الرهان على الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

يسألني أحدُ الكتّاب الأصدقاء الأعزاء: لماذا لا تكتب للجماهير، نحتاج كتابةً تصنع الرأيَ العام، وتغيّر المجتمع، وتقضي على التخلف، وتنقلنا إلى مرتبة الدول المتقدمة، علينا النزول إلى الميدان، علينا أن نكون ثوارًا في كتاباتنا، نحن في معركةٍ تتطلب شجاعةَ التحدي والصمود والمواجهة والمغامرة، على الكاتب أن يكون كالعقائدي المؤمن بقضيته المتحمّس للقتال في المعركة. قلت له: لست وصيًّا على أيّ أحد، أحاول التحرّرَ من الوصايات، وتحرير الناس من وصايتي. منذ سنوات طويلة هجرتُ الكتابةَ التبشيرية، عندما أدركتُ حاجتي الشديدة لتفسير ذاتي والإنسان والعالم من حولي قبل كلِّ شيء. لا تصنع الرأيَ العام اليوم وتغيّر المجتمعَ الكتاباتُ التعبوية، والحلولُ المبسطة، والأمنياتُ والشعارات والأحلام الرومانسية. معادلات التغيير الاجتماعي التقليدية تبدّلت، عندما يتغير نمطُ التكنولوجيا يتغير نمطُ وجود الإنسان في العالم، وتصير الحياةُ أشدَّ تعقيدًا، والواقعُ أكثرَ تركيبًا، وتتراجع قدرةُ الإنسان على كبحِ التحول وترشيدِ مساراته، وربما يبلغ التحول درجةً ينفلت فيها الواقع، ولا يعود الإنسانُ قادرًا على تشكيله على وفق خرائطه الأيديولوجية ومعتقداته ورؤاه. لست أنا وأنت وغيرنا من الكتّاب مَن يحرّك التاريخَ ويغيّر الناسَ اليوم، ما يغيّر الناسَ هي تكنولوجيا المعلومات والذكاءُ الاصطناعي والروبوتات، والهندسةُ الجينية، ومعطياتُ التكنولوجيا الجديدة في هذا المجال وغيره، والتغيّرُ المناخي، والسياساتُ البراغماتية، والحروبُ العبثية، والكوارثُ الطبيعية والزلازل، والأوبئةُ المباغِتة. يجد ‏الإنسانُ الحاذقُ الذي يواكب الواقعَ بدقة نفسَه غارقًا بتحولات عميقة تعصف به كإعصار، وكأنه يسبح في تيارِ شلّالٍ متدفق، لا يهدأ، ولا يعرف إلى أين هو ذاهب. أوضحُ مرآةٍ تنعكس فيها صورةُ هذه التحولات هو تطبيق Chat GPT الجديد وشقيقاته، الذي وصفه بيل غيتس المؤسّس المشارك لشركة (Microsoft) بقوله: “إن برنامج الذكاء الاصطناعي (ChatGPT) له نفس أهمية اختراع الإنترنت، كما قال لصحيفة (Handelsblatt) اليومية الألمانية في مقابلة نشرت اليوم الجمعة”[1]. لا أريد أن أكون متشائمًا بشأن ما يعدنا به الذكاءُ الاصطناعي ولا متفائلًا. أتحدث عن قدراتنا كبشر على التكيّف مع واقعٍ ملتبس شديد التعقيد، تتحكم فيه إراداتٌ متصارعة، ورأسُمال متوحش لا يعرف إلا الربحَ العاجل، وتصنع تحولاتِه بعمق تكنولوجياتٌ جديدة وضعته على أعتاب منعطف لم تتكشف ملامحُ خريطته، ولا يدري الإنسانُ مآلاتِه فيه غدًا.

منذ بدأتُ النشرَ لم أتوهم يومًا أن العالمَ يتغيّر على إيقاع كتاباتي، أو أن الناسَ يترقبون أن يكتمل رسمُ خرائط حياتهم وطرائق عيشهم بأفكاري وكلماتي، دائمًا أعيش هاجسَ أن ما أقوله لا ينصت إليه أحد. أحيانًا يتفاقم شعوري بلا جدوى كتاباتي، ما يسعفني ويخفض ضراوةَ هذا الشعور، ويستحثّني على إنفاق وقتي يوميًا بين القراءة والكتابة وتحرير النصوص، هي الحاجةُ إلى منجزٍ يشعرني بالحضور في العالَم. لست محبطًا ولا يائسًا، مازلت أنجو بالكتابة من الخوضِ في متاهات الحياة، وحمايةِ نفسي من الاكتئاب والمحافظةِ على صحتي النفسية، بغضِّ النظر عن أصداءِ هذه الكتابات وانقسامِ مواقف القراء حيالها. ما أجنيه من مكاسب في الكتابة تدعوني للاستمرار، إذ تخفض شيئًا من قلقِ الوجود والشعورِ المرير بضراوة الشرّ وتفشيه في الحياة، وتمنح حياتي شيئًا من المعنى. لا أتقن أيّةَ مهنة في الحياة سوى القراءة والكتابة، إن كانتا مهنة، لا يلهمني فعلٌ في الحياة كما تلهمني القراءةُ والكتابة.

قيمة الكتابة في صدقِها بالتعبير عن الذات أولًا، وصدقِها مع القراء ثانيًا. دائمًا أكتب ما أعتقده صوابًا لحظة كتابته، لم أكتب يومًا ولن أكتب ما أكذب به نفسي أو أخون ضميري الأخلاقي أو أضلّل القراء وأخدعهم. لا أتردّد بإعلان قناعاتي عندما تتغيّر في ضوءِ الدليلِ العقلي، وأصداءِ ما أعيشه في الواقع وانعكاسه على حياتي وحياة الناس. العقل الذي ينشغل بالتفكير والتأمل وإعادة النظر في قناعاته، وتمحيصها بامتحان الأسئلة الصعبة، لا تتصلّب قناعاتُه ولا تنغلق بشكل نهائي. الضمير يفرض على صاحبه أن يذعن لما يمليه عليه عقلُه، ولا يتردّد في إعلان ما يراه صوابًا، ويحمي صاحبَه من أن تكذِّب رؤاه وأفكارُه ومفاهيمُه أحاديثَه وكتاباتِه ومواقفَه. لا أراهن كثيرًا ‏على قدرة جيلي على مواكبة الواقع والإصغاء لصوت المستقبل. الواقع الذي نعيشه بحاجة لأن نكون أنا وجيلي أكثرَ شجاعة لنعلن للأبناء أن كثيرًا مما نراه من خراب أوطاننا المسؤولُ عنه أيديولوجياتٌ منفصلة عن الواقع، نسجها خيال أيديولوجيين مسكونين بأحلام رومانسية، ممن لا يعرفون مصالحَ أنفسهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، وأحيانًا لا يعرفون بوضوح حتى ما يرفضونه بشدّة وإصرار عنيد.‏

لا يتغيّر العالمُ اليوم بكتاباتنا مهما كانت قيمتُها،‏كلُّ شيء من حولنا يتغيّر بعوامل عظمى خارج حدود قدراتنا.‏ لا أجد لكتاباتي وأمثالي أثرًا ملموسًا في إنتاج هذه العوامل، وإن كان هناك تأثيرٌ في تغيير الواقع فهو محدود جدًا. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نكتشف الديناميكيةَ التي يتغيّر على وفقها العالَم، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَم تبعًا لها.‏ نمطُ الحضور هذا يُعاد فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلّت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدّد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم.

واحدةٌ من المتاعب الموجِعة في مهنتي ككاتب أني لا أثق كثيرًا بكتاباتي، كلّما أقرأ ما أكتب تهتزّ قناعتي بكلماتي. المواقف الصادرة عن قراء لا أعرفهم ولا يعرفوني، ولم ألتقِهم من قبل، تعيد لي الثقةَ بما أكتب. يرى بعضُ القراء الكرام أن هذه الكلمات تعمل على خفض القلق الوجودي الذي يعيشه الجيل الجديد خاصة. ربما يعود تأثيرُ هذه الكلمات إلى أني أكتبها بصدق وإخلاص، وأكرّر كتابتَها عدة مرات إلى أن أستنفد كلَّ طاقتي، ولعلّ ذلك ما يدعو بعضَ القراء للقول بأنهم يتذوقونها وكأنها طعامٌ شهي.

بعض الكتّاب يظن أن العالمَ يتغيّر على إيقاع كتاباته، وأن كتاباتِه أهمُّ للبشرية من اكتشاف الكهرباء والسيارة والطائرة والبنسلين والانترنيت وغيرها، وأبرز من يمثّل هؤلاء كتّابُ الأيديولوجيات ممن تطغى في كتاباتهم الوثوقيات، وربما لا نقرأ لديهم أيّةَ كلمة في كتاباتهم تكشف عن ظنٍّ أو لايقين أو تشكيك. أكثر الكلمات في أحاديثهم وكتاباتهم تعبّر عن ثقةٍ مفرطة وجزمٍ نهائي، وحماسٍ يصل أحيانًا درجةَ الهوس، ورفضِ الإنصات لأية فكرة لا تنطق بما يقولونه. بعضُهم يرى نفسَه نبيًا مبعوثًا أرسلته السماءُ لإنقاذ البشرية. شخصياتهم صارمة، إراداتهم حازمة، وعنادهم لا ينكسر. يقينهم راسخ أبدي، مواقفهم نهائية، مهما تغيّرت الأحوال، وكذّبت الوقائع آراءَهم وشعاراتهم ورهاناتهم وأحلامهم. كثير من هؤلاء تحميهم هالةُ أسمائهم الكبيرة، ويلوذون بجماعات تحميهم وتروّج كتاباتهم بشكل واسع مهما كان مضمونُها، خاصة إن كانوا في شبابهم في حضانة أحد الأحزاب السياسية. أية محاولة لإعادة النظر في أعمالهم تُجهض قبل ولادتها، بعد أن يصنعون اسمًا لهم يحتمون به كلَّ حياتهم، ويواصلون الكتابةَ وتكديسَ مؤلفات بلا غربلة واختبار علمي لأعمالهم.

[1] (شبهه بأهمية اختراع الإنترنت… بيل غيتس يمدح “شات جي بي تي” والذكاء الاصطناعي)، قناة الجزيرة، مقال منشور بتاريخ 10-2-2023.

 

رابط النشر: