أنين الأرض من استباحة مواردها

د. عبد الجبار الرفاعي

استباح الإنسان الأرض وانتهكها حين استنزف مواردها بحماقة بلهاء، فأباد كثيرًا من غطائها الأخضر، وأرهق مواردها الوفيرة في عبث لا يعرف مسؤوليةً إنسانية ولا ضميرًا أخلاقيًا. أغراه وهمُ الاستحواذ والاستغلال والسيطرة، حتى فقد الشعور بحدود طاقته والواجب الإنساني المفروض عليه تجاه الأرض.

لم يكتف الإنسان بما تمنحه الأرض بسخائها، فتجاوز حدودها إلى النهب، إذ اقتلع غاباتها، ولوّث أنهارها بفضلات الصرف الحي، وملأ سماءها بدخان المصانع وغازاتها السامة، وأغرق محيطاتها بالنفايات. صار الإنسان يتعامل مع الأرض لا بوصفها بيتًا يحتضنه، بل مستودعًا مفتوحًا لجشعه الذي لا يعرف الحدود، وفضلاته، فاستنزف خيراتها لتلبية حاجات مصطنعة تبتكرها الرأسمالية المتوحشة، وتختلق نزعات استهلاك بلا حاجة فعلية سوى تكديس المزيد من المال. امتلأت الأسواق بسلع زائدة، وأشياء تفتعل متطلبات لا تمت بصلة إلى حاجات الحياة، فيما نضبت منابع الأرض التي كانت تنبض بالعطاء. تحول العالم إلى ورشة إنتاج لا تتوقف، تعمل بلا روح، وتستهلك كل ما في طريقها بلا تمييز بين ما يحيي وما يميت، حتى بدت الأرض كأنها تساق إلى حتفها بيد الإنسان الذي وجد ليعمرها لا ليدمرها.

لم يعد التوازن الذي كان يجمع الكائنات قائمًا، إذ اختلت دورة الحياة، وتبدلت مواقيت الفصول، وانهارت مواسم المطر، وذابت الثلوج القديمة التي كانت تحرس التوازن المناخي، وتحمي ذاكرة الكوكب. اتسعت رقعة الصحراء في الأرض، فغدت موحشة تثير فزع القلوب. تتألم الأرض في صمت موجع، وتئن كما يئن الإنسان الجريح الذي خذله أحباؤه. أنينها وإن لم يسمع وسط ضجيج البشر، يتجلى في الرياح الساخنة التي تحرق النباتات، وفي الفيضانات التي تغمر الحقول، وفي الأعاصير التي تعصف بالمدن وتبتلع العمارات والبيوت، وفي الحرائق التي تمحو الغابات. كل زلزال صرخة في وجه الجحود، وكل إعصار نداء استغاثة، وكل جفاف دمعة عيون أرهقها عقوق أبنائها، فيما تمضي الأرض شاكية وجعها إلى من لا يسمع صداها.

كل ذلك يحكي بكاء الأرض التي تشبه الأم في عطائها، تمنح الإنسان الحياة والدفء والماء والثمار، غير أنه جحود يرهقها باستنزافها الدائم وانتهاكها المتواصل. تبكي الأرض اليوم لأنها تختنق من فرط ما عانته من عبث أبنائها، ولم تعد قادرة على التنفس أو إنتاج ما يكفي من الأوكسجين لمواطنيها من الإنسان والحيوان والنبات وسائر الكائنات الحية التي تشاركها الوجود. تبكي الأرض لأن أنهارها الملوثة فقدت عذوبتها، وغاباتها تحولت إلى رماد، وبحارها صارت مقابر للكائنات التي كانت تنبض بالحياة. تبكي لأن الإنسان الذي خرج من رحمها لم يعد يسمع استغاثاتها، تبكي حين ترى أبناءها يحطمونها وهم يظنون أنهم يشيدون مجدهم على أنقاضها. أنينها العميق لا يحتاج إلى كلمات، يكفي أن يصغي إليه القلب ليشعر بحزنها الدفين.

الأرض التي كانت أمًا حنونًا تمنح الإنسان دفء العيش وطمأنينة المسكن، تحولت إلى جثة تنزف في صمت موجع، كأنها تشكو بصبر طويل قسوة أبنائها. أطعمت الإنسان من خيراتها، وسقته من عيونها، وأظلّته بسماء تحنّ عليه كقلب أمّ، غير أنه قابل عطاءها بالجحود، وأغرقها بالعنف والدمار. كانت الأرض كأمّ تغذي طفلها بالحليب، تمنحه من جسدها ما يُبقيه حيًا، غير أن هذا الطفل الذي كبُر على ثدييها راح ينهش صدرها بوحشية، يجرحها ويتركها تنزف بلا رحمة، ينسى أنّها وجوده لم يتحقق إلا بوجودها، وأنّ أنفاسه تخرج من رحمها الذي يختنق الآن بجناياته عليها. الأرض لا تطلب شيئًا، لكنها تكتب وصاياها في صمتها، وتبكي من دون صوت. الأرض رحيمة، لكنها لن تصبر إلى الأبد على من يؤذيها ويعتدي عليها وينتهكها، إنها فجأة تعاقب الإنسان عقابًا أليمًا. ينسى الإنسان أن كل ما يفعله بالأرض يفعله بنفسه، وأن كل جرح فيها جرح في روحه، فيصير نزفها نزفًا لضميره. الأرض أمّ تمنح أبناءها الحياة، لكنها ليست أمًّا ضعيفة. تصبر حين ترهقها الجنايات، لكنها لا تنسى. تختنق بصمت، فلا تصرخ، بل تغيّر وجهها لتعلن حزنها بفيض من الجفاف أو الطوفان أو الحرائق والكوارث المريعة. تُهمل، فلا تعاتب، بل تنسحب من دفئها شيئًا فشيئًا حتى يغدو الإنسان غريبًا في بيتها. تُهان، فلا تنتقم، بل تتركه يتيه في برد صنعه بيديه، يبحث عن دفء سرقه من صدرها، وينادي أمّه التي لم تعد تجيب.

 

بكاء الأرض نداء تستغيث فيه بما تبقى من إنسانية في الإنسان، لتوقظه من سكرته الاستهلاكية، وتذكره أنه جزء منها لا سيد عليها. في أنينها تختبر ضمائر البشر، وفي صمتها الموجع يقاس مقدار اغترابهم عن الرحم الذي منه ولدوا. وإن لم يصغ الإنسان إلى صرختها اليوم، فسيبكي معها غدًا حين يكتشف أنه أضاع الأم التي كانت تحمله وتحنو عليه وتمنحه الحياة، وهدم البيت الذي كان يأويه، وأغلق بيديه أبواب العطاء التي كانت تفيض عليه بلا انقطاع.

كي نفهم أسباب بكاء الأرض، يلزم أن نتأمل ما تكشفه التقارير الحديثة عن الغابات بوصفها الرئة التي تتنفس بها الكائنات الحية. تشير هذه التقارير إلى أن الغابات تغطي نحو أربعة مليارات ومئة وأربعة عشر مليون هكتار من مساحة اليابسة، أي ما يقارب ثلث سطح الكوكب. ورغم أن وتيرة إزالة الغابات تراجعت في العقد الأخير، فإن تدمير الغطاء الأخضر ما زالت تنذر بالخطر، إذ تفقد الأرض كل عام ما يقارب عشرة ملايين هكتار من غاباتها. وقد تجاوز الفقد في عام 2024 وحده ثمانية ملايين هكتار، وهو ما يزيد على المسار المطلوب لوقف الإزالة بحلول عام 2030، بنسبة تصل إلى ثلاثة وستين في المئة إذا التزمت الحكومات بتعهداتها. تسهم الغابات سنويًا في امتصاص ما يقارب ثلاثة مليارات ونصف المليار طن من ثاني أكسيد الكربون، غير أن استمرار تجريفها واحتراقها يهدد التوازن المناخي الدقيق، ويحيل الغابات من رئة للكوكب إلى مصدر لانبعاث الكربون، فتختنق الأرض بأنفاسها الثقيلة وهي تكابد نزيفها، بعد احتراقها أو تجريفها.

تكشف الدراسات أن نحو ثلث الغطاء الأخضر الذي فقده الكوكب منذ عام 2001 ناتج عن تغيّر دائم في استخدام الأرض، ما يعني أن تلك المساحات لن تستعيد غاباتها تلقائيًا. وتعد الغابات المدارية، وفي مقدمتها الأمازون، أكثر المناطق تعرضًا للتدهور، إذ ترتبط إزالة الغابات فيها بانخفاض هطول الأمطار في مواسم الجفاف بنسبة تصل إلى أربعة وسبعين في المئة، وبارتفاع درجات الحرارة بنحو ستة عشر في المئة، الأمر الذي يهدد بفقدان قدرتها على مقاومة التحولات المناخية، والوصول إلى ما يسميه العلماء نقطة اللاعودة. وسط هذه الوقائع المقلقة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العالم قائلًا: “عصر الاحترار العالمي انتهى، لقد حلّ عصر الغليان العالمي”، مشيرًا إلى أن الكوكب لم يعد يعيش مجرد ارتفاع تدريجي في الحرارة، وإنما دخل طورًا جديدًا تتتابع فيه موجات الجفاف والفيضانات والحرائق والاضطرابات المناخية على نحو غير مسبوق. هذا الغليان لا يقتصر على المناخ وحده، إنما يتسرب إلى وعي الإنسان ذاته، فيفقد توازنه، ويعجز عن الإنصات لصوت الطبيعة، ويغدو غريبًا عن الأرض التي أنجبته وأودعت فيه سر الحياة.

مع كل حريق يلتهم غابة، وكل نهر يجف، وكل موجة حر ترهق المدن، يتسع الشرخ بين الإنسان وعالمه، وتغترب الروح عن الطبيعة، وتخمد قدرتها على الإصغاء إلى نداء الوجود. إن إزالة الغابات ليست كارثة بيئية فحسب، إنها مأساة أخلاقية تكشف هشاشة الضمير الإنساني، وتراجع الإحساس بالانتماء إلى الكائنات التي تشاركه العيش على هذا الكوكب. حين تأكل النار الغابات، يخسر مناخ الأرض الأوكسجين، وتضعف ضمانات الحياة والأمان والسلام في هذا العالم، وتغدو الطبيعة التي كانت أمًا حانية كائنًا جريحًا يختنق بصمته العميق، ويستغيث من وجعه الذي لا يسمعه إلا الخبير صاحب الضمير اليقظ.

في هذا الواقع يغدو إنقاذ الغابات مهمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون شأنًا بيئيًا، فحماية الأرض هي في جوهرها حماية للإنسان من شرور نفسه، وصون للمعنى الذي تستمر به الحياة. نحن اليوم نعيش لحظة اختبار وجودي لا يجدي فيها الندم، وإنما تقتضي استعادة الصلة الأخلاقية بالأرض، والعودة إلى الإنسانية الإيمانية، التي يتجلى فيها الإيمان بوصفه رحمةً ومحبةً ورفقًا وشفقةً ورعايةً، لا استغلالًا ولا هيمنةً ولا استنزافًا جشعًا للموارد. حين نتحرر من النظر إلى الغابات كغنيمة قابلة للنهب، ونراها كائنًا حيًا نتنفس من خلاله الأوكسجين، ونحيا على عطائه، نخطو الخطوة الأولى في طريق الخلاص من عصر الغليان الذي أشعلناه بأيدينا، ونستعيد بذلك شيئًا من توازن الأرض وسكينة الروح التي تآلفت معها منذ فجر الوعي الإنساني.Top of Form

 

تشير تقارير الأمم المتحدة الصادرة عام 2024 إلى أن الكوكب يواجه أزمة وجودية غير مسبوقة في تاريخ التنوع الحيوي. فقد أعلنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومشاركة أكثر من مئة وثلاثين حكومة، أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض خلال العقود المقبلة، وهي نسبة تمثل ثمن الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة على الأرض. هذا الرقم الصادم يعكس تسارعًا خطيرًا في وتيرة الانقراض، إذ صار المعدل الحالي أعلى بعشرات إلى مئات المرات من المعدل الطبيعي الذي استمر طوال العشرة ملايين عام الماضية.

وذلك يشير إلى أن العالم يعيش اليوم سادس موجة انقراض جماعي منذ نشوء الحياة المعقدة على الأرض. كما تشرح بيانات الهيئة أن متوسط وفرة الأنواع الأصلية في النظم البيئية البرية والبحرية انخفض بما لا يقل عن عشرين في المئة منذ مطلع القرن العشرين، وأن مساحات واسعة من المواطن الطبيعية لهذه الأنواع، التي كانت تزخر بالتنوع والخصوبة، أُبيدت أو تدهورت. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من أربعين في المئة من البرمائيات تواجه خطر الانقراض، وأن ما يقارب ثلث الشعاب المرجانية المكونة للمرجان قد انهار أو يوشك على الانهيار، وأن أكثر من ثلث الثدييات البحرية مهدد بالاختفاء، فيما تتراجع أعداد الطيور والأسماك والحشرات في معظم القارات على نحو حاد، لتغدو الأرض أفقر في ألوانها وأصواتها ومظاهر حياتها التي كانت تزدان بها منذ فجر الخليقة.

أظهر مؤشر القائمة الحمراء للأنواع المهددة، الذي تعتمده الأمم المتحدة لقياس مستوى الخطر على الحياة البرية، تدهورًا متراكمًا تجاوز اثني عشر في المئة بين عامي 1993 و2024، ما يشير إلى أن احتمالات الانقراض تتسع عامًا بعد عام. أما الأنواع المهاجرة كالطيور وغيرها، فيكشف تقرير صدر في العام نفسه أن أربعة وأربعين في المئة منها تشهد تراجعًا واضحًا في أعدادها، وأن أكثر من اثنين وعشرين في المئة تواجه خطر الانقراض الفعلي، وهو ما يعبر عن انهيار سلاسل الحياة التي تصل بين النظم البيئية في القارات المختلفة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدل انقراض الأنواع اليوم يتراوح بين عشرة إلى مئة ضعف المعدل الطبيعي التاريخي، نتيجة تداخل عوامل بشرية متعددة، منها فقدان المواطن الطبيعية بسبب الزراعة والصناعة والتوسع العمراني، والصيد الجائر، والتلوث، والاحتباس الحراري، وانتشار الأنواع الغازية التي تطيح بتوازن النظم الإيكولوجية.

وهكذا انتهى انتشار الأنواع الغازية إلى تسلل كائنات حيّة إلى بيئات لم تكن موطنها الأصلي، فتستولي على موارد كائنات متوطنة لآلاف السنين، وتزيح الأنواع المحلية التي كانت تحفظ توازنها، فينهار النظام الإيكولوجي الذي استقر عبر آلاف السنين. إنها كائنات جُلبت من قارات بعيدة أو انتقلت بفعل تدخل الإنسان، فتكاثرت في غير موضعها، وبدأت تدمّر الانسجام والتناغم الطبيعي بين المخلوقات. وحين تطيح هذه الأنواع بالتوازن البيئي، تكشف عمق الخلل في علاقة الإنسان بالطبيعة، إذ يتحول التهافت على الامتلاك والاستهلاك إلى قوة عمياء تفتح أبواب الفوضى، التي تنهش جسد الكوكب الحي. إن هذا التدهور المتسارع في تنوع الحياة على الأرض ليس مجرد ظاهرة بيئية، إنه جرح كوني عميق يهدد وحدة الكائنات في الطبيعة، ويكشف مدى القسوة التي صارت تطبع صلة الإنسان بالعالم الذي وهبه الوجود.

هذا التدهور البيئي المتسارع لا يهدد الأرض وحدها، إنما يزلزل الأسس التي تقوم عليها الحياة البشرية ذاتها. فالنظم البيئية تمنح الإنسان الهواء النقي والماء والغذاء وتوازن المناخ، وأي خلل يصيبها يرتد مباشرة على استمرار بقاء الإنسان، وجودة حياته على هذا الكوكب. من أجل ذلك تنادي الأمم المتحدة منذ سنوات بتحول جذري في أنماط العيش والإنتاج والاستهلاك لوقف هذا الاستنزاف المريع، غير أن النداء يضيع في شبكات المصالح المتضادة. تؤكد التقارير الدولية أن الإصلاحات الجزئية لم تعد مجدية، وأن العالم بحاجة إلى تغيير شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أسس جديدة من المسؤولية والرعاية. إن حماية التنوع الحيوي لم تعد شأنًا بيئيًا محدودًا، إنها قضية أخلاقية وإنسانية وروحية وجمالية تمس جوهر معنى الوجود الإنساني، وتمثل شرطًا لاستمرار الحياة، وضمانة لبقاء الأجيال القادمة للعيش الجيد في الأرض.

الأخلاق والحياة الروحية والجمالية تشكل منظومة واحدة، تعيد للإنسان وعيه العميق بوحدة الكائنات الحيّة وتناغم وجودها معًا، ومسؤوليته تجاه الأرض. حين يغيب هذا الوعي، تتحول علاقة الإنسان بالطبيعة إلى علاقة استغلال وهيمنة، ويغدو الكون مجرد مورد يستنزف بلا اكتراث، فيختل التوازن وتفقد الحياة ايقاعها المتناغم. الأخلاق الحيّة توقظ الضمير وتردع الجشع، لأنها تذكّر الإنسان بأن حماية الأرض ليست ترفًا ولا خيارًا، بل واجب وجودي يضمن بقاءه. أما الحياة الروحية فتفتح القلب على حضور الله في كل كائن، وتمنح النظر إلى الطبيعة بعدًا روحيًا يجعل رعايتها ضربًا من العبادة وشكرًا على عطائها. والجمال بدوره يصقل الإحساس بالرحمة، ويوقظ في الإنسان محبة الخلق، فيراه بعين الرحمة والعطف لا بعين التملك. حين تتحد الأخلاق والروح والجمال، يتحول الوعي الإنساني من نزعة السيطرة إلى وعي الرعاية، ويغدو الإنسان حارسًا للأرض لا جلادًا لها، فيتنفس الكوكب أنفاسه من جديد، وتستعيد الحياة معناها في ظلال الرحمة والمحبة والعيش المشترك للأحياء والكائنات معًا.

 

 

 

 

 

 

الحريّة منزعًا أصيلاً في فكر الرفاعي

د. وسام حسين العبيدي[1]

الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين

لا يخرج قارئ عبد الجبار الرفاعي في كتاباته التي تخصُّ حقل الدين والتفكير في قضاياه وإشكالياته، إلا بكلِّ ما يُعزِّز الجانب الإنساني، وأعني بالجانب الإنساني، ذلك الذي ينتصر للإنسان بوصفه القيمة العليا في هذا الوجود، وهو الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين، وبهذا لا بدّ من أنْ يكون النصُّ الديني في خدمة القيم الإنسانية لدى الإنسان، وليس العكس، بما وجدناه عند كثير من الذين أرادوا قلب المعادلة، عبر تأويلات تعسّفت بالنص الديني، وأبعدته عن غايته الأساس، بما آل إليه حال كثير من الجماعات والمذاهب والتيارات على مدى التاريخ، كان لأصحابها قراءاتهم للمدوّنة الدينية، بما ينسجم وتطلّعات تلك الجماعة أو ذلك المذهب، وكانت النتيجة أنْ صُودِر النص الديني من غايته الأساس في رفع مناسيب القيم الأخلاقية لدى البشر، والارتقاء بنزعاتهم لما فيه خير الإنسان بغضِّ النظر عن انتماءاتهم أو توجّهاتهم، وهنا يطرق الرفاعي نواقيس الخطر في كتابه المهم “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” بالتحذير من هذه القضية، عبر منافذ عدّة، كان أولها في مبحثٍ بعنوان: (الرحمة الإلهية مفتاح فهم القرآن) بادئًا بالقول فيه: “الرحمةُ صوتُ الله، ومعيار إنسانية الدين. لا يُؤتي الدينُ ثمارَهُ ما لم يكن تجربةً إيمانيةً تنبضُ فيها روح المؤمن بالرحمة. الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين، فكلُّ دينٍ مفرغٍ من الرحمة يفتقد رسالته الإنسانية” (ص: 17) وهذه الخلاصة التي يُقدمها لنا الرفاعي تُمثِّل الأساس الذي يُعوِّل عليه في تحريك المشهد المُلبّد بغيوم التباغض المُعلن عنها أو المخفيّ في قراءات ممثِّلي الجماعات الدينية والمذهبيّة – أيًّا كان ذلك الدين أو المذهب – ومن خلال تلك القراءات الأحادية، يتخندق كلُّ جماعةٍ بما لديهم من متاريس خطابيّة تؤثِّل وجودهم على حساب نسف المختلف عنهم، من دون مراعاة لأثر التجربة الفرديّة في تلقّي التعاليم الدينية، وبعبارةٍ أخرى: إنَّ إقصاء “الرحمة” وتمثّلاتها الدلالية: التسامح، التعايش، السِلْم، قبول الآخر، محدودية فهم الإنسان، ونسبية الوعي، على مستوى خطاب ممثِّلي الجماعات والمذاهب في المجال الديني، سببٌ في بقاء الدين غير فاعلٍ على المستوى التطبيقي عند هذه الجماعات، وجعله محدود المجال، الأمر الذي آل إليه حال كثير من المجتمعات المتديّنة، من تفشّي الأمراض الأخلاقية من كذبٍ ونفاق، وشهادة زور، ومن دجل، ومن طائفية وتعصّب مذهبي مقيت عند الأعم الأغلب من أتباع الأديان والمذاهب؛ لتجرُّد الدين من أهمِّ رسالة يُبشِّر بها ويدعو الناس إلى اعتناقها متمثِّلةً بالرحمة، وبافتقادها يخبرنا الرفاعي، أنَّ الدين يفتقد رسالته الإنسانية، التي من دونها لا يكون سوى خطابٍ يدعو إلى الكراهية وإلى العنف، وإلى نبذ الآخر المختلف، وإلى الانكماش حول الفهم السلفي للمتن الديني لقرونٍ خلت، بوصفه الأصل وما عداه فهو الخروج والضلال..! ومن هذا المنطلق، تناول الرفاعي بإسهابٍ وتفصيلٍ منطق “الفرقة الناجية” بوصفه أحد أبرز إفرازات إقصاء الرحمة وتمثّلاته الدلالية في الخطاب الديني، هذا المنطق الذي استدعاه وتبنّاه الأصوليون – لا بالمعنى الفقهي – المتشدِّدون، واعتاشوا على فتاته، وغيّبوا في طيّاته كلَّ موردٍ يُتيح فرصةً للآخر المختلف عنهم بشرعية الوجود قبالتهم، وذلك بعودة الرفاعي إلى المتن الأصل متمثّلا بالقرآن الكريم، بالدرجة الأساس، وهذه الإحالة تضمن لصاحبها عدم الوقوع “في شباك التفسيرات والمرويّات المتراكمة، وأنْ يعتمد القرآن مرجعيةً يستكشف في هديها صورة الله، ومنطق الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها” (ص: 28) وهذه العودة لا يُفهم منها الانكفاء على أدوات التفسير التي تبنّاها السلف من المفسِّرين، وسار على نهجهم كثير من المعاصرين، وإلا لم تكن النتيجة بأفضل مما توصّل إليه السلف، من غلبة “لغة العنف على لغة الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسري القرآن وفقهاء الإسلام كل هذا الرصيد الدلالي المكثّف للرحمة، وصارت فاعلية دلالة آية السيف في القرآن مضافًا إلى ما تتسع له مصنّفات الحديث من روايات تعضِّد مضمونها، هي الأشد أثرًا والأوسع حضورًا في القول والفعل في الحياة السياسية لمجتمعات عالم الإسلام” (ص: 28) بل العودة بفهم لا يُشيح النظر عن المعارف الإنسانية التي أخذت حيّزها في ساحة الفكر، إيمانًا منه بأنَّ الخطاب الديني خطابٌ ينتمي لكل عصر، من حيث الفهم والتلقّي، ولا ينتهي فهمه عند من نزل عليهم ذلك الخطاب، وإلا عاش غريبًا بعيدًا عن هموم الناس وإيقاع الحياة المتطوِّر.

الحرية المعرفية في فهم الدين

من هذا المنطلق، دعا الرفاعي إلى التحرُّر من غلالة الفهم السلفي للخطاب الديني، مؤمنًا بقدرة المعارف الإنسانية وأثرها – فيما لو اضطلع الحكماء من الباحثين الذين قتلوا القديم فهمًا وانطلقوا منه لفهم المعاصر من المعارف والعلوم الحديثة – في استيلاد دلالات أُخَر لم يلتفت إليها السلف، وهذه الرغبة تكرّرت لدى الرفاعي في أكثر من مواطن من كتابه سالف الذكر. هذه الحرية المعرفية في فهم الدين لدى الرفاعي، لم تتأتَّ لديه إلا بعد قطعه شوطًا طويلاً مع المعارف التراثية في فهم الخطاب الديني وتلقّيه مثّلت حاضنته الأولى الحوزة، وبعد سبره تلك المعارف، لم يقف مكتوفَ الأيدي، بل انطلق يباشر ما جدَّ من معارف حديثة في ميدان الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والفكر العربي وتطبيقها في المجال الديني، منطلقًا في رؤيته تلك، أنَّ “أبديّة أيِّ نصٍّ مقدّسٍ تعني أنَّه نصٌّ ذو كثافةٍ دلالية، إذ تتعدَّدُ وتتنوَّعُ دلالاته تبعًا لتنوُّعِ ظروف الإنسان وأنماط حياته، وتبعًا لتنوُّع وتعدُّد سياقات التلقّي في العصور المختلفة. وإنَّ الخلطَ بين سياقات عصر البعثة وعصرنا يُخرِج القرآنَ من حياتنا، ذلك أنَّ سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات إنسان الأمس في عصر البعثة، وهي تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مُجدَّدًا على الحياة، لتلبية احتياجات إنسان اليوم للمعنى الديني” (ص213) وإذ يُقرِّر الرفاعيُّ لنا هذه الحقيقة التي يؤمن بها، فهو في الوقت نفسه لا ينسى الضريبة التي تعرَّض لها أولئك الباحثون ممّن تناولوا النصَّ الدينيّ، عبر أدوات البحث التي استجدّت بفعل تطوُّر المعارف الإنسانية وتشعُّبها وتعمُّق مباحثها، فقد “واجهت مقاومة عنيفة، إذ نعتَها بعضهم بالعدوان على أمجاد الأمّة، ومحاولة طمس ماضيها المُشرِق، وجرى التشهير بكلِّ باحثٍ عَمَد إلى إفشاء أسرار عمليّات سوء فهم وتحريف وتزوير مفاهيم ومقولات ووقائع الماضي، أو حاول الكشف عن محاولات حذف وإقصاء معتقدات لا تتناغم مع الآيديولوجيا التبجيلية التسلّطية المهيمنة، أو سعى لإشهار المهمّش والمسكوت عنه، أو فضح سطوة وقمع السائد والمتغلِّب في التراث، وهكذا فإنَّ كلَّ قراءةٍ للنصِّ الديني تتخطّى التفسيرات المُغلقة القديمة لا تمرُّ من دون ضريبة” (ص212). ولا يخفى ما نتحصّله عبر هذا المقتبس من احتجاجٍ بليغ يضعه الرفاعي بين يدينا، على أولئك الذين تمثّلوا موقف الدفاع الأعمى عن التراث، بما تسبّبَ في هدر مساحة العقل والتفكير العقلاني في النص الديني، في الوقت نفسه يكون مثل هذا الموقف “المتزمِّت” سببًا لقطع أوردة سيرورة النص وإدامة تفاعله مع المتلقّي، بحكم ما أُحيطَ به من قراءات احتكرت دلالته دون سواها، وهي في كل الأحوال تبقى قراءاتٍ مرتهنة لظرفها التاريخي.

وإذا أردنا القبض على فكرة الكتاب الرئيسة من بحوثه التي تعدّدت، بمقتضى كون بعضها تمّ نشره فيما سبق منفردًا بوصفها أوراق مؤتمرات، فإنَّ فكرة الحرّية/ التحرُّر لم تُغادر مبحثًا واحدًا من مباحث هذا الكتاب، إذ نجدها تلوحُ لنا في كل مبحثٍ عبر تمثُّلاتٍ متنوّعة، يظهر بعضها بصورة مباشرة عبر دعوته إلى ضرورة “الرحمة الإلهية بوصفها مفتاح فهم القرآن” ولا يخفى أنَّ تبنّي هذه الفكرة يدعو للتحرُّر من العصبية التي تحيط كل جماعة من الجماعات الدينية، فالرحمة في حال تبنّيها تكسح ما تكلّسَ من قراءة ضيّقة للنصِّ الديني، وحصر دلالته الرحيبة بهذه الجماعة أو تلك، بإبطال الأحكام التي تفوِّض الحقّ والأولوية بفهم النص الديني، وإحلال الآخر المختلف مقامًا يليق بإنسانيته على أقل تقدير.

تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة

أما المبحث الذي يليه، فكان بعنوان: “تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة” فهو أيضًا يتحرّر من التصورات السلفية لمفهوم الدولة، مستفيدًا من توصّلات المعارف الحديثة، وفي مقدمتها علم الاجتماع السياسي، بأن الدولة “ظاهرة حيّة، تنمو وتتطوّر مفاهيمها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوُّعها عبر الزمان” (ص: 46)، بما يفرض على الباحث إعادة النظر في المُسلّمات، وإخضاعها لمشرط البحث وأداوته الإجرائية، بعيدًا عن النظرة الطوباوية التي انطلق منها كبار فقهاء العصر الحديث في تصدِّيهم لعرض هذا المفهوم، ولما كانت الدولة لدى الرفاعي “ظاهرة اجتماعية مركّبة، إنها أهم وأعمق وأعقد مؤسسة ابتكرها الإنسان، فقد احتاجت البشرية، من خلال مسيرتها الطويلة في تاريخها، إلى آلاف التجارب الفاشلة، حتى استطاعت أن تبتكر ظاهرة الدولة” (ص: 45)، وهو تصوُّرٌ ينطلق من حيثيات التاريخ ووقائعه، وما أدلى به علم الاجتماع بهذا الشأن، في حين تجد التصور التوفيقي المخالف لهذا الطرح ينطلق من قامة شامخة متمثّلة بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر في حديثه عن مفهوم الدولة، بأنها “ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء واتّخذت صيغتها السويّة ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال” (الإسلام يقود الحياة: 3- 4)، بما يفرض على الباحث المنصف عبر هذا التصوُّر، التوصل لما استنتجه الراحل فالح عبد الجبار، بأن “منشأ الدولة ليس اجتماعيًّا، بل سماويًّا، وأنّها ليست أصيلة، بل مستحدثة” (المادية والفكر الديني – نظرة نقدية: 40)، وهذا الاستنتاج بعيدٌ كل البعد عن الواقع التاريخي أو ما يقرّه علم الاجتماع في هذا الشأن.  ولو لم يكن الرفاعي متحرّرًا في وعيه، وفي اطّلاعه المعرفي خارج أروقة الدرس الديني التقليدي، لما كان له أنْ يُغادر تصوّر مدرسة الصدر الفكرية، بما له من ثقلٍ معرفيٍّ في هذا الوسط، ناهيك عن خارجه، ولكان له أنْ يكتفي بترديد مقولاته، إن لم نفترض ترسيخ تلك المقولات والتدليل على صوابها لا أكثر.

في الحاجة إلى إنسانية إيمانية

في المبحث الذي يليه، كان العنوان: (في الحاجة إلى إنسانية إيمانية) لم يُغادر الرفاعي تلك النزعة – الحُرّية الفكرية – في استجلاء قراءةٍ جديدة لـ “أنسنة الدين” تختلف عن سابقيه الذين تناولوا الدين كأيّة ظاهرة بشريّة مقطوعة الصلة عن طبيعة وجود البشر، وتنصيب الإنسان بديلاً لله في كل شيء، في قبال الطرف الذي ينسى قيمة الإنسان ويُقصي كينونته ومتطلّبات تلك الكينونة البشرية على حساب الدين، تتمثّل قراءته لهذا المفهوم، بإنقاذ/ تحرير “المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد ضياعه في دينٍ سياسيٍّ لا يعرف الكثير عن هذا المعنى ولا يسعى لامتلاكه، ودينٍ فقهيٍّ يختزل الدين في مدوّنة أحكام قانونيةٍ تنسى الكثير من معانيه الروحية والأخلاقية والجمالية، ودينٍ كلاميٍّ يتيه فيه الدين في ظلام جداليات لا تنتهي لعلماء الكلام، ومُحاججات عقيمة تُميت القلب وتُطفئ شعلة الروح” (ص: 74) ونظرةُ الرفاعي في استجلاء هذا المفهوم – أنسنة الدين – تحاول أنْ توازن بين الطرفين، بأنْ تنشد دينًا لا يقطع الصلة بالله، مثلما لا يجهل الطبيعة البشرية، وهو في ذلك البحث يقف منتقدًا “النزعة الاستصحابية” لدى الكثير من دارسي القرآن الكريم، ممّن انشغل بالتفسيرات والتأويلات القديمة له، على حساب الرجوع للنص القرآني، بما صار استيعابها وهضمها الهمَّ الأساسي لأولئك الدارسين، متناسين “أنَّ كل هذه القراءات هي هوامشٌ وشروحٌ واجتهادات الآباء في فهم النص وتفسيره، وهي ليست إلا تمثّلات بشريةً للقرآن تنتمي لأفقها التاريخي، حدودُها الزمان والمكان واللغة وثقافة المجتمع، وكلُّ ما كان يسود العصر الذي أُنتِجت في فضائه” (ص: 78) بما أدى ذلك المآل – بحسب تعبيره- إلى نسيان الإنسان، بإنتاج قراءة مغلقة للنصوص الدينية، لم تكتف بنفي الإنسان وإقصائه باسم الله، بل أقصت مكانة الحياة الدنيا والتمتع بها باسم الآخرة، ونفت العمران البشري باسم العبادة، والذات باسم التكليف، والاخلاق باسم الفقه، والحريّات باسم العبودية لله، وحقوق الإنسان باسم حقوق الله، منتهيًا ذلك النفي بمحو الصورة الروحانية والرحمانية لله باسم التمسُّك بدين السَلَف ومُحاربة البِدَع والمستحدثات.

وهكذا شأن المباحث الأخرى من هذا الكتاب، لم يكن الرفاعي فيها إلا صاحب قراءةٍ تنبع من فهمه الإنساني للدين، مُتحرِّرًا فيها من غلالة الفهم السلفي لتلك المقولات والمفاهيم والقضايا الإشكالية التي عالجها السابقون، وكأنَّه أراد أنْ يقول لنا في كلِّ مباحث كتابه الجليل في فكرته، أنَّ اغتراب الدين لم يكن من أصل الدين، بل من الفهم الأحادي للدين، عبر مقولاتٍ لا تخرج من ظرفها التاريخي، ولا تصمد لتكون متراسًا لصدِّ كلِّ قراءةٍ تغاير ذلك التوجُّه السَلفي، لبُعدها عن روح النصِّ، بما شكّلت تلك القراءات حاجزًا يحول بين الدين والغاية التي ينبغي له أنْ يؤدّيها، ونتج عنها ذلك الاغتراب، فحاول مؤلِّف الكتاب أنْ يؤسِّسَ فهمًا للدين لا يُكرِّر ما تداولته الدراسات الحديثة “الناقمة” على الدين، ورؤيتها له بأنّه “وهم” أو “مُخدِّر” أو “تراث” أو “مرحلة من مراحل الوعي البشري” في الوقت الذي لا يُعيد تبني المقولات الوثوقية للسلف في فهم الدين، باحتكارهم تمثيل الله في الأرض، وأنّهم المخوّلون الحصريّون للتحدّث باسمه، ومن هذا المنطلق يُطلق الرفاعي دعوته لهؤلاء “إلى أنْ يكفّوا عن مطاردة الناس باسم الله، وانتهاك كراماتهم، والتضحية بحقوقهم وحرياتهم، باسم الدفاع عن الله، وحماية الدين والتديّن (فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين) وقد خلق الناس أحرارًا، والحرّية ضرورةٌ دينية، يفرضها انبعاث حياة روحية وأخلاقية صادقة لا يُلوِّثها نفاق، وهي شرطٌ لكل تديُّنٍ حر” (ص: 14) وبهذا يتأكّد للقارئ أنَّ الحرّية الفكريّة كانت الرائد الأساس في فهم الرفاعي للدين وبيان غاياته وأهدافه، بما ينسجم وتطلّعات الإنسان ومحدودية فهمه، وارتهانه لظرف الزمان والمكان، وما يُمثِّل وجوده الإنساني والفكري، من خلال الانفتاح على المناهج الحديثة في العلوم والمعارف الإنسانية والاجتماعية وتطبيقها على فهم الدين وقراءة النصوص الدينية، وهذا بحسب رأيي ما كان يدعو الرفاعي لتحقيقه في فهمنا للدين وإنقاذه من غربته التي تزداد يومًا بعد آخر، بفعل سوء فهم التعامل البشري معه بين إفراطٍ وتفريط.

[1] أستاذ في كلية الامام الكاظم في بابل / العراق.

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B2%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/

كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي: جدل المؤمن أم جدل الإنسان؟

عبدالحق الزموري[1]

صدر للصديق العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ سنتين كتاب جديد في سلسلته الخماسية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، بعنوان “الدين والكرامة الإنسانية”، وقد صدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة سنة 2022 عن دار الرافدين بالعراق. ينقسم الكتاب (وقد ورد في 340 ص) إلى ستة فصول، يمكن إجمالها في قسمين كبيرين يتساويان في عدد الفصول، يتناول في الأول مسائل الإيمان والدين والتديّن، وفي الثاني مسائل الكرامة وبنيتها الأخلاقية الإنسانية.

يضع عبد الجبار الرفاعي خارطة طريق مرسومة بعناية ووضوح لمن يهمه دراسة أعماله، يتدرج فيها بخطوات تبدأ من معرفة الإنسان، إلى معرفة الدين، والوحي، والنبوة، والإسلام. في ضوء ذلك يبتني الفكر الديني كما يشدد هو على: إعادة تعريف الإنسان، ويتفرع عليه إعادة تعريف الدين ورسم حدوده، ويتفرع عليه إعادة تعريف الوحي، ويتفرع عليه إعادة تعريف النبوة، ويتفرع عليه إعادة تعريف الإسلام ورسم حدوده. “الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” كما يعرّفه الرفاعي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كل كتاباته، ورؤيته لله والإنسان والعالم. يندرج هذا الكتاب،كما يعبّر الرفاعي عن ذلك في كل مرّة يتعرض فيها لأعماله كتابةً أم مشافهة، في ما يسمّيه “تنويعات لرؤية واحدة، رؤية تحاول أن تتعرّف على الدين عبر اكتشاف الانسان”.

ما فتئ الرفاعي يُخبرنا إنه يدعو إلى الإيمان باعتباره حاجة أنطولوجية للإنسان، لكنه ينأى بنفسه عن أشكال التدين المعلومة، ويختار إعادة اكتشاف الدين عبر كرامة الانسان الأصلية، مؤكدا أن أي جُهد تجديدي في المجال لا بد أن يبدأ بإعادة تعريف الانسان والدين، وبالتالي فهو يقترح علينا تعريفه الخاص للدين جاعلا “الإنسان وكرامته وسكينته وطمأنينته وإسعاده غاية ما ينشده الدين”؛ بل إنه يذهب أبعد من ذلك عندما يُعلن بصرامة إن “المعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هو كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله الكرامة في منظومة القيم لديه”. يصف الرفاعي عمله هذا بقوله: هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَد مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض، “مقدمة الطبعة الثانية للدين والكرامة الإنسانية”.

ولأن الرفاعي في كتابته لا يتحرك في فضاء الأكاديميا وصرامتها المنهجية والنظرية “التجريدية” أحيانا، بل من صيرورة الدين الحية وديناميكيتها، سواء في استعماله لجزالة الكلمة وسيولتها، أو في استهدافه لجمهور واسع ومتنوع من المتلقين، فإنه لا يتحرج في وضع سياقات عملية لنجاح المقترح الإيماني الذي يدعو إليه، عندما يذهب إلى أن قوة الأفكار الواردة في الكتاب “لا تكفي وحدها لتطبيقها” ما لم تتبناها سلطة سياسية تفرضها، ومؤسسة دينية تتبناها، وحاضنة مجتمعية تلوذ بها. هنا نخرج سريعا (وبدون مقدمات أو تبرير عقلي ربما) من ساحة الوجود الانطولوجي التكويني للكرامة إلى ساحة الفاعل المجتمعي ذي الأدوات “القهرية” في مقاربة تلك الكرامة وفي تحويلها إلى “تشكيل” ينافح عنها.

ورغم إن تلك المعادلة / التقاطع تحتاج إلى نقاش واسع، إلا أن ذلك لا ينفي المهارة الفائقة التي عالج بها عبد الجبار الرفاعي واحدة من القضايا الشائكة في سياقات الفكر الديني، ولا يحجب الشجاعة التي خطّ بها طريقه رفضًا لصور الدين وأشكال التدين التي تنصّبُ نفسها متعالية على الكرامة الإنسانية، ومتعرضا بسببها إلى التصادم مع جمهور عريض من المتدينين، وهو المؤمن سليل الحوزة العلمية في النجف وقم.

الكرامةُ في هذا الكتاب هي القيمةُ العليا التي تعلو على كل القيم، والمساواةُ لدى الرفاعي هي التعبيرُ العملي عن حضور كرامة الفرد والمجتمع، كما يقول: “لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان. الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه، كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها”.

[1] كاتب تونسي.

 

رابط النشر:

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.

هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها[1].

الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ[2].

الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.

لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: “الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء… وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء”[3]. ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: “افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام… افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة”[4]. نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.

لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير. التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟

إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.

[1]الرفاعي، عبدالجبار، الحب والايمان عند كيركغورد، ص 12، 2016، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

[2] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 119 – 120، ط 2، 2019، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

 كنت، إيمانويل، الأخلاق عند كنت، ص 58، 1979، وكالة المطبوعات، الكويت. [3]

[4]  كنت، إيمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، ص 11، ط1، 2002، منشورات الجمل، كولونيا – ألمانيا.

 

رابط النشر: