وكأنها سيرة كتب لا سيرة كاتب فقط

مها الغيث[1]

إنه كاتب برتبة قارئ. قارئ من قبل ومن بعد، لم تعتقه القراءة من أسرها يوماً واحداً في حياته، غير أنها لا تنفك تتغاير على هوى الواقع ومدارك الوعي وتغير المزاج لا محالة! فيروي هنا تفاصيل تجر تفاصيل عن رحلته التي لا تزال تمضي على طريق الكتابة بمعية القراءة. الكتابة التي تعلمها بالكتابة، لا على مقاعد دراسية، ولا في ورش كتابة إبداعية، ولا من خلال منشورات تعلّم (الكتابة في سبعة أيام) على غرار التوصيات الدعائية المفرطة في السذاجة. إنما الكتابة في نظره منظومة متكاملة من معايير، تجمع بين استعداد فطري، وذهن حاضر، وشخصية صبورة، وقراءة نوعية دؤوبة، وتمارين كتابة شاقة مؤبدة، وتضحيات غير مأسوف عليها من متع الحياة المادية!

وبينما يعتقد الكاتب بإمكانية موازاة سعة القراءة لسعة الكتابة في أنماطها ومختلف مجالاتها، لا يضمن بلوغه مبلغاً من العلم يجعله لا يقرّ بمدى عمق مجاهله التي تبلبل مغاليقها أسئلة تتوالد مع تنامي معارفه. أسئلة يحرّض عليها تفكير خلّاق، وعقلية جدلية، وقراءة جادة لا تسلّم له بما اكتسب، بل تثير فيه بواعث الشك والريبة والحيرة، وتغربل ما اعتنق من حقائق، وتزحزح ما آمن به من مسلّمات، وتدفعه نحو إعادة النظر فيها من جديد بعين رقيب وفكر ناقد، على الدوام. لا عجب بعد هذا أن يصنّف الكاتب كتابه كـ (فصل من سيرة كاتب)، كما جاء في عنوانه الفرعي، وبوصفه أثمن ما عاشه في حياته، كما عبّر في مقدّمته.

أما عنه، وكما ينقل موقعه على شبكة المعلومات، فهو (د. عبدالجبار الرفاعي 1954) مفكر عراقي، حاصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية، ومختص في علم الكلام وفلسفة الدين. وهو إضافة إلى هذا، أستاذ جامعي، عمل على إصدار عدد من المؤلفات تصبّ في مجال تجديد الخطاب الديني، المثير للجدل بالضرورة، ونال العديد من الجوائز المحلية والعربية والعالمية.

ومن أروقة الكتاب، أدوّن شذرات، وأقتبس نصوصاً بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): يكتسب القارئ خبرة ما بعد تجواله في عالم الكتب، فلا ينتقي منها إلا ما يعزز بناء المعرفة الذي شيّده لنفسه، وبيقظة ودراية، ولا تعود تلك، ذات العناوين الطنانة، تجذبه بإغواء رخيص وهي خاوية من أي نفع حقيقي! يقول الكاتب في (القراءة العشوائية): “ما يخدع القراء من الكتب ويزيّف وعيهم ليس قليلاً، مثل هذه الكتب ينبغي الفرار من شراكها. لا يعكس تعدّد عناوين الكتب واختلافها تنوع مضمونها. يكون التعدد أحياناً تكراراً مملاً لكلمات خاوية، لا تجيد رسم صورة ما تنشده بلغة صافية؛ فقلما نقرأ من يمتلك موهبة إعادة بناء الكلمات ورصفها بتشكيلة معمارية فاتنة. تسود مجتمعنا حالة شعف بالكلام، وطالما تحول الكلام إلى ركام كتب مبتذلة لا تقول شيئاً مفيداً، يضيع فيها عمر القراء ويزيف وعيهم. أعرف رجال دين لا يعرفون الكتابة، يتحدثون كثيراً بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وحين تتراكم تحت أيديهم أموالاً لم يبذلوا جهداً في اكتسابها، يجندون طلاب العلم المحتاجين إلى قوت يومهم، لينتجوا لهم كتباً من ركام كلماتهم، فيباغتون القراء بعد سنوات قليلة بنشر عشرات المجلدات بأسمائهم”.

وفي (كلما احترقت مكتبة انطفأ شيء من نور العالم) وبعد أن يعرض تجربته الشخصية في ضياع مكتبته، لا لمرة واحدة، بل لمرات كان إحداها بفعل حريق متعمّد له أسبابه القاهرة، يتعرّض الكاتب من ناحية أخرى للتراث العربي الذي شهد على مدى العصور، مجازر وإتلاف وإغراق وحرائق انتقامية، أودت بكنوز من كتب قد لا تقدر بثمن! فمن هولاكو وماكينة التدمير التي أودت بحياة مكتبات بغداد النفيسة، وحرائق مكتبات الأندلس إثر سقوط آخر معاقلها في غرناطة، إلى آليات التدمير الأخرى التي اعتمدتها الفرق الإسلامية في تكالبها على بعضها البعض، وتعمّد الفئة الناجية طمس مآثر الفئة الضالة -حسب رواية المنتصرين- كالذي جرى مع أديب الفلاسفة وفيلسوف أدباء بغداد أبو حيان التوحيدي! فيقول الكاتب ابتداءً: “متعة الظفر بكتاب ممنوع بعد سنوات من البحث عنه لا يعرفها إلا هواة الكتب. في زمن غياب المنع ووفرة الكتب الورقية والإلكترونية، يخسر القارئ هذا النوع من الشوق الغريب للممنوع ولا يبتهج بمتعة الظفر بكتاب بعد سنوات مديدة من البحث عنه”.

ثم يضيف ملح على جرح القارئ التقليدي الذي لم ينفك يرقب الكتاب الورقي وقد احتوشه الكتاب الإلكتروني، إثر الطفرة الرقمية التي باتت تبرمج شؤون الحياة بضغطة زر، والكاتب يتحدث في (الكتابة في عصر الإنترنت) من منطق واقع أشد قساوة من منطق ذلك القارئ الرومانسي! فيقول في نبرة تشوبها حسرة: “لا شيء يحمينا من زحف الكتابة والكتاب الإلكتروني، وليس باستطاعتنا إيقاف شلال الإنترنيت الكاسح الذي يتسلط على كل شيء في حياتنا. في منازل الكتاب، غالباً تتبعثر الكتب بشكل فوضوي في غرف وباحات بيوتهم، المولعون بالورق كأنهم يستمعون إلى سمفونية تفيض على مشاعرهم رقة وهدوءاً. للكتاب بوصفه كائناً نعيش معه إيحاء مهدئ لا يتحسسه إلا أولئك المغرمون بالورق يتعاطون معه كأنه صديق حميم، يبدد وحشة عزلتهم، ويخفّض شيئاً من اكتئابهم، ورفيق عاطفة يبوح لهم بما لا يبوحه أقرب الخلان، ومصباح يضيء عقولهم بما لا يرونه بأي ضوء غيره، ومحطة استراحة تبدد شعورهم بالقرف والملل وتكسر نمطية حياتهم ورتابة التكرار فيها لحظة ينخرطون في حوار مع الكتاب، يحدثهم فيحدثونه، يصغون إليه فيصغي إليهم، يناقشونه فيناقشهم، يشاكسونه فلا يمتعض منهم. يبقى على الدوام يهبهم ما يتوقعونه وما لا يتوقعونه منه بلا أي ثمن”.

ختاماً، هو كتاب لا بد أن يُقرأ من عنوانه! فمع المسرّة التي صاحبت قراءته كلمة بكلمة، يستشعر القارئ الحصيف أن تلك الكلمات ما كان لها أن تجتمع إلا بعد مخاض للكتابة عسير، لا يدل احتباسها، إلا على وفرة من خبرة وحكمة وإبداع.

على الهامش: على الرغم من أنني كنت أضع قائمة من كتب المؤلف على لائحة المشتريات، إلا أن هذا الكتاب جاء الأول فيما اشتريت وقرأت، خلافاً لما كان ينبغي أن يكون، المؤلفات قبل السيرة، أو هكذا أعتقد! يدفعني هذا للمضي قدماً واستيفاء اللائحة بأسرع وقت ممكن!

[1]هما الغيث، كاتبة عمود (قراءة في كتاب) في جريدة الشرق القطرية، وكاتبة عمود في (ضفة ثالثة) / منبر ثقافي تابع لجريدة العربي الجديد، وكاتبة عمود سابقة في جريدة المشرق العراقية.

 

https://www.almothaqaf.com/readings-2/982663

كتابة في الكتابة

   محمد خضير

*”الكلمات في الكتابة صوت التفكير”.

*”الكتابة بلا تفكير ليست سوى صوت طبل أجوف”.

*”الكاتب الحقيقي يكتب كتاباً واحداً، ما قبله تمارين ما بعده تنويعات”.

*”أخطر أنماط العبودية عبودية العقل، هي التي تفضي إلى عبودية الروح والعواطف والضمير”.

عبد الجبار الرفاعي

 

يبدو بحث الدكتور عبد الجبار الرفاعي “كتابة في الكتابة” رسالة تعليمية في تعلم فن الكتابة، فهو يندرج تحت باب القواعد والتعريفات التي اشتهر بها كتاب الصين القدماء. لكن المتابع لأسلوب الرفاعي في مناقشة النصوص والأفكار وتأليفها، سيرى في هذا البحث حفراً أنطولوجياً في أصول الكتابة وانفتاحاً معرفياً على ثقافة “الآخر” المختلف فكرياً وذوقياً، وسيتعرف طرائق جديدة للتدوين أتاحها عصر المعلومات. كما سيجد فيها نقدا لنوع من “الكتابة ضد الكتابة” أو “اللاكتابة”. لكن بحثه هو ذاته كتابة “ضد” الكتابة الشائعة في أوساطنا الثقافية اليوم.

لقد وجدت في بحث “كتابة ضد الكتابة” للدكتور عبد الجبار الرفاعي إجابة وافية على قلقي وقلق أكثر الكتاب في مقاربة الفعل التدويني (بشكليه التحقيقي والتخييلي، اليدوي والالكتروني)، فهو إضافة إلى استلهامه الأصول الكلامية الإسلامية، يؤسس لتربية فلسفية ذاتية تهتم بحفريات العقل وتنهل من روافد ثقافة عصر “الإنترنت” المتاحة بأيسر السبل والمصادر. خاصة إذا عرفنا أنها تصدر عن أحد ألمع فلاسفة عصرنا الاسلاميين المجددين الذين يتصارع في ثقافتهم الجانبان الكشفي الإلهامي والتحقيقي النصي، أو الوحي الوجداني والأثر البرهاني، إحياء الماضي وتدوين الحاضر. هذا كله لرفد علم الكلام بكتابة جديدة، تعاصر ثورة المعلومات وتعاند “مكر التاريخ”. كتابة هي من “نسج ذات الكاتب، لا كتابة بالنيابة عنه” كما يقول.

لقد حرص فلاسفة الاسلام على تمثيل الواقعة البرهانية لتخفيف الشطح الوجداني، الذي تذوب فيه الذات المتفلسفة في إشراق الذات العليا، حيث تفيض بنورها على العقول التي تسفلها، في تراتبية مقبولة لدى سلطات الحكم، أو توحيد لوجود الذاتين في “جبة” الفلسفة في مواقف الشبهة الإبداعية، وهي مرفوضة لدى “محاكم” الإسلام الشرعية. من هنا نفهم محاولة عبد الجبار الرفاعي في فلسفة ذاته “التربوية” وإشهاره لموقفه من الكتابة التي تفارق “الأسلوب” الأصولي، ولا تنقض الجوهر الوجودي في صيغته الأصلية.

أقول هذا، لأنه قد يفهم البعض أن “المفارقة الأسلوبية” تجديد ظاهري فوقي للكشف الجوهري وليس تفكيكاً (هيرمونطيقياً) قصدياً لسلطة النصوص المأثورة، يتوجب أن يبحث عن أسلوبه ويتعلق به تحديداً. ولا أرى في هذا الزعم إلا تخطياً فوقياً كذلك لتربية الذات الإسلامية المخصوصة بموضوعها قبل كل شيء. فالعالم المخلوق، المصوغ أساساً من (بيان) إلهي بليغ، يتطلب أقصى انتباه لصياغته الكتابية، في تربية الذات الإسلامية، وليس إقصاء قسرياً لها. وبمعنى آخر أن تكون لجوهر الذات الوجودية كتابة تنتقل به بين الذوات المتبدلة، والأزمان المتحولة. وهي كتابة متعلقة بموضوعها بقوة الذات التي تفهمه وتشهره، لا بقوة الغير التي تنقضه وتنكره. لذا فإن تربية الذات “تتدرج” في معرفة العالم، لا أن تؤسسه ذاته من ذاتها، حسب مفهوم أفلاطون وتلميذه ابن طفيل. أي أن يحدث كشف يؤدي إلى بحث ثم برهان، ولكل مرحلة كتابتها وأسلوبها. أي لكل كتابة جوهر ثابت ووجود علاماتي متغير. وفي هذه الحالة، فإن الاعتراض المقبول على كتابة التربية الذاتية هذه، هو أن تنبثق الكتابة المتغيرة من جوهرها الوجودي لا من أضداده. أي أنها كتابة “في” الكتابة، لا كتابة “ضد” الكتابة.

ما الذي يدفعني إلى إعلاء منزلة “الكتابة في الكتابة” فوق منزلة “الكتابة ضد الكتابة”؟

نجد أن صياغة البلاغ القرآني، وهو الأرفع بين علامات الوجود وكتابته، قد احتوت صياغات جوهرية “تعبيرية” من علامات زمانها وما قبل زمانها، بكتابة تعدت زمانها وغير زمانها. وفي صياغة هذا البلاغ يتّحدُ الوجدان والبرهان أقوى اتحاد وأجلى تعبير. فلم تكن بذلك صياغة ضد صياغة البلاغات التي سبقتها، بل احتوتها كلها بكتابتها “من دون تفريق”.

هذا دليلي في معنى عنوان المقالة وإيحاءاته الفورية، أما كتابة المقالة كلها فهي دليل متشعب عن العنوان على كتابة الرفاعي المترفع على الكتابة، بمعنى “المتوحد” أو “المتأله” في مفهوم الإشراقيين و”المفكر” أو “المتفلسف” بلغة المتأخرين. وإن كتابته هي كتابة “المغترب” عن زمانه. ولا أظن أن موقعه الرمزي هذا يسمح بتأويل كتابته تأويلاً مضاداً، إلا بتميز ذاته التربوية الإسلامية من تربويات الكشف والبرهان لدى من سبقه من فلاسفة الغرب (نيتشه وسبينوزا وكيركيجارد).

وبعد، ما الذي يعني ذاتي الكتابية من كتابة ذاتٍ ارتقت درجات فوق كتابتي؟ ما يعنيني وغيري أن الرفاعي لم يخص ذاته برسالته، بل قصد أن تشيع بين أصحاب الكتابة الحقة وتسعدهم بكشوفاتها.