اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية 

 د. عبد الجبار الرفاعي

تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

في هذا السياق يشير مصطلح “لغة الدين” إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

ينبغي التمييز بين “لغة الدين” و”اللغة الدينية” بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. “لغة الدين” هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية الداخلية والتأويل المنفتح. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على الرمز والإشارة والمجاز والكناية والاستعارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

أما “اللغة الدينية” فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

اللغة الدينية صناعة بشرية، ينتجها الإنسان في سياق قراءته لنصوص الكتاب المؤسس، فهي ثمرة تفسيره وتأويله وتفاعله مع النص، لا انعكاسًا مباشرًا لخطاب متعالٍ في نقائه الأول. تتشكّل هذه اللغة عبر الزمان، وتتلوّن بسياقات التاريخ والثقافة والمؤسسات، وصراعات الاستحواذ على المعنى بغية الاستحواذ على السلطة والثروة، فتعبّر عن المعنى الديني بحدود ما ينكشف في آفاق ذهن القارئ وحدود وعيه، لذلك تظل نسبية متحركة، قابلة للمراجعة والتحديث، بقدر تحديث وعي الإنسان واتساع خبرته. تعمل اللغة الدينية على حفظ الدين المؤسسي وحمايته، فيتقدم فيها القانون على الروح، وتنطفئ جذوة الإيمان، ويخبو ذلك الوهج الذي يمنح الإيمان طاقته الملهمة، ويتحول الدين إلى منظومة اعتقاد مغلقة.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، وتمثلات القيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، وآثارها في حياة الفرد والمجتمع، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، لا تُختزل لغة الدين التي تتحدث عن الغيب في الوظيفة التقريرية، بل تبعث فيها الحياة الروحية بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود. لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت تناول لغة الدين بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه أولًا عن أسئلتي، كما هي عادتي في كل كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة مازالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، إنما سعيت إلى افتتاح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عمّا تختزنه من طبقات للمعنى، وما تفتحه من إمكانات للتأويل والفهم.كما حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت بهذه الموضوعات، وسعيت إلى إعادة التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف فيه وجود الإنسان في العالم. لذلك رأيت أن الحديث عن هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضرورة لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان المواقف المتنوعة في النظر إليها وتأويلها.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب “الآجرومية” لابن آجروم، إلى “قطر الندى وبل الصدى” لابن هشام، ثم “شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك”، و”شرح ابن الناظم”، كما درستُ كتاب “مختصر المعاني” للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

يعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من “موسوعة فلسفة الدين” للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت.  وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب والمقدس، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

مقدمة كتاب: “اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية”، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

 

اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة

د. عبد الجبار الرفاعي

للدين أثر عظيم في حماية اللغة من الاضمحلال والانقراض وضمان استمرارية حياتها، لأنه يربط النصوص والطقوس بلسانها الأصلي، فيتحول الكتاب المؤسس للديانة إلى خزّان لغوي يحرس المفردات والتراكيب والأساليب، وتتحول الطقوس إلى طاقة متجددة تبعث اللغة في الذاكرة الجمعية وتبقيها حيّة. في المقابل تحمي اللغة الدين، إذ تغدو الوعاء الذي يحفظ نصوصه وطقوسه من التبدد ويمنحها القدرة على الاستمرار في التاريخ. في سياق التفاعل الخلاق بين اللغة والدين والثقافة تتكون الهوية وتترسخ، إذ لا تكون اللغة مجرد وسيلة للتخاطب، بل تتحول إلى نسق رمزي يؤمن استمرارية الذاكرة ويعيد إنتاج روابط الانتماء. ويؤدي الدين، بما يحمله من طقوس وأسماء وشعائر، دورًا شبيهًا بما رصده علم الأنثروبولوجيا في المجتمعات الأولى من أثر للأسطورة، بتحويل الوقائع إلى بنية من التضادات، يتميز فيها الداخل من الخارج، والمقدس من المدنس، ويصاغ التاريخ بوصفه سردية كونية تعطي معنى للوجود الفردي والجمعي معًا، فتتحقق الهوية في هذا الفضاء من التمايزات، التي تعمل على تغذيتها.

اللغة والديانة تتناوبان على حفظ بعضهما؛ فالعبرية ظلت حيّة بفضل نصوص التوراة والتلمود وصلوات اليهود وطقوسهم، إذ شكلت تلك النصوص جسرًا بين الماضي والحاضر، حتى استعادت العبرية حضورها الحديث بوصفها لغة يومية وهوية قومية بعد قرون من الانقطاع، حين تم اغتصاب فلسطين 1948. السريانية ما زالت حاضرة في طقوس الكنائس الشرقية كلغة للقداس، فحافظت الكنيسة على استمرارها وحافظت اللغة على هويتها الروحية. أما العربية فارتبطت بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، جعل النص القرآني مرجعًا لغويًا أعلى، يحمي اللغة من التآكل ويمنحها قداسة وقدرة على الاستمرار، مادام القرآن حاضرًا في حياة المسلم. اللاتينية اقترنت بالقداس الكاثوليكي قرونًا طويلة، وظلت لغة الطقوس واللاهوت؛ حتى مع فقدان أكثر الكاثوليك القدرة على فهمها، إلى أن ولد الإصلاح المسيحي ففتح الباب أمام اللغات الحيّة لتتبوأ مكانها في الكنيسة. في المندائية حفظت الآرامية المندائية بفضل كتابهم المقدس “كنزا ربا” وطقوس التعميد والترانيم، فظلت اللغة والديانة تتبادلان حماية استمرار حياتهما، على الرغم من قلة الأتباع وتشتتهم. الزرادشتية صانت لغة “الأڤستا” القديمة، فجعلتها باقية في “الغاثات” (Gathas)[1] الطقسية، على الرغم من انقراضها من الحياة اليومية. الهندوسية أبقت السنسكريتية حيّة في نصوص “الڤيدا” وممارسات الطقوس، فتحولت اللغة إلى وعاء دائم للفكر الديني والفلسفي. البوذية حفظت لغة البالي في “تيبيتاكا” (Tipiṭaka)[2] ، وتراث جنوب شرق آسيا، في لغة الرهبان والتعاليم الحية. الكونفوشيوسية بدورها أبقت الصينية القديمة حاضرة عبر الكلاسيكيات الأخلاقية التي شكلت مرجعًا معرفيًا وذاكرة جمعية للأمة. والطاوية حفظت لغة الحكمة في “تاو تي تشينغ” (Tao Te Ching / Dao De Jing) [3]، فجعلت من النص الطقسي والفلسفي سبيلًا لاستمرارها. أما السيخية فحفظت اللغة الپنجابية عبر نصوص “الغورو غرانث صاحب” (Guru Granth Sahib)[4]، التي منحتها قداسةً ومكانةً في الهوية الدينية والثقافية لجماعتها. هكذا يتضح أن الأديان الكبرى لم تكن فقط أنظمة اعتقاد، بل قوى حافظة للغات، وأن اللغات بدورها لم تكن أدوات للتواصل فحسب، بل أوعية للقداسة والذاكرة، وبفضل هذا التضامن بين الدين واللغة استطاع كل منهما أن يضمن للآخر البقاء والتواصل عبر التاريخ والجغرافيا.

كتاب الديانة المؤسس والطقس لم يكونا يومًا حارسين للديانة فحسب، بل كانا أيضًا حارسين للسان، وذاكرة الأمة، وهويتها، وثقافتها. وأن اللغة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير بل ركنًا وجوديًا في بقاء الديانات والذاكرات الجمعية والهويات والثقافات والحضارات، فحيثما كان الكتاب المقدس متداولًا بلسانه الأصلي ظل اللسان حيًا متجددًا، وحيثما استمرت الطقوس بلغتها الأصلية مكثت الهوية متماسكة، إذ تتغذى اللغة من الدين والثقافة كما يتغذى الدين من اللغة والثقافة. وتنهض الهوية من تآزر الكل معًا، فتغدو اللغة وعاءً للمعنى الروحي والعاطفي، يغذي الوعي والذاكرة، ويغدو الدين قوة تصون اللغة من الانقراض، وتمنحها طاقة تتجدد في النصوص والطقوس، وتصير الثقافة مرآة للدين واللغة، والدين واللغة مرآة للثقافة. من هذا التفاعل الثلاثي الخلاق تنبثق الهوية وتستمد حضورها، فتتجدد إمكاناتها في الواقع، وتستعيد قدرتها على الاستمرار في عالم متغير، إذ لا تبقى أسيرة الماضي وحده ولا منقطعة عن جذورها، بل تنفتح على الحاضر وتتطلع للمستقبل، وهي مشدودة إلى لسانها وكتابها المؤسس وطقوسها، التي تروي عطش الروح وتغذي وعي الجماعة بذاتها.

كما تكون اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة، فإن الدين والهوية والثقافة مرآة للغة. إذا تحجرت اللغة تعطلت قدرتها على التعبير عن أسئلة الإنسان، فيخبو المعنى الذي ينشده الإنسان في الدين خلف خطاب لا ينتمي لواقع الإنسان ومتطلباته الروحية والأخلاقية والجمالية الراهنة، وتنغلق الهوية على ماضٍ غريب عن حاضر الإنسان، وتفقد الثقافة طاقتها الخلاقة. أما حين تتحرر اللغة وتواكب متغيرات الحياة ومستجداتها، فإنها تبقي الدين حيًا قادرًا على الإلهام، وتمنح الهوية مرونة للانفتاح على المستقبل، وتنفتح الثقافة على فضاءات الابتكار والإبداع، لتغدو جميعها قوى متجددة تمنح للإنسان معنى وجوده في العالم.

العلاقة بين الدين واللغة لا تقف عند حدود حفظ النصوص والطقوس، بل تمتد لتشكل الأساس العميق للهويات الدينية والثقافية للأمم، إذ تتحول اللغة حين تتشرب دلالات النصوص الدينية إلى علامة فارقة يتميز بها أتباع الدين عن غيرهم، وتغدو خيطًا ناظمًا يوحدهم عبر الأزمنة والأمكنة، ويحمي ذاكرتهم، ويغذي شعورهم بالانتماء لهوية وثقافة واحدة. في سياق هذه الرؤية صارت العبرية وعاءً لهوية اليهود في الشتات، والسريانية ركنًا من أركان هوية الجماعات المسيحية المشرقية، والعربية هي اللسان الذي جمع شعوبًا شتى في فضاء واحد، ورسخ صلتهم بكتابهم المؤسس وعباداتهم وشعائرهم، وشعورهم بوحدة الرسالة والمصير. بهذا الفهم تتجاوز اللغة كونها أداة للتواصل، لتغدو منبعًا للذاكرة، ومسرحًا للخيال الديني، وأفقًا يتجلى فيه الانتماء الروحي والهوياتي والثقافي، الذي يحفظ ذاكرة الأمة ويربط حاضرها بماضيها، ويفتح أمامها سبل الاستمرار في عالم بالغ التنوع.

غير أن هذه الحماية ما فتئت تنقلب عبئًا على اللغة، إذ تتمدد قدسية كتاب الديانة إلى اللغة التي دُوّن بها، فتنحبس في قوالب القداسة، وتستعمل مؤسسات الأديان سلطة التحريم لحمايتها من أي محاولة لتيسير أساليب النطق بها أو تحديث معجمها، فتفقد قدرتها على التعبير عن أسئلة الحاضر ومتطلبات الواقع اللغوي الراهن للناطقين بها. هكذا تتسع الفجوة بين اللغة التي يقدسها التراث واللغة التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. في ظل هذا التباعد، ينشأ صراع داخلي لدى الناطقين بها، بين ولاءٍ للموروث ورغبةٍ في الانخراط في الواقع الذي يعيشونه. وإذا لم تجد هذه اللغة طريقًا إلى المصالحة بين قدسيتها التاريخية ووظيفتها الحيّة، فإنها تظل محكومة بالانحسار التدريجي، تاركة فراغًا تملؤه لغات أخرى أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع التحولات العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

أما كيف تتقدس لغة الكتاب المؤسس؟ فإن كل شيء قابل للتقديس، وكل ما يتقدس يمكن أن يتفشى تقديسه وعبادته، فينتشر كالفيروس؛ إنسانًا كان أو حيوانًا أو جمادًا، حتى اللغة والأسماء والكتابة يمكن أن تتقدس. اللغة كائن حي، يتخلق من وعي الإنسان وتجربته التاريخية والمعيشية، ويعكس أنماط معيشته وصلاته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويتجسد في آدابه وفنونه. حين ترحل اللغة إلى حقل المقدس تحتجب، فتعاند المراجعة والنقد والتجديد، وتتحول أي محاولة لتسير قواعدها والنطق بها وتجديث معجمها إلى مغامرة عقيمة. تقديس اللغة يزجها في حقل التحريم، فيغلق عليها منافذ الانفتاح، ويشل قدرتها على استيعاب تحولات الواقع، ويمنعها من التفاعل مع مكتشفات العلم وتكنولوجيات العصر.

عندما يصنع الإنسان مخترعاته، يبتكر معها أسماءها التي تتجسد فيها رؤيته العلمية الجديدة للعالم، وهي تختلف كليًا عن الرؤية غير العلمية التي أنجبت اللغة في فضائها التراثي. لذلك تتعذر محاكاة هذه الأسماء أو نقلها إلى لغة أخرى من دون خسارة في معناها، لأنها وليدة أفق معرفي جديد، وتجسيد لتحول عميق في الوعي، ورؤية للعالم لا تلتقي مع أفق اللغة المنقولة إليها التسميات. في هذا المأزق يفقد الإنسان لغته بوصفها أفقًا رحبًا لرؤيته للعالم، فتغدو عبئًا يقيده، بدلًا من أن تكون سبيله إلى بناء ثقافته وهويته. مع انغلاق اللغة في قوالب التحريم، تتحول من وعاء للمعنى إلى جدار يحجب عن الإنسان آفاق الإبداع، ويعطل قابليتها على مواكبة تحولات الواقع، ويمنعها من تجديد ذاتها في فضاء إنساني متنوع.

اللغة خارج سطوة التقديس وسلطة التحريم هي وحدها التي تستجيب لتحولات الواقع، وتظل قادرة على أن تكون جسرًا بين النص الديني والإنسان، ورافدًا لتجديد الهوية الدينية والثقافية وإثرائهما. الهويات التي تتغذى من لغة حيّة تظل مرنة قادرة على التكيّف والتعايش، في حين تلبث الهويات التي تحاصرها القداسة ويستبد بها التحريم متصلبة، تنغلق على ماضيها، وتتحول إلى عائق أمام حركة تيسير قواعدها وأساليب النطق فيها وتوليد معجمها. الهوية ليست جوهرًا متحجرًا يكرر ذاته كما هو، بل صيرورة علائقية تتشكل في تفاعل حواري مع لغة الآخر المختلف وثقافته ورؤيته للعالم، ويعاد تكوينها في فضاء التعدد. إذا انفتحت اللغة على التأويل تشكلت في سياقها هوية وثقافة حيّة واثقة من ذاتها، قادرة على العيش مع المختلف من دون خوف من الذوبان، أما إذا انغلقت فتتحول إلى سجن يكبلها ويستهلك طاقتها في صراع لا ينتهي. لذلك تصبح اللغة الحيّة شرطًا لازمًا لدوام الهوية وانفتاحها واستمرارها، فيما اللغة الجامدة تسوقها إلى الانكماش والتآكل.

أنتج الفكر الغربي رؤى عميقة كشف فيها عن الصلة بين اللغة والهوية والثقافة؛ فقد رأى هردر “1744-1803” أن اللغة روح الأمة ولسانها الذي يمنحها خصوصيتها، في حين أكد هومبولت “1767-1835” أن اللغة لا تصف العالم بل تصنع رؤيتنا له، ثم ارتقى هايدغر “1889-1976” بالمسألة إلى مقام أنطولوجي، حين عد اللغة بيت الوجود الذي يحدد إمكان الوجود الإنساني، وجاء تايلور “1931-” ليبين أن الهوية لا تتشكل إلا في فضاء حواري تمنحه اللغة معناه، وكشف ريكور “1913-2005” عن أن الهوية سردية تتجدد بالقصص التي تروى بلغة تحتضن تعقيد التجربة الإنسانية، وأوضح أمارتيا سن “1933-” أن الهوية متعددة الأبعاد لا تفهم إلا بلغة حيّة تعترف بالاختلاف وتتيح التعايش.

يتضح أن اللغة شرط وجودي للهوية، فإذا تجمدت في قوالب مغلقة تحولت الهوية إلى سجن يستهلك طاقتها في مقاومة موهومة، وإذا انفتحت على التجديد غدت هوية رحبة واثقة من ذاتها، قادرة على العبور إلى المستقبل، في فضاء التنوع اللغوي والديني والهوياتي والثقافي. في ضوء هذه الرؤى يتضح أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل إطار أنطولوجي يحدد إمكان الوجود الإنساني، ويمنح الهوية القدرة على الانفتاح والتجدد، أو يحاصرها بالجمود والانغلاق، إذا تحولت إلى قيد على الخيال والحوار. وهو ما يجعل واقعنا العربي اليوم في أمس الحاجة إلى وعي لغوي يستلهم هذه الرؤى، ليوازن بين حفظ أصالة اللغة والانفتاح على العصر. المستقبل لا يصان إلا بلغة حيّة قادرة على التفاعل والإبداع، تحمي الهوية من الذوبان كما تحميها من الانغلاق، وتبقيها أفقًا رحبًا يتسع للتعدد والتعايش، ويمنح الإنسان معنى حضوره في عالم متغير.

اللغة لا تحرس الهوية وحدها، بل تحفظ التجربة الروحية من أن تذوب في صخب العالم أو تنطفئ في قوالب الطقس الجامد. إذا انغلقت اللغة وغدت أسيرة الماضي تحولت إلى ظل باهت لا يوقظ ولا يلهم، أما إذا كانت منفتحة، لا تتنكر لتيسير أساليب التحدث والكتابة بها، فإنها تجعل الهوية في صيرورة دائمة، توقظ الوعي، وتعيد وصل الإنسان بالمعنى. هنا يغدو تجديد الهوية الثقافية والدينية رهينًا بتجديد اللغة، كي تظل قادرة على مخاطبة الروح والقلب والعقل معًا، وعلى تذوق صور الحضور الإلهي في الوجود، بنحو يخفض من مواجع الإنسان وآلامه، في غمرة حياة صاخبة قلقة اليوم. بذلك يتحول الدين من جدار يحرس الماضي إلى أفق ينفتح على المستقبل، وتتحول اللغة من كيان صامت إلى كائن حي يتدفق في مجرى التاريخ. هكذا يصبح التجديد اللغوي شرطًا لتجديد فهم الدين، ويغدو تجديد فهم الدين بدوره شرطًا لتجديد هوية الإنسان، إذ لا يمكن للدين أن يستعيد معناه الروحاني والأخلاقي العميق من دون لغة قادرة على إحياء التجربة الروحية وتجديد صلة الإنسان بالله، ولا يمكن للهوية أن تبقى منفتحة، في عالم يتغير فيه كل شيء، من دون دين يتكلم بلغة تشبع حاجات الأرواح والقلوب والعقول معًا للعيش سويًا في فضاء التنوع والاختلاف، ولا يمكن للثقافة أن تتفاعل مع الثقافات العالمية الحيّة في عالم متعدد، لا يتحقق فيه العيش المشترك إلا بقدر ما تتسع اللغة للحوار وتحتضن الاختلاف. اللغة التي تتحسس مواجع الإنسان العاطفية وحاجته لمعنى وجوده وحياته ضرورة قصوى، لأنها تفتح القلوب والعقول على التنوع، وتمنح الوجود البشري أفقًا يتسع للجميع، وتعيد للدين وظيفته الكبرى في إلهام المعنى، وللهوية دورها في بناء فضاء أخلاقي لإنسان أكثر رحمة وتسامحًا وإبداعًا، وتجعل الثقافة تتفاعل بلا خوف مع الثقافات العالمية.

العلاقة بين اللغة والدين والهوية لا تنحصر في بعدها الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل تمتد إلى بعد روحي وجمالي يجعل اللغة وعاءً يحمي الهوية، ويعكس تجربة الإنسان مع الله في آن واحد. اللغة الحيّة تجعل الهوية في حالة مرنة، تمنحها القدرة على الإصغاء لأسئلة الواقع، والتفاعل مع تحولات العصر، في حين تحوّل اللغة المغلقة الهوية إلى كيان منغلق على ذاته يعجز عن مواكبة متغيرات الواقع. وبذلك يتضح أن تجديد الهوية الدينية مرهونًا بتجديد اللغة الدينية، كي تظل قادرة على مخاطبة القلب والعقل معًا، وحماية الحياة الروحية من الذبول، وفتح أفق رحب للتعدد والعيش المشترك في عالم متنوع الأديان والمذاهب. تكمن فاعلية اللغة التي يخاطب بها الدين الإنسان في قدرتها على تغذية المشاعر والعاطفة، وربط الإنسان بالمعنى الذي يمكن أن يمنحه الدين لحياته. أما إذا تحجرت اللغة وانغلقت، فإنها تسجن الهوية الدينية في ماض عقيم لا يلهم، وتفرغ الدين من طاقته الروحية والعاطفية والأخلاقية، ليغدو عبئًا على الحياة بدلًا من أن يكون أفقًا يلهم المعنى لوجود الإنسان وحياته.

[1] الغاثات (Gathas) في الزرادشتية هي ترانيم مقدسة تعتبر جزءًا من الكتاب المقدس للزرادشتية: “الأڤستا” (Avesta)، وتنسب لمؤسس الديانة زرادشت.

[2] الكتاب المقدس الخاص بـمذهب “تيرافادا” في البوذية.

[3] تاو تي تشينغ (Tao Te Ching / Dao De Jing) هو النص المؤسس للفلسفة الطاوية في الصين القديمة، وينسب إلى لاو تسي (Laozi) الذي يُعتقد أنه عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كان بعض الباحثين يرجعونه إلى القرن الرابع ق.م تقريبًا.

[4] الغورو غرانث صاحب (Guru Granth Sahib) هو الكتاب المقدس في الديانة السيخية، ويُعرف أيضًا باسم آدي غرانث (Ādi Granth).

تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها وحقول تداولها

       د. عبد الجبار الرفاعي

لا يعني الحضور الواسع للغة الإنجليزية اليوم تفوقها الذاتي على اللغات الأخرى، بل يعكس تمايز سياقات استعمالها، واختلاف حقول تداولها، وتنوع الفضاء المعرفي والديني والثقافي والسياسي والاقتصادي والمجتمعي التي نشأت وتطورت فيه اللغة، وتشكلت فيه طرائق تعبيرها ورؤيتها للعالم، وما فرضته الاحتياجات اللغوية للناطقين بها. لكل لغة أفقها المعبر عن انعكاسها في شعور ولاشعور الناطقين بها، ورؤيتها للعالم، ومجالها التداولي الذي تتجلى فيه، وتبرع من خلاله، في أفق يستجيب لاحتياجات المجتمع الذي ولدت وتطورت في أحضانه.

إذا نظرنا إلى الواقع، نرى اللغة الأكثر تداولًا في ميادين المعرفة والعلوم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والمعاملات اليومية والآداب والفنون والثقافة، هي اللغة الإنجليزية، لما تمتلكه من قدرة على التعبير المباشر، وسهولة في النطق، وبساطة بناء الجملة، ومرونة توليد المعنى من غير فائض لفظي يشتت ذهن المتلقي. من العوامل الأساسية التي أسهمت في تسيد اللغة الإنجليزية، واتساع حضورها في تدوين العلوم والمعارف المتنوعة والقوانين والتشريعات والآداب والفنون، ذلك التراكم العلمي والمعرفي والتكنولوجي والحقوقي والفني والأدبي المتواصل. وما منحته لهذه اللغة الهيمنة الاستعمارية البريطانية التي امتدت من مطلع القرن السابع عشر إلى منتصف سبعينيات القرن العشرين، واستوعبت أكثر من ستين دولة في آسيا وأفريقيا والأمريكيتين وأوقيانوسيا. فرض الاستعمار البريطاني سيطرته على شبه القارة الهندية منذ أوائل القرن السابع عشر، وتحول الحكم المباشر للتاج البريطاني عام 1858، واستمر حتى استقلال الهند وباكستان عام 1947.كما استعمرت بريطانيا مصر عام 1882، والسودان عام 1899، ونيجيريا عام 1901، وكينيا عام 1920، واستمر نفوذها في إفريقيا حتى استقلال زيمبابوي عام 1980. وفي الأمريكيتين، فقدت بريطانيا مستعمراتها الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية عام 1783، لكنها احتفظت بجزر الكاريبي وكندا، التي ظلت تحت التاج البريطاني حتى إعلان سيادتها التامة عام 1982. أما في أوقيانوسيا، فقد بدأ استعمار أستراليا عام 1788، ونيوزيلندا عام 1840، واستمر وجودها في جزر المحيط الهادئ حتى السبعينيات. هذه الهيمنة الواسعة قبل الحرب العالمية الثانية، أفضت إلى تأسيس شبكة عالمية من المؤسسات العلمية، والأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية، والشركات العملاقة، التي تبنت الإنجليزية بوصفها لغة رسمية، ومعيارًا للتشريع والمعرفة.

بعد انحسار الاستعمار البريطاني، ورثت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، زعامة النظام العالمي، ومارست هيمنة قسرية وناعمة على مدى العقود التالية، من خلال قوتها العسكرية، وما تقوم به مؤسساتها الدولية، ونفوذها الاقتصادي، ومنتجات مصانعها الكبرى، وشركاتها المتسيدة في العالم، وما تنجزه مختبراتها التكنولوجية من اختراعات جديدة، ومنظومتها التعليمية وجامعاتها، ومراكز أبحاثها، وانتاجها الغزير من العلوم والمعارف المتنوعة. وأسهم كثيرًا في اتساع حضور الإنجليزية ما تنتجه هوليوود من أفلام سينمائية، إذ تتصدر أفلامها أعداد المشاهدين في مختلف أنحاء العالم. لذلك فرضت الإنجليزية حضورها بوصفها اللغة الأولى في البحث العلمي، والسياسة والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والقانون الدولي، ومجالات العلوم والتقنية الحديثة، والثقافة والاعلام، والآداب والفنون، والسينما، حتى غدت الإنجليزية اليوم لغة العولمة، نتيجة تراكم تاريخي طويل من الاستعمار لمختلف البلدان، وحضور سياسي واقتصادي وعلمي وتكنولوجي وثقافي واعلامي وأدبي وفني وسينمائي.

ومما رسخ حضور الإنجليزية في الحقول كافة،كون أكثر الإنتاج العلمي والأدبي والفني العالمي بات يدون بها، وتضاعفت أعداد الجامعات والمراكز البحثية المتنوعة الناطقة بالإنجليزية في العالم، وثراء إمكانات هذه الجامعات والمراكز المالية والتكنولوجية المتقدمة، وحرصها على إنتاج مصطلحات دقيقة مواكبة للتقدم العلمي والتكنولوجي، وتفرغ مؤسسات لغوية لضبطها وتطويرها، وإنتاجها للمعاجم التخصصية المتجددة في القانون، والسياسة، والفلسفة والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية والتطبيقية والصرفة، والثقافة والآداب والفنون. فضلًا عن غزارة الترجمة من اللغة الإنجليزية وإليها، بكل اللغات في الأرض، فعزز ذلك كله حيوية هذه اللغة وتطورها وانتشارها في بلدان العالم المختلفة، وأخيرًا عملت شبكة الإنترنت العالمية على اتساع حضورها في العالم بوصفها اللغة الأولى لهذه الشبكة.

اللغة الإنجليزية تشكّلت في فضاء معرفي وديني وثقافي ومجتمعي وسياسي واقتصادي مغاير، وتطورت في بيئة لغوية احتضنت تحولات العلم والتكنولوجيا الحديثة، فاكتسبت طابعًا أكثر تحديدًا، وصارت حمولتها للأحكام المسبقة أقل، وأكثر حيادًا في التعبير العلمي، والقانوني، وصارت أوفق في صياغة التشريعات، وأغنى في ما تفرضه لغة التكنولوجيا من تداول واسع للأرقام، والمعادلات الرياضية، والفيزيائية، والكيميائية، وأشباهها، ومن صرامة في تحديد المصطلحات وتعريفها، بعيدًا عن غزارة المرادفات، وتعدد المجازات وتنوع الكنايات. تستوعب الإنجليزية قواعد أقل تنوعًا واختلافًا وتعارضًا في الآراء والاجتهادات، وأشد ضبطًا في تحديد سياق الكلمات والجمل وتعريفها، وإن كانت الإنجليزية تفتقر إلى مضاهاة العربية في المرادفات، وغزارة المجازات، وتنوع الكنايات، لكنها استجابت بسهولة للحاجة إلى وضوح المعنى المراد بلا تردد بين احتمالات عديدة، وحسمه في المجالات المتنوعة لاستعماله.

إزاء التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تواجه اللغة العربية نقصًا واضحًا في المؤسسات والمراكز البحثية القادرة على مواكبة الواقع، وملاحقة التحولات العميقة التي تمس حياة الإنسان اليوم. ما يزال حضور هذه المؤسسات محدودًا، لا ينهض بوظيفته في بناء منظومة لغوية تعبّر عن المفاهيم الحديثة، وتترجم ما يواجهه الإنسان العربي من تحديات يومية، في مجالات الحياة المختلفة. تفتقر العربية إلى مؤسسات تمتلك رؤية علمية تستوعب الواقع، وتنتج مصطلحات علمية ومعرفية وتقنية وقانونية موحدة، تتناغم مع حاجات الناطقين بها، وتستجيب لإيقاع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتخفف من تضارب الاصطلاحات، وتداخل المفاهيم. تعاني اللغة العربية من ضعف ملحوظ في حركة الترجمة، سواء منها إلى اللغات الأخرى أو من تلك اللغات إليها، مما يحد بشكل كبير من حضورها وتأثيرها في المشهد المعرفي والثقافي والأدبي العالمي. هذا الضعف يقلل من فرص انتشار الأفكار والإبداعات والآداب العربية على الساحة الدولية، ويعيق في الوقت ذاته استيعاب الأعمال الفلسفية والثقافية والأدبية العالمية باللغة العربية. نتيجة لذلك، تظل العربية بعيدة نسبيًا عن التفاعل الخلّاق مع اللغات الحيّة الأخرى، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية والصينية، التي تلعب دوراً رئيسياً في صياغة المعجم العلمي والفلسفي والثقافي والأدبي والسياسي والقانوني للإنسان في العصر الرقمي. هذا الانفصال يحد من إسهام العربية في الحوار الحضاري العالمي، ويقلل من قدرتها على التأثير في تشكيل الرؤى والمفاهيم التي تحدد ملامح هذا العصر. إضافة إلى ذلك، فإن قلة الترجمة تؤثر سلباً على إثراء المحتوى العربي في قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database) للإنترنت، سواء في المجالات الأدبية، أو العلمية، أو الفلسفية، أو القانونية، مما يجعل اللغة العربية أقل قدرة على مواكبة التطورات المعرفية والثقافية المتسارعة في فضاء الذكاء الاصطناعي. ويعود هذا الوضع إلى عدة أسباب، منها نقص المترجمين المؤهلين، وضعف الدعم المؤسسي لمشاريع الترجمة، ومحدودية الاهتمام بتطوير استراتيجيات ترجمة شاملة تهدف إلى تعزيز مكانة العربية في الفضاء الرقمي.

تتميز اللغة العربية بثرائها الواسع، وتعددها الدلالي، وكثافة مجازها، وغلبة الشحنة العاطفية في بعض استعمالاتها، حتى غدت أفقًا للشعر، ومجالًا لتوليد الصور المتنوعة للخيال، ولغةً للمشاعر والوجدان. غير أن هذا الثراء الدلالي يقود أحيانًا إلى التباس في سياقات التشريع والتقنين، حيث تحتاج الأحكام إلى وضوح لا يحتمل التردد، وتحديد دقيق للمعنى المقصود. لذلك احتاجت العربية في موضوعات التشريع والتقنين إلى جهد كبير في التفسيرات والشروح، فنهضت علوم اللغة وعلوم التفسير بضبط المعنى، وتحديد المراد، والتمييز بين المقاصد العامة والدلالات المحتملة، كي لا تتحول سيولتها الدلالية إلى مدخل للاضطراب في فهم النصوص. غير أن هذا القصور لم يحجب ما تمتاز به العربية من براعة في ابداع الشعر، إذ تتدفق الصور والمعاني، وتتحرر طاقتها الرمزية، وما يبدعه الخيال من صور ومعانٍ لا تنفد. هكذا تكشف العربية عن وجهين متنوعين: وجه تشريعي يتطلب جهد العلماء في البيان والتفسير لتأمين الصرامة والوضوح، ووجه شعري يفيض بالصور والمعاني ويمنح الخيال والجمال مداه الأرحب. ولولا هذا الثراء لما احتلت العربية مقامها الفريد بين لغات العالم.

https://www.ahewar.org/debat/save_art.asp?action={C2CF24D0-0F10-4E5A-B317-16FFF19FD4B3}