مكافأة الحب الحب ذاته

د. عبد الجبار الرفاعي

المحبة مطلوبة لذاتها. توالد المحبة يتحقق باتساعها وتكثيفها. يحتاج الإنسان محبةَ كلِّ إنسان أخلاقيّ نبيل. تكمن قوةُ الحب في قدرته على إيقاظ مشاعر الطفولة بحميميَّتها وإيقاد وهجها. لا يتعلم الإنسانُ الحُبّ إلا بالحُبّ، لا رافد يستقي منه الحُبّ خارج الحُبّ. الحُبّ محبوب لذاته وليس لأي غرض آخر، مكافأة الحُبّ هي الحُبّ ذاته. لا يعني هذا القول الاكتفاءَ بالكلمات،كما يفعل بعض من يغرقون غيرهم بكلمات المحبة بلا أيّ تعبيرٍ عملي. الحُبّ حالة تُحدِث فاعليات خلّاقة، تتجلى بهبات ومبادرات ومواقف نبيلة تُهدِي المسرات، وتعبّر بلطف وتهذيب عن الصدق والامتنان والثقة والإخلاص.

بعضُ المحبين يُفسِد حبه بالمنّ والأذى، يظل يؤذي مَن يُحِبّ بابتزازه بمكافأة استثنائية، ولا يتقبل أية مكافأة ما لم تكن استعبادَ مَن يحُبّ، وتسخير كل شيء في حياته لمصالحه الشخصية. الرحمةُ حالةٌ، الشفقةُ حالةٌ، المحبة حالةٌ،كلُّ حالةٍ تتجسّد في موقفٍ وفعلٍ يعبّر عنها. مكافأة الرحمةِ التحقّقِ بالرحمة، مكافأةُ الشفقةِ التحقّق بالشفقة، ومكافأة المحبةِ التحقّقِ بالمحبة؛ ذلك ما يسمو بالإنسان ويرتقي به إلى عوالم الأنوار.

‏الحُبّ نورُ المعرفة، يوقظ الحُبّ في الإنسان بصيّرةً تلهم المعرفة. الحُبّ يري الإنسان محبوبَه ضوءًا يبهج القلب. الحُبّ بعد أن يطهِّرَ القلب يطهِّر العلاقات الإنسانية. ما أجمل أن تكون رسالة الإنسان في الحياة تكريسَ إيمان المحبة والرحمة، وإنقاذَ الأرواح المنكسرة من الغرق في الظلام.‏‏ الحُبّ كيمياء تصهر عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج منها توليفةً مبهرة، كأنها إكسيرُ يحوّل كلَّ عنصر إلى كنزٍ ثمين. ‏

مَن يقع في ‏ الحُبّ يقبض عليه بقوة، يكبّل إراداتَه ويسلب اختيارَه. الحُبّ ضربٌ من تسامي الإنسان وشعوره بالامتنان، وإن كان لا يخلو من إكراهٍ على ما لا طاقة للإنسان بالخلاص منه. أخطر أنماط ‏ الحُبّ عندما يتحول إلى استعبادٍ للعقل والروح والضمير. تحتجب الأسبابُ ويغيب الزمان والمكان في ‏ الحُبّ، يتجلى الحُبّ كضوءٍ يعيشه الإنسانُ خارج الزمان والمكان. الشعور بوطأة الزمان يهدّد الأمنَ الداخلي للإنسان ويهدر سكينتَه. الزمن الماضي تظلّ ذاكرةُ شيء من جروحه مريرة، الزمان المستقبل يكتئب الإنسانُ لحظة التفكير فيه بعمق، ‏أقسى ما يقلق الإنسانَ غموضُ الأيام الآتية، وما هو مباغتٌ ولا متوقع مما يفاجؤه فيها.

المحبة الصافية ضوء يكشف تجليات جمال المحب والمحبوب. المحبة من أعظم وأجمل النعم الإلهية. الحُبّ الأصيل يعتق الإنسان من الانزواء والعزلة في حياته. أن نحب إنسانًا جديرًا بالحُبّ يصيّرنا هذا الإنسانُ إنسانًا جديدًا. جوهر الحُبّ الأصيل لا يمكن أن يستغني عنه الإنسانُ يومًا في حياته. لغة الحُبّ مشبعة بالعواطف الدافئة والتراحم. لغة الحُبّ الأصيل صادقة، لا تخشى المكاشفة والبوح والغفران، ‏تغفر حتى الخطايا الكبيرة. ‏الإنسان كائنٌ يصنع اللغةَ وتعود اللغةُ لتصنع علاقاته وصلاته بغيره من الأشخاص والأشياء والعالم من حوله. باللغة يستطيع الإنسان أن يحدّدَ نمطَ وجوده، لو أراد أن يعيش الحُبّ بوصفه طورًا وجوديًّا يتحقَّق به ويحققه، فهو بحاجة ماسَّة إلى توظيف لغة الحُبّ الأصيل وكلماته بشكل واسع في حياته اليومية، واستثمار هذه اللغة في العائلة والمجتمع والعلاقات العامة. يتجلَّى الحُبّ بأصفى مصاديقه بالاهتمام الأقصى بالمحبوب.

لا قليل في الحُبّ، قليل الحُبّ كثير. الحب يتشكّل على شاكلة المحبيَن، حُبّك لأيِّ إنسانٍ يتحقّق على وفق ذات الإنسان المحبوب، حُبّ الأم يتشاكل مع الأمومة، وهو ضربٌ من الحُبّ غير المشروط، حُبّ الأب يتشاكل مع الأبوة، وهو ضربٌ من الحُبّ المشروط. حُبّك لبناتك يتشاكل مع طبيعة الأنوثة وحنانها، حُبّك لأولادك يتشاكل مع الرجولة. حُبّ كلِّ واحد من البنات أو الأولاد يتشاكل مع ذاته وذات الأبوين، ونمط صلته بأبويه.

معنى الحُبّ خنقته بعضُ الأعراف المتشددة، وتقاليدُ كبت العواطف، والأحكامُ المغلقة، وحظرُ البوح بالمحبة، والعبث باحتياجات الطبيعة الإنسانية. الحُبّ الطارئ الذي يعكس توهجًا عاطفيًا مؤقتًا غير الحُبّ الأصيل، الحُبّ الأصيل يمكث طويلًا، بعد أن يتحقق فيه الإنسانُ بطور وجودي أكثف وأصفى. تشوّه الحُبّ بمصاديق منحطة أحيانًا، طالما بدأ الحُبّ مشبعًا بالأحلام الرومانسية المبهجة، وطالما انتهي مليئًا بالخيبة والندم والجروح النازفة. من لوازم الحُبّ المسؤولية الأخلاقية تجاه مَن تحب، الحُبّ بلا شعور بمسؤولية حيال من نحب كذبة. لا يتحقق الحُبّ الأصيل إلا أن يكون محكومًا بسياج أخلاقي يضمن الوفاء. ‏الوفاء قيمة أخلاقيه أصيلة، مَن لم يكن وفيًّا لمحبة ‏الناس وعطائهم ‏المعنوي، لن يكون وفيًّا لمحبة الله وعطاياه.

المحبة فضلًا عمّا تتطلبه من كيمياء مشتركة بين إنسانين، تتطلب وعيًا بطبيعة الإنسان، واكتشافًا لتذبذبات شخصيته وتقلباتها وتناقضاتها المزمنة. يمكن التعرّفُ على شيءٍ من أعماق النفس الإنسانية، والتعلّمُ من أخطائنا وأخطاء غيرنا، والتربيةُ الصارمة للذات، والحذرُ من أن تُفسِد الكراهيةُ المحبة، والسعي لتجفيف منابع الكراهيةَ بالمزيد من المحبة. الكراهيةُ مرض، يحتاج القلبُ الاغتسالَ منه بالمحبة على الدوام لئلا يمرض. تربيةُ الذات على المحبة شاقةٌ جدًا، وأشقُّ منها التدريبُ على أن يغتسلَ القلبُ كلَّ يوم بالمحبة. لا تتجذّر المحبة إلا بسلسلة مبادراتٍ تبهِج القلب.

التسابقُ والتزاحمُ والتنافس والمحاكاة والغيرة ضروريةٌ في الحياة، من دونها لا تحدث عمليةُ خلقٍ وإبداعٍ وابتكارٍ وتطور، ما لم يتحول ذلك إلى صراعٍ عنيف. ما يفسد المحبة تحوّلُ الحُبّ إلى استعبادٍ تام، فقد تصل الغيرةُ على المحبوب لحالةٍ مرضية حادّة تحاول استملاكَ كلِّ شيء في حياته، والاستحواذَ على ماضيه وحاضره ومستقبله. الغيرة على المحبوب ربما لا تتوقف على ملاحقة كلماته وأفعاله وسلوكه ومواقفه فقط، بل تصل إلى التلصص على أفكاره ونواياه. هذا الضربُ من الحُبّ يتحول أحيانًا إلى سمّ يشلّ المحبوبَ ويمحق الحُبّ.

أتحدث عن الحُبّ بوصفه نمطَ وجود لحياة الإنسان، ‏يتحقّق كلُّ إنسان فيه بنمط وجوده الأسمى على شاكلته. الإنسان لا يستطيع أن يتنكر أو يخرج على طبيعته الإنسانية. الحُبّ معنى آسر، تجلياته متنوعة ومتناغمة الإيقاع في الحياة. الحُبّ عندما تتوفر شروط تحققه لا يتحقّق فيه الإنسانُ بقرار اختياري. تتنوع وتتعدد تجليات الحُبّ الحقيقي بثراء شخصية الإنسان وتعدد تجلياتها وتنوعها.

الحاجة لإيقاظ الشعور بالأمان والمحبة والثقة بالنفس من أعمق احتياجات النفس الإنسانية. أحيانًا يصير الحُبّ قناعًا يختبئ خلفه احتياج عاطفي شديد أو مادي، فإذا استطاع الإنسان تأمين هذا الاحتياج عبر شخص آخر أو أية وسيلة أخرى يستغنى عن الذي يحبه. وربما يكون الإنسان بحاجة ماسَّة إلى ملاذ يحتمي فيه، فيرى أحدَ الأشخاص يمكن أن يوفر له ذلك. أحيانًا يمارس أحدهم ابتزازًا عاطفيًّا مضجرًا لمن يحب، يتخطى كلَّ حدود الذوق والأخلاق. وأحيانًا تلتقي دوافع متنوعة، وحتى متضادة، للحُبّ. في كلّ هذه الحالات وأمثالها سرعان ما ينهار الحُبّ، وكثيرًا ما يؤول إلى كراهية ممقوته. الإنسان الحكيم يعيش وهو يستثمر في الحُبّ. ويتلذذ بتجلياته الآسرة وتعبيراته الجميلة. حُبّ من يحب يتحقّق بوصفه طهورًا يغتسل فيه القلب، ولؤلؤة متوهجة تضيء الأعماق. السفيه مَن يخسر كنزًا كالحُبّ يُداوي جراح قلبه، وأشد سفاهة منه مَن يخسر الحُبّ الأخلاقي،كلُّ حُبّ أخلاقي نبيل يتوطن القلب لن يغادره. حتى لو أساء المحب وأزعج مَن يحبّه يمنحه فرصة ويمهله، ولو قرر مقاطعته يحترم موقفه. الحكيم لا يخسر حبّه، مادام الحُبّ مطلوبًا لذاته في حياته، وسرعان ما يغتسل القلبُ بالحُبّ من الأذى.كلما تزايد عدد من يحبّهم الإنسان اتسع قلبُه وأضاء بالحُبّ، حتى يصير كأنه مرآة صافية.

الحُبّ الزائف يبدأ وينتهي باستعباد إنسان لإنسان. الهاربون من الذات وبعض المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية يفتشون عن ملاذ يأويهم، لحظة يعثرون على مَن يلوذون به يبتزّونه عاطفيًا، ويتهافتون على استنزاف حنانه وشفقته ورعايته واحتضانه. الحُبّ لا يبلغ نصابَه الحقيقي، ولا يستوفي الإنسانُ منه احتياجَه إلا بالتكافؤ في المحبة. الاستعمال البراغماتي للحُبّ أخطر تهديد يقوِّض الحُبّ. ‏عندما لا يجد الإنسانُ ذاتَه إلا بأن يظفر بعطف وحنان واهتمام وشفقة غيره، يحاول أن يغويه، ويغرقه بكلمات تبالغ بإفراط بمحبته وعدم الاستغناء عنه، لأجل استدرار محبته وابتزازه عاطفيًا. ‏لا يمكن أن يتواصل ويتكرس الحُب الأصيل بهذه الوسائل، وكثيرًا ما يتقنع بقناع زائف.

‏ أحيانًا يتحول الحُبّ إلى قناع لصعلوك بارع بالابتزاز والخدع العاطفية، يمكن أن أعبر عنه بـ “المتسول للعطف والشفقة”، الذي يختبئ خلف قناع الحُبّ، وهو لا يحُبّ أحدًا حبًّا حقيقيًا. هو يترقب من الآخرين احترامه وإكرامه ومحبته، وكأن تلك وظيفة الناس حياله، من دون أن يبادر هو بموقف عملي يدلل على العطاء العاطفي في حياته. ينبغي ألا نترقب من الإنسان الآخر أن يحبنا ويحترمنا ويكرمنا من دون أن نبادر بالمحبة والاحترام والإكرام. مَن يبادر بالإحسان والتراحم والمحبة ينبغي إكرامه ولو بكلمة محبة صادقة. الإحسان المبادرة بالإحسان، التراحم المبادرة برحمة خلق الله، الاحترام المبادرة باحترام الانسان، المحبة المبادرة بالمحبة. لا يدوم الحب إلا بالتواضع، والتكافؤ في المحبة، والحق في الخطأ، والحق في الاختلاف، والاعتراف بالخطأ، والاعتذار.

 

https://alsabaah.iq/101406-.html

 

 

 

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html

هل كنتَ تخصّني بالاهتمام، والتفقُّد كما تخصّ واحدًا من أبنائك، أم أنَّ هذا هو أنتَ معي ومع غيري؟

عبدالعاطي طلبة

عبدالعاطي طلبة محرر ومترجم في مركز دراسات فلسفة الدين ومجلة قضايا إسلامية معاصرة منذ عدة سنوات. تخرج في الأزهر، وتخصص في الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وعمل خطيبا للجمعة سنوات عديدة، شاب عمره 33 سنة، ذكي، متنوع المواهب، مثابر، قارئ جاد، وكاتب ومترجم متميز.  في معرض القاهرة هذه السنة 2024 للكتاب كتب لي هذه الرسالة، ونشرها على صفحته ال Facebook ليلة 30-3-2024.

 

‏النص الذي كتبه عبد العاطي طلبة:

‏جرتْ نَفْسِي في هَذِه الرِّسَالَة ومَا كُنْتُ أودّ خروجَها من الخصوص إلى العموم، لكن السرَّ يُذاع، والباطنَ يستظهر، والمَعين يُطلب ماؤه، وما كان الله ظاهرًا إلا لأنه باطن، وما كان أولًا إلا لأنه آخر. ‏استأذنتُ الوالد د. عبد الجبار الرفاعي في بثِّها، فأَذِن وهو الكريم في المنح، حتى تثبت في مَتن التاريخ، وتسري في عالم الروح والفنّ؛ ناطقةً عن علاقة تلميذ بأستاذ، وولد بوالد، ومُرَبٍّ بمُريد، وعن روحَين ارتويا بالنيل والفرات؛ لم تغادر الأولى مصر على الأبد، ولم تفارق الثانية العراق قطّ، فما كانَ إلا وكنتُ منذ القِدَم في سلسلة روحيّة من الأغيار والأمثال لا تنتهي.

 

‏نَص الرسالة:

‏—————–

‏مرحبًا بنفسي

‏لم أشعر منذ وقتٍ بعيدٍ بهذا الشعور الطِّفْلِيّ، فقد صرتُ رجلًا فجأةً لأني ما أدركتُ إلا وكان المرضُ يسري في أبي سريان الشر في العالم الحادث مُنهيًا وجودَه ومُتبدِئًا وجودي مراهقًا وإن كان مسؤولًا. هل لي أن أرفع الكلفةَ بيني وبينكم وأناديكم بعمّ رفاعي؟!…

‏إنني يا عمي لم أشعر أبدًا في هذا المحيط المعتمل بالخير والشر، والإيجاب والنفي، واليأس والبأس، والأمن والخوف بمعنى الأبوةِ حقًّا إلا في حضوركم.

‏صحيح، تلمَّست عن أبي في لحظات حضوره بعضَ هذه المعاني، لكنها كانت قصيرةً، وكنتُ صغيرًا، فلم تثبت، وما زلتُ أتحسسها في الذاكرة؛ أكبِّرها، وأُعظِّمها في نفسي: لقد كان رجلًا عظيمًا، ونبيلًا، لا يقل عنكم عطفًا ورحمانية في شيء، وكم من مرة رأيتُه متمثِّلًا بصورة أقلّ في غيرك، وبالصورة الأكثر والأمثل في حقيقتك.

‏لدي سؤال يا عمي! هل كنتَ تخصّني بالاهتمام، والتفقُّد كما تخصّ واحدًا من أبنائك، أم أنَّ هذا هو أنتَ معي ومع غيري؟ سأعتبر الإجابة أنكَ مُتوجه إليَّ على الخصوص، وإن كانَ الحقُّ في العموم.

‏يا عمي، إنّ قربك، ووجودك في جنبات مصر، أُحس به في عظمي، حتى وإن كانت الأميالُ تفصل بيني وبينك بينما تجري يدي على هذه الصفحة جَرْيًا محمومًا، فأنتَ البعيد على قرب، القريب على بعدٍ حقًّا! لا يُشعرني هذا الدنوّ بشيء سوى الاطمئنان الخالص، وكأنّي صرتُ إلى عالم قد خلا من كل معنىً شرير، فمجرَّد حضوركم مُلْبِسٌ العالَم هذا المعنى، ومُخَلِّقًا إيّاه في هذه الصورة وعلى هذا التأليف والتركيب: أفضل عالَم ممكن.

‏لم تضرب لي موعدًا للِقَاءٍ، إلا وضربتَ في قلبي بسهام من القلق، والخوف، والرِّعدة، والضلال: قلق المحب وهو في مَدارات حبيبه، وخوف العاشقِ الفقدانَ، ورعدة التلميذ بين يدي المعلم، وضلال الصَّبِّ في طرقاتِ مقصوده.

‏عمي، ما تنزلتَ في القاهرة، لكن تنزلتَ عليّ، وما حضرتَ إلا وحضرتْ نفسي يعتريها سلامُ العالَم، وصارتِ الدنيا إليَّ أحبّ، وأرقّ، وأعطف رغم ما يعتمل فيها من قَهْر، ودَنَس.

‏عبد العاطي طلبة

‏ابنكم المحب، وتلميذكم، القاهرة، العبور، فجر يوم السبت، 27 يناير 2024

‏نسخة pdf:

‏⁦ drive.google.com/…/1SlZtaXwLL…⁩…

 

https://www.facebook.com/100012969944759/posts/1854158991693081/