهائي. في مقابل هذا الظمأ الوجودي، يرى الرفاعي أن أخطر ما يهدّد الدين هو اختزاله في الإيديولوجيا حين يُحتكر المعنى في خطاب واحد، يُقدَّم بوصفه الحقيقة المطلقة ويغلق باب الاجتهاد وباب التفكير التأملي الناقد، إذ يقول: حين يُحتكر المعنى يُقتل الدين (صـ85). بهذا يضع يده على جرح الإنسان الحديث، لا في انحسار الإيمان بل في اغترابه داخل تديّنٍ بلا روح، تدين يغلق الأبواب بين الله والإنسان باسم الله ذاته، تديّن بمقاسات معيّنة كما أرادوه بعض حراس النوايا. من هنا تتخذ الحرية عند الرفاعي بعدا لاهوتيا، فهي ليست فعلا سياسيا بل استعادة للكرامة الوجودية: “الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بشجاعة الإرادة ومغامرة العقل” (صـ215). الحرية شرط الإيمان الحقّ، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنا ما لم يكن حرّا، لأنّ الإيمان القسري عبودية لصورة الله في أذهان الآخرين، لا لله ذاته. الحرية هنا ليست نقيض الدين، بل جوهره الخفيّ الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يقول “نعم” لله وهو واع بقدرته على أن يقول “لا”. في هذه المسافة بين الحرية والإيمان، يلتقي الرفاعي بهايدغر والغزالي معا، فهايدغر في الوجود والزمان يرى أنّ الإنسان كائن قلق، منفيّ في العالم، لا يكتشف ذاته إلا في مواجهة العدم، أمّا الغزالي في” المنقذ من الضلال” فقد عاش قلقا مماثلا، حين تهاوت أمامه يقينات الحواس والعقل، حتى وجد الحقيقة في النور الذي أشرق في قلبه بإيمانية متعالية.

نخلص للقول بأنّ كليهما انطلق من القلق بحثا عن الحقيقة وانتهج سبيلا رآها مناسبة. الرفاعي يعيد هذا القلق إلى موضعه الوجودي كعطش أنطولوجي لا يُروى إلا بصلة بالإلهيّ. فإذا كان هايدغر يرى القلق طريقًا إلى الكشف عن الوجود، والغزالي يجعله طريقا إلى الكشف عن الله، فإنّ الرفاعي يجعل القلق طريقا إلى الإنسان ذاته، لأنه لا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان. لذلك، حين يتحدث الرفاعي عن الإنسان، فإنّه لا يتحدّث عن الكائن البيولوجي أو الاجتماعي، بل عن كائن يُولد وحيدا ويموت وحيدا، يعيش تجربته الوجودية منفردا: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30). إنّها تجربة العزلة الأنطولوجية التي لا يبدّدها إلا حضور المعنى، فالإيمان لا يُستعار من الجماعة، بل يُكتشف في صمت الذات وهي تواجه وجودها العاري أمام الله. غير أنّ هذا الإيمان ليس انفصالا عن العالم، بل انخراط فيه بعين ترى الجمال والرحمة في كلّ شيء. ففي فقرة من أجمل فقرات الكتاب، يكتب الرفاعي : “الفن يهب العالم جماله، والدين يهب العالم معناه” (صـ116). بهذا القول يجمع بين هايدغر الذي رأى في اللغة بيت الوجود، والغزالي الذي رأى في الجمال مظهر الحقّ، ليؤكد أنّ الدين والفن توأمان في رحم المعنى، كلاهما طريق إلى الخلود، أحدهما عبر الجمال، والآخر عبر الصلة بالله. من جوهر هذا الجمال ينبثق تصوّره لله، لا كإله الحرب والانتقام، بل كإله الرحمة والحياة: “الله ليس إله الحرب بل إله الحياة، وليس المنتقم بل الرحيم الذي يتجلى في جوهر الرحمة والمحبة” (صـ116). بهذا الانفتاح يدعو مفكرنا صريحا الى الرحمة والمحبّة، ويطهّر صورة الله من شوائب الإيديولوجيا، ليعيدها إلى أفقها الرحماني، حيث الله ليس فكرة بل حضور، ليس سلطانا بل نورا في الكينونة. يبدو ـــ وفي هذا الإطارــــ مفكّرنا وريثا فلسفيا لهايدغر حين يتحدّث عن نسيان الكينونة، وللغزالي حين يتحدّث عن ظلمة الحواس والعقل، لكنّه يتجاوزهما معا حين يجعل الله ليس فقط جوابا للقلق، بل شرطا للمعنى نفسه، إذ يدمج قلق هايدغر وطمأنينة الغزالي في وحدة أنطولوجية واحدة يرى فيها الإنسان كائنا في طريقٍ دائم إلى الله، لا يصل أبدا، لكنّه لا يكفّ عن المسير.

من الناحية المنهجية، يستعيد الرفاعي مفردات الفلسفة الحديثة، لكنه يعيد تأويلها بلغة القلب، فالوجود عنده ليس مفهوما مجرّدا بل خبرة تُعاش، والعقل ليس نقيض الروح بل بوابتها إلى النور. يقول الرفاعي: “الحرية الجوانية هي أن تحيا بإيمانك دون وصاية، أن ترى الله بعينك لا بعين الآخرين” (استنباط من فكر الرفاعي). هذا النداء الداخلي هو ذاته ما يسميه الغزالي “الذوق”، ويسميه هايدغر “الإنصات للوجود”. حين نقرأ الرفاعي من هذا الأفق، نكتشف أن الدين عنده ليس موضوعا للإيمان فحسب، بل طريقة في الوجود، هو سيرة المعنى في الكائن البشري، منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على العدم إلى اللحظة التي يغمضهما على الرجاء، هو الرحلة التي يعبر فيها الإنسان من الظل إلى النور، من الخوف إلى الحب، من القشرة إلى العمق. يرى الرفاعي أن فقدان المعنى هو الخطيئة الأصلية لعصرنا الحديث، فالعالم الذي امتلأ بالعلوم والتقنيات خسر الإحساس بالقداسة، فصار الإنسان مريضا باللاجدوى. لهذا يعود الرفاعي ليقول إن الدين ليس نقيض العلم، بل دواؤه الأنطولوجي، لأنّه يردّ للوجود “هالته” كما قال فالتر بنجامين، أي ذلك البريق الذي يجعل الأشياء أكثر من مادتها . الدين بهذا المعنى ليس هروبا من الواقع، بل إدراكا لعمقه الغائب.

في فصل “نسيان الذات” يقدّم الرفاعي نقدا للشمولية بكلّ أشكالها مثل نقد الفلاسفة الأوروبيين ما بعد الحداثة، خاصة فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو. يرى الرفاعي أن الإنسان فقد ذاته حين ذاب في الجماعة والأيديولوجيا، تماما كما قال ليوتار إنّ “السرديات الكبرى” ألغت صوت الفرد باسم الحقيقة المطلقة. عنده، ونسيان الذات هو الوجه الديني للشمولية، حيث تُحتكر الحقيقة باسم الله وتُصادر حرية الإنسان في الإيمان والتفكير. لذلك يقول: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30) إعلان أنّ الإيمان تجربة شخصية لا تُستعار من الجماعة، وليس للإيمان وصاية ولا وشاية ولا مصادرة. بخلاف فلاسفة ما بعد الحداثة الذين انتهوا إلى نسبية وعدمية، يقترح الرفاعي بديلا رحمانيا: العودة إلى المعنى الداخلي للدين كحاجة وجودية تُحرّر الإنسان ولا تسجنه. الرفاعي يلتقي مع ليوتار في نقد الشمولية، ويخالفه في النتيجة، فبينما انتهت الفلسفة الغربية إلى العدم، يدعو هو إلى إحياء المعنى والرحمة والمحبة داخل الذات. ويلتقي مع فوكو في نقد السلطة الدينية والمعرفية، إذ يقول: “احتكار إنتاج المعنى الدينيّ يعني احتكار الله” (صـ171). لكنّه يتجاوز فوكو إلى أفق روحي، فبينما فوكو يفكّك السلطة، يعيد الرفاعي بناء الذات المؤمنة الحرّة التي تواجه الله مباشرة دون وسائط مؤسسية، يلغي الأوصياء على الدين. أما نيتشه، الذي أعلن “موت الإله”، فقد أراد بذلك نهاية الإله الأخلاقي الذي صنعته المؤسسات لا نهاية الله الوجودي، فيردّ الرفاعي بعمق حين يقول: “حين يتحوّل الدين إلى نصوصٍ جامدة، ويختفي فيه البعدُ التجريبيُّ، يغيب اللهُ من حياة الإنسان” (صـ157). فهو يحيي الله الذي أَماتَه نيتشه، لا في السماء، بل في قلب الإنسان الذي يستعيد التجربة. هكذا يلتقي الرفاعي مع نيتشه في نقد الإله الميتافيزيقي السلطوي ويخالفه في النتيجة، فبينما رأى نيتشه الخلاص في الإنسان المتعالي، يرى الرفاعي الخلاص في الإنسان العارف. في فكر الرفاعي، الدين هو ما يملأ الفجوة بين وجود الإنسان وحدوده، وما يعيد له المعنى بعد أن فرّ من الإله المؤدلج إلى الفراغ.

في هذا الامتداد، يصبح الغزالي أصلا روحيا، وهايدغر مرشدا أنطولوجيا، وفوكو ناقدا للسلطة، وليوتار محلّلا للتفكك، ونيتشه صرخة إنذار ضد موت الروح. أما الرفاعي، فيوحّد هذه الأصوات في نغمة واحدة بأن لا خلاص من العدم إلا بالمعنى، ولا معنى بلا إله، ولا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان ذاته. لذلك حسب ما ورد: “التديّن الذي لا يُنقذ الإنسانَ من خوائه الوجوديّ، ولا يروي عطشَه إلى المعنى، هو تديّنٌ يطفئُ الروحَ لا يُحييها” (صـ165). في نهاية رحلتي القرائية التأملية الممتعة لكتاب ” الدين والظمأ الأنطلوجي”، انجلى عنّي اللبس كما للقارئ، بأنّ الدين عند الرفاعي ليس لاهوتا، بل أنطولوجيا للرحمة، وسيرة للمعنى في صحراء الوجود. الإنسان فيها لا يطلب الله لينجو، بل ليكون؛ لأن الله، في فكره، ليس الغاية التي تُدرك، بل الطريق الذي لا يُفارقنا ونحن نسير فيه إلى ذواتنا، إلى المعنى الذي يسكننا منذ الأزل، للننجو بواسطة ذواتنا في طريقنا إلى الله.

[1] كاتبة من الجزائر.

https://al-aalem.com/%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC/

غواية اللغة: أحمد فرديد وطه عبد الرحمن

د. عبد الجبار الرفاعي

تميز أحمد فرديد[1] بموهبةٍ وذكاء نادر، وتكوينٍ وخبرةٍ ممتازة في اللسانيات والفيلولوجيا، وبراعةٍ في ابتكارِ ونحتِ المصطلحات، والتقاطِ ألفاظ من مجالٍ تداولي وزجّها في مجال مغاير. هذا ما منح خطابَه وأحاديثَه حساسيةً لغوية فائقة، وجاذبيةً فريدة وقع في شراكها كثيرٌ ممن أصغوا إليها. تحررتْ مصطلحاتُه من الألفاظ والكلمات المستنزَفة بالاستعمال المكرّر المبتذل حدّ الإنهاك. غواية لغته بهرت أبرزَ مثقفي عصره، وأغوتهم بالإنصاتِ لصوته المميز والتلقي منه، والإدمانِ على حضور ندوته الأسبوعية “الحلقة الفرديدية”.

غوايةُ اللغة الناتجة عن توترها وإبهامها وضبابيتها، عمّقت سطوتَه في الحياة الفكرية الإيرانية، وأثارت الكثيرَ من النقاشات والجدل حول أفكاره؛ فضلا عن موقفِه الجذري الرافض للغرب، وهجائِه للفلاسفة والمفكرين، في زمنٍ كانت النخبةُ المفتونة بالثقافة الغربية متهمة، واتهاماتُه العنيفة للمثقفين الإيرانيين. لا يرى فرديد الغرب، منذ العصر اليوناني حتى اليوم، مفهومًا جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو ثقافيًّا، بل مفهومُه للغرب أنطولوجي ميتافيزيقي، تبعًا لهايدغر.

يختبئ بعضُ المفكرين وراء الألفاظ، فيشتقون مصطلحاتٍ بالعودة إلى جذورها اللغوية، أو يزاوجون ويركبون مصطلحاتٍ أخرى باستعارتها من معجمٍ تراثي، ويسقطونها على مفهومٍ مستعار من الفلسفة والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة بطريقة متنكرة. ذلك ما فعله فرديد، حين أسقط المعجمَ الاصطلاحي لمحيي الدين بن عربي على فلسفة هايدغر، فأنتج مخلوقاتٍ لغويةً هجينة تثير الدهشة، لا تعبّر عن هايدغر، مثلما لا تتجلى فيها رؤيا ابن عربي واستبصاراتُه المضيئة الرحبة.

غواية اللغة الفرديدية وإبهامها قريبان من غواية لغة المفكر المغربي طه عبد الرحمن وإبهامها، الذي يعمد إلى نحتِ مصطلحات بديلة لما هو شائع ومتعارَف عليه بالعربية. تلك المصطلحات صاغها في ضوء خبرته وتكوينه المتميز بفلسفة اللغة والمنطق الحديث، يحاول في سياق هذه المصطلحات إعادةَ إنتاج التراث، وتلوينَه بآرائه ومواقفه التراثية. كما اصطادت غوايةُ لغة فرديد أبرزَ المثقفين الإيرانيين، اصطادت غوايةُ لغة طه أكثرَ شباب الحركة الإسلامية العرب وفي وطنه قبل ذلك، من ذوي التكوين الأكاديمي الحديث، الذين سئموا من تبسيطِ أدبيات هذه الحركة، وسطحيتِها المضجرة وشعاراتِها المملة. شبابٌ قادهم الحنين إلى الهوية والبحث عن الجذور، للانبهار بكتابات طه. معظم هؤلاء لم يكتشفوا أبعادَ التراث المتنوعة، ويجهلون منزلقاتِه ومسالَكه ودروبَه، التي لا يفضي بعضُها إلا إلى المزيد من المتاهات، لمن لا يعرف مسالكَه جيدًا.

التكوين الأكاديمي والبيئة الثقافية والمناهل الموروثة لطه عبد الرحمن لا تتطابق بتمامها مع سياقاتِ تكوين أحمد فرديد وبيئتِه وثقافتِه. فرديد تمحور تفكيرُه حول هايدغر ومدرسةِ ابن عربي وتلامذتِه وشراحِه، والتصوفِ الفلسفي والعرفان النظري، وطه عبد الرحمن استند في اشتقاقاته إلى القاموسِ اللغوي، والمقولاتِ الاعتقادية للأشعري، والتصوفِ الطرقي، ومعجمِ التراث الأخلاقي. لكنهما يعمدان معًا إلى تلوينِ التراث وإلباسِه رداء اصطلاحيًّا جديدًا، يشبه ارتداءَ عجوزٍ طاعنة في السنّ لثيابِ عروس، وطلاءِ وجهها بمساحيق تجميلية صاخبة.

لا يصدق على كتابات طه أنها فلسفة، وهكذا لا يصدق على أقوال فرديد مفهومُ الفلسفة. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي المستقل، لغةُ ومصطلحاتُ الفلسفة تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةٌ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ مرجعيتُه العقل لا مرجعيةَ له خارجه، العقلُ مرجعيةٌ ومعيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أفعالِ الذهن وإبداعِه مهما كان. العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ وحدودِ ما هو خارجه مما ينتجه المتخيَّلُ وغيرُه. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، يكون هو مرجعيةُ تمحيصِ تفكيره، ومرجعيةُ تمحيصِ ما سواه مما ينتجه الذهن، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقل تدخل الروح والقلب والعاطفة في متاهات أبدية. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارج حدوده. الفيلسوف يحاول أن يفسّر حقيقةَ الظواهر والأشياء وماهيتَها، يفسّر حقيقةَ العلم وماهيتَه، الفيزياء والكيمياء ومختلفُ العلوم تنشغل باكتشافِ قوانين الطبيعة ومعادلاتِها، ولا تعرف حقيقةَ ذاتها وماهيتها.

أحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظة من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمة من عقله. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية. ذلك ما يجعل بعضَ ‏الفلاسفة يبدأون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة. الفيلسوف ينشغل بفعلِ التفلسف، يفكّر تفكيرًا عميقًا بالأسئلة والأجوبة الوجودية، يبدأ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية وينتهي بنتائج فلسفية ومنطقية. تفلسفُ الفيلسوف يعني أنه يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطحَ الأشياء والظواهر ويبحث عن حقيقتها. لا يُنكَر أن طه عبد الرحمن مثقفٌ موسوعي خبيرٌ بالتراث والحداثة، يمتلك موهبةً فذّة وذكاءً فريدًا، وتكوينًا بالفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة جادًّا، وخبرةً واسعة بالتراث، غير أن كتاباتِه الفلسفية والمنطقية تبدأ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية وتنتهي بنتائجَ لاهوتية.

برع طه في إعادةِ انتاج شيءٍ من مقولات الغزالي والفخر الرازي وابن تيمية الاعتقادية بأسلوبٍ مراوغ لغويًّا. طه تراثي برداءِ منحوتاتٍ لغوية جديدة، التراثيةُ بنيةٌ ذهنية ونفسية وعاطفية، كأنها وعاءٌ يمكن أن تملأه بأيِّ معتقد، سواء كان قوميًّا او ماركسيًّا أو دينيًّا. طه عبد الرحمن مقلِّدٌ للأشعريةِ في علم الكلام، وللمالكيةِ في الفقه، وللطريقةِ القادرية البودشيشية[2] في التصوف. يتعاطى مع مقولاتِ الأشعري وأتباعه وإجاباتِهم للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى على أنها مسلماتٌ نهائية لا تقبل النقاش. طه متكلم يختبئ بجلباب “فيلسوف”، وفي ضوء ذلك يمكن تصنيفُه، كما يُصنّف فرديد، بـ “فيلسوف ضد الفلسفة”. يتحدث طه بلغةِ الحداثة الفلسفية والمنطقية واللغوية، إلا أنه ضدّ الحداثة، يبرع بتوليد مصطلحاتٍ غائمة لتقويضِ كلِّ شيء ينتمي للحداثة. ذلك ما يدعوني أن أصنف كتاباتِه الفلسفية بوصفها محاولةً متنكرة لـ “أسلمة الفلسفة”.

لا يمكن إنكارُ ذكاء طه عبد الرحمن، ولا علم طه وموهبته الفذة. المفكر الديني يحتاج القلبَ بموازاة العقل، يحتاج النظرَ للإنسان المختلِف في معتقده بنور الله، وأن تحضر رحمةُ الله بكتابات هذا المفكر وكلماته، ويرى الإنسانَ بوصفه إنسانًا بمرآة الرحمة، بغضِّ النظر عن دينِ الإنسان وهويتِه الاعتقادية والقومية والثقافية والجغرافية. الرحمة صوت الله، وعنوانُ رحمانية كلِّ دين وإنسانيتِه وأخلاقيته. الدين لا يحتاج عباقرةً فقط، الدين يحتاج رحماءَ قبل أن يكونوا عباقرة.

الفيلسوفُ عندما يكتبُ مرجعيتُه العقل لا غير، الروائي عندما يكتبُ يتوغل في أعماق الطبيعة الإنسانية وتناقضاتها، ويُعلِن عن نزعات الشرّ الكامنة داخل الإنسان، ويفضحُ الصراعاتِ المختلفة في الواقع على السلطة والثروة. مَن يكتبُ في الدين عليه الكشفُ عن الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية العميقة في جوهر الدين، وذلك لا يتحقّق إلا بأن يحضرَ في كتابته القلبُ بموازاة العقل. الذكاءُ والعبقريةُ والموهبةُ الاستثنائية لا تكفي وحدها لمن يفكّر ويكتب ويتحدث في الدين. يحتاجُ المفكّرُ الديني لضميرٍ أخلاقي يقظ، والتسلحِ بنزعةٍ إنسانية في كتاباته، ترى الإنسانَ كما يراهُ الله. مَن كان ضميرُه الأخلاقي يقظًا ويكتبُ في الدين، ليس بوسعه أن يقفَ متفرّجًا وهو يرى التلاعبَ بفهم الدين، وطغيانَ القراءة المغلقة المتشدّدة للنصوص الدينية، وهي تفترسُ واقعَنا.

[1] في عام 1910 أو 1912 ولد السيد أحمد مهيني يزدي في يزد، وتوفي في طهران عام 1994.

[2] الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية، يوجد مقرها في قرية مداغ بإقليم بركان شرق المغرب في منطقة قبائل بني يزناسن. تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي ظهر في القرن الخامس الهجري. أما لقب البودشيشية، فقد اكتسبه بواسطة الشيخ علي بن محمد الذي حمل لقب «سيدي علي بودشيش» لكونه كان يطعم الناس أيام المجاعة طعام الدشيشة  بزاويته. “ويكيبديا”.

 

https://alsabaah.iq/83381-.html?fbclid=IwAR0QaxzS-wuk9MizDpJr9wr7bA-KZyyzIGg8i2HJgeHBVL4f_bgjXZSrTmU