ابن قِبَة الرازي وعبد الجبار الرفاعي

لماذا تعجز بيئتنا عن إنتاج العقل الكلامي الحي؟

   ستار الزهيري[1]

كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وجعلتني أتساءل: لماذا لا تعيد الإمامية إنتاج شخصية مماثلة لها في هذا العصر؟ ولطالما وجدتُ في عبد الجبار الرفاعي شيئًا من هذه الروح، لا من حيث التطابق الكامل بين الشخصيتين، وإنما من حيث الجرأة على فتح الأسئلة المؤجلة، ومحاولة إعادة بناء التفكير الديني بلغة تتجاوز التكرار والانغلاق. فظاهرة ابن قِبَة لم تكن مجرد موهبة فردية عابرة، وإنما كانت ثمرة بيئة علمية حيّة تضجّ بالجدل والأسئلة والاحتكاك الحقيقي بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد خرج من وسط كانت فيه المعتزلة والإمامية والفلاسفة وأهل الحديث يتناظرون علنًا، من غير حساسية مفرطة ولا خوف من السؤال، وكان الانتقال بين المدارس الفكرية يُنظر إليه على أنه تحوّل معرفي، لا خيانة للهوية.

تميّز ابن قِبَة بقدرته على الجمع بين العقل والنص، فلم يكن أسير النقل الجامد، ولا أسير التأمل العقلي المنفصل عن التراث. كما عرف خصومه من الداخل، لأنه مرّ بتجربة الاعتزال واطّلع على مناهجه الكلامية، لذلك جاءت ردوده دقيقة وعميقة، لا تقوم على التشويه أو الكاريكاتير الفكري للطرف الآخر.كان يمتلك شجاعة فكرية في مناقشة القضايا الحساسة، مع لغة جدلية قوية ومنهج استدلالي منظم، جعله من أوائل من منحوا للكلام الإمامي طابعًا عقليًا متماسكًا.

وهنا يكمن أحد أهم وجوه الالتقاء مع عبد الجبار الرفاعي؛ فكلاهما انطلق من داخل المعرفة الدينية، لا من خارجها، وكلاهما حاول أن يفتح نافذة على الفكر الإنساني الأوسع، من غير أن يتعامل مع التراث على أنه كتلة جامدة مغلقة. كما أن الرفاعي، مثل ابن قِبَة، لا يكتفي بالتكرار أو الشرح، وإنما يسعى إلى مساءلة البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة التي يتجنبها الخطاب التقليدي.

كما استفاد ابن قِبَة من أدوات المعتزلة والمنطق الكلامي في بناء رؤيته والدفاع عنها، ينفتح عبد الجبار الرفاعي على الفلسفة والعلوم الإنسانية ليدرس التجارب الروحية، ويستثمر المناهج الحديثة وأسئلتها في إعادة فهم الدين وقراءة نصوصه، والسعي إلى تحريره من الانغلاق الكلامي والفقهي، ليستعيد لغته الروحية والأخلاقية والجمالية، في أفق أكثر إنسانية وعمقًا.

كذلك يشترك الاثنان في أن كليهما أثار حساسية داخل بيئته؛ لأن العقل النقدي يوقظ الأسئلة المؤجلة، ويكشف ما تستتر عليه البنى الفكرية الموروثة، لذلك يُقلق أكثر مما يُطمئن، خاصة في البيئات التي اعتادت اليقين السريع، وأَلِفَت تكرار الأجوبة الجاهزة.

الشخصيات المؤسسة لا تُستقبل بسهولة، لأن المجتمعات المعتادة على اليقين السريع تضيق غالبًا بمن يعيد فتح الأسئلة، أو يدعو إلى مراجعة طرائق التفكير الموروثة، ذلك أن السؤال النقدي يربك الطمأنينة التي تسكن إليها الذهنيات المغلقة، ويكشف هشاشة كثير من المسلّمات التي ترسخت مع الزمن.

لقد كان علم الكلام في عصر ابن قِبَة علمًا حيًّا، يتصل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة والسياسة، ويتفاعل مع التحولات الفكرية الكبرى في عصره. أما اليوم فكثيرًا ما ينحدر إلى دفاع عاطفي، أو إعادة تدوير لشروح قديمة، منفصلة عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية العميقة.

لهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك روح ابن قِبَة وجرأة عبد الجبار الرفاعي؛ شخصيات تنتمي إلى التراث من داخله، من غير أن تستسلم لسلطته المغلقة، وتنفتح على العقل والفلسفة والعلوم الإنسانية وأسئلة الإنسان المعاصر من غير خوف أو ارتياب. شخصيات تجمع بين الإيمان والشجاعة النقدية، وبين الوفاء للمعنى الروحي للدين والقدرة على مراجعة البنى الكلامية والفقهية الموروثة. ذلك أن نهضة الفكر لا تتحقق بالحفظ والتكرار وحدهما، وإنما تبدأ حين يستيقظ السؤال، ويتحرر العقل من رهبة المألوف، ويغدو التفكير مغامرة لا تكرارًا لما قاله الأسلاف.

[1] كاتب عراقي.

https://almothaqaf.com/aqlam/987769-%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D9%82%D9%90%D8%A8%D9%8E%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D9%88%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A

مَنْ ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ

د. عبدالجبار الرفاعي

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كونيُّ، عابرٌ للجغرافية الإثنيّة والأيديولوجيَّة والدينية. قراءةُ الفلسفة بعيون أيديولوجية تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بعيون لاهوتية تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بعيون كلاميّة تنتجُ علمَ كلام. لا ينتج الفلسفةَ إلّا التفكيرُ الفلسفي، والقراءةُ الفلسفيّةُ للفلسفة.

إيقاعُ التقدم المتسارع للذكاء الصناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الصناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدمُ المتسارع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

‏‏لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ ومشاكلَ وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشاكلُ والأزمات فرديةً أو مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه.كانت الفلسفةُ وستبقى تستجيبُ لما يستجدُّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955).

علاقةُ الفلسفة باللاهوت عضوية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح،كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةً للامعقول. لا يضعُ اللاهوت في حدوده ويمنع تغوّله إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوت إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعين فلسفية.

إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

 

 

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة،17.11.2022

 

رابط النشر: