اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

د. عبد الجبار الرفاعي

يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.

تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.

تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.

تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.

إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.

من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.

حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.

حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية.

لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.

لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.

في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر “ما بعد الإنسان”، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.

https://alsabaah.iq/126046-.html

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

د. عبد الجبار الرفاعي

ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.

في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.

نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.

الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.

مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لوطننا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمق اغترابنا عن العصر.

ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.

مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.

https://alsabaah.iq/123492-.html

 

تحديات اللغة في العصر الرقمي

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة مفتاح دراسة أديان المجتمعات وقيمها ورؤيتها للعالم وثقافاتها، وهي المرآة التي تتجلى فيها هوياتها وطرائقها في تمثل ذاتها وتمثل الآخر المختلف عنها. تختزن اللغة ثقافات المجتمعات وأساطيرها وأحلامها وصورها المتخيلة عن العالم، ومنها يتشكل وعيها بذاتها وبما يحيط بها. من هنا يتبدد الوهم القائل بحياد اللغة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني فحسب، وإنما تنطوي على رؤية الناطقين بها للعالم، وتفصح عن خلفياتهم الثقافية وأحكامهم المسبقة التي تسقطها الكلمات على الواقع.

تعيش اللغات في العالم اليوم ومنها العربية تحديًا غير مسبوق، يتمثل في قدرتها على التكيّف مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي عليها. الذكاء الاصطناعي يتغلغل في كل مجال، ويغزو مختلف الفضاءات، فارضًا إيقاعه السريع على العلم والمعرفة والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والفنون والآداب، وفهم الدين وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية والدولية، وكل حقول حياة الإنسان. لم يعد ممكنًا لأي من هذه الحقول أن تظل بمنأى عن هذا الزحف العاصف، بعدما بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الواقع، وينتج عوالم غير مألوفة للإنسان من قبل، ويبدل ظروف عيشه، وطرائق تفكيره، وأساليب تعبيره، وكيفيات تواصله.

في ضوء الرؤية التي تتعامل مع اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم، وموطنًا للذات، وتجليًا للتجربة الروحية، والحالة العاطفية والشعورية، ووعي الإنسان بما حوله، لا مجرد أداة للتخاطب، يبتكر الذكاء الاصطناعي نمطًا من التعبير يختزل المعنى في الأداء والوظيفة، ويهمّش الأبعاد الوجودية والعاطفية والشعورية والجمالية والرؤيوية للغة، إذ تنزع لغة هذا الذكاء نحو الرقمنة والتكميم والتنميط، وتخضع دلالات الكلمات لمقتضيات الخوارزميات، فتغيب الإيحاءات التي تنبعث من التأمل، والأحاسيس الباطنية، والتجارب الروحية، ويخفت وهج الرمز والإشارة والعلامة.

يعيد (تشات جي بي تي) وسائر نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل اللغة خارج حدود المعجم المألوف، مستجيبًا لحاجات الاستعمال المتجددة، بما يحدثه من ألفاظ ورموز تعبيرية تنسجم مع السياق، فارضًا أشكالًا جديدة لتوليد المعاني، وصياغة مفردات لا تقيدها دائمًا طرائق الاشتقاق أو القواعد والأدوات المعهودة في اللغة. ويبرز أثره في انتاج أساليب غير مألوفة للبيان، وطرائق بديلة للتعبير، يعكسها تدفق إجاباته الغزيرة التي تنهال كالشلال، لتغطي مساحات واسعة من الأسئلة الممتدة إلى مختلف ميادين الحياة، فتفتح للغة آفاقًا لم تختبرها من قبل، وتمنحها قدرة على تشكيل صيغ جديدة من الدلالة والتأويل.

تتراكم كل ساعة كميات هائلة من المفردات للغات العالم المختلفة، فتثري قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database). هذه الإضافات لا تقتصر على كلمات النصوص المدونة في معاجم تلك اللغات، بل تضخ في قاعدة البيانات مادة غزيرة من الكلام الشفاهي للندوات والمحاضرات وأحاديث البودكاست، باللهجات المتنوعة في كل لغة. فتمتص اللغة كلمات جديدة، ويولِّد الذكاء الاصطناعي من المفردات الأكثر تداولًا ألفاظًا خارج معاجم اللغات المعروفة، ثم يرسخها بكثرة الاستعمال، ويقلل حضور كلمات أخرى قليلة التداول، ويهمل مفردات نادرة في الاستعمال. وتظهر بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في اللغة الشفاهية والمدونة، “وبحسب دراسة للأوراق الأكاديمية المنشورة عام 2024 عبر العالم فإن 13.5 في المائة من ملخصاتها تحمل بصمات معالجة أو صياغة بأدوات ذكاء اصطناعي، لتصل النسبة في بعض التخصصات والمؤسسات إلى 40 في المائة… ويحيلنا القائمون على الدراسة حول التساؤل المستحق عن تأثير هذه البصمة اللغوية للآلة إلى منطق (الدائرة الثقافية المغلقة)؛ حيث النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على اللغة البشرية، ثم تعيد إنتاجها وفق تفضيلاتها، فيتبناها البشر، فتعود هذه اللغة المعدّلة لتغذية النماذج اللاحقة. ومع كل دورة، تضيق فسحة التنوع الأسلوبي، وتتراجع اللهجات والأنماط الهامشية أمام مركز لغوي واحد، فائق النعومة، شديد الانضباط، كثير الشبه بنفسه. وهذه بالطبع ليست فروضًا قسرية، بل هيمنة ناعمة. فالنماذج مثل (تشات جي بي تي) لا تفرض على المستخدم أن يتبنى أسلوبها للتواصل، لكنها تمنحه – من خلال الإيحاء الاجتماعي والمكافآت النفسية غير الملحوظة – شعورًا بالرضا عن الذات للظهور بشكل أكثر احترافية، وأكثر وضوحًا، وربما أكثر ذكاء حين يتحدث بلغتها. وهكذا، يصبح أسلوب الآلة معيارًا غير معلن، يقاس عليه (جمال) النص و(قيمة) الخطاب، بينما يدفع من يكون مغايرًا بشكل تدريجي إلى الهامش نحو مساحات تصنف ضمنيًا على أنها أقل رصانة، أو أقل مهنية”. (حطيط، ندى، “كيف يُعيد «تشات جي بي تي» تشكيل اللغة؟”، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 25 أغسطس 2025).

تغدو فرادة الإبداع الأدبي مهددة بالاحتجاب خلف بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتلاشى تميز لغة الكاتب المبدع وسط ركام المفردات والأساليب المتشابهة، فيفقد الأدب خصوصيته التي تنبع من حساسية الكلمة، وتشرق بجمال العبارة، وتضيء بصور مبتكرة تتفجر من أعماق التجربة الروحية والعاطفية والجمالية. تفاقم عملية التنميط بنحو تتحول الكتابة إلى صوت يكرر لحنه بنغم واحد، وتذوب ملامح التعدد والتفرد في سيل من نصوص متماثلة.كلما تقدمت الأجيال المتطورة للنماذج الذكية، ترسخت حالة التنميط أشد، حتى تبدو الكتابة كأنها بقلم كاتب واحد، تحاكي نصوصه نصوص غيره، وتنسكب رؤاه في قوالب صماء، ينطفئ فيها بريق التميز، ولا يستمع القارئ إلى إيقاع كلمات الكاتب وهمس لحنه، وتنكمش رحابة الخيال المبدع.

هكذا تضمحل في اللغة قدرتها على الكشف عن فرادة الإنسان، وتغترب عن ذاتها، حين تتحول إلى أداة تعيد خلق أساليب بيانية مكررة، لا يُسمع منها صوت الشعور، ولا تتجلى فيها بصمة القلب، ولا تنبض بإيقاع الحياة الباطنية. فيمسي الأدب هيكلًا بلا روح، ويخفت صوت المعنى العميق الذي لا يضيئه سوى الإنسان في لحظة حضوره الوجودي. احتجاب فرادة الكتابة خلف التنميط الآلي ليس خطرًا على الأدب وحده، بل هو نذير بانطفاء شعلة الإبداع، حيث تتحول اللغة من فضاء للمعنى إلى مرآة باهتة، تنعكس فيها كلمات خالية من وهج القلب وأشواق الروح.

تخوض اللغة العربية كغيرها من اللغات اليوم هذا التحدي، وتكشف مظاهر التحول عن تبدل تدريجي في بنيتها التعبيرية، وتحول في معجمها، واندفاع نحو السرعة والرمزية الرقمية. تحل التعابير الموجزة محل الجمل البلاغية المتعارفة، ويتقدم الرمز التعبيري، أو الوسم الرقمي، أو العبارة الهجينة التي تصوغها تطبيقات التواصل على التعبير المكثف. فمثلًا تذوب مشاعر الحزن العميق في رمز تعبيري لوجه دامع، وتتقلص مشاعر الحب في صورة قلب أحمر، وتضمحل الأشواق في التداول العاطفي الرقمي، فتتقدم عليها كلمات برمجية مكررة تستعير الإشارة للمشاعر، كأنها تحاكي حضورها، من دون أن تعبّر عن إشراق الأشواق، وكنايات الايحاء بها. وتنطفئ الصور البلاغية المضيئة، وتفقد الاستعارات الأدبية توهجها، حين يستعاض مثلًا عن بيت شعر المتنبي: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دونَ النجومِ” في رمز لصاروخ أو سهم متجه للأعلى. وبيت الجواهري: “أتعلَمُ أم أنتَ لا تعلَمُ، بأن جِراحَ الضحايا فمُ” بكلمة خاطفة مثل “صامد”، وتبهت الصورة الناطقة بالحرية وكرامة المقهورين، ويتقلص أثر الكلمة التي توقظ وعيًا، ويستفيق بها الضمير، وتلتهب بها مشاعر الشعب وشهامته. في مثل هذا الانكماش، تتوارى اللغة عن وظيفتها، وتتخلى عن أثرها الشعوري، وتتحول إلى رموز وصور باردة لا تمس القلب، ولا تستفز العقل، فتفقد العبارة ما يحمله الشعر من شعور جارف، وما تشعه الصورة من أفق للعزة والشموخ.

تختفي المفردات التي كانت تضيء الوجدان، وتضيق مساحة المجاز والتأمل، حين تذوب المعاني الكثيفة في رموز مفرغة من دلالتها، إثر استنزاف معناها بتكرار استعمال الكل لها، وتتبخر حرارة الكلمة التي ظلت قرونًا تصوغ وعيًا، وتوقد شعلةً في القلب. وتغيب صور تحفيز الخيال، وتختصر في أيقونة جامدة لا تتسرب إلى وجدان القارئ، ولا توقظ تأملًا أو انفعالًا. كذلك تنطفئ لغة التدفق العاطفي المؤثرة، وموسيقى كلمات العشاق، بعد أن تزيحها عبارات نمطية منطفئة، مثل: “وحشتني” أو “وينك”، بلا دفء الحنين أو صورة ترسم الاشتياق بكلمات ساحرة. حتى مفردات المدح والهجاء في التراث الأدبي، الزاخرة بالتوريات والمجازات والكنايات، تُختزل في كلمة واحدة، مثل: “يجنن”، أو “مزيف”، حين تطلق دون سياق، وتستهلك بلا تذوق.

كما يغيب وهج التعبير القرآني الذي يتدفق بلغة القلب وأشواق الروح، فتختفي عبارات، مثل: “ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين”، ويحل محله قول مستعجل مثل: “يارب عوضني”، أو تتوارى كلمات الرجاء، مثل: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ليأخذ مكانها نداء مقتضب مثل: “يا الله كفاية”. كذلك تستنفد الكلمة طاقتها الدلالية، ويخفت صوت المناجاة، عندما تغيب لغة التضرع عن فضائها الروحي، ويفقد البوح صدقه وقدرته على ملامسة أعماق القلب، ويتوارى صوت النبي أيوب الذي انبعث من أعماق الألم، وصدى أنين النبي يونس وهو ينادي في الظلمات: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ويتقدم بدلًا من هذه الاستغاثات نداء مستعجل، مثل: “يا الله فرّجها” أو “طفح الكيل”، يُكتب على عجل، ويرمى بمستودع رقمي مكتظ، من غير خشوع، ومن دون أثر لتجربة الانكسار، ولا صدى لنداء يخرج من أعماق الروح.

وتضمحل في الوقت نفسه شحنة أدعية تنسكب من القلب، مثل: “إلهي، ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”، ويحل محلها نداء متعجل، مثل: “يارب سهلها”، نداء لا يتجاوز الشفتين، ولا يمس الشعور، ولا يعكس تجربة وجودية مشبعة بالوجد، بل يعكس حالة استعجال، تغيب فيها الأبعاد الجمالية والعاطفية والروحية، التي تتوهج بمناجاة العارفين. وتتقلص مساحة الدعاء، ويضيق أفق التضرع، وتخفت حرارة البوح، عندما تنكمش الكلمة في عبارة قصيرة تخلو من خشوع القلب، وبوح  المشاعر، وتدفق التجربة الروحية.

فرق بين كلمات يستقي بها القلب وترتوي بها الروح، وكلمات يتأمل دلالتها الذهن. ينحسر النوع الأول من الكلمات في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتبدل نمط الدعاء، وتخسر لغة القلب طاقتها الروحية والعاطفية، عندما تقيدها وهي تخاطب الله القوالب الجاهزة، وتحبسها الأنساق الجامدة، فيتلاشى أثر التجربة الوجودية التي تضيء الحياة بكلمات مشبعة بوهج الروح وابتهالاتها. وتغيب صور التضرع والتبتل التي كانت تنبع من أدعية الأمهات والآباء، وتتراجع أمام نسق جاف يستمد لغته من محرك بحث آلي أو تطبيق أدعية على الإنترنت، من غير حرارة داخلية، ولا نبض شعوري.

في فضاء هذا التحول العاصف، يظهر جليًا أن اللغة التي تواصل الحياة، وتنتشر في العالم، هي اللغة التي تواكب صيرورة الواقع، وتتناغم مع معطيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتنازل عن جوهرها الإنساني، وثرائها الدلالي، وطاقتها الرمزية. هكذا تفرض علينا هذه التحولات المتعجلة أن نعيد تأمل اللغة، ونحررها من أسر الأداء التقني، ونصون تنوعها، ونحمي عمقها الوجودي، حتى تواصل أداء وظيفتها، بوصفها كيانًا حيًا تتجلى فيه الرؤية للعالم، وطرائق التفكير، وأشواق الروح، وتعلن فيها الذات عن حضورها.

https://alsabaah.iq/120020-.html

ثناءٌ على الجيل الجديد كتابٌ للتربية

د. أحمد يعقوب[1]

لاشكّ في أنّ القارئ لمتن نصوص وكتابات د. عبدالجبار الرفاعي  يسترعي انتباهه رأساً الطّابع التّعليمي، أو إن شئنا الدّقة البُعد التربوي الذي يسم محاوراته، ويمكن إعتبار كتاب ” ثناء على الجيل الجديد” من أهم الكتب التي  تناولت قضايا جيل الآباء والأبناء في الخمسين سنة الماضية،  بالاضافة لمناقشتها قضايا التربية والتعليم ، وهي قضايا تهم مجتمعاتنا أكثر من غيرها بمقتضى ما حصل من تطورات وتحولات في العالم الذي نعيشه اليوم.

يقوم د. عبدالجبار، غير هيّابٍ  بتفكيك نُظم التربية في عصر الآباء، الذي إنهمك في نظام أحادي لرؤيته للعالم والقيم والمعايير، فاذا به يصطدم بتطورات ضخمة ومتسارعة في عصر الأبناء؛ حيث تبدلت الموضوعات نفسها، واتخذت المفاهيم أشكالاً جديدة تتمظهر وتتجلى من خلالها، مما يعني أن  جيل الأبناء تحكمه نظم متعددة محايثة لواقعه وتشبه أفقه العقلي ( أفق العصر)،  وقد تجاوز النظرة الأحادية التي سادت في عصر الآباء وأحدث قطيعة كبرى معها؛ مما أحدث فجوة وهوة عميقة بين الآباء والأبناء، وهو معطى القطيعة بمعناها الفلسفي.

يدافع الرفاعي عن جيل الأبناء ضد أؤلئك (الآباء)،  الذين  يرون في هذا الجيل أنه بلا مسؤولية،  ونبع ذلك من عدم قدرة الكثيرين من جيل الآباء لرؤية التوسعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وايقاع التغيير الذي طال كل شيء، وبالتالي اتساع الفجوة  في كل شئ تقريباً من حيث نمط الحياة والرؤية للعالم، والتّعاطي مع التعقيدات ونُظم تلقي المعرفة بالنسبة لجيل الأبناء؛ ولا نفهم من هذه السياقات أن عبدالجبار الرفاعي يمارس التحريض، بل هو يمارس  التفكير المواكب لمتطلبات هذا العصر ومتطلبات الأبناء. إذ لا ينسى المؤلف عرض كيفية تلقي المعرفة ونُظمها عند جيل الآباء، وما شكلته هذه النّظم والتي أحياناً شبه أحادية أو أحادية في نظرتها وتعاطيعها مع العالم وموضوعاته.

يشير د. الرفاعي الى عنصر مهم وفاعل في حياة جيل الأبناء، وهو تخلّصهم من الاستعباد لشخصية الأب وشخصية العالم، والتي هي رؤية  الأب بالتحديد؛ وربّما تخلّصهم من القيود التي تعيق تواصلهم أو اكتسابهم لنظم جديدة تواكب التحولات التي يعيشونها؛ وهو ما أدى الى بروز ظاهرة الاغتراب في العلاقة ما بين الآباء والأبناء؛ حيث نعيش اليوم وفق نظام لا يمكن مواكبته دون التعامل مع تسارعه التقني، وقدرة الشخص على الانتقال شبه الدائم لمعالجة موضوعات شتى في فترات زمنية قصيرة؛ ضمن هذا الاطار يفكك د. الرفاعي أشكال العلاقة بين الآباء والأبناء؛ حيث يطلب جيل الآباء الطاعة والانقياد وأحياناً الرضوخ الكامل؛ وهو مايواجه بتمرد عنيف من الأبناء، ولحل الاشكال هذا يطالب المؤلف جيل الآباء بالسماح للأبناء بالانخراط في مواقع السلطة السياسية والحياة الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن جيل الأبناء هو أثمن رأسمال للحاضر والمستقبل.

ينحاز د. عبدالجبار الرفاعي بشكل لا مواربة فيه لجيل الأبناء، ويقول أنه تعلم منهم أكثر مما تعلم من جيل الآباء؛ وهذه روح توضح حجم التحولات والتغيرات التي حدثت في عالمنا المعاصر، وخاصة في العشرين عاماً الماضية، وتبيّن ضرورة المواكبة، والا عاش الانسان في كهف ذاكرته أو كما يقول  جيل الأياء في السودان: “زمننا أفضل ونتمنى أن يعود ذاك الزمان”،  وقد خبرنا نحن جيل الأبناء  بالاخص هذه البكائيات من جيل الآباء.

ويعتبر حقل أو علم التربية من الحقول الرئيسة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ إنه يقدم إسهامات منهجية وعلمية وتطبيقية كبيرة، خلال مسيرة طويلة من العمل الرصين والإنجازات اللافتة.  ومن ذلك كون كليات التربية في العالَم مصدر التموين الأساسي لوزارات التعليم والتربية، عبر الإسهام في تطوير سياسات التعليم وفلسفته، وتأمين خطوط كافية لإنتاج: المعلمين الأكفاء، وصنّاع المناهج والمقررات، وخبراء التعليم والتعلم والتقويم، وهذا ما يفسر سر الاهتمام الكبير بكليات التربية في مختلف دول العالم[1].  وتشكل نُظم التربية  والتعليم وطرق اكتساب وتلقي المعرفة  والتي بنيت على أساسها تاريخاً طويلاً من سلطة الآباء في بلداننا وسيطرتهم على كل شئ؛ أحد الموضوعات المهمة في فكر الرفاعي؛  وفي عالمٍ يشهد تحولات كبيرة في فضاءاته لاتزال هذه النظم تمسك بتلابيب مجتمعاتنا المتخلفة  وتمنعها من الاستفادة من النظم الحديثة، لأن العقل التربوي لا يزال ماضوياً.

وحيث إن المشهد التربوي ضمن سياق التحديات والتشوهات التي يعيشها، بحاجة ماسة لمراجعة نقدية صارمة عامة للحقل التربوي ذاته. ولكي تكون هذه المراجعة مثمرة، فإنه يتوجب أن يقوم بها مفكرو التربية أنفسُهم، والذين هم بحاجة ماسة في مجتمعاتنا على وجه الخصوص بمواكبة التطورات التقنية والتحديثات التكنولوجية، وعلى أن يكون أس هذه المراجعة النقدية إبستمولوجياً، وذلك راجع إلى أن النقد الإبستمولوجي قادر على تشخيص أصل الداء في حقل التربية.

يمكن للمرء أن يلاحظ حالة الخطاب التربوي المدرسي في شعوبنا؛ والذي يكاد يبدو للناظر من الخارج أنه خطاب يجتر التاريخ ولا يبدع الحديث، بل هو بعيد من الابداع لدرجة انه غير مواكب للتطورات التي يشهدها عالمنا اليوم؛ وحيث إن نُظمنا التّعليمية تعمّق حتى الفوارق ( الطّبقية)* في المجتمع، صانعة  بذلك هوة عميقة سوسيولوجياً يعاني منها غالبية الذي تعرضوا لهذا الخطاب؛ أمّا أؤلئك الذين تلقّوا تعليمهم في الخارج فأول ما يدركونه هو النظام المعرفي الذي من خلاله يتلقون تعليمهم؛ حيث يتبدى النظام المعرفي في جملة مفاهيم وقضايا معاصرة، وتحديث مستمر للمناهج وطرق التدريس نفسها، وكيفية استهلاك المعرفة…الخ.  ولتوضيح هذه النقطة المتعلقة بتحديث النظم  المعرفية  لتواكب متطلبات العصر الراهن  كتب مارك تايلور  مقالا في  Nature  عنونه “Reform the PhD System or Close It Down”  يقول فيه: ” تتبع معظم برامج الدكتوراه هيكلاً يعود تاريخه إلى جامعات العصور الوسطى في أوروبا. الهدف؛ إنتاج نسخ مكررة من الأساتذة المختصين عبر استنساخهم. ولا يزال هذا النموذج الصارم قائماً حتى اليوم، رغم تغيّر سوق العمل الأكاديمي تغيّراً جذرياً. ”  ويواصل بالقول: ” نظام الدكتوراه عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتجدد لمواكبة متطلبات العصر الحديث، أو يُصبح بلا قيمة.  بتبني التعلم متعدد التخصصات، وشراكات الصناعة، والتطورات التكنولوجية، يمكن لبرامج الدكتوراه استعادة قيمتها. أما إذا رفضت الجامعات التكيف، فستستمر في تخريج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل الحالي” .  ولنا أن نتخيّل ان هذا ما يتداوله الغرب حالياً في قضايا تحديث النظم المعرفية؛ ونتساءل في اي طريق نحن؟

في مناظرة شهيرة حول موضوعات شتى  بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو في العام 1971 يطرح فوكة خطر مؤسسة ( الجامعة) بقوله: ” أعتقد ان ممارسة السلطة السياسية تتم كذلك عبر عدد آخر من المؤسسات التي تتظاهر بأنها لا تملك شيئا مشتركا مع السلطة السياسية وباستقلاليتها عن الدولة, غير انها ليست كذلك.. يعلم المرء بأن الجامعة – وبصورة عامة كل الانظمة التعليمية التي تبدو وكانها ببساطة تنشر المعرفة فقط. صُنعت للمحافظة على طبقة اجتماعية معينة في موضع القوة، ولحصر امتلاكها لأدوات القوة دون الطبقات الاجتماعية الأخرى” وهي صورة أخرى لكيفية سيطرة النظم التربوية والتعليمية على حيوات الناس، عبر تدجينهم واكسابهم صفة الاستنساخ للتجارب القديمة ( جيل الآباء)، أو كما يريد ذاك الجيل ان تبقي الامور كما هي .

هل نحن في حاجة لاعادة تعريف مفهوم التربية؟

من أهم الموضوعات التي تتفرد بها التربيةُ دون غيرها؛ ما يتعلق بـ المناهج والمقررات تصميماً وتعليماً وتطبيقاً وتقويماً وتطويراً، باستخدام كافة الأساليب التربوية التقليدية والحديثة في التخصصات المختلفة. إذن، هذا حقل أصيل، بل لعله من أكثرها أصالة، بحيث لا تُنازَعُ فيه التربيُة، إذ هي الحقل الذي يمتلك “حق التشريع” إزاء هذا الموضوع المبحوث منهجياً وبحثياً وتطبيقياً، ويعد هذا أسمى أنواع الملكية للموضوعات المبحوثة.

تحتاج المؤسسات التربوية عندنا لاعادة تعريف هذا المفهوم ؛  ولوضع أسس سوسيولوجية جديدة لمهامها وأهدافها. ويشير د. الرفاعي بطريقة ما في خطاطته عن الفروقات بين جيل الآباء وجيل الأبناء إلى ما يسميه بيار بورديو بالعنف الرمزي، الذي يمارس من خلال المؤسسات التعليمية وبالاخص المدرسة،  والتي تسعى بطريقة أو أخرى للمحافظة على الوضعية القائمة، ( يفهم في سياق جيل الآباء) الذين يودون أن تبقى الأمور على ماهي عليه؛ وحيث  يتميز العنف الرمزي في المدرسة بقدرته الكبيرة على المخادعة الأيديولوجية وبناء الأوهام التربوية على نحو طبقي، وضمن هذه الممارسة الرمزية تبدو المدرسة على أنها مؤسسة محايدة طبقيا.(2) لكن المدرسة في جوهرها ليست محايدة أبدا، وهي تمارس التطبيع الفكري والأيديولوجي للطلاب، وتقوم في الوقت نفسه بإضفاء الشرعية على الأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع في اتجاه المحافظة على النظام السياسي الاجتماعي القائم. وهي بفعالياتها الرمزية تقوم بتمتين وترسيخ العلاقات الطبقية القائمة في المجتمع، تحت ستار استقلال نظام التعليم وحياديته الظاهرة. ومن الطبيعي أن يعزز المجتمع هذه الاستقلالية النسبية للمدرسة، حيث يتم إنشاء هيئة من المتخصصين والمهنيين في مجال العمل التربوي والمدرسي لتقوم بتسيير النظام المدرسي وفقا للاعتبارات الوظيفية والأيديولوجية المحددة في المجتمع.

حوى الكتاب مجموعة من المفاهيم القيمية والاخلاقية ضمن تربية الانسان؛ كالحب، والصمت، وقضايا الدين، ومفهوم التراث والتجديد، وهي في صلب عملية بناء الانسان . هذا كتاب للمؤسسات التعليمية والسياسية، ويمثل رؤية لأفق العصر وما ينبغي أن يكون عليه الانسان وكيف تتم تربيته؛ آمل أن يقرأ هذا الكتاب، وان يكون ضمن مناهجنا، وقبله يجب ان يتم تدريسه للتربويين والمهتمين بمسائلها والمسائل التعليمية.

هوامش:

  • عبدالله البريدي – نداء ابستمولوجي إلى مفكري التربية : تفحصوا حقلكم – مجلة حكمة 17-10-. .2021.
  • بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو – علي أسعد وطفة – مدونته الشخصية على الانترنت

*لا نستخدم الطبقة هنا بمفهومها الماركسي وانما في سياقها الاجتماعي المرتبط بالتفاوتات الطبيعية بين البشر.

[1] كاتب من جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان.

https://al-aalem.com/%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/

ثناء على الجيل الجديد يتخطى مقولة صراع الأجيال[1]

عبد اللطيف الحاج اقويدر[2]

جاء كتاب ثناء على الجيل الجديد في أزيد قليلٍ من مئتي صفحة، موزعة على سبعة فصول، وكل فصل يتضمن عدداً من المقالات، وعنوانُه جاذب لافت، تخطى به الكاتب مقولة “صراع الأجيال”، ليطرح بدلَها مقولة “ثناء على الجيل الجديد”، تفطَّن بذكائه إلى أنَّ تجسير الهوَّةِ بين الأجيال، وتجنيب الصراع بينها يأتي عن طريق “الإحسان” الذي يستعبدُ القلوب، فكيف يكون وقْعُه وصداه إذا كان هذا الإحسانُ يُسْدى إلى فلذات الأكباد وبقايا الآباء، و”الثناءُ” رأسُ الإحسان.

جرتْ عادة المجتمعات الإنسانية أنْ يُمدح الأسلاف بما بذلوا وقدموا لأجيال أولادهم وأحفادهم، وغدا هذا تقليداً أخذ صفة الإطلاق. أراد عبد الجبار الرفاعي تصويب هذه القاعدة لإحقاقِ عدلٍ وتوجيهِ بوصلةٍ، فالثناء اعترافٌ لمُنجزٍ فيه خصوصيةٌ، وهو ليس متعلقاً بسنٍّ معيَّنةٍ، وتخصيصُها للفئات العمْرية المتقدمة، فيها ـ إلى جانب الاعتراف ـ رمزية وتعويضٌ معنوي، وكانتْ رؤيةُ الرفاعي أنَّه إذا استحقَّت الثناءَ فئاتٌ شبابيةٌ ما زالتْ تتدرجُ في مقتبل الحياة تتهيَّأ لتلج معتركها، فما المانع الذي يحول دون إظهار الفرح بذلك والاعتراف بهم، وإسداء آيات الثناء لهم، وقد ورد ذلك في مقدمة كتابه مؤكِّداً بأنَّها شهادتُه وقناعتُهُ نابعتيْن من تراكم تجاربه، فلا هو يقدم وروداً ونياشين، ولا هو يجامل مجاملةً غير مستحقَّةٍ، اعترافه وثناؤه على الأبناء تفرضه معطياتٌ موضوعيةٌ.

“ثناء على الجيل الجديد” عنوانُ فصله الأول، تضمَّن خمسَ مقالات، تحدثَ فيها عن واقع جيل الآباء الذي كان موبوءً بتلوثات السياسة والإيديولوجيا والانتكاسات ص24، وواقع الجيل الجديد المعقَّد المتشابك المنفتح على مصراعَيْ العالم والحياة، فيعيشُهما عياناً على المباشر وافتراضاً عبر مختلف الوسائط، ويدرك الكاتبُ أنَّه من الطبيعي أن تنتج هذه الوسائل معاييرها القيميَّة الخاصة ص27، وأن تفرض نمط حياتها، إذْ لا حياد في الحياة، وإذا كان جيلُ الآباء قد نشأ في فضاء تربوي يتَّسمُ بالعنف تعاملاً، وبالتلقين تعلُّمًا، فإنَّ الجيل الجديد لا يتحرَّجُ من إعلان رفضه استخدام العنف معه، واشمئزازه من أساليب التدريس البالية، فقد يسَّرتْ له وسائل الاتصال سبلَ المعرفة وأنواع أساليب التلقِّي، يفي منها ما يحتاجه، وبأيِّ كيفية يريدُها، ويأسف الكاتبُ من عدم تحلِّي الجيل القديم بشجاعة الاعتراف بثغرات أساليب التربية والتعليم لعصره، ولا بما حُظيَ به الجيل الجديد من سلاسة وتنوُّع ومرونة، وأن رهان الرقي والتطور معقود بناصيته، وإذا كانت صورة الدين لدى جيل الآباء هو ما  “صنعه ـ له ـ علم الكلام القديم وفقه التكفير” ص45، فإنَّ الجيل الجديد بما له من التنوُّع يسعى بما توفره له وسائط الاتصال على التعرُّف على الصورة المغرية لله تعالى، صور النور والرحمة والحب والبهجة، كما أدرك إمكانية تجاوز فتاوى تحريم الفنون، التي هي ليستْ أكثر من تجلياتِ الإنسان تعبيراً وتواصلاً مع الطبيعة والإنسان.

و”التربية خيارها الحصانة لا المنع” عنوان الفصل الثاني الذي تضمن ثلاث مقالات، يعترف فيها بأنَّ تكنولوجيات الاتصال قد شكلت تحديا للمجتمعات الإنسانية كلِّها لا على مجتمعاتنا فحسب، فقد أحدثتْ تصدُّعات في سلَّم القيم ص50، نتيجة الصدمة العنيفة التي أحْدثتْها  في منظومتيْ الأسرة والعلاقات الاجتماعية، ففكَّكت روابط التلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، وفرضتْ على كلٍّ منهمْ نفياً انعزالياً، وبلبلتْ فيهم عواطفهم وأفكارهم ولغتهم ورؤاهم، بل إنها تكاد تشكِّل خطراً وجودياً على الفرد في سلامته الجسدية أو النفسية على ما نقله خبراء الطب والعلاج، ومع ذلك فهي الشرُّ الذي لا بد منه، ومع ذلك فهي الإفراز الطبيعي لعصرها عصرِ حقوقِ الإنسان والحريات وعصرِ إشاعة المعرفة والتعليم، في حينٍ كانت عصورُ الآباء عصورَ الرُّكود والسمع والطاعة.

و”الاستثمار في الحب صعبٌ” عنوان الفصل الثالث، وهو أوسعُ فصلٍ بسبع مقالات خصَّصها لعاطفة “الحب” الذي جفَّ معينُه أو يكاد، و”الحبُّ” في مشروع الرفاعي هو حجر الزاوية وأسُّه، يسوقُه رفيقَ دربٍ في الحياة، وزاد عملٍ للحياة الأخرى، وقد وردت مقالاته تباعاً على النحو الآتي: “الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان”، و”ويترجم القلب كلمات الحب بمعنى واحد”، و”مكافأة الحبِّ الحبُّ ذاتُه”، و”الاستثمار في الحب صعب”، و”حبُّ الإنسان طريقٌ لحب الله”، و”الإيمانُ بلا حب ورحمة عنيفٌ”، و”الكراهية ليست طارئة”، فالحب يُشحِن النفوسَ طاقةً وراحةً وسعادةً، يُشعِر الإنسان بكينونته ويُحفزه على العطاء، ومن غرس حبّاً جناه، والحبُّ الأكبرُ هو حبُّ الله الأبدي المشرقُ على القلوب الذي لا يعتوره كدرٌ، بخلاف صورة الألوهية في الإيمان الصراطي الذي اعتقد به جيلُ الآباء ورِثه عن الأسلاف، صورةٌ ظلمانية لا تراه إلا محصوراً بها دون غيرها، ومن خرج عن دائرتها لم يستحق الفوز ولا السعادة، بل قد يُسحق كما فعلت المجموعات الإرهابية التي روَّعت ودمَّرتْ وقتلتْ باسمه تعالى.

“الصمت الحكيم” هو فصل الكتاب الرابع بستِّ مقالاتٍ، ذكَّرَنا فيها الرفاعي بتلك القاعدة الذهبية التي ردَّدناها صغاراً دون إدراك أبعادها “إذا كان الكلام من فضَّةٍ فإنَّ السكوت من ذهب”، لم يغر الكاتبَ ذهبُ السكوت بل أغراه أَلَقُ الصمت ونفاستُه، وبين السكوت والصمت فرقٌ نوعي، فالصمتُ كلامُ الحكماء والعقلاء ومتنوري الثقافة. الصمتُ إرادةٌ ولغةٌ وفلسفة وفنٌّ وملجأ، ألا يقال “نلوذ بالصمت”. هو حاجزٌ يمنع التهور، ويصونُ أرواحاً، ويُشْرِقُ على أرواحٍ، والصمتُ أنواعٌ ودرجاتٌ، وتتَّخذه بعض مدارس التأمل طريقاً لاستجلاب الراحة للروح، وليس الصمت بالأمر الهيِّن ولا هو في متناول الجميع، لا يستطيعه إلا من ملك إرادته، وأنَّى له بملكها؟ وليس الصمتُ نقيض الكلام بل هو نقيض الثرثرة، فقد أراد حكيمٌ قديماً أن يستوثق من قيمة إنسانٍ يجهله، فقال:” تكلَّمْ لأراك”، فالكلام هو الرجل، ولكنَّ الذي يعجِزُ عن أنْ يُصغيَ يعجزُ أن يصمُتَ، ومن أتقنَ فنَّ الصَّمت أتقن فنَّ الكلام، فكم من متكلِّمٍ لا يكونُ كلامه إلاَّ أذى، وكم من كلمةٍ أودتْ إلى مقبرة أو مستشفى، لذا لفتَ الكاتبُ النَّظر إلى ضرورة تشجيع “تنمية ثقافة يمكن تسميتها بِـ “اقتصاديات الكلام” تتعلق بكمية الكلام وشكله ومضمونه وكيفيته” ص139.

“لا تراث خارج التاريخ” هو الفصلُ الخامسُ، الذي تضمَّن مقالاتٍ معرفية عميقة تشير إلى علاقة السلطة بالمعرفة، وقد امتلكت السلطةُ في تاريخنا القديمِ معرفتَها، وصنعت لها علماءَ وفقهاءَ يسوِّغون سياساتها ومشاريعها، وقام باحثون في العصر الحديث بقراءة هذه المعرفة التراثية باستعمال إحدى الطريقتيْن: إمَّا دراسة إحيائية أو دراسة تجديدية، أما الدراسة الأولى فتكرارية اجترارية لا تفيدُ إلَّا قليلاً، وأمَّا الدراسة الثانية فكاشفة لأنها سائلةٌ عن بنيتها الأساسية التي ترتكزُ عليها ص155. 156. تقومُ هذه الدراسةُ بتفكيك البنية التحتية للتراث مستثمرةً أدوات ومناهج ومقاربات هذا العصر من مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلوم الإنسان والاجتماع واتجاهاتهما ونظرياتهما ص157، وتكشَّفَ لها أنَّ ما درجتْ عليه القرون تسميها ديناً وإيماناً كان في جزءٍ منه لا يعْدو أن يكون مقولة سياسيةً تلبسُ لباساً دينياً، فكثيرٌ من المرويات والأحاديث هيَّأ “الإسناد” لها طريقاً نحو الدين، والإسنادُ ذاتُه في حاجةٍ إلى جرحٍ وتعديلٍ، كما أنَّ تضخُّمَ الفقه يعود إلى “حجِّية الخبر الواحد”، الذي تحوَّل من رأيٍ إلى قاعدةٍ أصوليةٍ بفعلِ فاعلٍ، ومردُّ هذا الاكتشاف يعود إلى خبرة هذا العصر، إلى ميشال فوكو الذي توصَّل إلى أنَّ كلَّ سلطة تُنتج معرفة من جنسها وتحميها وكذا العكس ص162، فلا غرابة أن تطغى القراءة السلفية على المشهد الديني الإسلامي، وهي قراءة مغلقةٌ معطِّلةٌ للعقل، ورؤيا لا تنتمي للعصر ولا للواقع 167، ولا غرابة أنْ “يتسيَّد التراثُ المتشدِّدُ ويُقصَى التراث العقلاني”.

أما الفصل الأخيرُ، فعودٌ على بدءٍ إذْ يقدِّمُ ” تحية للجيل الجديد”، الذي اكتشفَ منه وجهاً مشرقاً في إحدى ندواته الأخيرة في مصر، التي جرى عنها الاعتقاد أنَّها انطفأتْ وانكفأتْ، ودخلتْ في نومٍ سباتي، لكنَّه اكتشف جيلاً جديداً يحدوه نشاطٌ حثيثٌ ورؤيا مشرقة تجاه وطنه، وراقه شوقهم إلى المعرفة والتواصل، وأسِف على تغييب أسماء مفكرين وفلاسفة وكتَّابٍ مشهوداً لهم بعمق الفكر وغنى المعالجة.

 

 

 

[1]  قراءة في كتاب: ثناء على الجيل الجديد، تأليف: د. عبد الجبار الرفاعي. منشورات تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بيروت. ط1 ، 2024.

[2]  كاتب جزائري.