الملاحم الكبرى: سرديات ارتقت إلى مرتبة المقدس

د. عبد الجبار الرفاعي

السرديات نصوص أدبية طويلة، تحكي قصصًا ذات طابع أسطوري وتاريخي، ولا تخلو أكثرها من معنى ديني. تتناول موضوعات، تلتقي فيها حكايات وأساطير ذات نسق واحد، وتمثل بنية رمزية شاملة، وتقدم إطارًا تفسيريًا كليًا للوجود والعالم والمجتمع والتاريخ. هذا الإطار يمنح الإنسان معنى لوجوده وحياته، ويرسم رؤيته للعالم، والخير والشر، والحياة والموت، ويعمل على تشكيل هويته الفردية والمجتمعية، ويزوده برؤية بما جرى في الماضي، ويتنبأ بما يجري في المستقبل. تولد هذه الحكايات والأساطير من متخيل المجتمع، ليعبر فيها الإنسان عن كيفية تعريفه لذاته، وللزمان والمكان والتاريخ، وما يلون به صورته من مزاعم بمنجزات خارقة، وانتصارات وبطولات وأمجاد ومكاسب استثنائية في حروبه ومغامراته، وتجاهل لخساراته وهزائمه. تطغى في هذه النصوص عبارات، تمتزج فيها أحلام المجتمعات بتوهم تفوقها المبهر، وتطرحها وكأنها حقائق نهائية لا تناقش، من دون أن تستند إلى أية أدلة أو معطيات ووثائق تؤكدها.

السرديات بما هي نصوص أدبية استطاعت حفظ اللغة والدين والهوية والذاكرة، لأنها لم تكن مجرد نصوص تُروى، بل كانت أنساقًا رمزية حيّة تستعاد في التعليم والمسرح والاحتفالات، وأحيانًا في الطقوس، وبمرور الزمن اكتسبت هذه النصوص سلطة رمزية في الوعي الجمعي. حفظت هذه السرديات اللغة، لأنها صاغتها بأجمل أشكال التعبير الشعري والنثري، فصارت معيارًا للبلاغة، ومصدرًا للتداول، ومعجمًا للمفردات. أمّا الهوية والذاكرة فقد حفظتهما النصوص، لأنها قدمت سرديات تأسيسية تعرف الجماعة بذاتها، وتعيد إنتاج أمجادها، وترسخ صورتها عن الأصل والمصير. اللغة، بوصفها وعاءً للمعنى، لم تحفظ النصوص من النسيان فحسب، بل حولتها إلى نص سردي متجدد، يستأنف حضوره في كل جيل، ويعاد تأويله، فغدت نصوصًا خالدة، لأن اللغة التي حملتها قادرة على تحديث معجمها، وعلى حماية الذاكرة من زمن إلى آخر دون أن تفقد دلالاتها الرمزية. اللغة التي احتضنتها هذه السرديات لم تكن وعاءً عابرًا، بل صارت قوة تصونها من التبدد، وتحرسها من النسيان، وتعيد بعثها في كل جيل، لتغدو نصوصًا أبدية تحيا بحياة اللغة، وتحيا بها اللغة أيضًا. وبذلك لم تكن السرديات حكايات بطولية فقط، بل مرايا لهوية المجتمعات وذاكراتها، تحفظ انتصاراتها، وتمحو من الذاكرة إخفاقاتها وهزائمها وانكساراتها، وتمنحها المعنى الذي يعزز ثقتها بذاتها، وشعورها بالتفوق والانتصار المستمر.

الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار هو من صاغ مصطلح السرديات في سياق نقده للحداثة، مؤكدًا أن مرحلة ما بعد الحداثة تتسم بفقدان الثقة بهذه السرديات. لا أتحدث هنا عن السرديات بما هي أيديولوجيات تفسيرية شمولية، تدعي تفسير التاريخ والواقع وفق منطق حديث، مثل: الماركسية والقومية والتنوير والليبرالية وغيرها، إنما أتحدث عن السرديات بما هي نصوص أدبية كبرى، تمثل صوتًا فريدًا لمجتمعها، وتشترك في تقديم إطار شامل يفسر الوجود الإنساني ويمنحه معنى، مثل: ملحمة جلجامش التي تعود أصولها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ودونت ألواحها المسمارية في الألف الثاني قبل الميلاد في حضارة سومر وأكد، وحفظتها لنا النسخة البابلية التي جمعها الكاتب البابلي “سين-لقي-أونيني” بين القرنين الثالث عشر والعاشر قبل الميلاد، وتتألف من اثني عشر لوحًا طينيًا، وهي النسخة الأشمل مقارنة بالنسخة الأكدية المدونة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، التي تعد أول محاولة لصياغة الملحمة بشكل موحد، لكنها لم تصلنا كاملة. تقدم هذه الملحمة صورة إنسان بلاد الرافدين الباحث عن الخلاص من قلق الموت، وتعكس تأملاته في اكتشاف معنى الموت والخلود، حيث يسعى جلجامش لفهم مصيره بعد فقدان صديقه أنكيدو، ليصبح النص رمزًا للبحث الإنساني عن معنى وجود الإنسان وموته.

الإلياذة والأوديسة، المنسوبتان إلى هوميروس، والمدونتان في القرن الثامن قبل الميلاد، تمثلان ذروة التعبير الملحمي في الحضارة اليونانية، حيث صاغتا الوعي الجمعي، عبر سرد بطولي يلتقي فيه الإنسان مع الآلهة والمصير. تتألف كل منهما من أربعة وعشرين نشيدًا مكتوبًا في الوزن السداسي، وتتناولان موضوعات الحرب والبطولة والعودة والحنين، وقد بلغ عدد أبيات الإلياذة نحو 15693 بيتًا، بينما تضم الأوديسة حوالي 12110 أبيات، وفق أكثر الإصدارات النقدية اعتمادًا، مما جعلهما نموذجين تأسيسيين للملحمة بوصفها نصًا كونيًا يعيد تشكيل الذاكرة والهوية الجمعية.

وتمثل المهابهاراتا والرامايانا ذروة التعبير الملحمي في الهند، حيث تتداخل فيهما الأسطورة مع الفلسفة والسرد البطولي بالتأمل الروحي، في نسيج لغوي وثقافي وديني، جمع لهجات الهند ومفاهيمها الدينية في نصين تأسيسيين للوعي الهندوسي. المهابهاراتا، المنسوبة إلى الحكيم فياسا، تروي صراعًا ملحميًا بين قبيلتين ملكيتين، وتُعيد إنتاج مفاهيم الكارما والدارما ضمن رؤية كونية للواجب والقدر. بدأ تدوينها في القرن الرابع قبل الميلاد واستمر حتى الرابع الميلادي، لتغدو أوسع ملاحم الهند وأطولها، بأكثر من مئة ألف بيت شعري، موزعة على ثمانية عشر كتابًا. أما الرامايانا، المنسوبة إلى فالميكي، فتسرد رحلة الأمير راما لاستعادة زوجته سيتا من ملك الشياطين رافانا، وتعبر عن التجلي الإلهي في قالب سردي طقوسي، يستخدم حتى اليوم في المسرحيات والاحتفالات الدينية. هاتان الملحمتان، رغم طابعهما السردي، تعيدان تشكيل البنية الاجتماعية والروحية للهند، وتخلدان مفاهيم التضحية والبطولة في فضاء رمزي ارتقى إلى مرتبة المقدس. ولدى الرومان كتب فرجيل “الإنيادة”، الذي عاش بين 70 و19 قبل الميلاد، وهي واحدة من السرديات الكبرى التي صاغت الأساس الرمزي والخيالي لفكرة روما الأبدية، حتى غدت بمثابة نص مؤسس لهوية الرومان. دوّن فرجيل رحلة البطل الطروادي إينياس، وهو بطل أسطوري من بقايا طروادة المدمَّرة في القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريبًا، مصورًا مسيره من دمار الماضي إلى تأسيس لافينيوم[1] ثم روما بوصفه رمزًا لولادة أمة جديدة من رحم المأساة. جعل فرجيل من إينياس الجد الأسطوري للرومان، فكرس نسبًا متصلًا يربط الطرواديين باللاتينيين وينتهي إلى رومولوس مؤسس روما سنة 753 قبل الميلاد، بما يمنح المدينة قدرًا سماويًا وشرعية تاريخية. لم تكن الإنيادة مجرد قصيدة شعرية بل نصًا وظيفيًا ارتقى إلى مستوى السردية المقدسة، إذ رسخت قيم الوفاء للأسرة والآلهة والوطن في مواجهة الهياج والعنف، وقدمت للرومان وعيًا جماعيًا بأصولهم وقدرهم في التاريخ. كتبت الملحمة في ظل الإمبراطور أوغسطس، الذي حكم بين 27 قبل الميلاد و14 للميلاد، فجاءت أداة أيديولوجية لترسيخ شرعية الحكم الجديد بعد الحروب الأهلية، إذ ربطت بين إينياس والسلالة اليولية، وهي سلالة يوليوس قيصر الذي عاش بين 100 و44 قبل الميلاد واغتيل في روما، وأوغسطس، بوصفهم ورثة القدر الطروادي وحملة رسالة الآلهة. أعيد إنشادها وتدريسها في المدارس، وتحوّلت إلى كتاب هوية جمعية وتعليم يتلقاه الناشئة جيلًا بعد جيل، حتى ارتقت في وعي الرومان إلى مقام النص المقدس الذي يمنح أصلًا ومعنى ورسالة، ويمدهم بإحساس بأن روما ليست مجرد قوة عسكرية محلية، بل قدرًا كونيًا مرسومًا لها رسالة هيمنة سياسية وعسكرية وتمدينية على الشعوب الأخرى. وظيفة روما نقل القانون والنظام والثقافة الرومانية إلى هذه الشعوب الخاضعة لها، وهي لم تكن توسع عدواني، بل إرادة الآلهة، أي أن رسالة الإمبراطورية الرومانية ليست خيارًا سياسيًا بل مصيرًا مقدرًا. هكذا صارت الإنيادة سياسيًا هوياتيًا لترسيخ الإمبراطورية. الرومانية نصًا جامعًا يخلد الذاكرة ويحفظ اللغة ويؤسس لهوية راسخة.

الشاهنامه هي الملحمة الفارسية الكبرى التي أنشدها أبو القاسم الفردوسي بين عامي 977 و1010م، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل، تعد من أعظم القصائد الملحمية في الأدب العالمي. يقال إنها تتألف من ستين ألف بيت شعري بالفارسية القديمة، غير أن النسخ المتداولة، كالنسخة التي صححها جلال خالقي مطلق، تضم نحو 49,530 بيتًا، وتكشف مقارنات الخبراء المتخصصين أن أقدم المخطوطات الكاملة القريبة من تلك النسخة، مثل مخطوطة لندن المؤرخة بسنة 675هـ، تحتوي 49,618 بيتًا، وهذا يعني أن التقدير الشائع بأنها مؤلفة من نحو ستين ألف بيت لا تؤيده الأصول الموثوقة. تستند الشاهنامه إلى مصادر زرادشتية وتاريخية أبرزها: “خداي نامه”، الذي جمع الروايات الأسطورية للملوك الإيرانيين قبل الإسلام. جاءت هذه الملحمة بعد قرون من الفتح الإسلامي، في لحظة فارقة من التاريخ الإيراني، لتعيد تشكيل الوعي القومي، وتبعث اللغة الفارسية بوصفها لغة ثقافة وأدب وهوية مشتركة، وترمم الذاكرة الجمعية، عبر سرد بطولي يمتد من خلق العالم إلى الفتح الإسلامي، يعمل على إحياء كلمات الفارسية القديمة، قبل تشبع هذه اللغة بالمفردات العربية بعد الإسلام. سألت الدكتور حسين علي محفوظ[2]، الخبير في اللغة الفارسية، عن نسبة المفردات العربية في الفارسية الحديثة، فأجاب: “تبلغ في المعاجم نحو 60% تقريبًا”، ويقول المتخصصون في هذه اللغة: إن المفردات العربية في الاستعمال اليومي لا تتجاوز عادة 25 إلى 30%. في الشاهنامه حاول الفردوسي أن يعيد للفارسية معجمها القديم قبل تغلغل العربية فيها، فلم يستخدم من المفردات العربية سوى 800 إلى 1000 كلمة تقريبًا، ضمن نص شعري يناهز 60 ألف بيت. بغية حفظ المفردات الفارسية من الاندثار، مما جعل الشاهنامة رمزًا للمقاومة الثقافية وإحياء الهوية القومية. لذلك ارتقت هذه الملحمة إلى رتبة المقدس الرمزي، فصارت تقرأ بوصفها نصًا مؤسسًا للذات الإيرانية.

لدى اليابان الكوجيكي، الذي دوّن سنة 712م، ونيهون شوكي، الذي دوّن سنة 720م. وهما نصّان أسطوريان تاريخيان دوِّنا في فترة نارا لتأسيس سردية يابانية جامعة. جمع الكوجيكي، الذي دوّنه العالِم أونو نو ياسومارو (توفي 723م)، أساطير نشأة الكون بحسب الشنتو، وقصص ولادة الآلهة، ونزول الإلهة الشمسية آماتيراسو (إلهة أسطورية)، وربط نسب الأباطرة بها ليمنح العائلة الإمبراطورية قدسية. أما نيهون شوكي، فقد أشرف على تدوينه الأمير تونِري (676–735م)، فجاء أكثر تفصيلًا وتوثيقًا بالصينية الكلاسيكية، جامعًا بين الأسطورة والتاريخ، وموثقًا أصول اليابان وأحداثها السياسية المبكرة. وقد ارتقيا في الوجدان الياباني إلى مقام النصوص المقدسة، إذ لم يُعاملا ككتب تاريخية فقط، بل كنصوص طقسية تُقرأ في الشعائر الشنتوية، ويُستعاد مضمونها في الاحتفالات الإمبراطورية، وتُلقَّن للأجيال بوصفها رواية الأصل ومعنى الوجود الجماعي، وبذلك تحوّلا إلى ذاكرة مقدسة تحفظ هوية اليابان وتمنح الدولة والأباطرة هالة تتجاوز السياسة إلى المصير الأسطوري.

وفي إيطاليا كتب الكوميديا الإلهية دانتي أليغييري بين عامي 1308 -1321، وهي تعد من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ الأوروبي، إذ جسدت رحلة رمزية للروح من الجحيم إلى الفردوس، ورسمت خريطة كونية للمصير الأخروي في الوعي المسيحي الوسيط. تتألف الكوميديا الإلهية من ثلاثة أقسام: الجحيم، والمطهر، والفردوس، ويضم كل منها ثلاثًا وثلاثين نشيدًا، إضافة إلى نشيد افتتاحي، ليبلغ مجموعها مئة نشيد مكتوبة باللسان الفلورنسي، في الوزن الثلاثي المقفى المعروف بالتيرزا. في هذا العمل، يدمج دانتي اللاهوت المدرسي بعلم الفلك الأرسطي والخيال الشعري، ليقدم سردية كونية شاملة، تتداخل فيها: الفلسفة، والسياسة، والتاريخ، والشعر، وتعكس رؤية مسيحية للخلاص والعدالة والنعيم الأبدي. ارتقت الكوميديا الإلهية إلى رتبة المقدس الرمزي، فغدت نصًا مؤسسًا للهوية الروحية والثقافية للغرب اللاتيني، واستخدمت في التعليم والوعظ والتأمل، وظلت تستعاد بوصفها تأويلًا شعريًا للاهوت، وتجسيدًا سرديًا للعدالة الإلهية. لم يقتصر أثر الكوميديا الإلهية على الفكر الديني والأدبي، بل امتد إلى الفنون التشكيلية والموسيقى، فألهمت أعمال بيوتشيلي، ودوريه، وميكيل انجلو، ورودان، كما غذت موسيقى ليستش وتشايكوفسكي، لتغدو علامة كبرى على تلاحم الفن بالمقدس في المخيال الأوروبي.

في الصين برزت سرديتان كبريان صارتا جزءًا من ذاكرة الأمة ووجدانها الجمعي. الأولى: رومانسية الممالك الثلاث التي دوِّنت بين القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر الميلادي، ونسبت إلى لوه قوان تشونغ “توفي نحو 1400م”، وهي ملحمة تاريخية سياسية تسرد وقائع انهيار أسرة هان وصراعات الممالك الثلاث “220–280م”، وتصور الصراع على السلطة، والدهاء السياسي، وقيم الولاء والبطولة، فصارت من أهم نصوص الهوية القومية الصينية ومصدرًا للأمثال والحِكم الشعبية. والثانية: رحلة إلى الغرب، فقد ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي على يد وو تشنغ إن “1500–1582م تقريبًا”، وهي ملحمة روائية دينية رمزية تروي رحلة الراهب البوذي شوانزانغ إلى الهند في القرن السابع الميلادي. في ملحمة “رحلة إلى الغرب”، الشخصية الأبرز والأكثر شعبية هي سون ووكونغ، المعروف بـ “ملك القردة أو القرد الملك”. وقد مزجت هذه الملحمة بين البوذية والطاوية والميثولوجيا الشعبية، لتصبح من أبرز نصوص المخيال الصيني. ومعًا شكّلتا سرديتين كبريين: الأولى سياسية تاريخية تعلي من قيمة التخطيط والوفاء، والثانية دينية رمزية تعكس البحث عن التنوير الروحي، وكلاهما ارتقى إلى نص مقدس يختزن هوية الصين ويغذي خيالها الثقافي عبر القرون.

دون كيخوتي دي لا مانتشا، هي الرواية التي كتبها ميغيل دي ثيربانتس، ونشرت بجزئيها عامي 1605 و1615. هذا العمل يعد نقطة تحول مفصلية في تاريخ الأدب الأوروبي، إذ دشن الميلاد الأول للرواية الحديثة، وأعاد قراءة البطولة والأسطورة بوعي ساخر يفكك يقين السرديات القديمة. في هذه الرواية، تتحول شخصية الفارس الحالم إلى مرآة للإنسان الذي يسعى نحو العدالة والخير، وسط عالم ساخر لا يعترف بالمثال، فتغدو رحلته نوعًا من الرحلة الداخلية، تتجاور فيه البطولة مع الجنون، والحلم مع الخيبة، والنية الطيبة مع النتائج المأساوية. وعلى الرغم من أن الرواية لا تنتمي إلى الأدب الديني، إلا أنها تلامس المقدس من جهة الرمز، إذ تجسد مفارقة الإنسان بين المثال والواقع، وتعيد تشكيل صورة الذات بوصفها كائنًا سرديًا، يبحث عن معنىً يتجاوز حدود التجربة اليومية. بهذا المعنى، ترتقي دون كيخوتي إلى رتبة المقدس الرمزي، وتضاهي في وظيفتها بعض النصوص الدينية، لأنها تمنح الإنسان تعريفًا متخيلًا عن ذاته، وتضفي على حياته معنىً يتجاوز الزمان والمكان.

الملاحم الكبرى لم تخلد لأنها نصوص أدبية مطولة فحسب، بل لأنها ارتقت إلى مكانة النصوص المؤسسة التي حفظت اللغة والدين والهوية والذاكرة معًا. فقد تحولت اللغة فيها إلى مستودع للمعاني والرموز، فغدت الإلياذة والأوديسة حافظتين للروح اليونانية، والمهابهاراتا والرامايانا معينًا للسنسكريتية، والشاهنامة حصنًا للسان الفارسي القديم بعد أن تهدده الزوال، والكوميديا الإلهية جسرًا أعاد للفلورنسية قوتها فكانت منبع الإيطالية الحديثة، ودون كيخوتي نصًا جامعًا وحارسًا للإسبانية. في هذه النصوص يظهر كيف تحرس الملحمة الدين وتعيد إنتاج المقدس في صور بلاغية ورمزية، فالبهاغافاد غيتا في قلب المهابهاراتا نص ديني حيّ، والكوميديا الإلهية رسمت الجغرافيا الأخروية في اللاهوت المسيحي، وملحمة جلجامش حملت السؤال الأول عن الموت والخلود، بما هو سؤال أنطولوجي مهّد الطريق للوعي الديني.

لم نقرأ في اللغة العربية نصوصًا أدبية مدونة طويلة تتناول الحكايات والأساطير، قبل ظهور الإسلام أو بعده، يمكن أن ينطبق عليها وصف “السرديات الكبرى”. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من أبرزها: غياب الإمبراطورية أو الدولة المركزية في الجزيرة العربية، وتنوع القبائل وحياتها البدوية في الصحراء، والتنافس القبلي الذي يقوم على التفاخر والارتجال، لا على البناء التراكمي للنصوص؛ فكل شاعر أو راوٍ كان يسعى لتمييز نفسه وقبيلته، لا لبناء سردية مشتركة، مما أعاق نشوء سرديات طويلة ذات طابع جماعي تأسيسي. يضاف إلى ذلك قلة المدن وضعف الحياة المدينية في الجزيرة العربية، وسيادة الشفاهية، مما حال دون تراكم سردي موسع قبل الإسلام يمكن تدوينه لاحقًا، بسبب شح التدوين أو ندرته. لذلك كانت الذاكرة مستودعا يستوعب الشعر والقصص والأساطير، دون أن يتحول ذلك إلى سرد طويل مدون يحمل وظيفة تأسيسية مرجعية. وقد أدت هذه العوامل إلى عدم تشكل هوية جامعة تعبر عن أحلام قومية تلتقي حولها تطلعات أمة واحدة، تصاغ فيها رؤيتها للعالم، وتتخذ مرجعية معرفية وثقافية محورية.

هذا ما كان عليه العرب قبل ظهور الإسلام، أما بعد نزول القرآن الكريم فأصبح هذا الكتاب هو المرجعية، لا فقط مرجعية دينية، بل معرفية وثقافية وجمالية، وأضحى هو المعيار المركزي لمشروعية ما ينتجه التفكير والمتخيل، والثقافة والآداب، وللذائقة الفنية والجمالية، فغدا نصًا مؤسسًا للوعي، ومنبعًا لإعادة تشكيل اللغة والخيال والرؤية للعالم. حتى اللغة خضعت لهذا المعيار في تدوين معجمها، وصياغة أساليبها البيانية، بحيث جرى تجاهل لهجات القبائل العربية المتنوعة، واعتمدت لهجة وحيدة، وفي سياقها تم بناء قواعد الكلام والكتابة فيها. في فضاء هذا الواقع لم تجترح المخيلة الملاحم المليئة بالقصص الأسطورية سواء أكانت شعرية أو نثرية، لأن “أساطير الأولين” وردت في سياق الذم في آيات عديدة. وأمسى الشعر، الذي كان “ديوان العرب”، خاضعًا لمرجعية القرآن، فلم يعد الشعراء يقولون ما تجترحه مخيلتهم بلا معايير محددة.

تشكلت في الثقافة العربية بعض القصص، مثل قصة عنترة التي تعود جذورها إلى ما قبل الإسلام، وامتزج فيها التاريخ بالأسطورة، وتحولت لاحقًا إلى سيرة شعبية مدونة. ومن القصص التي ظهرت بعد الإسلام، سيرة بني هلال، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذي يزن، وهي نصوص سردية، جمعت بين البطولة الشعبية والخيال الرمزي، وتناقلتها الأجيال شفاهة قبل أن تدون في مراحل متأخرة. وكانت أوسع هذه السرديات وأكثرها تنوعًا: “ألف ليلة وليلة”، التي جاءت بوصفها نتاجًا لتراكم سردي ممتد، تم تدوينه عبر قرون، من دون أن نعرف بشكل دقيق من ألّفها أو جمعها أو صاغ بنيتها النهائية. ورغم غناها الرمزي وتعدد مصادرها الثقافية، فإن هذه النصوص لم ترتق إلى مستوى السرديات الأدبية الكبرى التي شكّلت مرجعيات في حضارات أخرى، ولم تحتل المكانة المماثلة لها في الوعي الجمعي العربي، بل ظلت في إطار الحكاية الشعبية، ولم تعامل كنصوص تأسيسية للهوية أو الوعي الجمعي، ولم تدمج في مشروع أدبي أو معرفي يعيد تعريق الذات والهوية والرؤية للعالم، كما فعلت الملاحم الكبرى في الثقافات والحضارات: الرافدينية، واليونانية، والهندية، والفارسية، والأوروبية، التي ارتقت إلى رتبة المقدس الرمزي، وحفظت اللغة والدين والذاكرة والهوية معًا.

[1] لافينيوم مدينة قديمة في لاتيوم بإيطاليا ، على الساحل الجنوبي من روما، تبعد 30 كيلومترًا جنوب روما ، وتعد المركز الديني للشعوب اللاتينية المبكرة.

[2] حسين علي محفوظ (1926–2009) عُرف في الأوساط الأكاديمية العراقية والعربية بوصفه واحدًا من أكبر الخبراء في اللغة الفارسية وآدابها. نال الدكتوراه في الأدب الفارسي من جامعة طهران سنة 1955، وكان أول عراقي يحصل على هذه الدرجة من طهران.