Category: الاغتراب

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

سلطة الخوارزميات الخفية

سلطة الخوارزميات الخفية

د. عبد الجبار الرفاعي

تفرض الخوارزميات على الإنسان أن يرى ما تريد له أن يراه، إذ تحاول أن تعيد تشكيل ذوقه واهتماماته ورؤيته للعالم من دون أن يشعر. ترصد الخوارزميات هواياته ورغباته واحتياجاته ومشاعره وانفعالاته وردود أفعاله وأنماط علاقاته، وتحاول أن تتعرف إلى سيكولوجية شخصيته وكيفية تفكيره، وتعمل على بناء ملف معلومات خاص به، وفي ضوء هذه المعلومات، تحاول أن تعيد تنميط حياته بما يتناغم مع متطلبات سياسات الشركات العملاقة وما تنشده من تسلط وانقياد طوعي ومكاسب مالية فاحشة.

أخذت الأفكار المتداولة في العقول البشرية تصدر عن شبكات خوارزمية واسعة، تنتقي المحتوى، وترتب الأولويات، وتمنح بعض الأصوات حضورًا، وتحجب أصواتًا أخرى. وحين تغدو القيم والثقافة والآداب والفنون، التي تنقذ الإنسان من الشعور بالغربة الوجودية، نتاجًا لكيانات غير بشرية، يبدأ الإنسان بالانسحاب تدريجيًا من موقعه المحوري في التاريخ، ويدخل طورًا وجوديًا جديدًا يتحول فيه من منتج للمعنى إلى مستهلك له، ومن كائن يبتكر صور العالم إلى متلق يراقب نصوصًا وصورًا تصاغ له خارج خبرته ورؤيته.

يكمن الخطر في أن يتنازل الإنسان للآلة عن حقه في السؤال والتخيل والتأويل وصناعة المعنى، وينفصل الإنسان عن اللغة التي تشكلت فيها معاني حياته. اللغة مأوى الوعي والخيال والذاكرة والهوية، والفضاء الذي يكتشف فيه الإنسان ذاته، ويصوغ خبرته، ويمنح وجوده معنى.

أضحت لغة الخوارزميات سلطة مخيفة، تدجن الإنسان وفقًا لما ترمي إليه شركات الذكاء الاصطناعي والرأسمالية المتوحشة، وتدفعه إلى الانقياد لما تبثه من قناعات جاهزة ومفاهيم معلبة، فتوجه تفكيره، وتتلاعب بمشاعره وعواطفه، وترسم أحلامه وآماله وتطلعاته بما يخدم سعيها المحموم إلى مراكمة الأرباح. لم تعد الخوارزميات تكتفي بتنظيم ما يراه الإنسان على الشاشة، فقد صارت تعيد تشكيل ما يحبه، وتمنحه وهم الاختيار الحر، فيما تصنع اختياراته في الخفاء، وتحدد له ما يقرأ ويشاهد ويستهلك، ومَن يحب ويكره، وما يقبل ويرفض.

حين تتحكم الرأسمالية المتوحشة في الخوارزميات، تعمل على إخضاع الإنسان لعبودية طوعية، لا يشعر معها بأنه مكره، لأنه يتلقى الأوامر في صورة رغبات شخصية، ويستجيب للإكراه متوهمًا أنه يمارس حريته. يتحقق ذلك عبر ما تراكمه الخوارزميات من صور وإعلانات وكلمات وإيحاءات ورموز تخدم أغراضها، ثم تحولها، بفعل التكرار، إلى بداهات مستقرة في الوعي واللاوعي، لا يسأل الإنسان عن مصدرها، ولا يتبنه إلى المصالح الكامنة وراءها. أخطر أنواع السلطة هي التي تختفي داخل اختيارات الإنسان، فتجعله يريد ما تريده له، ويفكر باللغة التي تصوغها، ويرى العالم من النافذة التي تفتحها أمامه.

تتسلل سلطة الخوارزميات إلى اللاشعور، فتوجه المشاعر والأذواق والمخاوف، وتعيد تشكيل وعي الإنسان من حيث لا يشعر. تراقب اهتماماته، وتتعقب نزعاته، وتكتشف مواطن ضعفه، ثم تغذيها بصور وكلمات وإيحاءات تتكرر حتى تستقر في أعماقه، وتتحول إلى ميول وقناعات يظن أنها نابعة من ذاته. تصنع الخوارزميات رغباته، ثم تمنحه وهم أنه اختارها بإرادته الحرة، وتقوده إلى ما تريده الشركات من دون أن يشعر بالإكراه. أخطر ما تفعله هذه السلطة أنها لا تواجه الإنسان بأوامر ظاهرة، وإنما تتخفى داخل رغباته، وتتكلم بصوته، وتجعله يتبنى ما تمليه عليه، ويدافع عنه كأنه تعبير أصيل عن ذاته. عندئذ تفقد الحرية معناها، حين يختار الإنسان ما اختارته الخوارزميات له، ويرغب فيما صممته له، ويرى العالم من خلال نافذة لا يدرك من فتحها ولا الغاية التي تريد أن تقوده إليها.

تحجب الخوارزميات عن الإنسان ما لا يستجيب لما يطلبه السوق ويراكم فيه الأرباح، وتعمل على إدارة عواطفه وتوجيه احتياجاته والتحكم في انتباهه. تنشئ حوله عالمًا مغلقًا، لا يرى فيه إلا ما يؤكد قناعاته السابقة، ويغذي مخاوفه وانحيازاته وأوهامه، فيتوهم أنه يشاهد العالم كما هو، فيما لا يشاهد إلا الصورة التي صاغتها له الخوارزميات. مع تكرار المحتوى نفسه، تضيق آفاق رؤيته، ويضعف استعداده للإصغاء إلى المختلف، ويتحول فضاؤه الرقمي إلى مرآة تعيد إليه صوته وأفكاره ورغباته. لا تكتفي الخوارزميات بتوجيه ما يراه الإنسان، وإنما تعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها العالم، وتمنحه وهم المعرفة والاختيار، في اللحظة التي تحاصره داخل واقع مصمم سلفًا لخدمة مصالح السوق.

حين يتكرر أمام الإنسان خطاب الكراهية، يتطبع على قبول القسوة، ويألف العنف اللفظي والرمزي، ويتراجع إحساسه بآلام الآخرين، حتى يغدو التحقير والإقصاء سلوكًا عاديًا لا يثير ضميره. حين تغمره صور الاستهلاك والترف، يتسلل إليه شعور بالنقص واحتقار حياته اليومية، فيقيس قيمته بما يملك، ويقارن واقعه المحدود بصور منتقاة ومصطنعة لحياة الآخرين، فيفقد القدرة على الابتهاج بما لديه. وحين تطارده مقاطع النجاح السريع والثراء المفاجئ والجسد المثالي والسعادة الدائمة، ينشأ في داخله قلق مزمن من ذاته، كأنه مقصر أبدًا، وأن حياته ناقصة لا تستحق الرضا، فيرهقه السعي إلى مثال متخيل يتعذر بلوغه.

تتسلل الخوارزميات إلى اللاشعور الجمعي، ولا تقف آثارها عند حدود الفرد. عندما ترفع الأخبار المثيرة للخوف والغضب، تجعل المجتمع يعيش في توتر مستمر، وتدفع أفراده إلى رؤية الآخر مصدر تهديد دائم. عندما تكرر صور جماعة أو دين أو قومية في سياقات سلبية، تغرس في الوعي العام أحكامًا مسبقة، تتحول مع الزمن إلى صور نمطية راسخة يصعب اقتلاعها. وعندما تحاصر المستخدم بمحتويات متشابهة في السياسة والدين والهوية، تنشئ له عالمًا مغلقًا، يشعر داخله بأنه يرى الحقيقة كلها، مع أنه لا يرى إلا ما انتقته له الخوارزمية، فيفقد بالتدريج القدرة على الإصغاء إلى المختلف، وفهم تعقيد الواقع وتعدد وجوهه.

وعندما تجعل الشهرة معيارًا للقيمة، يتحول الإنسان إلى كائن يستجدي الاعتراف بعدد المشاهدات والاعجابات والمتابعين، لا بعمق المعنى وصدق التجربة وأثرها في الحياة. عندئذ تصبح الذات معروضة باستمرار أمام أنظار الآخرين، ويغدو حضور الإنسان مرهونًا بانتباه عابر تمنحه المنصة أو تسحبه، فتضطرب صورته عن نفسه، ويستبد به خوف دائم من الغياب والنسيان. لا تبيع الخوارزمياتُ الإنسانَ السلع وحدها، بل تبيع له صورة متخيلة عن ذاته، ثم تشعره بأنها ناقصة، كي يظل مستهلكًا لا يشبع، ومطاردًا باعتراف لا يناله، وأسيرًا لرغبات تتجدد كلما ظن أنه بلغ غايتها.

الخوارزميات سلطة خفية، لا تصدر أوامر مباشرة، لكنها تعيد تشكيل المشاعر، وتوجيه الانفعالات، والتحكم في الانتباه. أخطر ما تفعله أنها تمنح الإنسان وهم الحرية في اللحظة التي تضيّق فيها أفق اختياره، وتدفعه بهدوء إلى مسارات رسمتها سلفًا، فيختار ما اختارته له، ويرغب فيما صممته من أجله، ويتبنى أحكامًا يظن أنها ثمرة تفكيره الخاص، على الرغم من أنها من صناعة الخوارزميات. إنها سلطة تتخفى داخل الرغبة، وتتكلم بصوت الإنسان، وتستبدل الإكراه الظاهر بتوجيه ناعم لا يشعر معه بأنه خاضع.                                           أتحدث عن كيفية توظيف الشركات العملاقة للخوارزميات في التأثير على رغبات الإنسان واختياراته وسلوكه الاستهلاكي، وتشكيل ذائقته وتوجيه مشترياته. كأنها تتولى صناعة الشخصية الاستهلاكية ونمط الاستهلاك، عبر جمع بيانات عن نشاطه الرقمي، واستنتاج اهتماماته وميوله، والسعي إلى التأثير فيها بما يخدم مصالحها التجارية، وتخصيص المحتوى والإعلانات التي تعرضها عليه وفقًا لذلك. وقد يسهم هذا المحتوى في استثارة انفعالاته، وتعزيز بعض رغباته، والتأثير في مواقفه، بدرجات تتفاوت بحسب طبيعة المحتوى والمنصة وخصائص المستخدم ومدة التعرض. ويمتد هذا التأثير إلى قيمه ومعتقداته ورؤيته للعالم وثقافته، بدرجات متفاوتة، عبر انتقاء المحتوى الذي يظهر أمامه، وتكرار عرض أفكار وصور وأنماط عيش معينة، بما يسهم في تعزيز بعض قناعاته وتعديلها، والتأثير في نظرته إلى ذاته والآخرين.

تتغذى الخوارزميات على بيانات تفاعلاته، مثل المشاهدة والإعجاب والبحث والشراء، لتتوقع ما يرجح أن يجذب انتباهه ويدفعه إلى التفاعل. في هذا المسار، تتداخل الاستجابة لميوله مع إمكان تعزيزها أو تعديلها، عبر تكرار عرض محتوى معين يضيّق تنوع ما يراه، ويعزز ألفته بأفكار ومنتجات وأنماط عيش دون غيرها. تنبع خطورة هذه الممارسات من اتساع قدرة الشركات على تشكيل البيئة الرقمية التي يتخذ الإنسان قراراته في فضائها، مع محدودية معرفته بكيفية انتقاء ما يظهر أمامه، والمصالح التجارية وغيرها التي توجه هذا الانتقاء.

يحتاج الإنسان اليوم إلى يقظة عقلية نقدية، وقيم أخلاقية، تكشف ما تحجبه الخوارزميات، وتحرر وعيه من الاستلاب، وتعيد إليه حقه في السؤال والشك والتفكير الحر، وفي حماية عالمه الداخلي من الاختراق والتلاعب. كما يحتاج إلى استرداد صلته بذاته والآخرين والطبيعة والعالم خارج ما تفرضه شاشات السوق والسلطة؛ فالحرية لا تعني كثرة الخيارات المعروضة على الشاشة، وإنما تعني وعي الإنسان بمن يصنع هذه الخيارات، وبالمصالح الكامنة وراءها، وقدرته على تجاوزها وصوغ اختياراته وفقًا لقيمه وخبرته ورؤيته الخاصة للحياة.

https://alsabaah.iq/139766-.html

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

د. عبد الجبار الرفاعي

في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.

إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تنعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به. في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.

في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.

كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.

الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير. هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.

التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.

تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.

ليس كل ما يعد به التقدم التكنولوجي يعد نعمة خالصة، ما لم يكن مصحوبًا بتنمية الوعي الإنساني، وتجذير قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، والحد من جشع السوق الرأسمالية، ومقاومة تحول الإنسان إلى مادة خام لصناعة الأرباح. وفرة السلع والخدمات لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى، ولا تكفل سعادة الإنسان أو أمنه الوجودي وسلامه الروحي. إنسان العصر الرقمي يعيش اغترابًا وجوديًا واجتماعيًا عميقًا، لأن ذاته تتآكل تحت وطأة تسارع الأحداث وتحولات الواقع التي لا هوادة فيها. هذا الاغتراب لا يقتصر على تشييء الهوية، بل يمتد إلى ذوبان العلاقات الاجتماعية، حيث تذوي العلاقات الإنسانية العاطفية وسط صخب الانشغال بتطبيقات العالم الرقمي، وما يفرضه من واقع لم يألفه الإنسان من قبل. نرى الإنسان منفصلًا عن ذاته ومن حوله، فاقدًا للألفة الاجتماعية التي تمنحه الاعتراف والثقة والمودة، لا ذاته منكشفة له بجلاء، ولا تواصله مع الآخرين يتسم بالثقة والدفء.

https://alsabaah.iq/127858-.html

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

د. عبد الجبار الرفاعي

يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.

تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.

تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.

تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.

إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.

من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.

حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.

حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية.

لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.

لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.

في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر “ما بعد الإنسان”، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.

https://alsabaah.iq/126046-.html

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

 

صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

د. عبدالجبار الرفاعي

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. ينبغي ألا يُقرأ بوصفه حكمًا أخلاقيًا عن سلوك نساء أثينا، ولا حكمًا معياريًا على الرغبة أو الجسد، بل بوصفه تحليلًا ثقافيًا لبنية مدينة صاغت علاقتها بالجسد واللذة والاقتصاد ضمن أفق رمزي خاص؛ فالإشارة إلى التوق الجنسي واقترانه بالمقابل المادي لا تهدف إلى الصدمة لذاتها، وإنما تكشف عن انتقال الرغبة من مجالها الإنساني الحميم إلى مجال التداول الاجتماعي، حيث يغدو الجسد لغةً ضمن شبكة من العلاقات والقيم والمعاني. الصدمة هنا لا تصدر من الفعل، بل من تعرية المسكوت عنه في الوعي الاجتماعي، ذلك أن المدينة التي تنتج فلسفة العقل والجمال والرموز لا تنفصل عن اقتصاد الرغبة، وإنما تنظّمه وتؤطره وتمنحه رؤية ثقافية مخصوصة. بهذا المعنى، لا يتحدث النص عن انحراف أخلاقي، وإنما عن نظام رمزي يلتقي فيه الجسد بالمدينة، والرغبة بالسوق، واللذة بالمعنى، كاشفًا أن ما يبدو صادمًا للوعي اللاحق كان جزءًا من بنية حضارية لم تفصل بين التفكير والعيش، ولا بين الفلسفة والجسد. القراءة التحليلية هنا لا تدين ولا تبرر إنما تفسر، وتُظهر كيفية تشكل الأخلاق داخل سياق ثقافي تاريخي، وكيفية انتاج المجتمع معاييره من داخل بنيته لا من خارجها، فتتحول الصدمة من حكم أخلاقي إلى أداة لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بجسده، ولعلاقة المدينة برغباتها المكبوتة والمعلنة معًا.

مضى سيكوندوس في اختبار أخلاقي مثير مع أمه الأرملة، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام[1].

قصة سيكوندوس مع أمه لا تُقرأ بوصفها حكاية فضائحية عن كسر محرَّم، بل بوصفها تمثيلًا رمزيًا مكثفًا للذنب حين يبلغ أقصاه، وللضمير الأخلاقي حين يُنتهك في مستواه المؤسس للمعنى؛ فالأم هنا ليست مجرد شخصية سردية، بل رمز للمنبع الأول للحياة، ولأصل القيم، وللنظام الرمزي الذي تنتظم فيه القرابة والهوية والاستمرارية، لذلك لا يغدو الفعل خطيئة عابرة قابلة للاعتراف أو الترميم، بل هتكًا لبنية العائلة والمجتمع القيمية. لا تأتي استجابة سيكوندوس بالصراخ أو التبرير أو الهروب، بل بالصمت الأبدي بوصفه تحمّلًا صارمًا للمسؤولية. إذ يتحول الصمت من عقوبة اجتماعية مفترضة إلى قرار يفرضه الضمير الأخلاقي؛ وصمت سيكوندوس هنا ليس توبة دينية خالصة، ولا عقوبة جسدية، بل قرار وجودي بتحويل الذنب إلى وعي دائم، يعي فيه الفاعل أن اللغة ذاتها تواطأت مع الخديعة وانتهاك الحرمة حين استُعملت أداة للإغواء، وأن الكلام بعد هذا الحد سيكون انتهاكًا آخر، فيختار سيكوندوس تعليق حضوره اللغوي في العالم، لا إنكارًا للفعل، بل اعترافًا باستحالة قوله، ورفضًا لتحويل الذنب إلى مادة سردية للاستهلاك أو إلى فضيحة قابلة للتداول. هكذا تنقلب القصة من حكاية صادمة إلى أيقونة فلسفية، تكشف أن الصمت، في لحظات قصوى، قد يكون أصدق أشكال الأخلاق حين تعجز اللغة عن استيعاب سعة المعنى.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس [2].

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

اجابات سيكوندوس عن هذه الأسئلة الحائرة درس تربوي ثمين للاقتصاد في الكلمات. إذ يغرق الإنسان اليوم في فائض أسئلة وإجابات المنصات الرقمية، ويتعجل كثيرون للتعليق وإبداء الرأي في كل شيء، وإن كان لا يخصهم بوصفه علامة حضور. في هذا الواقع يصبح الامتناع عن الكلام فعلًا مقاومًا للهوس بالكلام، لا عجزًا عن التعبير، ويغدو الصمت اختيارًا واعيًا.مثلما علّق سيكوندوس حضوره اللغوي بعد إدراكه تواطؤ الكلام مع الانتهاك، يختار الإنسان الحكيم أحيانًا الصمت، إدراكًا لتواطؤ اللغة الرقمية مع التضليل والتسطيح والتعبئة الانفعالية، فيتحول الامتناع عن التعليق إلى احتجاج معرفي يرفض تحويل القضايا الأخلاقية والروحية والمعرفية إلى محتوى سريع الاستهلاك، ويقاوم اختزال التجربة الإنسانية في ردود أفعال آنية. بهذا المعنى لا يكون الصمت انسحابًا من المسؤولية، بل شكلًا متقدمًا منها، إذ يقدم مثالًا تربويًا للاقتصاد في الكلام، ويحمي الحقيقة من الابتذال، ويصون سعة المعنى من الانهيار. صمت سيكوندوس يجد صداه اليوم في كل وعي يفضّل التأمل على الضجيج، والامتناع الذكي عن الانغمار في الثرثرة المستفزة.

[1] عثمان، صلاح، “سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2″، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

[2] المرجع السابق.

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

الوجود الإنساني يتشكل في أفق اللغة، اللغة مرآة تتكشف فيها رؤية الإنسان للعالم، ولا تنفصل هذه الرؤية عن القواعد والأدوات والكلمات التي تتجلى بها وتعبّر عنها. اغتراب اللغة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان يعني اغتراب الإنسان عنها. حين تتيسر قواعد اللغة، ويجري تحديث أدواتها، وتواكب مفرداتها صيرورة الواقع والتحولات المتنوعة فيه، يتسع أفق الإنسان الناطق بها لرؤية العالم وإعادة تشكيله في وعيه.

يواجه دارسو العربية اليوم صعوبة بالغة في إتقان النحو وضبط حركات الكلمات عند التعبير بالفصحى، وهذه الصعوبة لا تنشأ من قصور في الفهم، أو ضعف في الذكاء، أو نفور من اللغة التي تمثل مكونًا عميقًا للهوية، أو افتقار إلى الجدية والمثابرة، وإنما تعود إلى قصور قواعد النطق عن الوفاء بمتطلبات التحدث بالعربية في العصر الراهن. هذه القواعد ما زالت أسيرة رؤية التراث للعالم، بينما يفرض وعي دارس اللغة أن ينتمي إلى الواقع الذي يعيش فيه، بكل ما يعج به من متغيرات هائلة في المجالات المختلفة. النحو لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة والمعرفة، ولا على استيعاب التطور الهائل في العلوم والتقنيات. الفلسفة والعلوم الإنسانية واللسانيات والتأويل وعلوم اللغة تطورت في العصر الحديث تطورًا واسعًا، وتفاعلت علوم اللغة مع منجزات العلوم والمعارف المتنوعة، فشكّل هذا التطور منعطفًا كبيرًا في مسار المعرفة، وترك أثرًا بيّنًا على اللغات الحية والثقافات وطرائق رؤية العالم، كما توضحه فلسفة العلم الحديثة. مع ذلك، ما زال النحو وعلوم اللغة العربية أسيرين لرؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج الإنسان العربي اليوم إلى رؤية حيّة للعالم، تواكب إيقاع العصر، وتتناغم مع شروط الواقع الذي يحياه.

حين تغترب اللغة عن الواقع يغترب الإنسان عنها، الإنسان العربي اليوم يعيش اغترابًا عن لغته لأن لغته غريبة عن واقعه، بعد أن انسلخت تدريجيًا عن إيقاع حياته وأسئلته واحتياجاته المعرفية انسلخ هو عنها. تتجلى هذه الغربة في ابتعاد قواعد العربية وأساليب تعبيرها عن واقعه، إذ ما زالت أسيرة قوالب تشكلت في سياق رؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج واقعه اليوم إلى لغة تتنفس من نبض الحاضر، وتستجيب لتحولات وعيه، وتحتضن حاجاته المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية. في زمن يتغير بإيقاع متسارع، يستحث الإنسانُ اللغةَ على أن تواكبه،كي تظل قادرة على ايصال المعنى الذي تنشده حياته، وتتناغم مع الواقع الذي يعيشه، وتسهم في صياغة رؤيته للعالم، بما يمكّنه من التعرف على ذاته في سياق صلاته المتنوعة بما حوله، وإعادة تعريفها في أفق الحاضر والمستقبل.

حضرت قبل سنوات مناقشة دكتوراه في تخصص اللغة العربية، وكان المناقشون خمسة يحملون لقب أستاذ دكتور في هذا التخصص. جلست نصف ساعة، فضجرت من كثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم، حتى كاد الانتباه إلى مضمون الكلام يتلاشى تحت وطأة زلات اللسان. عندما غادرت القاعة، رأيت أحد المؤلفين المعروفين يخرج قبلي، وقد ارتسم على ملامحه تبرم شديد، لانزعاجه البالغ من أحد المناقشين الذي بدت على لسانه حروف الجر وكأنها تعطلت وظيفتها في كلامه. إذا كان هذا حال بعض المتخصصين بالعربية، فماذا ننتظر من غيرهم، كالإعلاميين وعموم الناطقين بها، أن يضبطوا قواعدها وأساليب بيانها، وهي ما زالت مثقلة بقيود تراثية تجعل النطق بها عبئًا، بدل أن تكون أداة حيّة للتواصل والتعبير عن المعنى. يقول علي الطنطاوى: “أصبح النحو علمًا عقيمًا، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كل مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولا يقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول”[1].

وهذا يفرض تيسير قواعد النطق بالعربية، وتحديث أساليب التعبير فيها، واستثمار ما أبدعته الحداثة الشعرية العربية من طاقة لغوية خلاقة، وما راكمه السرد العربي الحديث من ثراء في المعجم، وابتكار في أساليب البيان، أتاح للعربية أن تنفتح على نبض الحياة اليومية، وتقترب من اللغة المحكية في أحاديث وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ونصوص الصحافة، فتغدو أكثر مرونة في التواصل، وأقدر على التعبير عن التحولات الجارية في الواقع والوعي والفكر والثقافة.

أدرك جماعة من علماء العربية في العصر الحديث هذا المأزق، فألّفوا كتبًا، وكتبوا بحوثًا متعددة، تدعو إلى تيسير النحو وتطوير أساليب التعبير بالعربية، وشكلت دعوتهم موجة لافتة في القرن العشرين، لكنها لبثت عند السطح، ولم تنفذ إلى الجذور العميقة للمشكلة، أو تستكشف العوامل المتشابكة التي صنعتها، ولم تبحث عن حلول جدية في ضوء المكاسب الحديثة لعلوم اللغة. لم تتحول هذه الدعوة إلى مشروع عملي تتبناه المجامع اللغوية ومراكز البحوث والكليات المختصة، بل أُوصدت أمامها الأبواب، فتوقف تطورها، وانحسر مداها قبل أن يبلغ آفاقًا أرحب وأعمق. مع صعود تيار العودة إلى التراث واستئنافه على صورته الموروثة كما كان، الذي قاده التيار السلفي، ورسّخه صعود الإسلام السياسي، جرى التصدي للحداثة الفلسفية والمعرفية والعلمية والأدبية، ورفض ما أبدعته العقلانية النقدية الحديثة، وحُجب صوت دعاة التجديد، وتعرضوا للملاحقة والتضييق، حتى خفتت موجة الداعين إلى تيسير النحو وتحديث أساليب التعبير بالعربية، وزُرع الخوف في نفوس تلامذتهم من مواصلة هذا الطريق.

كان من دعاة التيسير: إبراهيم مصطفى في كتابه: “إحياء النحو”[2]، وأمين الخولي في بحثه: “هذا النحو”[3]، ومهدي المخزومي في كتابه: “في النحو العربي نقد وتوجيه”[4]، وأحمد عبد الستار الجواري في كتابه: “نحو التيسير”[5]. ذكرنا هؤلاء الأعلام الأربعة بوصفهم نماذج لدعوة التيسير، مع العلم أن هناك عشرات الكتابات لغيرهم في هذا المجال. وبغض النظر عن اختلافهم في نوع التيسير وكيفيته وحدوده، لاحظتُ أن كتاباتهم تفتقر إلى الحفر في البنية العميقة للتراث التي أنتجت سلطة الفصاحة والنحو، وكرست ممانعة اللغة عن قبول أية محاولة للتحديث وتيسير النحو. البحث العلمي يتطلب اكتشاف كيفية تشكّل هذه السلطة وتغلغلها ورسوخها، بفعل تأثير لغة القرآن الكريم وتجذرها في الشعور واللاشعور الفردي والجمعي، وبفعل السلطة المعرفية والروحية التي امتدت عبر تاريخ العربية للمؤسسات الدينية ومعاهد التعليم الديني التقليدية واستحواذها على اللغة، وتأثير الرؤية التراثية للعالم على إجهاض كل محاولة للتيسير والتحديث، وتغييب معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية وعلوم اللغة الحديثة والألسنيات عن الدرس اللغوي في كثير من كليات اللغة العربية والآداب في الجامعات العربية، فضلًا عن عوامل أخرى عمّقت الهوة بين الدرس اللغوي التراثي وحاجات الواقع الحي.

العربية اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة بناء الرؤية التي تصوغ حضورها، في أفق تتحرر فيه من القوالب التراثية المغلقة، وتنفتح على إيقاع الحياة المتجدد، بنهضة لغوية علمية، تعتمد على المكاسب الجديدة للعلوم والمعارف، وتقودها مؤسسات علمية متبصّرة بما أنجزته الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات وعلوم اللغة والشعر والأدب الحديث، وما راكمته هذه الحقول من منجزات كبرى. من دون مؤسسات تمتلك وعيًا عميقًا بالمكانة الفائقة للعربية، ودورها الحاسم في صياغة رؤية العربي للعالم، وفي بناء هويته المواكبة لمستجدات حياته، وتستجيب لتحولات واقعه، ستبقى العربية عاجزة عن التعبير عن تعقيدات الحياة التي يحياها أبناؤها في زمن الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن تتأسس هذه النهضة اللغوية على استراتيجيات علمية شاملة، تضع نصب أعينها تطوير اللغة، وتجديد أساليب التعبير بها، وتيسير قواعدها، بما يهيئها لاحتضان المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية والنفسية والعاطفية والروحية المتسارعة، ومواكبة ما يفرضه العصر الرقمي من تحولات عميقة في الوعي والمعرفة.

من دون هذا الجهد ستظل العربية عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الإنسان العربي لغويًا ومعرفيًا وثقافيًا، كما يفرضها على كل لغة في العالم. وحين تفقد اللغة قدرتها على التفاعل مع أسئلة الحاضر وتحدياته، يبدأ مسار تهميشها تدريجيًا، ويتراجع حضورها في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء الهوية وترسيخها. لذلك ينبغي أن تنهض المؤسسات الأكاديمية الرصينة، والمجامع اللغوية، والأدبية، بمسؤولية دعم البحث اللغوي الجاد، وتعزيز حركة الترجمة، وتطوير المعجمات، وتشجيع الإبداع ومراكز الدراسات الأدبية والفكرية للغة العربية، وتعمل في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة على حضور العربية بفاعلية في الفضاء الرقمي، من خلال إنتاج محتوى ثري يعكس متطلبات العصر وتحدياته، ويجعلها حاضرة في ميادين المعرفة والتواصل الحديثة. إذا لم تتحقق هذه النهضة، ستواجه العربية خطر الانغلاق والسكون، مما سيقيد قدرتها على الإسهام في تشكيل الوعي العربي والإنساني، ويختزل دورها كأداة للتفكير الإبداعي والنقدي في التعامل مع قضايا العصر والإجابة عن أسئلته المتنوعة، ويحرمها من أن تكون لغة حيّة قادرة على مواكبة التحولات، وصياغة المعنى في عالم يتغير بإيقاع متسارع.

اللغة التي تنكفئ عن مواكبة تحولات الحياة، وتغفل الاستجابة لتغيرات الواقع ومستجداته، تفقد حيويتها، وتضعف قدرتها على توصيل المعنى، فتغدو عاجزة عن ملامسة نبض العصر، واستيعاب تحولات الواقع والفكر والشعور. في اللغة الحية تولد مفردات جديدة، ويتوارى حضور أخرى عجزت عن التعبير عن المعنى الذي يطلبه الواقع، وفقدت قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية والرمزية للمجتمع الناطق بها.كلما اتسعت خبرات الإنسان وتعمق وعيه، تجددت أدوات التعبير، وتطورت أساليب البيان، واتسعت اللغة لاحتضان مفردات تعكس تحولات المعنى في الفكر والعاطفة والسلوك. انغلاق اللغة لا يمثل اكتمالها، وإنما يعكس انفصالها عن الواقع ومنابع الحياة، وانقطاعها عن إيقاع العصر. مرونة اللغة وقدرتها على التكيّف مع تحولات الواقع، وإثراء مفرداتها وصقل أساليبها، هو البرهان الأصدق على بقائها كائنًا حيًا يواكب تطلعات الإنسان، ويغني وعيه، ويفتح له آفاقًا أرحب لرؤية العالم، والتفاعل مع معناه، وإعادة ابتكار صورته في ضوء ما يتكشف له من تجارب ومعارف متجددة.

[1] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 13، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[2] مصطفى، إبراهيم، إحياء النحو، 1959، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

[3] الخولي، أمين، “هذا النحو”، مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، مج 7، “يوليو 1944”.

[4] المخزومي، مهدي، في النحو العربي: نقد وتوجيه، 1964، المكتبة العصرية، صيدا -بيروت.

[5] الجواري، أحمد عبد الستار، نحو التيسير، 1984، المجمع العلمي العراقي.

 

https://alsabaah.iq/119601-.html

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

د. عبد الجبار الرفاعي

بعضُ الأدباء والمثقفين العراقيين يظن أن المتدينَ لا يمكن أن يكون مثقفًا، ‏والمثقفَ لا يمكن أن يكون متدينًا. في الشهر السادس سنة 2003 دعاني المعهدُ الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لمؤتمرٍ لدراسة تداعيات الاحتلال وآثاره على العراق.كنا جماعةً من المدعوين العراقيين جالسين في الاستقبال مع لزلي ترامونتيني معاونة رئيس المعهد. حلَّ وقتُ آذان المغرب، فقلت: استأذنكم أصعد للغرفة أصلي، أجابني مثقف معروف قائلًا: أنت رجل مثقف عقلاني، إلا أن الغريب أنك تصلي، وهذا لا يليق بمثقف. رددتُ غاضبًا: رجاء لا تجرح ضميري الديني، أنا إنسان مؤمن أصلي منذ البلوغ، ولن أترك الصلاةَ مادمتُ حيًّا. الصلاة معراجي إلى الله الذي يطمئن به قلبي، ويملأ روحي سكينةً وسلامًا. لماذا تشترط على المثقف العقلاني ألا يكون مؤمنًا، وينبغي ألا يصلي؟ عددٌ من الفلاسفة مثل “امانويل كانت” فيلسوف التنوير كانوا مؤمنين بالله، كيركغورد كان مؤمنًا عارفًا، محيي الدين بن عربي أعظم حكيم عارف ظهر في الإسلام كانت استبصاراتُ روحه ساطعة. فوجئ الرجلُ بهذا الجواب الصريح، فاعتذر بكلماتٍ مرتعشة، ماتتْ في شفاهه.

الدينُ حاضرٌ في كلِّ شيء في حياتنا، تجاهلُ آثاره الإيجابية والسلبية كليًا، انتهى إلى اغتراب ثقافتنا ومثقفنا عن مجتمعه. يذهب بعضُ المثقفين إلى استفزاز الضمير الديني لك لو علم أنك تؤمن بالدين، يتحدث معك بكلماتٍ جارحة أحيانًا بلا مقدّمات. قبل سنة قابلتُ شخصًا كان يسأل عني ويريد أن يتعرف عليّ، حييته باحترام واهتمام واحتفاء، بعد التحية مباشرة، لم أكن أفكر بالحديث معه عن أيِّ شأن يتصل بالدين، غير أنه استبقني وهو يقول بتوتر وانفعال: “أنا لا أؤمن بكل شيء ينتمي للدين جملة وتفصيلًا، ولا أطيق أن أقرأ أو أستمع أي كلام من أي إنسان يتحدث عن ذلك”، فانصرفتُ مباشرة.

الثقافةُ العراقية اليوم مغتربة عن محيطها، والمثقفُ العراقي مغترب عن مجتمعه. يعرف المثقفُ والأديب الأدبَ والشعرَ اليوناني أكثر مما يعرف الجاحظَ والتوحيدي والمعري، ويستشهد بالميثيولوجيا والآلهة اليونانية أكثر مما يستشهد بآلهة الحضارات العراقية القديمة الراسخة الجذور في حضارات وادي النهرين. يهتمّ بقراءة الكتب المقدّسة الوحيانية وغير الوحيانية للأديان المختلفة وتراثها الديني، وقلّما يعود للقرآن الكريم، ولو حاول أن يلتقط نصًا من التراث الإسلامي، كأن يستشهد بشذرةٍ للحلاج أو النفّري أو ابن عربي أو جلال الدين الرومي لا ينظر للنهر الذي استقتْ ونبتتْ في تربته هذه الشذرة. عندما يقتطف ثمرةً لا يرى الشجرةَ العظيمة المثمرة ولا جذورَها، ولا الأرضَ المغروسة فيها. يحتفي بأفراح وأحزان أديان متنوعة، ويمتنع أو يتردّد كثيرًا وأحيانًا يخجل من الاحتفاء بأفراح وأحزان أمه وأبيه وأهله ومجتمعه. أعرف أن الثقافةَ والأدب والفن العراقي الحديث ولدت في أحضان أيديولوجيا اليسار الأممي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتغذّت لاحقًا من أيديولوجيا اليسار القومي، غير أنها بعد مضيّ نحو قرن من الزمان مازالت أسيرةَ آباء اليسار، وتلبث حتى اليوم في رعاية أبناء وأحفاد أولئك الآباء.

الغريب أن تبجيلَ شعر الحلاج وشذرات النفري وأمثالهما من العرفاء يرادفه تجاهلُ العرفان ونصوصه لدى أكثر المثقفين العراقيين. نادرًا ما أرى ومضاتٍ مضيئة في النثر والأدب العراقي الحديث مرآةً لرؤية فيلسوف وذوق عارف في الأدب العراقي. يكتب فتغنشتاين: ‏”إن الشعور بالعالم ككل هو الشعور الصوفي”. إن ثقافةً لا تتشبّع بالفلسفة ولا تتذوق العرفانَ تظلّ فقيرة، تحاول أن تغطي فقرَها بفائض الألفاظ. مثلُ هذه الثقافةِ تجهل الحاجةَ للدين، وتعجز عن رؤية أعماق الحياة الروحية.

في العراق موقف المثقف من الدين والتدين ملتبِس، أحيانًا يبلغ الموقفُ حدَّ النفور والاشمئزاز من كلِّ ما يمتّ للدين بصلة، من دون نظرٍ وتأملٍ في الدين بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة البشرية، ومن دون نظر وتدبر بتنوع قراءات النصوص الدينية، واختلافِ تأويلها عند المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، ومن دون تمييزٍ بين أنماطِ التدين وتعبيراتِه المتنوعة في الحياة.كلُّ شيء يتصل بالدين والتديّن يوضع في سلةٍ واحدة. المشكلة في العراق أنك نادرًا ما تجد في الوسط الثقافي، الذي يحتكره اليسارُ تاريخيًا، مَن يكتب في الدين، أو يقدم تفسيرًا علميًا لقوة حضورِه وتأثيرِه الواسع في حياة الفرد والمجتمع، بل تجد من يهزأ بالكتابة في الدين ويسخر من الحديث عنه. أحدُ حاملي الدكتوراه، بدلًا من أن يتجنب الخوضَ خارج تخصّصه، يقول: كيف يمكن أن يكون الإنسان مثقفًا وهو يعتقد بـ “‏ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”[1]، لو قرأ هذا الدكتور شيئًا من الدراسات الحديثة في لغة الدين لأدرك أن لغةَ الكتب المقدّسة لا تُقرأ من دون أدواتها الخاصة. ترسّخت عقدةُ ازدراءٍ للدين والتديّن في الثقافة العراقية الحديثة، إلى الحدّ الذي يمكن أن نجد المثقفَ عقلانيًا في أكثر كتاباته، إلا أنه لحظةَ يكتب عن الله والدين والتدين يتحول إلى كاتبٍ لا عقلاني ولا منطقي، وأحيانًا يصير شتّامًا، يكتب بتهكّم وسخرية.

‏ لم أجد مثقفًا جادًا أو أديبًا مبدعًا من أصدقائي خارج وطني إلا وتكوّن تكوينًا فلسفيًا رصينًا.كلُّ ثقافة فاعلة تتأسّس على أرضيةٍ فلسفية، ورؤيةٍ جمالية للعالَم، ولا تفتقر لنكهةٍ عرفانية، ترى ذلك يتجلّى في: الدين، والميثولوجيا، والشعر، والفنون السمعية والبصرية. لولا ابن رشد وابن عربي وابن طفيل وابن سبعين، وغيرهم من الفلاسفة والعرفاء، لنُسي الوجهُ الثقافي المضيء للأندلس.

المثقف الحقيقي يتبنى العقلانيةَ النقدية، يرى في النقد حياةَ العقل، يتعلّم من النقد العلمي، ويتعلّم من المتعلمين، وحتى من غير المتعلمين. في الثقافة العراقية الحديثة مفهومُ النقد مضلّل، نادرًا ما تقرأ في وسائل التواصل نقدًا عقلانيًا، بعضُهم يتهجّم ويستهزىء بمؤلفات ثمينة من دون أن يقرأها. وأحيانًا يهجو غيرَه، لا لسببٍ إلا لأنّ مزاجَه لا يقبله، وربما يلجأ للعنف اللفظي، وإذا سألته: لماذا تكتب هكذا، يجيبك: هذا نقدٌ، وكأن النقدَ ازدراءُ الأشخاص والسخرية منهم، وليس محاكمةَ الأفكار وغربلتَها وتمحيصَها. هذا مأزق مستحكِم في الثقافة العراقية الحديثة، وهو في ظني أعمقُ عامل للطلاق البائن بين المثقف والمجتمع.

عشتُ في بلدان متعدّدة وتعرّفت على نخب ثقافية عربية وغير عربية، قلّما رأيتُ مفكرين معروفين جادّين يفهمون الدينَ بتبسيطٍ مريع، وحانقين على التديّن إلى الدرجة التي عليها بعضُ مثقفينا. محمد عابد الجابري ختم حياتَه بتفسيرٍ للقرآن الكريم، وهكذا كان إنتاجُ خريف عمر عبد الرحمن بدوي كتابَ “دفاع عن القرآن”، و” دفاع عن محمد”، وأصدر عبد الله العروي كتاب “الإصلاح والسنة” في خاتمة رحلته الطويلة، وكرّس حسن حنفي السنوات الأخيرة من حياته لتفسير القرآن. ورأينا أمثالَهم مفكرين كبارًا منتمين إلى مجتمعات عالَم الإسلام وغيرها يختمون إنتاجَهم الفكري بكتابات دينية. لا أدعو لأن يفعل الشعراءُ والأدباء والفنانين ذلك في مجتمعنا، ولا أريد أن يتحول المثقفُ إلى مبشِّر ديني، وليس هدفي تقييمُ تلك الكتابات لمفكرين معروفين لا يعنيهم الشأنُ الديني قبل نهاية مشوارهم في التأليف، والتنقيبُ عن الدوافع الخفية في خريف العمر، مثل قلق اقتراب الموت والشعور الحزين بوحشة القبر، التي تحفزّهم لمثل هذا النوع من الكتابات. أردتُ فقط التنبيه إلى وعي مفكرين عرب كبار، وإن كان متأخرًا، للحضور الفاعل للدين والتديّن في مجتمعاتنا.

الغريبُ أن بعضَ المثقفين كثيرًا ما يكرّر الدعوةَ لنبذ العنف والدعوة للـ “السلام”، ويراكم مقالات متنوعة حول ذلك، غير أنه ينفر من كلمة “السلام” حين تقترن بتحية الإسلام. من حقِّ كلّ إنسان أن يحيّي الناسَ بما يحلو له وبما تربى عليه، إلا أن بعضَهم يرفض حقَّك في استعمال تحيتك المعبِّرة عن ذوقك وتربيتك وأخلاقك ودينك. لا يطيق آخرون الترحّمَ المتعارف على الميّت والدعوةَ له أن تشمله رحمةُ الله الواسعة، فلو ترحمتَ عليه ودعوتَ له، يعاندك بلغةٍ مباشرة تشي بإنكارِ الحياة الأخرى، وكأن عزاءَه لك في إنكارها. رثيتُ قبل مدة أحدَ علماء الدين من الأصدقاء الأعزاء الذين تمتدّ صلتي بهم إلى نصف قرن، عرفته بمواقفِه العنيدة المناهِضة لفاشية صدام، وجهودِه الدينية والاجتماعية والثقافية، ومشاريعِه الخيرية باحتضان الأيتام ورعاية الفقراء، ارتبطتُ بعلاقة احترام متبادل معه، وتربطني علاقاتٌ ودية بأبنائه الكرام وعائلته. عندما استيقظتُ صباحًا قرأتُ في التعليقات كلامًا مستهجنًا يزدري رثائي، ويتهجم على الميت بلغة حانقة مبتذلة، وكأن هناك ثأرًا مكبوتًا حانتْ لحظةُ استيفائه، مما اضطرني لحذفِ الرثاء، وحظرِ كل مَن يكتب بهذه اللغة الهابطة.

كلُّ مثقف مسؤول يزعجه مَن يجرح الضميرَ الديني للمختلِف في دينه ومعتقده وتفكيره، لا يليق أخلاقيًا وذوقيًا أن نتهكم على الطاوية أمام إنسان طاوي، أو نلعن بوذا أمام إنسان بوذي، أو نتهجم على زرادشت أمام إنسان زرادشتي، أو نزدري نبي أي ديانة أو مؤسّسها أمام إنسان يختلف عنّا في ديانته. ينبغي أن نحترم معتقدات المختلِف في الدين،كما ينبغي له أن يحترم معتقداتنا، وألا يتّهم النبيَّ الكريم “ص” الذي نؤمن بنبوته ووحيه ورسالته السماوية، مثلما يحترم المختلِفين عنه في معتقداتهم من غربيين وشرقيين.

أعني بالثقافة في العراق الشعرَ والأدبَ كما هي مختزلة بذلك، وأخصُّ به الشعرَ المفرّغ من أيّ مضمون فلسفي ورؤية معرفية، ومن أية بصيرة حاذقة، ومن أية كثافة دلالية. مركزية الشعر في الثقافة العراقية عملت على إسقاط أو تهميش كلِّ ما هو خارج الشعر والأدب، فلا ينصرف مفهومُ الإبداع إلا لها، ولا ينصرف مفهومُ مثقف إلا للشاعر، بل حصرت معنى الثقافة بالشعر والأدب والفن. هُمشّت الفلسفةُ وعلومُ الانسان والمجتمع وعلوم الدين، قلّما نلتقي بها في أنشطة وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والكتاب ومؤتمراتهم وندواتهم ومطبوعاتهم. غالبًا لا تكترث الوزارةُ واتحادات الكتّاب والأدباء وغيرها من منتديات ثقافية عراقية بالإنتاج الفكري في حقل العلوم الإنسانية والفلسفة والعرفان والدين، أو تمنح الباحثين الجادّين في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والدين منصاتها، أو تكرمهم. ‏جوائز وزارة الثقافة وغيرها من المؤسّسات ودور النشر تختصّ غالبًا بالشعر والرواية والسرد. ولا تحتفي اتحاداتُ الأدباء والكتاب في العراق بأية جائزة كبيرة تمنح خارج الوطن لمنجز فكري عراقي، إن كانت لا تقع ضمن هذا الضرب من الكتابة.

‏ الثقافة في العراق تعيش خارج الوسط الأكاديمي، الأكاديميا في وطننا لا تهتمّ كثيرًا بالثقافة بمعناها الأشمل إلا في حالات قليلة، حتى لو بادر بعضُ الأكاديميين للكتابة خارج تخصّصه فإنه لا يتجاوز الشعر والرواية والنقد. ‏الأكاديمي حبسته ‏قراراتُ وزارة التعليم العالي والجامعة ‏في الانشغال بأبحاثٍ لأغراض الترقية واللقب العلمي، وهي في الغالب أبحاث شكلية، وأغرقته في أعمال لجان وإدارة تعليمية أكثرها ينبغي أن ينجزه موظفون إداريون خارج مهنة التعليم العالي والبحث العلمي. تقوقع الأكاديمي على نفسه، ودخل حالةَ غياب عن الثقافة هو ‏وإنتاجُه الفكري، بعد أن سجنت عقلَه القوالبُ الأكاديمية المهنية الصارمة، وعجز عن التفكير خارج اطارها المغلق.

ربما ينشأ الموقفُ السلبي من الدين من الخلط وعدم التمييز بين الإيمان من جهة والدين من جهة أخرى، وبين تمثلات الدين وأنماط التديّن في حياة الفرد والمجتمع من جهة ثالثة. الإيمان يعبّر عن تجربةٍ روحية ووصالٍ مع الله يعيشه المؤمن، وهي حالةٌ للروح لا تتحقّق إلا فرديًا،كلُّ إنسان يعيشها على وفق وعاء روحه وقدرتها الوجودية على الانبساط والاتساع. ينعكس الإيمانُ في يقظة الروح واستبصاراتها، ويؤثر في نمطِ رؤية الإنسان للعالَم، وقدرتِه على تذوق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. أما الدينُ وتمثلاتُه وأنماطُ التديّن في حياة الفرد والمجتمع فهو ظاهرة فردية ومجتمعية، تعبّر عن حضورها في أخلاق الإنسان وثقافته ومواقفه وسلوكه ومختلف أحواله، تؤثر هذه الظاهرة وتتأثر بطبيعةِ الفرد وظروفِ عيشه، ونمطِ حياة المجتمع، والمؤسساتِ المسؤولة عن تدبير الشؤون الدينية، والسلطات السياسية. أسوأ ما يجري فيه توظيفُ الدين هو استثمارُه في استعبادِ الإنسان، والصراعِ على السلطة والثروة، والسعي للاستحواذ على المجال الخاص بالعقل والعلم والمعرفة، وإخضاعُ الآداب والفنون والثقافة لمنطقه اللاهوتي، ورفضُ استعمال المنطق العلمي، واستعمالُ الدين في إدارة الاقتصاد والمال والإدارة وبناء الدولة وصياغة نظمها، وتجاهلُ معطيات الخبرات البشرية المتراكمة عبر عشرات آلاف السنين، ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة.

من الظواهر المثيرة اليوم تفشي ظاهرة الحكواتيين، وطغيانُ حضورهم في الفضائيات ووسائل التواصل، يتحدثون بتكهنات وافتراضات في الدين وعلومه والميثيولوجيا والآثار، من دون تأهيلٍ أكاديمي تخصّصي في علوم الدين والميثيولوجيا والآثار، ولا معرفةٍ بقراءة الخط المسماري ولغات الحضارات العراقية القديمة مثلا، وبلا مطالعاتٍ عميقة للمراجع الأساسية في هذه التخصّصات العلمية الدقيقة.

لهذه الأسباب وغيرها تظل الثقافةُ العراقية مغتربةً غيرَ فاعلة بمجتمعها، منفصلةً عن واقعه وصيرورته وتحولاته، قاصرةً عن التعبير عن آلام الناس وآمالهم، وبؤسهم وأحزانهم وهمومهم وواقعهم المرير الذي يعيشون فيه ويحلمون بتغييره،كأن الثقافة غيرُ معنية بالإنسان العراقي.

[1]  البقرة، 2

https://alsabaah.iq/88442-.html?fbclid=IwAR3VIHfRmz0p3_WqZAxu0DylpCNCLUBuABzkwIDetNfkRquYLKdV1U2zmeY