Category: الصمت

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

الصمت في المدرسة الفيثاغورية

الصمت في المدرسة الفيثاغورية

 د. عبد الجبار الرفاعي

فيثاغورس (نحو 570–495 قبل الميلاد) فيلسوف يوناني سابق لسقراط، يعد من أكثر شخصيات الفلسفة القديمة تأثيرًا وإثارة للجدل، إذ امتزجت سيرته التاريخية بالأسطورة، وتداخلت فلسفته مع نمط عيش جماعي وروحي خاص. ولد في جزيرة ساموس في بحر إيجة وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، وهو قرن تأسيسي في تاريخ الفلسفة اليونانية، حين كانت الفلسفة أسلوب عيش قبل أن تكون خطابًا نظريًا مجردًا. غادر فيثاغورس ساموس احتجاجًا على حكم الطغيان، وانتقل إلى مدينة كروتونا في جنوب إيطاليا، حيث أسس جماعة فلسفية روحية عرفت بالمدرسة الفيثاغورية، قامت على حياة جماعية منضبطة بشدة، وزهد وتربية أخلاقية صارمة.كان الصمت فيها ممارسة تربوية أساسية يُلزَم بها المبتدئون سنوات طويلة لتأديب النفس وتهذيبها قبل السماح لهم بالكلام والمشاركة.

تقوم فلسفة فيثاغورس على تصور يرى أن العدد هو جوهر الوجود وأساس انتظامه، وأن الكون بأسره يتأسس على نسب رياضية دقيقة وتناغم عددي يشبه ما عرف بالموسيقى السماوية، حيث لا تفهم النغمات الموسيقية بوصفها أصواتًا عابرة، بل بوصفها تجليات حسية لنظام كوني يقوم على التوازن والانسجام، في ضوء هذا الرؤية يغدو العدد لغة الوجود الخفية التي تتكلم بها الطبيعة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، اعتقد فيثاغورس أن النفس البشرية قادرة على الارتقاء والتحرر من اضطرابها عبر حياة منضبطة، تتأسس على ممارسة الرياضات التربوية والصمت والتأمل، وضبط الإيقاع الداخلي للإنسان بما ينسجم مع إيقاع الكون، مقرونًا بإيمان بتناسخ الأرواح يربط السلوك الأخلاقي بمصير النفس، ويجعل تهذيب الحياة اليومية شرطًا ضروريًا للانسجام مع النظام الكوني، بحيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا ينفصل التفكير عن نمط العيش.

يُنسب إلى فيثاغورس قيامه برحلات إلى بابل، ويُقال إنه اطّلع خلالها على معارف دينية ورياضية وفلكية شرقية، غير أن هذه الروايات تبقى موضع شك ونقاش تاريخي واسع، لأن تفاصيل تلك الرحلات لم ترد في مصادر معاصرة له، وإنما نُقلت في كتابات متأخرة اختلط فيها التاريخ بالسرد الأسطوري، فتداخلت الوقائع الممكنة مع نزعة تعظيمية سعت إلى تقديم فيثاغورس بوصفه جامعًا لحِكَم الأمم، الأمر الذي يجعل التمييز بين ما هو تاريخي وما هو اسطوري في سيرته قضية إشكالية لا يمكن حسمها بيقين. ولا دليل تاريخي يؤكد موثوقية رحلاته إلى بابل، لأن فيثاغورس لم يخلف أي وثيقة مدونة تدل على ذلك، وكل ما نعرفه عنه ورد في مصادر متأخرة تعود إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مثل روايات بورفيريوس ويامبليخوس، وهي نصوص تمزج بين السيرة والرمز والأسطورة، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها وثائق تاريخية مباشرة. هذه المصادر تزعم أن فيثاغورس سافر إلى بابل، وتعلم هناك الحساب والفلك من الكهنة الكلدانيين، غير أن هذا الادعاء لا تدعمه أي وثيقة معاصرة لزمانه، لا بابلية ولا يونانية، ولا يظهر اسم فيثاغورس في أي لوح طيني أو سجل شرقي مكتشف ومعروف حتى اليوم. ما يجعل الرحلة ممكنة من حيث السياق الجغرافي، لكنها غير مؤكدة تاريخيًا.

في المقابل، من الثابت علميًا أن الرياضيات البابلية سبقت فيثاغورس بقرون طويلة، وأن البابليين عرفوا علاقات عددية مكافئة لما يُسمى اليوم “نظرية فيثاغورس”، كما تشهد على ذلك الألواح الطينية العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، غير أن هذه المعرفة كانت معرفة تطبيقية عملية تستخدم في القياس والبناء والفلك، ولم تصَغ في صورة برهان تجريدي. من هنا يميل أغلب مؤرخي الرياضيات إلى القول إن إسهام فيثاغورس، سواء اطّلع مباشرة على معارف بابلية أم وصلته عبر قنوات غير مباشرة، لا يكمن في اكتشاف العلاقة العددية ذاتها، بل في نقلها إلى أفق نظري برهاني، وربط العدد ببنية الكون والتناغم والوجود، وهو تحول نوعي ميّز الفكر اليوناني عن تقاليد الشرق القديم، وجعل من “نظرية فيثاغورس” تعبيرًا عن نقلة في طريقة التفكير، لا عن مجرد استعارة من الرياضيات البابلية.

الصمت في المدرسة الفيثاغورية لم يكن امتناعا عن الكلام بوصفه سلوكًا شكليًا، وإنما كان ممارسة تربوية عميقة تهدف إلى إعادة تشكيل ذات الإنسان من الداخل. فيثاغورس فهم الحكمة بوصفها ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة غزارة الكلام ولا التعجل بإبداء الرأي، لذلك جعل الصمت عتبة أولى للسير في طريق الفلسفة.

في مدرسته التي تأسست في كروتونا بجنوب إيطاليا، خضع المبتدئون لصمت صارم امتد لسنوات، تذكر مصادر متأخرة مثل بورفيريوس ويامبليخوس أن مدته قد تبلغ خمس سنوات، لا لأن الكلام شر، وإنما لأن النفس لا تتهيأ للإنصات ما دامت أسيرة اندفاعها ورغبتها في الظهور. الصمت هنا يتجلى بوصفه أداة لترويض الذات، وكبح نزعة الاستعراض، وتدريب النفس على الانضباط، وحماية الداخل من الفوضى، كي يتشكل الوعي في أفق السكينة. بهذا المعنى كان الصمت شرطًا لتعلم الإنصات، والإنصات شرطًا لتلقي الحكمة، إذ لا تنكشف المعاني العميقة في ضجيج الأصوات ولا في استعجال الأحكام. كما ارتبط الصمت عند الفيثاغوريين بفكرة السرية، ليس بدافع الغموض، وإنما انطلاقًا من وعي بأن بعض المعارف، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون ونظامه الخفي، تتطلب استعدادًا تربويًا وأخلاقيًا وروحيًا، وأن كشفها لمن لم ينضج داخليًا يفرغها من معناها ويحولها إلى معلومات جوفاء. هكذا غدا الصمت في المدرسة الفيثاغورية فعلًا تربويًا يسهم في بناء الإنسان، ويهيئه للدخول في نظام وجودي متناغم، حيث يتعلم أن الحكمة لا تقال قبل أوانها، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، لأنه يفتح للإنسان بابًا نحو معرفة تنبع من الداخل، وتترسخ فيه بوصفها أسلوب حياة لا مجرد معرفة عابرة.

كان هذا الصمت تدريبًا مقصودًا لتهذيب الروح قبل تعليم العقل، الفيثاغوريين أدركوا أن العقل لا يثمر حكمة ما لم يستند إلى ذات مصفّاة ومنضبطة. بالصمت اختبر المبتدئ صبره، وتعلم كبح اندفاع الأنا، وتحرير نفسه من الثرثرة والانفعال وردود الفعل السريعة، حتى يغدو قادرًا على الإصغاء العميق لا إلى المعلم وحده، وإنما إلى ذاته والعالم من حوله. لم يكن الصمت عزلة سلبية، وإنما فعل تربية متواصل، يعاد فيه تشكيل العلاقة مع الكلام، فيتحول من أداة استعراض إلى ثمرة نضج.كما شكّل الصمت وسيلة لحفظ سرية المعرفة في زمن لم تعرف فيه الفلسفة التدوين العام ولا النشر المفتوح، إذ جرى تداول الحكمة شفويًا داخل جماعات مغلقة تقوم على الثقة والاختبار الطويل. اعتقد الفيثاغوريون أن بعض الحقائق، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون، إذا انكشفت لمن لم يتهيأ لها، أُسيء فهمها، وتحولت من معرفة محرِّرة إلى أداة اضطراب أو هيمنة. لذلك ارتبط الصمت لديهم برؤيتهم للنظام العددي بوصفه لغة خفية للكون، وبفكرتهم عن موسيقى الأفلاك التي لا تسمع بالأذن، وإنما تنكشف للبصيرة. هذا الإدراك لا يتحقق في ضجيج الجدل ولا في كثرة الكلام، وإنما في صمت اللسان والباطن، حيث يتعلم الإنسان أن الكون يتكلم بلغة التناسق، وأن الإنصات إليه يستلزم صمتًا يوقظ الحس، ويمنح الروح فرصة لمعاينة النظام الكامن خلف الظواهر، فيغدو الصمت شرطا لمعرفة تتجاوز المعلومات، وتتحول إلى نمط عيش وتناغم مع الوجود.

بعد انقضاء سنوات الصمت الخمس كان يُؤذن للمبتدئ بالكلام والمشاركة، لا بوصفه من اكتسب حق النطق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا أعاد الصمت تشكيل ذاته من الداخل، فصار كلامه أشد إيقاعًا، أدق دلالة، أثقل معنى، وغدا امتدادًا للصمت الذي سبقه، لا قطيعة معه ولا نقيضًا له. في هذا الأفق لم يكن الصمت غاية نهائية، وإنما مرحلة تأسيسية تتهذب فيها الذات ليولد منها قول مسؤول، موزون، ومقتصد. مع أن الصمت شكّل أحد أبرز تقاليد المدرسة الفيثاغورية، فإن هذه المدرسة لم تكن جماعة تهمل الكلام أو تقصيه، إذ كان للكلام فيها وظيفة تربوية ومعرفية دقيقة، لا يمارَس اعتباطًا، بل يضبَط بزمانه ومقامه واستعداد المتلقي له، فالكلام لم يكن نقيض الصمت، بل امتدادًا له وثمرة من ثماره بعد نضج الذات وتكاملها. كانت المدرسة الفيثاغورية مجتمعًا مغلقًا ذا نظام صارم، تتكامل فيه التربية الروحية الزهدية مع التأمل الفلسفي العقلي، وتفهم الفلسفة فيه بوصفها نمط عيش متكامل، لا مجرد خطاب نظري، حيث يسبق تهذيب الذات وانضباطها الكلامَ والتعليم، ويغدو الصمت تهيئة لولادة المعنى، والكلام كشفًا محسوبًا عنه، في لقاء يتجاور فيه البعد الديني مع البعد العقلي ضمن رؤية واحدة للإنسان والعالم.

يميز الفيثاغوريون بين فئتين من أعضائهم: الأكوسماتيكوين، الذين يلتزمون بالتعاليم الشفوية والطقوسية ويجعلون الإصغاء محور تكوينهم، والماثيماتيكوين، الذين ينصرفون إلى دراسة الرياضيات والعلوم انطلاقًا من قناعتهم بأن العدد جوهر الوجود ومفتاح انسجامه. الانضمام إلى هذه المدرسة لم يكن متاحًا لكل راغب، وإنما يخضع لاختبارات قاسية تقوم على الجدارة والانضباط والاستعداد الذاتي، تلتزم بحياة يومية زهدية منظمة، يعيش فيها الأعضاء في جماعات مشتركة خارج أسوار المدن، ويلتزمون بقواعد دقيقة في السلوك والملبس والعلاقات. يندرج النظام الغذائي النباتي لهذه المدرسة ضمن هذا الأفق التربوي بوصفه سعيًا إلى تطهير النفس وتهذيب الرغبات، لا رفضًا للجسد ولا عداء للطبيعة، كما أدت الطقوس الموسيقية دورًا في إعادة التوازن الداخلي، عبر إيقاع ينسجم مع تصورهم لموسيقى الأفلاك. اللافت في هذا السياق أن التعليم لم يقتصر على الرجال، إذ أتيح للنساء أيضًا، كما تشهد على ذلك أسماء مثل ثيانو، بما يكشف أن المدرسة الفيثاغورية سعت إلى بناء إنسان متكامل، يتوازن فيه الصمت والكلام، الزهد والمعرفة، الداخل والعالم، في إطار رؤية ترى الفلسفة تربية للنفس قبل أن تكون علمًا للعقل.

انحسرت المدرسة الفيثاغورية نتيجة تضافر عوامل سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري لتلامس بنية المدينة اليونانية نفسها. فقد نشأت هذه المدرسة داخل جماعة مغلقة ذات نظام أخلاقي صارم وطرق تعليمية وروحية حذرة، منكفأة على نفسها.كل جماعة شديدة الانغلاق، مثل المدرسة الفيثاغورية، تحمل في بنيتها الأساسية بذور فنائها، إذ يتحول الانضباط الصارم مع الزمن إلى جمود، وتغدو السرية التي وضعت لحماية المعنى حجابًا يحجبه، فينقلب ما كان شرطًا للبقاء إلى عامل استنزاف داخلي، ويغدو الانغلاق الذي حفظ كيانها في البدايات سببًا في عجز الجماعة عن التجدد والتكيف مع تحولات الواقع، فتبدأ عوامل الموت تتوالد داخلها قبل أن تأتيها الضربات من الخارج.

انغلاق المدرسة الفيثاغورية الشديد أثار ريبة القوى السياسية في مدن جنوبي إيطاليا، ولا سيما في كروتونا، كما أن انخراط بعض الفيثاغوريين في الشأن العام، وتأثيرهم في التشريع وتوجيه القرار، ولّد شعورًا متزايدًا بالخوف من تحولهم إلى نخبة حاكمة تعمل داخل مجتمع مغلق لا يخضع للرقابة العامة. في مناخ سياسي مضطرب، شهد صعود الصراعات بين الأرستقراطيات والديمقراطيات الناشئة، تحول هذا الخوف إلى عداء صريح، فاستهدفت الجماعة بوصفها خطرًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. إلى جانب العامل السياسي، أسهم الطابع السري للمدرسة في تعميق سوء الفهم حولها.

رأى كثيرون في التزام الصمت، وحفظ التعاليم داخل الدائرة المغلقة، وتقديس النظام العددي، ممارسات غامضة توحي بالتآمر أو السحر، لا بمشروع فلسفي تربوي. هذا الغموض غذى الشائعات، وسهل تعبئة العامة ضد الفيثاغوريين، خاصة في مجتمعات اعتادت الجدل العلني والخطابة في الساحات العامة في المدن. كما أن نمط العيش الزهدي المنظم، والانضباط الصارم في السلوك والغذاء والعلاقات، جعل الجماعة تبدو منفصلة عن الحياة اليومية للمدينة، كأنها كيان قائم خارج النسيج الاجتماعي، لا جزءًا منه.

تزامن ذلك مع تحولات أعمق في الفلسفة اليونانية نفسها، إذ بدأت الفلسفة تنتقل تدريجيًا من كونها نمط عيش جماعي إلى كونها نشاطًا تعليميًا وخطابيًا أكثر انفتاحًا، كما يظهر لاحقًا في الأكاديمية الأفلاطونية والمدرسة الأرسطية. في هذا السياق، فقد النموذج الفيثاغوري القائم على التربية الطويلة والصمت والسرية جاذبيته أمام نماذج فلسفية تتيح النقاش العام والتعليم المنهجي دون اشتراط الانتماء إلى جماعة مغلقة. ومع غياب فيثاغورس نفسه، ثم تشتت تلامذته، ضعفت القدرة على الحفاظ على وحدة المدرسة وتماسكها الداخلي.

لم يؤد هذا الانحسار إلى اختفاء الفيثاغورية من التاريخ، وإنما دفعها إلى التحول من جماعة حية إلى تراث فلسفي وروحي مبثوث في مدارس لاحقة. لذلك أعيد إحياء عناصرها الأساسية في حركة النيوفيثاغورية في القرن الأول قبل الميلاد. النيوفيثاغورية أو الفيثاغورية الجديدة، هي تيار فلسفي روحي ظهر في القرن الأول قبل الميلاد وازدهر في القرنين الأول والثاني الميلاديين، في سياق ثقافي امتزجت فيه الفلسفة اليونانية بالنزعات الروحية الشرقية، ولم يكن حركة مدرسية منظمة بقدر ما كان محاولة لإحياء تراث فيثاغورس وتأويله تأويلًا أخلاقيًا وميتافيزيقيًا يركّز على خلاص الذات وتناغم الكون، إذ نظرت إلى العالم بوصفه نظامًا متناسقًا تحكمه علاقات عددية لا بمعناها الرياضي المحض، بل بوصف العدد مبدأ وجوديًا وروحيًا يكشف عن عقل كوني أعلى، ورأت أن اختلال الأخلاق هو اختلال في النسبة والانسجام، وأن الفضيلة عودة إلى التوازن الداخلي، لذلك جعلت من الزهد والانضباط وتطهير الذات شروطًا للمعرفة لا نتائج لاحقة لها، واحتل الصمت فيها موقعًا مركزيًا بوصفه تربية تكوينية لا امتناعًا سلبيًا عن الكلام، صمتًا يدرّب الإنسان على كبح الأنا وتعليق العجلة وتفريغ الداخل من الضجيج، كي يغدو العقل قادرًا على الإصغاء للنظام الكوني. الصمت يسبق القول ويؤسس له، والمعرفة التي لا تمر عبره تظل سطحية، ولهذا تبدأ التربية بالصمت وتنتهي بالكلام الموزون، حيث يصبح القول امتدادًا للصمت لا نقيضًا له، ويغدو الصمت شرطًا للعودة إلى العالم بوعي أعمق لا انسحابًا منه. عاد الاهتمام بتطهير النفس، والعدد، والانسجام الكوني، ضمن سياق فلسفي جديد يربط الفلسفة بالبحث الروحي الفردي أكثر من ارتباطها بجماعة مؤثرة. في هذا الواقع ظل الصمت حاضرًا بوصفه رمزًا لتقدم الحكمة على الكلام، غير أن وظيفته تغيرت من ممارسة جماعية صارمة إلى دلالة روحية وأخلاقية.

على الرغم من ذلك، لبث الدرس الفيثاغوري حيًا في عمق التراث الفلسفي، إذ تجاوز مصير المدرسة الفيثاغورية بوصفها جماعة تاريخية، ليغدو رؤية ترى أن الحكمة لا تبدأ من الخارج ولا تختزل في براعة الجدل، بل تنبع من الذات، من تهذيب النفس وضبط الرغبات وتكوين الإنسان قبل صناعة الأفكار، وأن أي فكر لا يتأسس على هذا العمل الباطني يظل هشًا، سريع الانكسار، مهما بدا متماسكًا في صيغته النظرية، إذ ينهار عند أول عاصفة خارجية تكشف فراغه الأخلاقي وافتقاره إلى الجذر الذي يمنحه الصمود والمعنى.

تكشف تجربة انحسار المدرسة الفيثاغورية عن توتر دائم بين الفلسفة بوصفها تربية للوعي تراهن على تهذيب الذات وبناء المعنى في العمق، وبين المدينة بوصفها فضاء للصراع والتنازع وتدافع المصالح، حيث لا يحتمل الغموض طويلًا ولا يستساغ المختلف بسهولة. عندما يشتد هذا التوتر وتختار الفلسفة الانكفاء حماية لنفسها، تدفع ثمن عزلتها وتفقد قدرتها على التأثير في المجال العام، بينما تمضي السياسة في تضخيم خوفها من كل ما لا يخضع لمنطقها وقراراتها، فتتحول الحكمة إلى تهمة، ويغدو الصمت تهديدًا، ويقصى التفكير العميق لأنه لا يتكلم بلغة ما تفرضه السياسة الحاكمة، في مشهد تتكسر فيه إمكانية اللقاء بين الفلسفة والمدينة.

 

https://alsabaah.iq/125591-.html

صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

 

صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

د. عبدالجبار الرفاعي

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. ينبغي ألا يُقرأ بوصفه حكمًا أخلاقيًا عن سلوك نساء أثينا، ولا حكمًا معياريًا على الرغبة أو الجسد، بل بوصفه تحليلًا ثقافيًا لبنية مدينة صاغت علاقتها بالجسد واللذة والاقتصاد ضمن أفق رمزي خاص؛ فالإشارة إلى التوق الجنسي واقترانه بالمقابل المادي لا تهدف إلى الصدمة لذاتها، وإنما تكشف عن انتقال الرغبة من مجالها الإنساني الحميم إلى مجال التداول الاجتماعي، حيث يغدو الجسد لغةً ضمن شبكة من العلاقات والقيم والمعاني. الصدمة هنا لا تصدر من الفعل، بل من تعرية المسكوت عنه في الوعي الاجتماعي، ذلك أن المدينة التي تنتج فلسفة العقل والجمال والرموز لا تنفصل عن اقتصاد الرغبة، وإنما تنظّمه وتؤطره وتمنحه رؤية ثقافية مخصوصة. بهذا المعنى، لا يتحدث النص عن انحراف أخلاقي، وإنما عن نظام رمزي يلتقي فيه الجسد بالمدينة، والرغبة بالسوق، واللذة بالمعنى، كاشفًا أن ما يبدو صادمًا للوعي اللاحق كان جزءًا من بنية حضارية لم تفصل بين التفكير والعيش، ولا بين الفلسفة والجسد. القراءة التحليلية هنا لا تدين ولا تبرر إنما تفسر، وتُظهر كيفية تشكل الأخلاق داخل سياق ثقافي تاريخي، وكيفية انتاج المجتمع معاييره من داخل بنيته لا من خارجها، فتتحول الصدمة من حكم أخلاقي إلى أداة لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بجسده، ولعلاقة المدينة برغباتها المكبوتة والمعلنة معًا.

مضى سيكوندوس في اختبار أخلاقي مثير مع أمه الأرملة، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام[1].

قصة سيكوندوس مع أمه لا تُقرأ بوصفها حكاية فضائحية عن كسر محرَّم، بل بوصفها تمثيلًا رمزيًا مكثفًا للذنب حين يبلغ أقصاه، وللضمير الأخلاقي حين يُنتهك في مستواه المؤسس للمعنى؛ فالأم هنا ليست مجرد شخصية سردية، بل رمز للمنبع الأول للحياة، ولأصل القيم، وللنظام الرمزي الذي تنتظم فيه القرابة والهوية والاستمرارية، لذلك لا يغدو الفعل خطيئة عابرة قابلة للاعتراف أو الترميم، بل هتكًا لبنية العائلة والمجتمع القيمية. لا تأتي استجابة سيكوندوس بالصراخ أو التبرير أو الهروب، بل بالصمت الأبدي بوصفه تحمّلًا صارمًا للمسؤولية. إذ يتحول الصمت من عقوبة اجتماعية مفترضة إلى قرار يفرضه الضمير الأخلاقي؛ وصمت سيكوندوس هنا ليس توبة دينية خالصة، ولا عقوبة جسدية، بل قرار وجودي بتحويل الذنب إلى وعي دائم، يعي فيه الفاعل أن اللغة ذاتها تواطأت مع الخديعة وانتهاك الحرمة حين استُعملت أداة للإغواء، وأن الكلام بعد هذا الحد سيكون انتهاكًا آخر، فيختار سيكوندوس تعليق حضوره اللغوي في العالم، لا إنكارًا للفعل، بل اعترافًا باستحالة قوله، ورفضًا لتحويل الذنب إلى مادة سردية للاستهلاك أو إلى فضيحة قابلة للتداول. هكذا تنقلب القصة من حكاية صادمة إلى أيقونة فلسفية، تكشف أن الصمت، في لحظات قصوى، قد يكون أصدق أشكال الأخلاق حين تعجز اللغة عن استيعاب سعة المعنى.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس [2].

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

اجابات سيكوندوس عن هذه الأسئلة الحائرة درس تربوي ثمين للاقتصاد في الكلمات. إذ يغرق الإنسان اليوم في فائض أسئلة وإجابات المنصات الرقمية، ويتعجل كثيرون للتعليق وإبداء الرأي في كل شيء، وإن كان لا يخصهم بوصفه علامة حضور. في هذا الواقع يصبح الامتناع عن الكلام فعلًا مقاومًا للهوس بالكلام، لا عجزًا عن التعبير، ويغدو الصمت اختيارًا واعيًا.مثلما علّق سيكوندوس حضوره اللغوي بعد إدراكه تواطؤ الكلام مع الانتهاك، يختار الإنسان الحكيم أحيانًا الصمت، إدراكًا لتواطؤ اللغة الرقمية مع التضليل والتسطيح والتعبئة الانفعالية، فيتحول الامتناع عن التعليق إلى احتجاج معرفي يرفض تحويل القضايا الأخلاقية والروحية والمعرفية إلى محتوى سريع الاستهلاك، ويقاوم اختزال التجربة الإنسانية في ردود أفعال آنية. بهذا المعنى لا يكون الصمت انسحابًا من المسؤولية، بل شكلًا متقدمًا منها، إذ يقدم مثالًا تربويًا للاقتصاد في الكلام، ويحمي الحقيقة من الابتذال، ويصون سعة المعنى من الانهيار. صمت سيكوندوس يجد صداه اليوم في كل وعي يفضّل التأمل على الضجيج، والامتناع الذكي عن الانغمار في الثرثرة المستفزة.

[1] عثمان، صلاح، “سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2″، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

[2] المرجع السابق.

الصمت مرآة لقوة الإرادة

الصمت مرآة لقوة الإرادة

د. عبد الجبار الرفاعي

إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس الحضور الواعي والامتناع المدروس. التحكم بالانفعالات يدل على ترويض متواصل للشخصية، وعلى ذكاء في تصريف الطاقات المكبوتة نحو منافذ آمنة، لا تترك جروحًا في النفس للإنسان أو لغيره. الصمت الذي ينبع من هذا الترويض لا يولد من ضعف، بل ينبع من قوة داخلية تنمو وتتجذر في لحظات التأمل، وتتحكم باللسان في لحظات التوتر، وتتجلى في المواقف التي تتطلب وعيًا لا ينفعل، وحكمة تحمي الإنسان من الطيش والنزق، وقرارًا لا يُملى من الخارج. مَن يجيد الصمت لا ينسحب من الحياة، بل يعيد بناء كيفية حضوره فيها، ويعيد تشكيل نمط وجوده في العالم، ويمنح ذاته فرصة لوعي أعمق، وتفاعل أنضج، واتخاذ مواقف لا يندم عليها.

الصمت غالبًا أصدق من الكلام، وأقرب إلى جوهر الإنسان الذي ينشد سلام الباطن. الإنصات موقف ذكي، يعكس حضورًا كاملًا، ويقظة لا تشتتها الرغبة في الرد أو الاستعراض أو الانتصار. حين ينصت الإنسان بهدوء يمنح للآخر فرصة في أن يكون، ويعطيه فرصة ليكشف عن ذاته، ويتيح للمعنى أن يتوالد في فضاء مشترك لا يهيمن عليه أحد. الإنصات فضيلة وجودية تعيد ترتيب صلة الذات بالعالم، وتعلّم الإنسان كيف ينصت إلى ذاته وصوته الداخلي، وما يعتمل في أعماقه من أسئلة مؤجلة، وأشواق لا تجد لغتها. في الإنصات يتعلّم الإنسان أن المعنى لا يُصاغ دائمًا بالكلمات، وأن الحقائق لا تدرك إلا حين يتوقف الضجيج، ويستطيع الإنسان أن يصغى إلى ما يتردد في صمت الكائنات، وفي ارتجاف القلب حين يتذوق المعاني التي لا تتسع لها الكلمات.

الصمت استراحة الذهن من الغرق بضوضاء الخارج، وعودة الإنسان إلى سبر أغوار ذاته، حيث تستيقظ منابع الإلهام والفاعلية التي طالما غمرها الضجيج. لا يقتصر الصمت على التوقف عن الكلام، بل يتجلى في فعل إرادي يتطلب عزيمة لا تقهر. إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام، وأعمق من مجرد ضبط اللسان، الإنسان حين يتكلم ينفعل وحين يصمت يتأمل ويشعر بالتواصل الوجودي مع ما حوله. الصمت يعكس قدرة الإنسان على التحكم بانفعالاته، وتحكيم العقل في لحظات التوتر. الصمت لا يعني انسحابًا وهروبًا، بل يعني انتصارًا داخليًا على الضجيج. الصمت ليس ضعفًا ولا انكفاء، وإنما هو تعبير عن يقظة تضيء الوعي. إنه عبور إلى ما وراء الظاهر، إلى حيث تتكلم الأشياء من دون صوت، وتضيء المعاني من غير ألفاظ. لا يتوقف الصمت عند حدود الامتناع عن النطق، إنما يتجسد في فعل إرادي يعكس عزيمة لا تنكسر، وإرادة لا تقهر. يستند الصمت إلى وعي يتجاوز الحاجة للكلام، وحاجة للتوغل في أعماق الذات. إرادة الصمت تنبع من يقظة العقل، وتغلب الإرادة لحظة الغضب، وقدرة على تحكم الإنسان بذاته حين يكون في مواجهتها، لا في مواجهة غيره.

بالصمت يتذوق الإنسان سكينة الروح، التي تجعله يرى الوجود بعيون مضيئة، ويشعر أن المعنى لا يُقتنص من كثرة الكلام، وإنما يولد من لحظة إنصات يلتقي فيها الفكر بالشعور، فيصير الصمت مرآة تعكس ما غاب عن البصر من أنوار البصيرة. هكذا يتحول الصمت إلى فعل إنساني يحرر الوعي من أسر العادة والتكرار، ويعيد للإنسان قدرته على رؤية ما وراء المألوف. بالصمت يكتشف الإنسان أن ضجيج الخارج صدى لاضطراب الداخل، وأن سلام العالم يبدأ من سلامة القلب، فيغدو الصمت طريقًا للسلام، وشجاعة تمكّن الإنسان من مواجهة ذاته.

حين يختار الإنسان الصمت، لا يهرب من العالم، بل يتهيأ للإنصات لما لا يسمع في صخب الكلام، ويمنح نفسه فرصة للعودة إلى ذاته، وايقاظ ما أهمله في أعماقه. الصمت لا يعني الخواء بل الامتلاء، إنه امتلاء بالمعنى، واستعداد لاستقبال ما لا يُدرك إلا في هدوء السكينة. في الصمت تتسع المسافة بين الفكرة ورد الفعل، إذ يجد الإنسان فسحة للتأمل، ومجالًا لإعادة النظر، وفرصة لتصفية الداخل من ردود أفعال التسرع والانفعال. الصمت الحكيم يولد في فضاء الصلة العميقة بالوجود، ويترسخ حين يتعلم الإنسان ألا يقول كل ما يعرف، ولا يرد على كل ما يسمع، ولا ينفعل بكل ما يثير انفعاله. في هذه الحالة يغدو الصمت موقفًا يعكس الحكمة، ومظهرًا من مظاهر السلام، وتجليًا لوعي لا يحتاج إلى الصخب كي يثبت حضوره، ولا إلى الجدل كي يبرر وجوده. الصمت الذي ينبع من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لحدود الكلام، هو صمت يحرره من الحاجة إلى الانتصار في كل حوار، ويمنحه طمأنينة لا يتلقاها من كثير من الكلمات.

مَن ينتصر حتى في المعارك، ليس من يصرخ أعلى أو يضرب أسرع، بل مَن يملك القدرة على تهدئة عواصفه الداخلية، وقراءة اللحظة الحرجة بوعي، سواء كانت لحظة حرب أو لحظة سلام. ومَن يدرك ما يتطلبه الواقع الذي يعيش فيه، ويبرع في حسابات الأرباح والخسائر، ويحسن إدارة التسويات حين لا يكون الانتصار ممكنًا، لئلا يخسر كل شيء. الانتصار الحقيقي يتحقق بالقدرة على التماسك في لحظة الانفلات، واتخاذ القرار الذي يحفظ الكرامة ويقلل الخسائر، ويمنح الإنسان فرصة جديدة للبدء من دون أن ينهار كل شيء. مَن يملك وعي اللحظة، ويقرأ ما وراء ظاهرها، يستطيع أن يختار متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يصمت ومتى يتكلم، ومتى يربح بالصبر ما لا يربحه بالعنف. في هذا المقام، لا يكون الانتصار مجرد غلبة، بل يكون حكمة في إدارة انفعالات الذات، وبصيرة في التعامل مع الواقع، وحنكة في صون ما تبقى، حين لا يعود النصر ممكنًا.

الصمت يدل على موقف حيال الواقع، يمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا لا منفعلًا، حكيمًا لا متهورًا، حاضرًا بكامل طاقته الذهنية والنفسية، لا غارقًا في ردود الأفعال والغضب. حين يختار الإنسان الصمت فإنه لا ينسحب من الواقع، بل يعيد تنظيم حضوره فيه، ويتهيّأ لرؤية العالم في العمق لا في السطح، ويتعامل مع ذاته كما يتعامل مع خصم نبيل: بذكاء، ويقظة. في هذا المقام، يغدو الصمت فعلًا من أفعال الوعي، ومظهرًا من مظاهر النضج، وتجليًا لقدرة الإنسان على أن يوازن بين ما يشعر به وما يعبّر عنه، وبين ما يراه وما يقوله، وبين ما يختلج في داخله وما يختار أن يظهره.

الصمت لا يعني الغياب عن الحياة، بل يدل على حضور مختلف فيها، حضور لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج ليؤكد ذاته، ولا إلى ردود حادةكي يبرر موقفه، بل يكفيه أن يصغي إلى المعاني التي لا تنطق بها الألسنة، ويتأمل الإشارات التي لا تبثها الكلمات، ويتلقّى ما لا يصل عبر قنوات التواصل المألوفة. في لحظات التوتر ينتصر مَن يصمت ليدرك الموقف المطلوب، ويصوغ الموقف في ضوء ما يفرضه الوعي والواقع. الصمت بهذا المعنى لا يعكس ضعفًا، بل يكشف عن قوة داخلية لا يمتلكها إلا مَن تمرّن على الإنصات، وتدرب على التجلي بلا صخب، وتعلّم كيف يحضر من دون أن يطغى، ويؤثّر في غيره من دون أن يكرهه على فعل معين.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=381349

 

الصمت بوصفه عقابًا

الصمت بوصفه عقابًا

د. عبد الجبار الرفاعي

كثيرًا ما يلجأ بعض الأشخاص إلى الصمت بوصفه عقابًا، حين يضرب أحدهم عن الكلام داخل العائلة، أو في مكان العمل، أو مع مَن تربطه بهم علاقات اجتماعية، احتجاجًا على موقف يراه مزعجًا أو جارحًا. هذا النوع من الصمت ينتشر في الحياة الزوجية، إذ تختار الزوجة أحيانًا الصمت خوفًا من ردود الأفعال العنيفة للزوج، أو عقابًا له على ما تعتبره إساءة إليها، ويصمت الزوج احتجاجًا على ما يراه ثرثرة أو تجاوزًا من الزوجة. وغالبًا ما تتشابه دوافع الصمت بين الطرفين، وتنبع من رغبة في التعبير عن الغضب أو الامتعاض من دون الدخول في مواجهة مباشرة. أحيانًا يتحول الصمت إلى موقف يدل على الإهمال أو عدم الاكتراث، أو يحمل إيحاء بالإهانة والاحتقار، حين يتعمد أحد الطرفين تجاهل الآخر، ويمتنع عن التواصل معه، وكأن وجوده لا يستحق الرد أو الإصغاء. هذا الصمت لا ينتمي إلى الصمت الحكيم، بل يعكس توترًا داخليًا، ويعبّر عن انفعال لم يجد طريقه إلى التعبير الصريح، لذلك يختار الامتناع بدل المواجهة.

الصمت الذي ينطلق من الغضب أو الخوف أو الرغبة في الإيذاء لا يعزز العلاقة، بل يزيدها تعقيدًا، ويحول التواصل إلى ساحة صراع صامت تتراكم فيها الجراح، وتغيب عنها فرص الفهم والتصالح. مَن يختار هذا النوع من الصمت لا يعكس حكمة، بل يعبر عن إهمال مؤلم، أو عن رغبة في فرض عقوبة من دون إفصاح. الصمت الذي يتحول إلى وسيلة للإيذاء لا يداوي بل يجرح، لا يصلح بل يفسد، لأنه يمزق وشائج التواصل، ويزرع شعورًا بالنبذ والرفض، ويغلق أبواب الحوار التي لا تفتح إلا بالكلمة الواثقة، والإنصات المتبادل، والرغبة الصادقة في المودة.

يجد الإنسان نفسه أحيانًا غارقًا في كثافة تواصل بعض الأشخاص، وتعبيرهم المتكرر عن الثقة والإخلاص والمحبة، فيبادر إلى التجاوب الصادق معهم بعواطف تتناغم مع عواطفهم، وربما تتجاوزها. بعد زمن ليس بقصير، ينقطع هذا التدفق فجأة، ويتوقف كل شكل من أشكال الإعراب عن التقدير والاحترام والمحبة، من دون مقدمات تفسر هذا الصمت أو تبرر برود العلاقة الحميمية الحارة. يلتمس الإنسان العاقل الحكيم العذر لمن يتوقف عن التواصل بسبب ظرف معلوم للطرفين، لكنه يعجز عن تفسير الانقطاع حين يغيب عنه التفسير. يمكن التماس العذر إذا كان منشأ هذا التوقف عن التواصل اضطرابات نفسية، أو مشكلات حياتية تقذف بالإنسان في بئر الحيرة والذهول. أما إذا نشأ هذا الانقطاع بهدف استفزاز الآخر أو إيذائه، فلا سبيل إلى تفهمه، ولا مبرر يخفف من وطأته.

الصداقة ليست مجرد تواصل عابر، بل هي تعاقد وجداني غير مكتوب، يتأسس على الثقة والاحترام والوفاء، وحين تتصدع هذه القيم يتصدع البناء الداخلي للصداقة، ويغدو الصمت جدارًا يفصل بين قلبين كانا يتقاسمان الحب. ليس من السهل ترميم ما تهدم حين يهمل أحد الطرفين ما كان يربطه بالآخر، لأن ما يُكسر في الروح لا يصلحه الاعتذار وحده، ولا تجبره الكلمات المتأخرة. الثقة حين تتصدع لا تعثر على مَن يرممها، والمحبة حين تُهان تنكفئ، والإنسان حين يهمله من ظنه قريبًا منه يشعر بالأسى. يظل القلب يترقب احتمال اللقاء، لأن الإنسان الأخلاقي لا تموت إنسانيته، ولا يكفّ عن الأمل في ترميم ما تهشم، حين يلوح له في الأفق ما يوقظ الحنين ويستدعي العذر. الغياب لا يقاس بالمسافة المكانية والزمانية، بل يقاس بما يخلفه من فراغ في الروح، وما يتركه من أسئلة معلقة لا تجد مَن يصغي إليها.

الصمت الذي يعقب الغياب لا يكون دائمًا علامة على النسيان، بل قد يكون وجعًا لا يمكن البوح بآثاره، أو خيبة لا يمكن التعبير عنها، أو انتظارًا لا يفصح عن مضمونه. في العلاقات الإنسانية التي تتأسس على الصدق يكون الصمت أحيانًا أكثر فتكًا من الكذب، لأنه لا يمنح فرصة للتفاهم، ولا يتيح مجالًا للتفسير أو الترميم، بل يقذف العلاقة في وضع مبهم، لا هو وصل ولا هو قطيعة، ويجعل الإنسان في مواقف متذبذبة تتأرجح بين الأمل واليأس، بين التماس العذر واستشعار الإهانة. حين يطول هذا الصمت، يتحول إلى جدار من الغموض والابهام، يعيد تشكيل صورة الآخر في الذهن، ويعمل على ترتيب أولويات القلب. لكن لا ينطفئ الرجاء في القلب الذي تعلم أن يفيض الحب، الإنسان الأخلاقي لا يتخلى عن إنسانيته حتى حين يُخذل، ويبقى الأمل في أن يعود الغائب، وأن يتكلم الصامت، وأن تُستأنف العلاقة بما يليق بها من وضوح وصدق وحنو. العلاقات الأخلاقية التي تبنى على المحبة الصادقة لا تموت بسهولة، لكنها تحتاج إلى رعاية دائمة، وإلى حضور لا يختزل في الكلمات، بل يتحدث في الأفعال، ويترجم في لحظات الإنصات والاهتمام. الحضور ليس مجرد وجود جسدي، بل هو استجابة لنداء القلب، واعتراف ضمني بأن الآخر لا يزال يسكن فيه، مهما طال الغياب.

أتحدث عن ضرورة الصمت في مقام يتطلب الصمت، وضرورة الكلام في مقام يتطلب الكلام. لا أدعو إلى الإضراب عن الكلام مطلقًا، ولا تعني الدعوة إلى الصمت الحكيم الكفّ عن كل أنواع الكلام، الصمت لا يتحقق إلا في موضعه، حين يكون أثمن من الكلام، وأقدر على التعبير من أي لفظ. الصمت الذي أدعو إليه لا ينطلق من موقف عدمي، ولا ينبع من رغبة في الانسحاب والانكفاء على الذات، بل يتجذر في وعي اللحظة، وتمييز ما يليق بها من حضور أو غياب، من كلام أو إنصات. ضروري الحرص على الصمت حين تقتضي اللحظة الصمت، والحرص على الكلام حين يتطلب المقام الكلام. الصمت الذي أنشده ليس امتناعًا مطلقًا عن النطق، ولا عزوفًا عن التعبير، بل هو وعي بما يتطلبه المقام، وتمييز لما يليق بالإنسان من حضور أو غياب، من كلام أو إنصات. يتحقق الصمت حين يغدو أبلغ من أي لفظ، وأقدر على الافصاح من أي بيان، وأعمق أثرًا من أي خطاب. لا ينبع هذا الصمت من فراغ داخلي، ولا يتغذى على العدم، بل يتجذر في يقظة القلب، وفي إدراك أن بعض الأوقات لا تحتمل الضجيج، بل تحتاج إلى صمت يتناغم معها بحنو، ويصغي إلى ما تبوح به الذات في حوارها مع الذات، وينصت بهدوء لما يصدر عنها من نداء خفي.

حين يتكلم الإنسان في غير موضع الكلام يهدر المعنى، ويربك الذات، ويفوّت فرصة الإنصات إليها، ويطفئ ما كان يمكن أن يتوهج داخلها لو صمت. حين يصمت الإنسان في غير موضع الصمت، يخسر الأثر الذي يحدثه الكلام مع الآخر، ويخسر ما يتخلل اللحظة من كلمات توقظ الوعي وترسخ أواصر الصلة بالإنسان الذي يتكلم معه. الكلام حين يقال في غير وقته يشوه المعنى، والصمت حين يفرض في غير موضعه، يغلق أبواب الابداع والتلاقي. لا يتحقق الصمت الحكيم إلا حين ينبع من تمييز دقيق بين ما ينبغي أن يقال، وما ينبغي أن يصغى إليه، وما ينبغي أن يصمت لحظته الإنسان، كي يسمح للسكينة أن تتوطن الروح. الصمت الذي أدعو إليه ليس انسحابًا من الحياة، بل هو شكل من أشكال الحضور العميق فيها. إنه إنصات لما يتجاوز الضجيج، وتوقف عن الكلام حين يغدو الكلام تكرارًا لما لا يضيف شيئًا مفيدًا، أو ينتهك سكينة الروح. أدعو للصمت عندما يكون فسحة للتأمل، ومساحة لإلهام لرؤية وانبثاق البصيرة، والإعتراف بأن بعض المعاني لا تتسع لها الكلمات، وبعض المشاعر لا تنبعث إلا في فضاء الصمت الذي تستجيب له.

 

 

الصمت فعل مقاومة للثرثرة والابتذال

الصمت فعل مقاومة للثرثرة والابتذال

د. عبد الجبار الرفاعي

الصمت الحكيم قوة تحرر الإنسان من استعباد الانفعالات، تكمن قوة الصمت في أنه يهب الإنسان إرادة متماسكة تنمو بمرور الوقت، وتجعله قادرًا على الحضور العميق في ذاته، والامتناع عن تبديد طاقته في الانغماس في ضجيج الناس وأحاديثهم العابرة، التي لا تُفضي إلا إلى الضياع. الصمت الحكيم رحلة داخل الذات، يتوغل فيها الإنسان ليكتشف طبقاتها الباطنية، ويستنطق أعماقه التي لا تُرى في زحمة الكلام. بهذا الصمت يهدأ القلق الوجودي، ويتخلص من الخواء الروحي، ويتراجع شعوره باللامعنى. من يختار الصمت ينشغل بنفسه، ومن يفرط في الكلام ينشغل بغيره. من عرف نفسه كفّ أذاه عن الآخرين، لأن من يسكن ذاته لا يجد حاجة إلى إيذاء أحد.

حين تزداد الثرثرة في مجتمع ما، تتصاعد معدلات العنف فيه، سواء أكان رمزيًا أو لفظيًا أو جسديًا، ويتراجع فيه العمل والإنتاج والإبداع والابتكار. المجتمعات التي تعرف فضيلة الصمت تنعم بالسلام الداخلي والأمن العائلي والمجتمعي، لأنها تمنح الكلام معنى حين يأتي بعد إنصات عميق. هكذا نجد الإنسان الياباني وأمثاله من الآسيويين، حيث يُعد الصمت قيمة متجذرة في ثقافتها وفضائها الميتافيزيقي. الإنسان في هذه البلدان يحضر من خلال العمل والإنجاز وليس الكلام، فتسود حياته روح الطمأنينة والسلام، ويتحول الصمت في حياته إلى حكمة عيش ونمط وجود.

ما يتعلمه الإنسان من الصمت الحكيم أعمق وأبقى مما يتعلمه من الكلام، لأن الصمت ليس امتناعًا عن النطق، بل هو إصغاء لنداء باطني، ووعي بالذات، واستحضار للوجود في أصفى حالاته. الصمت مرآةٌ تنعكس فيها سكينة النفس، ويغدو وسيلةً لتزكية الروح وانكشاف البصيرة. لذلك لجأ إليه العرفاء والمتصوفة في أديان الشرق، خاصة في الهند والفضاء الآسيوي، بوصفه طريقًا لتسامي الذات وعبورًا من ضوضاء الخارج إلى صفاء الداخل، ومن تشتت العالم إلى توحّد الكينونة. في مدارسهم الروحية يتدرّب الإنسان على الصمت في رياضة يومية تُهذّب الحواس، وتفتح القلب على أنواره الباطنة. الإنسان كائن تحيط به الأسرار وتتكثف في أعماقه المعاني التي لا تُقال، من يختار الصمت يشي لمن حوله بأنه يحمل سرًا، فيصنع حوله هالةً من الوقار، ويجذب الناس إليه من غير سعي أو تكلّف. النفوس تميل بطبيعتها إلى من يُشعرها بالعمق والغموض أكثر من الذين يغرقونها في ضجيج الكلام. قوة الشخصية لا تقاس بما يُقال، بل بما يُكتم، لأن ما يُخفى أحيانًا أبلغ مما يُفصح عنه، ولأن الهيبة تنبع من حضور داخلي يفيض سكونًا لا ضوضاء، وعمقًا لا ادعاء. الصمت الحكيم في جوهره لغة الأرواح التي تتخاطب بغير ألفاظ، وتفهم الوجود بلا وسائط، وتتعلم أن ما يُنصت إليه القلب أصدق مما تنطقه الشفاه.

الصمت الحكيم ليس مجرد امتناع عن الكلام، بل هو ممارسة وجودية تتيح للوعي أن يتحرر من ضجيج العالم الخارجي، ويستعيد قدرته على الإنصات إلى نبض الحياة في أدق تجلياتها. إنه ليس عزلة، بل انفتاح على ما وراء الظاهر، على ما لا يُقال وما لا يُلتقط بالحواس المألوفة، حيث تتلاشى الحدود بين الذات والعالم، ويصبح الإنسان مرآةً تعكس حركة الكون دون تشويش. حين يصمت الإنسان بوعي، يبدأ في تذوق جماليات الوجود، ويتحسس نقاء الأشياء قبل أن تفسدها يد الإنسان، وينقذ نفسه من ضوضاء الثرثرة اليومية التي تهدر الزمن وتفرغ المعنى. في تقاليد التأمل الآسيوي، يُنظر إلى الصمت بوصفه بوابة إلى الإدراك الصافي، حيث يصبح الحضور أعمق من أي تعبير لفظي، ويغدو الزمن نسيجًا حيًّا من الإمكانات. في التدريب على الصمت، يتعلم الإنسان أن ينصت إلى أي نغم كما ينصت إلى ذاته، وأن يدرك أن الطبيعة ليست خارجَه، بل امتداد لوعيه، وأن كل صوت في الكون جزء من سيمفونيته الداخلية. عندما يسكن الجسد ويهدأ الفكر، يتكلم الوجود بلغةٍ لا تحتاج إلى ألفاظ. عندها يتذوق الإنسان الشعر في صمت القصيدة، والموسيقى في خفقة الهواء، واللوحة في ظلّ الغيم.كل إبداع أصيل يولد من رحم هذا الصمت، لأن الفكر لا يبدع إلا حين يخرج من أسر الضجيج.

الصمت فعل مقاومة حيال الثرثرة والهذيان والابتذال، وموقف وجودي يرفض الانجرار إلى لغو لا يحمل قيمة، ويختار التأمل والإنصات بدلًا من الردود الانفعالية. في مختبرات العلم كما في مشاغل الفن، يولد الإبداع من لحظات صمتٍ مشبعة بالترقب، حيث تستفيق القدرات الذهنية والعاطفية بكامل طاقاتها الخلّاقة، لترى ما لا يُرى وتكتشف ما كان محجوبًا عن الإدراك. اللوحات الخالدة للفنانين، والقصائد العظيمة للشعراء، والاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى، كلها ثمرة صمتٍ عميق يعيد تشكيل صلة الإنسان والعالم. الصمت الحكيم ضرورة روحية، وشرط معرفي وجمالي، وممارسة تعيد للإنسان قدرته على أن يكون أكثر من مجرد صدى لضجيج الأصوات.كلما ازداد الإنسان قدرة على تهذيب انفعالاته، اقترب من إيقاظ الصمت في داخله، ذلك الصمت الذي لا ينبع من ضعف أو خنوع، بل من قوة داخلية تروض الغضب وتعيد تشكيله في قوالب لا تؤذي الذات ولا تجرح الآخرين.

الانفعالات، كما أن إعلانها قد يكون خطيرًا، فإن كبتها دون تفريغ قد يكون أخطر، لما يورثه من عقد نفسية تترك جروحًا عميقة يصعب الشفاء منها. التحكم بالانفعالات ليس قمعًا، بل فنٌ في تصريف الطاقة النفسية بذكاء، عبر منافذ لا تترك آثارًا مدمرة. فكما أن إعلان الانفعال قد يكون خطيرًا، فإن كتمانه دون تفريغ قد يورث النفس عقدًا يصعب تفكيكها. من هنا، تصبح الكتابة وسيلة علاجية، يسكب فيها الإنسان حرائقه على الورق، بعيدًا عن لهيب المعركة، لينزف جروحه في مساحة آمنة لا تحرقه ولا تحرق من حوله. وقد يجد البعض في الرياضة متنفسًا لتصريف التوتر، أو في الأعمال البدنية متنفسًا لتفريغ الغضب، أو في القراءة عزاءً يعيد التوازن، أو في لقاء صديق حميم نافذةً للبوح والتخفف. إن ترويض الانفعال لا يعني نفيه، بل احتواؤه، وتوجيهه نحو مساحات تسمح له أن يُقال دون أن يُؤذي، أن يُعاش دون أن يُفسد، وأن يتحول من طاقة مهددة إلى طاقة خلاقة. الصمت الحكيم لا يُولد من فراغ، بل من ممارسة يومية لفهم الذات، وتدريب مستمر على تحويل الانفعال إلى إدراك، والغضب إلى بصيرة، والوجع إلى حكمة. في هذا الصمت، يكمن جوهر الإنسان حين يختار أن يكون سيدًا على نفسه، لا عبدًا لانفعالاته.

ما يتعلّمه الإنسان من الصمت الحكيم في أغلب المواقف لا يتعلّمه من الكلام، لأن الصمت ليس مجرد امتناع عن النطق، بل هو ممارسة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. الصمت سيادة على الذات لا عبودية لانفعالاتها، وهو انعكاس لحالة من الاتزان الداخلي، حيث تتراجع الحاجة إلى التبرير والتفسير، ويحل محلها حضورٌ عميقٌ يفيض بالمعنى دون أن ينطق به. يتخذ الصمت كثير من العرفاء في الأديان، خاصة في التقاليد الهندية والآسيوية، طريقًا لتسامي الذات والارتقاء إلى طور وجودي أكمل، حيث يُدرّب الإنسان نفسه على الإنصات لما هو أعمق من الصوت، وعلى استقبال الإشارات التي لا تُلتقط بالحواس المعتادة. ارتياض العرفاء في تلك الأديان يشدّد على الصمت وفق برنامج يومي صارم، لا بوصفه عزلة، بل بوصفه انفتاحًا على الداخل، وتحررًا من سطوة الخارج.

الصمت الحكيم يوقظ في الإنسان إمكانية تذوق جماليات الطبيعة، ويجعله يتحسس نقاء الأشياء قبل أن ينهكها التلوث وعبث الإنسان وتخريبه، وينقذه من ضوضاء ثرثرات أكثر البشر، وانشغالهم اليومي بالكلام لأجل الكلام، وإهدارهم القيمة الثمينة للزمن. من ثمرات الصمت ضبط ميزان الزمن، والاقتصاد في إنفاقه بتدبير، وتنمية قدرات الإنسان على إدارة أعماله بواقعية، والتحكم بالأولويات، وتقديم ما هو أهم على المهم، والعناية بما تفرضه احتياجاته الضرورية، واكتشاف ما يمنح حياته المعنى الذي يعزز سلامه الداخلي، ويخفض إيقاع قلقه وشعوره بالاغتراب. في التجارب الروحية الآسيوية، يُعد الصمت مدرسة عليا لتربية الوعي وتحرير الفكر من هيمنة الضجيج.

 

 

 

التربية على الصمت

التربية على الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الصمتُ موقفٌ حِيال الصَّخب الذي يملأ العالمَ اليوم. ضجيجُ السيارات والمكائن والمصانع الحديثة، والحروب، وإحراق الغابات واستنزاف الطبيعة، يُجهِدُ السمعَ، ويرهق الذهنَ، ويُشعِر المتلقي بضراوةِ الواقع وشراسته. مضافًا إلى استعمال كلماتٍ ذات دلالاتٍ عنيفة في اللغة المتداولة في الإعلام والثقافة وتطبيقات وسائل التواصل والتخاطب بين البشر، حتى نبرة الأصوات المرتفعة في الحديث بين الناس لا تخلو من الغلظة والشدة.

نمطان للصمت: صمت اللسان، وصمت الباطن.كفُّ اللسان عن الكلام موقفٌ ينشد سكينةَ الباطن، لا يمكن أن يسكنَ الباطنُ مالم يكفّ اللسانُ عن فائض الكلام. لا قيمة لصمت اللسان لو لبث القلبُ يحترق بسموم الكراهيات والضغائن والأحقاد. تدريب الباطن على الصمت يتطلب أن يروّض الإنسانُ نفسَه على الهدوء، ويتخلَّص من الانغمار في المجالس الصاخبة، ويطهّر لسانَه من الكلمات البلهاء، ويقتصد في استعمال الكلمة، ويبتعد ما أمكنه عن الكلام في كلِّ شيء، ويكتفي بما هو نافعٌ وضروري من الكلام، عندما يفرض عليه الموقفُ ولادةَ الكلمة. وقبل تهذيب لسانه وبعده عليه أن يُطهِّر قلبَه من الكراهية، ولا يُطهِّر القلبَ إلا اغتسالُه بالحُبّ.

لا يمكن أن نضع تعريفًا مانعًا جامعًا للصَّمت، مادام صمتُ الباطن حالةً وجودية، والحالات من هذا النوع عصيَّةٌ على استكناه ماهيتِها، وإن كان يمكن توصيفُها، والحديثُ عن نتائجها وآثارها. ذلك ما يجعل الكلامَ حول الصمت أشبه بتوصيف ما يتذوقه العرفاءُ وذوو التجارب الدينية لحظةَ إشراق وتجلي الروح وصفائها، اللغةُ تضيق عن التصور الواضح لكيفياتِ التجلي والتعبيرِ عنها كما هي.

من أثمن ثمرات صمت الباطن قوةُ الإرادة وشحذُ فاعليتها، وقدرتها على جعل الإنسان يتسامي ليحمي ذاتَه من الأنماط المتعدّدة للاستعباد، وإنتاجُ طاقةٍ خلّاقة تمكّن إرادةَ الإنسان من التحرّر من كلّ حاجةٍ ورغبة تمتلكه، وتجعله قادرًا على التحكُّم بكلِّ شيءٍ، من دون أن يتحكم به أيُّ شيء، مهما كان بريقُه وإغواؤه. العرفان في الأديان، خاصة الآسيوية منها، ‏يهتم اهتمامًا ملحوظًا بالصَّمت، ويبتكر رياضاتٍ متنوعة تستقي من الصمت وتستلهم منه طاقتَها. الإرادة تتجذّر وتتصلّب حيثما يكون الصمتُ تمرينًا متواصلًا يفرضه ارتياضٌ روحي، ولا سيّما لو التزم المرتاضُ بالصمت يوميًّا بشكلٍ منتظم.

‏ أن تعيش الحالةَ غير أن تفكر فيها، الصمتُ يمكّن الإنسانَ من أن يعيشَ حالةَ الإيمان والحُبّ والسلام الداخلي ويتذوقها. لا ينشغل مَن يتذوق الحالاتِ بالنظر والتفكير والكلام عنها، كثرة الكلام تفسد التذوق. صمت الباطن حالةٌ يعيشها الإنسانُ في أعماقِه، وهو لا يتحقّق بلا ارتياضٍ متواصل، وتدريبٍ لتحرير النفس وخفض حساسياتها وانفعالاتها وغضبها وأغلالها إلى أدنى مستوىً ممكن، وتطهيرِ القلب من الضغائن والأحقاد. ‏أما صمت اللسان فهو فعلٌ إراديّ تستطيع اتخاذَه الشخصياتُ الصارمة.

‏ صمتُ الباطن يمكن ‏أن يخلِّصَ الإنسانَ من عبوديتِه للمادة، واللهاثِ وراء المتع الرخيصة، والتهافتِ على سرابٍ سرعان ما يتلاشى. عندما يصير الصَّمتُ نافذةً للتأمل الصّبور، يمكن أن يعمل على انبثاق النور في روح الإنسان، ويجعله قادرًا على الإنصاتِ لصوت اللهِ في الوُجود.

الصمتُ الباطنيُّ حالةٌ تكرّس كينونةَ الإنسان وتثريها بالمعنى. هذا النوعُ من الصمت كان الرصيدَ الذي لن ينضب لشخصياتٍ ملهِمة مؤثرة جدًّا في الحياة. من يكتسي هذا الصمتَ يخلع على ذاته هالةً، خاصة إن كان ذا مقامٍ ديني أو علمي أو اجتماعي، فيشعر مَن يتعامل معه بسحرٍ خاص في شخصيته، ويطغى حضورُه حيثما يحضر، وتؤثر شخصيتُه الوقورة فيمن حوله، وإن كان لا يتحدث.

وحده صمتُ الباطن ‏يمكّن الإنسانَ من التوغلِ في الذات واكتشافِ طبقاتها العميقة، والتخفيفِ مما يثقل كاهلَها من أعباء تفوق طاقتَها. إنه صمتٌ تأملي يقظ، يحاور الذاتَ ويستبطنها في مونولغ داخلي تتحدث فيه الذاتُ لذاتِها. ‏وينبعث فيه الذهنُ، ويصفو الباطنُ، وتجد فيه الحياةُ حضورَها الحيويَّ وتتجدّد قدراتُها. ويصيّر شخصيةَ الإنسان عصيَّةً على الإغواء، والتهافتِ على الغرق في المتع الحسية الآنية، والتهافتِ على العلاقات الاجتماعية العشوائية. بالصمت التأملي اليقظ أنجز الإنسانُ كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الأدبية والفنية الثمينة.

من مكاسب صمت الباطن صناعةُ الشخصيات الاستثنائية المتفرّدة الفذّة، القادرة على تحمل الوحدة والتكيّف معها، من دون شعورٍ بحاجةٍ للجري وراء شخص أو أشخاص يحتمي بهم الإنسانُ من الشعور المخيف بوحشة الوجود. يمنح هذا الصمتُ الإنسانَ قدرةً خلّاقةً، ففي الوقت الذي يكون فيه وحدَه، ‏يشعر بصلةٍ حيّة بما حوله، وكأنه واحدٌ من حيث أنه متعدّد، ومتعدّد من حيث أنه واحد.

صمتُ الباطن منبعُ النّور والحِكمة والسلام، إنه جذوةٌ تنتج طاقةً متّقدة تتيح للإنسان السفرَ في رحلة يتوغل فيها للتعرّف على الطبقات الغاطسة لنفسه وما هو مختبئٌ فيها، ومنها ينطلق لاكتشاف الإنسانَ والعالمَ من حوله. مَن يعجز عَن التوغُّل في أعماق نفسه، ومعرفة ما يغوص بداخله، يعجز عن اكتشافِ العالَم، والتعّرفِ على الإنسان المختلِف من حوله. الصمت نافذةُ ضوءٍ للتأمُّلِ والنظرِ بعيد الغور والتدبرِ في الذات، وانبثاقِ الأسئلة الوجودية الكبرى، وكما تنبثق هذه الأسئلةُ في فضاء الصمت يتوالد شيءٌ من إجاباتها في فضائه. هكذا يصير الصمتُ ملهِمًا للمعنى، ولبعض الإجابات المتناغمة مع الواقع لهذه الأسئلة.

‏‏‏‏ تكسر وسائلُ الاتصال الحديثة والتطبيقاتُ المختلفةُ الصَّمتَ. أينما تذهب اليوم تلاحقُك الفضائياتُ، وتطبيقاتُ وسائل التواصل المختلف، وهي تقصفك، بسيلٍ هادر ليلَ نهار، بكلامٍ مكرَّر، مشوبٍ بدعاية مبتذلة. أكثر الأخبار السياسية مريرة، وكثيرٌ ممن يقدمون التحليلات مهنتُهم تكديسُ الكلام على الكلام. بعضهم يتكلَّم بكلماتٍ بلهاء، وكأنَّ مهنتَه أن يحكي، بغضّ النظر عن مضمون ما يقول وقيمته ومصداقيته. ‏تطبيقات وسائل التواصل أتاحت للجميع التحدثَ للجميع، ‏فعندما يحضر إنسانٌ جاهل ثرثار على منصة تطبيقات تضمّ مليارات البشر، يظل يهذي بطريقةٍ تتسبّب بصداع رأس المتلقي. إن كنتَ تقرأ كلماته، أو تستمع إلى أحاديثه، أو ترى ما ينشره من صور وأشكال تعبيرية، تشعر بالقرف.كان مثلُ هذا الإنسان يتحدَّث لعدد محدود ممن حوله في مقهى أو مجلس أو مناسبة اجتماعية، أما اليوم فهو يؤذي مَن يتابعه على منصة هذه التطبيقات. ‏الصمت كان أكثرَ من الكلام في حياة الإنسان، تضخّمُ الديموغرافيا اليوم وازدحامُ الأرض بالبشر، وتراكمُ فضلات المنشئات الصناعية المتنوعة، وهستيريا الحروب، والتغييرُ المناخي، مزّقتْ صمتَ الطبيعة، وقدّمت الكائنات الحيَّة المتوطِّنة في الأرض منذ مليارات السنين قربانًا لعبثِ الإنسان واستهلاكِه الفاحش للموارد الطبيعية، واستئثارِه بكلِّ شيء، وإبادتِه المتوحشة للأنواع الحيّة، بمختلف الوسائل الفتَّاكة. بقايا هذه الأنواع تستغيث فلا تُغاث، فَزَعًا من قهر الإنسان وإبادتِه لما تبقى منها في الأرض. أمست آهاتُ الأرض تستغيث من فَتْكِ الإنسان، وصار إنسانُ اليوم كثيرَ الهذر، وغارقًا في استعمال مختلف الآلات، ومعظمها تصدر أصواتًا، وأغلب تلك الأصوات غريبةٌ على ما يألفه سمعُه. قلّما يجد إنسانٌ اليومَ محطةَ استراحةٍ يحتمي فيها بصمتٍ مُتَأمّل من الضجيج والضوضاء والكلمات الخرقاء.كلُّ ذلك لا يسرق العمرَ فقط، بل يسرق أثمنَ شيء في حياة الإنسان وهو سلامُه الداخلي.

واحدة من خطايا الأيديولوجيات المتفشِّية في بلادنا تجاهلُ التربية على الصمت والتأمل والتفكير والتساؤل، بل تعمل بالعكس على تحريض مَن ينخرط فيها وحثُّه على التحدث في كلِّ شيء وعن كلِّ شيء، بلغةٍ مشبَعة بالوثوقيات والجزميات النهائية. يحفّز الحثُّ على التحدث شهوةَ الكلام بمختلف القضايا، بلا تكوينٍ فكري يوفر غطاءً مناسبًا للحديث.

المؤسسات التربوية والتعليمية، والثقافية والإعلامية، والاجتماعية، والدينية، والحركات السياسية في بلادنا، تنهمك في بناءِ كياناتها بتكرارِ شعارات وكلمات رعناء، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات تعبوية واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من فائضٍ لفظي لعباراتٍ وكلمات جوفاء، من دون أن ترى فيما تقدّمه منجزاتٍ حقيقية على الأرض لصالح الشعب، ودون أن تكثّف جهودَها لبناءِ الوطن، وحمايتِه من الأخطار.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=380564

 

 

 

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

د. زياد حمد الصميدعي[1]

وقع بيدي كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، فقرأته قراءة المتأمل الناقد، فأخذني من عالمي المحدود إلى آفاق رحبة في الفكر التربوي والمعنى الأخلاقي، حتى وجدتني أعود إليه ثلاث مرات، وما زلت أنوي قراءته الرابعة، لما وجدت فيه من غذاء للعقل والروح والقلب، وبوصلة للهداية. طلبت ثلاث نسخ منه لأولادي: إبراهيم ويوسف ومحمد، وهم في مقتبل العمر، ليكون منهاجًا لحياتهم وخارطة طريق لمستقبلهم، ثم عممته على طلابي في الجامعة، ومريدي في مسالك السلوك العرفاني. وإذا كانت رسالة “أيها الولد” لحجة الإسلام الغزالي قد طارت شهرتها في الآفاق، فإن الرسالة التي جددها أستاذي عبد الجبار الرفاعي تحت عنوان “ثناء على الجيل الجديد” جديرة بأن تنال أوسع الانتشار في عصرنا الرقمي الذي تعصف به تحولات الذكاء الاصطناعي، لما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم تشبع عطش هذا الجيل إلى المعاني الضرورية لحياته، في زمن يزداد فيه نضوب المعنى، ويصدح بفراغ الروح، وتضيء لهذا الجيل مسالك الوعي والبصيرة، وتؤسس لتربية تستند إلى الرحمة والمحبة والعقل، وتبشر بإنسانية أرحب، وأفق روحي أعمق.

وجدت في “ثناء على الجيل الجديد” رؤية عميقة تستبطن وعي هذا الجيل، وتكشف عن تطلعاته وأحلامه في عالم كوني متعدد ومفتوح، ورأيت فيه إدراكًا نافذًا للمخاطر المستقبلية وللتحولات الكبرى الفكرية والعملية التي لم تعد المناهج التقليدية في بيئاتنا المغلقة، ولا الوعي الموروث، قادرين على استيعابها أو الإحاطة بها، بعدما اتسع الفرق بين عالم الأمس وعالم اليوم، حتى غدا شاسعًا مترامي الأطراف. بدا كتاب عبد الجبار الرفاعي محاولة جريئة للتوفيق بين ماضينا الذي يشدنا بجذوره، ومستقبلنا الذي يلح علينا بنداءاته، وإن كان ذلك عسيرًا، غير أنها محاولة تربوية ناضجة، تحمل بذور الأمل، وتبشر بالتجديد في طرائق التربية والتعليم، وتغرس في عقول الناشئة ووجدانهم عناصر الثقة والقوة، وتوقظ فيهم الرغبة الصادقة في غدٍ أجمل، غدٍ يتكامل فيه التسلح بالقيم الروحية والأخلاقية والجمالية، مع مواكبة التقدم التكنولوجي المتسارع إلى جدًا، ليولد إنسان جديد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على العيش في هذا الكون الرحب.

في الأيام القادمة سنجتمع في ورشة عمل لمطالعة كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، وسأدعوا طلابي في الجامعة إلى قراءته، لا كأي كتاب عابر، بل كما لو كان امتدادًا وتجديدًا لرسالة “أيها الولد” للغزالي، وقد أعيدت صياغتها بروح جديدة، ورؤية تتناسب وزمانكم الرقمي، مدونة بلغة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تعجز عنها ألسنة كثير ممن يتحدثون عن الدين، أو يحاولون مخاطبة الجيل الجديد بلغة تراثية لا تشبهه. عبدالجبار الرفاعي أبدع في كتابة رسالته التربوية، حتى غدت نداءً صادقًا تنصت إليه القلوب، ويوقظ العقول، ويعيد وصل الروح بندائها الأخلاقي والإنساني.

إن “ثناء على الجيل الجديد” ليس مجرد كلمات على الورق، بل هو مشروع تربوي حيّ، يمكن أن نجعله منهجًا عمليًا نهتدي به في بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، ونحوّله إلى واقع نعيشه في إعداد الأبناء وتربية الأجيال. إنه خلاصة حياة فكرية تربوية امتدت لنصف قرن في دراسة الفلسفة وعلوم الدين وتدريسها، وإنتاج علمي تجاوز أربعة وخمسين كتابًا، وتجربة ثرية تنقلت بين الحوزة والجامعة، ومجالس البحث والتعليم والتربية، وهو قبل ذلك كتاب أبٍ ومربٍّ، يعترف بتواضع نادر أنه “تعلم من أبنائه أكثر مما تعلم من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر مما تعلم من أساتذته”، كما دوّن ذلك في صفحة الإهداء. من هنا فإن كتاب: “ثناء على الجيل الجديد” يقدَّم إليكم أبنائي لا ليُقرأ فحسب، بل ليكون دليلًا يرشدكم، ومنارةً تنير لكم الطريق في زمن يموج بالتحولات، ويحتاج إلى بوصلة أخلاقية وروحية وجمالية، تحفظ إنسانيتكم وأنتم تعبرون نحو المستقبل.

يكشف الرفاعي في مقدمة “ثناء على الجيل الجديد” عن مقصده من تأليف الكتاب، فيقول: “أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق في الكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة تشكلت قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون من: (أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء)، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وقد أكملوا تعليمهم العالي، فتحصل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير. لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، فأغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، وهم الأقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي منهم ومحبتهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وما زلت أقرب إلى رؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي، وذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم وما يعد به غدًا”.

“ثناء على الجيل الجديد” يعكس مسيرة فكرية وتعليمية وتربوية وأخلاقية وروحية ممتدة، تتجلى فيها خبرة التعليم، وتجربة الحياة، ورؤية تسعى إلى تحويل الفكر إلى ممارسة، والمعرفة إلى تربية، والكلمة إلى قدوة. إنه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل دليل عملي يستضيء به الأبناء والآباء، والطلاب والمعلمون، وكل من ينشد المعنى في عالم سريع التحولات. اللافت أن الرفاعي أفرد الفصل الرابع من كتابه لموضوع: “الصمت الحكيم”، ليكشف فيه عن الصمت بوصفه رافدًا من روافد البصيرة يغذي الروح بالمعنى، في وقت يعيش فيه الجيل الجديد وسط عالم صاخب بتطبيقات وسائل التواصل ونماذج الذكاء الاصطناعي، عالم تتشظى وتذوب فيه المعاني، وتغرق حياة الإنسان موجات اللامعنى التي تعصف بوجوده وتضاعف غربته.

[1] أستاذ فلسفة القانون في الجامعة العراقية ببغداد.

 

https://al-aalem.com/%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/

كتاب ثناء على الجيل الجديد

كتاب ثناء على الجيل الجديد[1]

 د. عبد الجبار الرفاعي

‏  يشكو بعضُ الآباء من أبنائهم، يشكو كثيرٌ من المعلمين من تلامذتهم، ويشكو أكثرُ أساتذة الجامعات من طلابهم في المراحل المختلفة اليوم. قلما نسمع أو نشاهد أو نقرأ أحاديث وكتابات وبرامج تشيد بالأبناء، وتتفهم نمطَ حياتهم وثقافتهم ورؤيتهم للعالم. تستبدّ الشكوى من الجيل الجديد بنحو خلقت حالةَ تناشر بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وأفرزت ظواهرَ مريرة للأمن العائلي والمجتمعي. أعرف آباء وأمهات يشعرون بالخيبة، ويعلنون ندمَهم على الإنجاب، وربما يعلن غيرُ واحد منهم ندمَه على الزواج وبناء العائلة، ويتمنى لو عاش من دون أعباء العائلة والأبناء المرهِقة، ويتحسّر على أحلامه الضائعة.

أحاول في هذه الأوراق تقديمَ رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أيّ إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة بدأت تتشكل قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون هذه العائلة من أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وأكملوا تعليمهم العالي، وتحصَّل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير.

لا أفتقر لمعرفة بالجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي لهم وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وكنت وما زلت أقرب لرؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي. ذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم، وما يعد به غدًا. لا أريد أن أكون محاميًا عن جيل يتميز بالجرأة والوضوح والمباشرة في التعبير عن ذاته وهمومه، وفرض حضوره النوعي بقوة وكثافة في عالمنا اليوم، وسيحضر بشدة غدًا. ولا أريد التحدث نيابة عنهم، هم الأجدر والأخبر بمعرفة تضاريس عالمهم، والأمهر بشرح همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم.

أعرف أن كتابًا بعنوان: “ثناء على الجيل الجديد” لا يخلو من إثارة، وربما يُستفَز قراء أكثرُهم من جيلي يكابدون صراعًا مع الأبناء. أظن أن بعضهم كان يترقب عنوانًا بديلا لهذا الكتاب، وهو: “ثناء على جيل الآباء”، بوصف الآباء يختزنون حكمة وبصيرة وخبرة لا يمتلكها الأبناء، وأن جيلهم الذي أنتمي إليه هو جيل القيم والمثل السامية والمسؤولية والنضال، جيل حملَة الرسالات الأممية والقومية والأصولية، جيلٌ صانع للثورات، ومعلّم للأجيال.

أحد أعمق عوامل مأزق السياسة والثقافة والتربية والتعليم في بلادنا، تشبّث الآباء وقبضتهم الحديدية على مواقع قيادة الدول المختلفة وتأسيس الحكومات، وإجهاضهم لأية محاولة تسعى لتمكين الجيل الجديد من قيادة المؤسسات والمنظمات والأحزاب. أكثر الآباء في بلادنا بلغوا العقد الثامن، وبعضهم في العقد التاسع، وغارق بالأمراض المزمنة المنهكة، وهم متشبثون بمواقع قيادية احتكروها عشرات السنين،كما احتكروا السلطة وإدارة السياسة والاقتصاد في الدولة، واستأثروا بالمال والثروة، وتسلطوا على التربية والتعليم والثقافة، وهيمنوا على وسائل الإعلام، وامتلكوا مصادر القوة المادية والرمزية. لو تراجع الآباء خطوة إلى الوراء، وفسحوا الطريق للأبناء في قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع وإدارتها، وشاهدوا الحضور الفاعل والمؤثر لوعي الجيل الجديد وخبراتهم، وقدراتهم الاستثنائية على الإصغاء لصوت العصر، لفوجئوا بمبادراتهم الرائدة في الحقول المتنوعة، وقدراتهم في التغلب على عوائق النهوض، وجعل بلادنا تواكب متغيرات الواقع وتصغي لمتطلباته، ووضعوها في آفاق العالم الحديث.

لا يحمل هذا الكتاب شعارات تحريضية ولا دعوات تعبوية، إنه محاولة تنشد تفسير ما يميز جيل الأبناء ويجعله متفوقًا على آبائه وأسلافه، ولا ينشد الكتابُ افتعالَ صراع بين الأجيال، بل يحاول الكشف عن نسيج تضاريس الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتنا اليوم. إنها دعوة لتفهم الآباء لعالَم الأبناء، وتفهم الأبناء لعالَم الآباء. ولا يتحقّق ذلك إلا بمواقف شجاعة للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوار والتفاهم والتصالح، والعمل الجادّ على خلق شراكة واقعية تُستثمَر فيها الطاقات من أجل بناء عالم أجمل، والسعي لخفض وتيرة عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

أوصي الأبناء بتفهم آثار تقدّم العمر، وما يحدثه من متاعب متنوعة للآباء، والمسؤولية الكبيرة للأبناء في رعايتهم. خريف العمر يدعو الآباء للمزيد من الاهتمام بالجسد، وحراسته بعناية صحية وغذائية فائقة، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. بتقدّم العمر تمسي الاحتياجات الروحية والعاطفية للآباء أشدّ، وكأنهم في عواطفهم يعودون إلى مرحلة الطفولة، وتظهر بوضوح لدى أغلبهم حاجة ماسّة للثقة والإخلاص والعطف والرأفة والرفق والحنان والمحبة. ليتفهم الأبناء أن المسؤولية الأخلاقية تفرض عليهم وفاء شيء من دَين الآباء، الذين أمضوا سنوات طويلة في احتضانهم عاطفيًا ورعايتهم وتربيتهم، وتأمين عيشهم، واحتياجات حياتهم المتنوعة. مثلما لا يستغنى الأبناء عن الثقة والحنان والمحبة والتراحم، وينزعجون من إهمال المقربين لهم، ‏لن يستغنى الآباء عن هذه الاحتياجات العميقة في النفس الإنسانية أبدًا، بل تكون حاجتهم أشدّ بكثير من حاجة الأبناء. يؤذي الآباءَ الإهمالُ واللامبالاة، وعدم الوفاء والاكتراث بآلامهم واحتياجاتهم المتنوعة، ويفزعهم عدمُ الاحترام والإهانة وانتهاك الكرامة. يقلق الإنسان وهنُ البدن وضعفه، وافتراس الأمراض بتقدم العمر، وعدم القدرة على العمل الذي يمنح حياةَ الإنسان معنى يعزّز قيمته وتقديره لذاته، ويشعره بقدرته على الاستمرار بالمشاركة في العطاء وجعل حياة غيره أسعد.‏

مستقبل الدول والحكومات والإدارات والمؤسسات المتنوعة يفرض عليها تغلغلُ الذكاءُ الاصطناعي وحضورُه بقوة في كلّ مجالات الحياة، ويدعوها لأن تعيد النظر في فهمها للواقع المركب العميق الملتبس، ونمط وعيها لديناميكية عملية التغيير. مَن يتخلف عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يغامر بخسارة الحاضر والمستقبل. الأبناء أشدّ تناغما وأبرع من الآباء باستعمال هذا الذكاء، وتوظيفه بمهارة في مجالات الحياة المتنوعة، والتفاعل معه بشغف وتطويره. الواقع يفرض علينا اكتشافَ مواهب الأبناء وتحفيزهم لتنمية مواهبهم وإثرائها. مَن يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل. لو كان أحد الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجال معرفي معين، وكانت موهبته ضئيلة فيه؛ يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا حاذقًا في مجال آخر.

أتفهم جيدًا الظروف القاسية لبعض الأبناء في بلادنا ممن مازالوا يحفرون الصخر بأظفارهم، كي يرتشفوا شيئًا من التعليم الأساسي في مدارس مازالت مبنية من الأكواخ أو الطين، وتفتقر للمرافق الأساسية، ولا تقي من حرّ أو برد. أتفهم ظروف عيشهم المريرة، لأن مسيرة حياتي في الطفولة صنعتها أقدارٌ شقية. أنا ابن فلاح من قرية في جنوب العراق، تفتقر الحياة فيها لأدنى متطلبات العيش الكريم. لا أعرف كيف استمرت حياتي فيها، وكيف أكملت تعليمي في مدرسة بقرية مجاورة، وكيف استطعت العيش في ظروف بالغة القسوة. وإن كنت حتى اليوم أدفع فاتورة قاسية لسوء التغذية الحادّ والحرمان من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعف البصر الشديد في احدى عينيّ، إثر جهل الأمهات بتطبيبهنّ البدائي عند إصابتي بالرمد.

لم أكن مختارًا في الإقامة ببلدان قذفتني فيها أقداري واضطررت للعيش فيها. أجد نفسي كلَّ مرة في بلد لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل. فرضت عليّ الأيامُ ضرائبَ قبل ولادتي وبعدها، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهظة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينية وعشائرية هرمية، تستمدّ قيمتها من النسب، والانتماءِ كرها لطبقة، تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه الطبقية وجيناتهما الوراثية.

أقدم هذا الكتاب ثقةً بالجيل الجديد، وتثمينًا لجهوده وما يتطلع إليه من إنجاز مبتكر. وتحية محبة وامتنان للأبناء صانعي مستقبل عالمنا وأوطاننا.

[1] مقدمة كتاب ثناء على الجيل الجديد، صدر حديثا عن منشورات تكوين في الكويت ودار الرافدين في بيروت.

 

https://alsabaah.iq/102806-.html

مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت

مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

بين الصمت والإنصات صلةٌ عضوية، مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت. أعرف بعضَ الأشخاص عندما تتحدث معهم لا يسمحون لك بإكمال حديثك في أية قضيةٍ تتكلم فيها، يعجزون عن الإنصات لغير أصواتهم. لو تكلمتَ معهم، سرعان ما ينتزعون الكلامَ منك، على الرغم من أنك لم تستوفِ ما تريد، فيمتطون صهوةَ الكلام. لو حاولتَ الإصرارَ على التحدّث، يُضربون عن الكلام، إلا أنهم لحظة يُضربون لا ينصتون، بل يغيبون ذهنيًا عنك، ويشعرونك أنهم غرقوا في منطقة ظلام، وكأنهم يمارسون نوعًا من عقابك بالإضراب عن الإنصات، لئلا تتجرأ على النطق بكلمةٍ مستقبلًا في حضورهم. ‏مَن يتكلم بطريقةٍ يحتكر فيها الكلام، من دون أن يسمح للمتلقي بالمشاركة، يضمر في داخله أن التكلمَ يليق بمقامه، الإنصاتُ يليق بمقام المستمِع، الأستذة تليق بمقامه، والتلمذة تليق بمقام المستمِع. ‏وهو نوعٌ من الاستبداد والعنف الرمزي، الذي يلغي أيَّ شكلٍ من أشكال التواصل والحوار بين المتكلّم ومَن يجب عليه الإنصاتَ له.

‏الصمت يمكّن الانسانَ من الإنصات إلى الذات، بوصفة مقدمةً ضرورية للإنصات للآخر، وإيقاظِ عناصر الحياة، وتغذية روافد تصلب الإرادة، وتوكيد الثقة في الذات. ‏الحوار أثرى فنونِ العيش المشترك، وإدارةِ شبكات المصالح، وحلِّ المشكلات، وبناءِ التسويات في الحياة الاجتماعية. الحوارُ يختلف عن إصدار الأوامر والإملاء المفروض إكراهًا على المستمِع. إرادةُ الحوار شرطُ التواصل، ‏وبناءِ الثقة، واحترامِ أحد الطرفين للآخر. الإنصاتُ شرطُ الحوار، الحوارُ يعني إعلانَ المساواة بين المتحدّثَين، والتكافؤ في الحقِّ في الحديث وإبداء الرأي. غيابُ الإنصات يعني غيابَ الحوار، وتحولَ كلام المتحدّث إلى أوامرَ إنسانٍ يفرض تسلّطَه على مَن يتحدّث اليه، ويمتنع من الإنصات لما يقوله. التنكر لحقِّ مَن تتحدث إليه بالحوار يعني التنكرَ للحقِّ في الاختلاف، والتنكرَ للحقِّ في الخطأ. الإنصاتُ نافذةُ ‏الحوار، الحوارُ أداةٌ تمكّن المتحاوريَن من التعرّف على الوجوه المتعدّدة للحقيقة. ‏وجوهُ الحقيقة والطرقُ إليها متنوعة، النظرة الأُحادية ترى وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا ترينا هذه النظرةُ بالضرورة صورةَ الحقيقة بوضوح. يحتاج اكتشافُ الحقيقة التعرّفَ على وجوهها المتنوعة، وذلك ما نراه بجلاءٍ في النظر المشترَك للمتحاورين.

الإنصات يعني تذوقَ لذة الصمت، الصمت معلّم من لا معلّم له، الصمت نافذةُ الضوء لاستكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة وإثرائها بالمعنى. الإنصات يعني إرادةَ التعلّم، وعدمَ الاستخفاف بعقل وشخصية المتحدّث. الإنصات يعني إرادةَ التهذيب والفضيلة، ويعني عدمَ الاستخفاف بعقل وكلام وشخصية المتلقي. الإنصاتُ يعني إرادةَ العيش معًا، وقبولَ التنوع الديني والإثني والثقافي، واحترامَ كرامة الإنسان المختلِف. الإنصات يعني التأملَ والتفكيرَ المتمهل، وتمحيصَ الكلام، وإرادةَ الصواب، وتجنبَ الوقوع في الهفوات والأخطاء قدر الإمكان. الإنصات يفضي الى استكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة، وإثرائها بالمعنى.

إننا مدعوون جميعًا الى حمايةِ الأجيال الجديدة من داء الثرثرة المتفشّية في مجتمعنا، وإعادةِ الاعتبار للصمت والتأمل والتفكير المتمهل، وكلّ ِما تتوغل معه الذاتُ في عالمها الجواني، وتسبر أغوارَها، وتستكشف مدياتِها البالغة الخصوبة والثراء. هناك حاجةٌ ملحة لتنمية ثقافة ما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الكلام”، التي تعالج ما يتصل بكمية الكلام وكيفيته، وشكله ومضمونه، ونغمات الأصوات، والكفِّ عن الصوت الأجَشّ، والكلمات العنيفة المتوترة، وكلّ ما له علاقة بذلك، مثل: أنماط إنتاج الكلام، ورأسماله، وادخاره، وقيمته، وريعه، وقيمته، وتداوله، وتسويقه، وسوقه، وغير ذلك من اقتصادياته. وكل ما يُمكّننا من إتقان ما ينبغي وما لا ينبغي قولَه وتداولَه من كلمات، وما يمنحنا القدرةَ على الكفِّ عن الشقشقات اللغوية، والرطانات اللفظية، والكلمات المفرَغة من أيِّ مضمون، من كلماتٍ شفاهية، وكلماتٍ مكتوبة.

يجب أن تستوعبَ خططُ وبرامج التربية والتعليم في مجتمعاتنا تدريسَ “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم، وأن تهتمّ بالتدريب عليهما في برامجها التربوية والتعليمية، في مراحل التعليم المختلفة، والتعليم الأساسي خاصة، منذ مرحلة رياض الأطفال الى نهاية التعليم الثانوي. “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم”، تفرضها ضروراتٌ تربوية وتعليمية وذوقية وروحية وأخلاقية وعقلية، وتفرضها حالةُ انهيار القلب والروح والذوق والعقل، في فضاء ضجيج هذيان وهذر معظم السياسيين، وبعض رجال الدين، والكثير من الإعلاميين، وجماعة ممن يسمون أنفسَهم بالشعراء والأدباء والمثقفين.

تسود المجتمعاتِ العالقة في تاريخها، ومنها مجتمعنا، حالةٌ من الشغف بالكلام بلا معنى، تصل لدى البعض حدّ الهذيان. يتكلمُ الكلُّ في كلِّ شيء، بعض الزعماء السياسيين يتحدث في: الفلسفة واللاهوت والفقه والتفسير والأدب والفن والتاريخ والسياسة والاقتصاد والقانون والعلوم والمعارف المتنوعة. يولع بتكرار أسماء فلاسفة ومفكرين وأدباء وفنانين، لا يعرف عنهم في الغالب شيئًا يتجاوز الاسم، وربما يتلفظ الاسمَ خطأ. وحين يشير إلى معلومةٍ تتصل بهم، غالبًا ما يخطئ فيها،كما سمعتُ ذلك عدة مرات.كأن السلطةَ السياسية تفوّض صاحبَها التحدّث بكلِّ شيء عن كلِّ شيء، وكأن ما تراكم من معارف بشرية في تاريخ العلم المتواصل آلاف السنين، يمنح فجأةً سلةَ العلوم والمعارف والفنون والآداب لمن أضحى متسيّدًا على كرسي السلطة بوصفه “الرجل الضرورة”.

لم ينتفع كثيرٌ من سياسيينا، الذين عاش معظمُهم في الغرب، ويفترض أنهم تشبعوا بمناخات الديمقراطيات الحديثة في تلك البلدان، واكتشفوا شيئًا من قيمة التخصّص وأهميته في تطور البشرية، وامتدادها عموديًا، واتساعها أفقيًا. لم ينتفعوا من خبرة العصر في ضرورةِ احترامِ التخصّص، والحذرِ من التعالُم والحذلقة الفارغة بمقام أهل العلم، ومن المعلوم أن المتحدثين في الفضائيات اليوم تتجه أحاديثُهم لمختلف الناس، يتحدثون دائمًا في مقام أهل العلم والخبراء. لم يتعلم هؤلاء أن المجتمعات المتقدّمة تفكّر أكثر مما تتكلم، وتعمل أكثر مما تتحدث، وتصمت أكثر مما تهذر، وعادةً ما يقتصر المتحدثُ السياسي في تلك المجتمعات على اختصاصه، وعادةً ما يعود الى الخبراء فيما لا خبرةَ له فيه، ويقتصد بما هو مطلوب من كلام، بلا خطب جوفاء وضوضاء وضجيج.

نحن ننهمك بتعويضِ الفعل بالثرثرة، واستبدالِ التفكير بالهذيان، حتى لو شئنا أن نفكّر فإنا نغرق في بحر الألفاظ، ولا نذهب للتفكير بـعمق في المفاهيم. مؤسساتنا التربوية والتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والاجتماعية، تنهمك في بناء كياناتها بالأوراق والشعارات والألفاظ، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من عبارات وكلمات، من دون أن تنظر فيما تقدّمه من منجزات حقيقية على الأرض.

أخبرني أستاذ جامعي صديق عاش سنوات طويلة في ماليزيا، وتكونت لديه علاقاتٌ طيبة مع عائلات في ذلك البلد، قال: “اطلعتُ على حياة بعض العوائل الماليزية من الداخل، فرأيت الزوج والزوجة ربما لا يتحدثون في كل ساعات اليوم إلا بكلمات قليلة لتأدية الاحتياجات الضرورية للحياة، وربما تمر ساعات عديدة بلا أن يتفوه أحدهما بكلمة”. في البلاد العربية تشير بعضُ البيانات إلى أن العربَ هم الأقلّ صمتًا والأكثر كلامًا في الهاتف مقارنةً بغيرهم، وهم الأقلّ إنجازًا مقارنةً بالمجتمعات القليلة الكلام[1]. تشير بعض الدراسات إلى أنه في الأمريكتين مثلًا يتكلمون بمعدل 7000 كلمة في اليوم، أما العرب فهم الأكثر كلامًا، فمثلًا المرأة المصرية تتكلم في اليوم أكثر من 24000 كلمة، والمرأة الأوروبية تتكلم في اليوم أكثر من 10000 كلمة، والمرأة الآسويه تتكلم في اليوم أكثر من 7000 كلمة، والمرأة الأمريكيه تتكلم في اليوم اكثر من 4000 كلمة. المجتمعات الصامتة مجتمعات يسودها السلامُ والأمن العائلي والمجتمعي، اليابانيون والآسيويون صامتون، منشغلون بالعمل والإنجاز، يسود حياتَهم العائلية والمجتمعيةِ الأمنُ والسلام. الصمت أحد التقاليد الراسخة في الثقافات المحلية والفضاء الميتافيزيقي الآسيوي.

[1] صحيفة الرياض، العدد 16983، الصادرة بتاريخ 23 ديسمبر 2014م.

 

https://alsabaah.iq/98211-.html