Category: الظمأ الأنطولوجي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

د. عامر عبد زيد الوائلي[1]

ليس من السهل قراءة مشروع عبد الجبار الرفاعي بوصفه مجرد محاولة لتجديد الخطاب الديني أو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدين، لأن المسألة التي يقف عندها مشروعه تتجاوز حدود التجديد الخطابي إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بصورة الإنسان التي ينتجها الدين، وبنوع الحياة التي يستطيع أن يمنحها للإنسان حين يتحول من منظومة من الأحكام والتكاليف إلى تجربة في الوجود والمعنى. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي»؛ فالكتاب لا يضع الدين في مواجهة الحداثة فحسب، ولا يكتفي بنقد التدين التقليدي، وإنما يحاول أن يعيد بناء السؤال الديني من نقطة تقع أعمق من العقيدة والمؤسسة والطقس، أي من نقطة الإنسان بوصفه كائنًا مأخوذًا بسؤال المعنى ومفتوحًا على ما يتجاوز وجوده المباشر.

إن مفهوم «الظمأ الأنطولوجي» هو المفتاح الذي يسمح بالدخول إلى هذا المشروع؛ فالظمأ هنا ليس حاجة عرضية يمكن إشباعها بإجابة جاهزة، وإنما هو تعبير عن نقص أصيل في الوجود الإنساني، عن ذلك القلق الذي يجعل الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يريد أن يعرف لماذا يوجد، وكيف يمكن أن يمنح وجوده معنى، وما الذي يجعل حياته جديرة بأن تُعاش. ولذلك فإن الدين، في الأفق الذي يرسمه الرفاعي، لا يبدأ من الإجابة وإنما من السؤال، ولا يبدأ من امتلاك الحقيقة وإنما من تجربة الحاجة إلى المعنى.

أولًا: من الدين بوصفه منظومة إلى الدين بوصفه تجربة وجودية

تكمن إحدى أهم تحولات الرفاعي في نقله مركز الثقل من الدين بوصفه نظامًا تشريعيًا إلى الدين بوصفه تجربة إنسانية. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو تغيير في نقطة النظر إلى الظاهرة الدينية نفسها. ففي التصورات التقليدية غالبًا ما يُنظر إلى الدين من الأعلى، أي من جهة النص والعقيدة والأحكام والمؤسسة، ثم يُطلب من الإنسان أن يدخل في هذا البناء وأن يعيد تشكيل حياته وفق مقتضياته. أما الرفاعي فيحاول أن ينظر من الأسفل، من الإنسان نفسه، من حاجاته الوجودية، من خوفه ورجائه وحيرته وموته وحاجته إلى الحب والمعنى.

وهنا يصبح السؤال: ماذا يفعل الدين بالإنسان؟ أكثر أهمية من سؤال: ما الذي يعتقده الإنسان؟ فالإيمان لا يُقاس فقط بمقدار ما يحفظه الإنسان من تصورات عقدية، وإنما بما إذا كان قادرًا على أن يصنع منه إنسانًا أكثر قدرة على الحياة، وأكثر رحمة، وأعمق إحساسًا بكرامة الآخر، وأكثر تصالحًا مع هشاشته وقلقه ومحدوديته. وهذا التحول يضع الرفاعي في مواجهة مباشرة مع أحد أعمق أزمات التدين المعاصر: أزمة الفصل بين المعرفة الدينية والحياة. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة بالنصوص والمقولات والمذاهب، ولكنه يظل عاجزًا عن تحويل هذه المعرفة إلى تجربة إنسانية حية. وعند هذه النقطة تصبح المعرفة الدينية قابلة لأن تتحول إلى سلطة، في حين يتحول الإيمان إلى هوية مغلقة، ويتحول المقدس إلى أداة للتمييز بين المؤمن والكافر، وبين الجماعة والآخر.

إن الدين الذي يبحث عنه الرفاعي هو دين يستعيد علاقته بالإنسان قبل أن يستعيد سلطته على الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية قبل أن يعيد إنتاج المؤسسة الدينية. ولذلك فإن «الظمأ» أهم من «الامتلاك»؛ لأن الظمأ يبقي الإنسان في حالة بحث، في حين يوحي الامتلاك بأن الحقيقة أصبحت شيئًا مكتملًا يمكن حيازته والدفاع عنه.

 ثانيًا: الظمأ الأنطولوجي وتحول صورة الإنسان

تنبع قوة مفهوم الظمأ الأنطولوجي من أنه يعيد تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان ليس كائنًا مكتملًا يمتلك ماهية ثابتة ثم يعيش داخل العالم، وإنما هو كائن ناقص ومفتوح، يعيش بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. إنه كائن لا ينفك يتجاوز صورته الراهنة بحثًا عن صورة أخرى لوجوده.

ومن هنا يمكن قراءة الظمأ الأنطولوجي بوصفه تعبيرًا عن انفتاح الوجود الإنساني على الممكن. فالإنسان لا يعيش بما هو عليه فقط، وإنما بما يتطلع إلى أن يصير إليه. ولذلك فإن الدين حين يستجيب لهذا الظمأ لا ينبغي أن يغلق إمكان الإنسان داخل نموذج مكتمل ونهائي، بل ينبغي أن يساعده على اكتشاف إمكاناته الوجودية والأخلاقية والروحية.

وهذا الجانب من مشروع الرفاعي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل قضية الدين من سؤال «ماذا ينبغي أن أعتقد؟» إلى سؤال «أي إنسان أستطيع أن أصبح؟». والفرق بين السؤالين كبير؛ إذ يمكن للسؤال الأول أن ينتج منظومة من التصنيفات، بينما يفتح الثاني المجال أمام التربية والتحول والنمو.

إن الإنسان المتدين، في هذا المنظور، ليس مجرد حامل لعقيدة، وإنما هو مشروع إنساني مفتوح. والإيمان الحقيقي لا يكون في كثرة ما يمتلكه الإنسان من أجوبة، بل في قدرته على أن يجعل حياته نفسها مجالًا للبحث عن الخير والحقيقة والجمال والمعنى.

ولذلك فإن الظمأ الأنطولوجي لا ينبغي أن يُفهم باعده نقصًا سلبيًا، بل بوصفه شرطًا للإمكان. فالإنسان الذي لا يظمأ إلى معنى يتوقف عن السؤال، والذي يتوقف عن السؤال يتحول بسهولة إلى كائن مغلق داخل ما هو جاهز. أما الظمأ فإنه يحافظ على المسافة بين الإنسان وما هو عليه، ويفتح أمامه إمكان التحول.

ثالثًا: نقد التدين الذي يستبدل الإنسان بالمؤسسة

يصبح هذا التصور أكثر وضوحًا عندما يضع الرفاعي التجربة الدينية في مواجهة التدين الذي استحال إلى مؤسسة مغلقة. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسة الدينية من حيث هي مؤسسة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة غاية بذاتها، ويصبح الإنسان تابعًا لها بدل أن تكون هي في خدمة إنسانيته.

وهنا يمكن التمييز بين الدين والتدين. فالدين يحيل إلى أفق المقدس والمطلق، في حين التدين هو الصورة التاريخية والاجتماعية والثقافية التي يتجسد بها الدين في حياة البشر. ولأن التدين فعل بشري، فإنه قابل لأن يتأثر بالسلطة والتاريخ والعادات والمصالح والهويات والصراعات.

ومن أخطر نتائج عدم التمييز بين الدين والتدين أن تتحول القراءة البشرية للدين إلى دين ذاته، وأن يتحول الاختلاف في التأويل إلى اختلاف في الإيمان، وأن تصبح الجماعة التي تمتلك تفسيرًا معينًا وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة نفسها.

إن الرفاعي يفتح بهذا التمييز مجالًا لإعادة تحرير الدين من كثير من التراكمات التاريخية التي التصقت به حتى أصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين المقدس والبشري. وهذا التحرير لا يعني هدم الدين، بل يعني استعادة المسافة الضرورية بين النص وتأويله، وبين المقدس والتاريخ، وبين الإيمان والمؤسسة.

ومن هنا يمكن القول إن مشروع الرفاعي يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على أنسنة المجال الديني؛ أي إعادة الإنسان إلى مركز التجربة الدينية بعد أن تراجعت إنسانيته أمام مركزية المؤسسة والنص والتفسير المغلق.

رابعًا: من الخوف إلى إيمان الحب والرحمة

من أبرز التحولات التي يتيحها مفهوم الظمأ الأنطولوجي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمطلق. فالدين يمكن أن يتحول، في بعض أنماط التدين، إلى منظومة من الخوف: الخوف من العقاب، الخوف من الاختلاف، الخوف من الآخر، الخوف من الخطأ، والخوف من فقدان الانتماء. وفي هذه الحالة يصبح الإنسان متدينًا لأنه خائف، لا لأنه عاش تجربة روحية عميقة.

لكن الدين الذي ينطلق من الظمأ الأنطولوجي يبحث عن علاقة مختلفة، علاقة يكون فيها الحب والرحمة مركز التجربة الروحية. فالحب لا يلغي الخوف بصورة نفسية فحسب، وإنما يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمطلق وبالعالم، والرحمة تؤسس لعلاقة إنسانية بالآخر. الإنسان الذي يتعامل مع المطلق بوصفه رحمة وحبًا لا يستطيع أن يحول المقدس بسهولة إلى أداة لإذلال الآخرين أو إقصائهم.

وهنا يتخذ مشروع الرفاعي بعدًا أخلاقيًا واضحًا: قيمة التدين لا تكمن في مقدار حضوره في اللغة والطقوس والشعائر فقط، وإنما في مقدار ما يتحول إليه في سلوك الإنسان تجاه الآخرين. فإذا لم ينتج الإيمان رحمة وعدلًا وكرامة، فإنه يكون قد انفصل عن جوهر التجربة التي يدعي التعبير عنها.

خامسًا: الظمأ الأنطولوجي بوصفه مقاومة للانغلاق

يمكن، من زاوية أخرى، قراءة مفهوم الظمأ الأنطولوجي بوصفه مفهومًا مضادًا للانغلاق. فالظمأ يعني أن الإنسان لا يملك نفسه بصورة نهائية، وأن وجوده يظل مفتوحًا على ما لم يتحقق بعد. وهذا الانفتاح يجعل الإنسان أقل قابلية لتحويل تجربته الخاصة إلى معيار نهائي للوجود.

ومن هنا فإن مفهوم الظمأ يحمل إمكانًا مهمًا للحوار الديني. فالإنسان الذي يعترف بأنه يطلب الحقيقة لا يتصرف كما لو أنه امتلكها بصورة نهائية، والإنسان الذي يعيش تجربته بوصفها بحثًا يظل أكثر قدرة على الاعتراف بتجارب الآخرين.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تطوير فلسفي أكبر؛ إذ إن مجرد الاعتراف بالظمأ لا يكفي وحده لضمان الانفتاح. فقد يعيش الإنسان حالة من القلق الوجودي ثم يبحث عن يقين مغلق يخلصه من هذا القلق. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام مفهوم الظمأ هو أن يتحول من حاجة إلى الإشباع إلى قدرة على السكن في السؤال.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشروع الرفاعي، ولكن تظهر معه أيضًا إحدى نقاطه التي يمكن تطويرها: كيف يمكن تأسيس فلسفة دينية تجعل الظمأ حالة وجودية مستمرة، لا مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي عند العثور على إجابة؟ وكيف يمكن الحفاظ على التوتر الخلاق بين الإيمان والبحث، وبين الطمأنينة والقلق، وبين الانتماء والانفتاح؟

سادسًا: نحو فلسفة إنسانية للدين

إذا أخذنا مفهوم الظمأ الأنطولوجي إلى نتائجه القصوى، فإننا نكتشف أن مشروع الرفاعي لا يتحدث عن الدين وحده، وإنما عن إعادة بناء الإنسان. فالدين يصبح مجالًا لإعادة اكتشاف الإنسان بوصفه كائنًا محدودًا ومفتوحًا في الوقت نفسه، كائنًا يحتاج إلى المعنى لكنه لا يستطيع امتلاك المعنى بصورة نهائية.

ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب المجال الديني الضيق لتصل إلى المجال الفلسفي؛ لأنه يطرح سؤالًا عن علاقة الإنسان بالمطلق، وعن معنى التجربة الروحية، وعن حدود المعرفة، وعن هشاشة الإنسان، وعن إمكانية بناء أخلاق دينية لا تقوم على الإكراه والخوف، بل على الحرية والحب والرحمة.

ومع ذلك فإن المشروع يظل بحاجة إلى تعميق مفهوم «الأنطولوجي» نفسه. فالظمأ الأنطولوجي ليس مجرد عطش روحي أو حاجة نفسية إلى المعنى، بل ينبغي أن يُبنى بوصفه بنية في وجود الإنسان ذاته: الإنسان موجود في حالة عدم اكتمال، ولذلك فهو يتطلع، ويتجاوز، ويتساءل، ويبحث عن معنى يتجاوز المعطى المباشر.

وعند هذه النقطة يمكن أن يتحول مفهوم الظمأ الأنطولوجي من مفهوم وصفي إلى مفهوم فلسفي تأسيسي؛ إذ يصبح التعبير عن البنية المفتوحة للوجود الإنساني، وعن استحالة اختزال الإنسان في هوية نهائية أو تعريف مكتمل.

سابعا: من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

ربما لا ينبغي أن تنتهي قراءة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» عند ما يقوله الظمأ عن الدين، بل عند ما يفتحه الظمأ من سؤال يتجاوز حدوده الأولى. فالرفاعي يضع يده على منطقة شديدة الأهمية في الوجود الإنساني: الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا بذاته، ولا وجوده مغلقًا على ما تحقق منه، وإنما يسكنه نقص يدفعه إلى البحث عن المعنى، ويوقظ فيه توقًا إلى ما يتجاوز حضوره المباشر. بهذا المعنى يصبح «الظمأ الأنطولوجي» كشفًا عن بنية مفتوحة للإنسان؛ فالإنسان يطلب لأنه غير مكتمل، ويتطلع لأنه لا يستنفد إمكانه في حاضره.

لكن ماذا لو أخذنا هذه الفكرة إلى ما بعد الظمأ نفسه؟ إن الظمأ يكشف أن الإنسان يريد أن يتجاوز ما هو عليه، لكنه لا يفسر وحده كيف يحدث هذا التجاوز، وما الذي يقع في المسافة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. هنا تبدأ إمكانات أخرى للتفكير. فالإنسان لا يعيش فقط حالة من التوق إلى معنى غائب، وإنما يتحرك داخل حدود، ويصطدم بعوائق، ويعيد بناء علاقاته، ويغير صورته عن ذاته والعالم، وينتقل من إمكان إلى إمكان. ولذلك فإن الظمأ قد يكون بداية الحركة، لكنه ليس الحركة كلها؛ إنه استشعار للبعد المفتوح في الوجود، أما العبور فهو اشتغال الإنسان داخل هذا الانفتاح. ومن هنا يمكن أن نقترح، لا بوصفه اعتراضًا على الرفاعي وإنما بوصفه توسيعًا للكرة التي فتحها، الانتقال من «الظمأ الأنطولوجي» إلى «العبور الأنطولوجي».

الظمأ يقول: لست مكتفيًا بما أنت عليه. أما العبور فيضيف: ما دمت غير مكتفٍ بما أنت عليه، فإن وجودك يدخل في حركة التحول. وبين الجملتين مسافة فلسفية واسعة. فالظمأ يكشف النقص والانفتاح، في حين يحاول العبور أن يفكر في الدين والإنسان والعالم من داخل هذه المسافة نفسها: مسافة الانتقال من هوية إلى أخرى، ومن معنى إلى معنى، ومن حدود إلى حدود، ومن صورة للذات إلى صورة لم تتشكل بعد.

هنا لا يعود «المطلق» مجرد نقطة يصل إليها الظمآن، ولا تصبح العلاقة بالدين مجرد بحث عن إشباع روحي للقلق الوجودي؛ بل تصبح التجربة الدينية نفسها مسار عبور. الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يحوله إلى موضوع مكتمل، وإنما يدخل معه في علاقة تغيّر طريقة وجوده في العالم. الإيمان، بهذا المعنى، ليس وصولًا نهائيًا، بل علاقة مفتوحة؛ والروحانية ليست إخمادًا للظمأ، وإنما تحويل للظمأ إلى قدرة على العيش في أفق المعنى.

وهذا التوسيع يغيّر أيضًا معنى «النقص». فالإنسان الناقص ليس إنسانًا معيبًا ينتظر أن تكتمل ماهيته، بل كائن مفتوح لأن وجوده لم يُغلق بعد. إن النقص هنا ليس عجزًا، بل إمكان؛ وليس فراغًا ينتظر الامتلاء، بل مساحة تسمح بالتحول. ومن ثم فإن الإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه يبلغ صورته النهائية، وإنما لأنه يستطيع أن يعبر من صورته الراهنة إلى صورة أخرى دون أن يتوهم أن الصورة الجديدة هي النهاية.

وهنا تلتقي فلسفة العبور مع الظمأ الأنطولوجي وتختلف عنه في الوقت نفسه. تلتقي معه في رفض الإنسان المكتمل والمغلق، لكنها لا تتوقف عند سؤال التوق. إنها تسأل عن بنية العبور نفسها: كيف يتحول التوق إلى حركة؟ كيف تصطدم الحركة بالحد؟ وكيف يتحول الحد من جدار يمنع العبور إلى منطقة تسمح بإمكانه؟ وكيف تنتج عمليات العبور ذواتًا وهويات ومعاني جديدة؟

بهذا المعنى، لا يكون الحد نقيضًا للعبور. فالعبور لا يحدث في فضاء بلا حدود؛ إنه يحدث لأن هناك حدًا. لكن الحد، في فلسفة العبور، ليس بالضرورة جدارًا نهائيًا، بل يمكن أن يكون منطقة تماس، ومنطقة تفاوض، ومنطقة تحول. ولذلك فإن الإنسان لا يعبر العالم لأنه يعيش خارج الحدود، وإنما لأنه يعيش عند الحدود وداخلها وعبرها.

ومن هنا يمكن إعادة قراءة الدين نفسه. فإذا كان الظمأ الأنطولوجي يكشف حاجة الإنسان إلى المعنى، فإن فلسفة العبور تسأل عن الحدود التي تشكل هذه الحاجة: حدود الذات والآخر، الإنسان والمطلق، الإيمان والشك، المقدس والدنيوي، التقليد والتجديد، الهوية والاختلاف. والدين لا يكون حيًا حين يلغي هذه التوترات، بل حين يستطيع أن يحولها إلى إمكانات للعبور. وهذا يفتح أفقًا نقديًا مهمًا أمام التدين المغلق. فكلما تحولت العقيدة إلى هوية نهائية، والمؤسسة إلى سلطة لا تقبل العبور، والتفسير إلى حقيقة مغلقة، أصبح الدين مهددًا بأن يتحول من تجربة للمعنى إلى نظام لإنتاج الحدود. وفي المقابل، كلما احتفظ الدين بقدرته على إعادة فتح العلاقة بين الإنسان والمطلق، وبين الذات والآخر، وبين الإيمان والحياة، أمكن له أن يستعيد قوته بوصفه تجربة تحول.

ومن هنا يمكن أن نصوغ انتقالًا مفاهيميًا: (الظمأ، السؤال، الإمكان، الحد، العبور، التحول، معنى جديد، إمكان جديد. (اذ إن ما يبدأ عند الرفاعي كظمأ إلى المعنى يمكن أن يتسع، داخل فلسفة العبور، إلى نظرية في الوجود المفتوح. فالإنسان لا يظمأ فقط لأنه يبحث عن معنى، بل لأنه كائن في حالة صيرورة. وجوده يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة حين تواجه الحدود تنتج إمكان العبور. والعبور لا يقود إلى نقطة نهائية، بل يعيد الإنسان إلى حالة جديدة من السيولة، ومنها إلى عبور آخر.

وهنا تظهر أهمية مفهوم السيولة. فالعبور لا يمكن أن يكون ممكنًا إذا كان الوجود قد تصلب في هويات نهائية وحدود مغلقة. السيولة هي الشرط الأنطولوجي الذي يجعل إعادة التشكيل ممكنة. ولهذا فإن فلسفة العبور لا ترى في الإنسان كائنًا يعبر من نقطة إلى نقطة فقط، بل كائنًا موجودًا في السيولة؛ أي إن وجوده ذاته قابل لإعادة التكوين.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح «الظمأ الأنطولوجي» عند الرفاعي إحدى العتبات المهمة في الطريق إلى «فلسفة العبور». فالظمأ يحرر الإنسان من وهم الاكتفاء، والعبور يحرره من وهم الثبات. الظمأ يقول إن الإنسان ليس مكتفيًا، والعبور يقول إنه ليس ثابتًا. الظمأ يفتح سؤال المعنى، والعبور يفتح سؤال التحول. الظمأ يجعل الإنسان متوجهًا إلى ما وراء حاضره، والعبور يجعله قادرًا على إعادة تشكيل هذا الحاضر. ولذلك فإن تجاوز الرفاعي هنا لا يعني تجاوزه بالرفض، بل توسيع دائرته الفلسفية. لقد وضع الرفاعي إصبعه على سؤال عميق حين جعل الظمأ جزءًا من بنية الإنسان؛ وما تفعله فلسفة العبور هو أن تأخذ هذا الظمأ بوصفه نقطة بداية، ثم تسأل عن العالم الذي يتحرك فيه الظمآن، وعن الحدود التي تعترضه، وعن أشكال العبور التي يصنعها، وعن التحولات التي تطرأ عليه أثناء ذلك.

إن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد كائن يظمأ إلى المعنى، بل كائن يعبر بحثًا عنه. وليس الدين مجرد استجابة لهذا الظمأ، بل يمكن أن يكون أحد الأطر التي يتعلم الإنسان داخلها كيف يعبر من الخوف إلى الرجاء، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العداوة إلى العلاقة، ومن امتلاك الحقيقة إلى السكن في أفقها. وهكذا يمكن أن ننتقل من سؤال الرفاعي: كيف يستجيب الدين للظمأ الأنطولوجي للإنسان؟ إلى سؤال فلسفة العبور: كيف يتحول الظمأ الأنطولوجي إلى عبور، وكيف يعيد العبور تشكيل الإنسان والدين والمعنى؟، في هذه النقطة لا تنتهي فكرة الرفاعي، بل تبدأ حياة فلسفية أخرى لها. فالظمأ يفتح الباب، لكن العبور يدخل منه؛ والعبور لا يلغي الظمأ، لأن كل عبور يخلق أفقًا جديدًا للظمأ. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن دين يطفئ الظمأ نهائيًا، ولا عن فلسفة تنهي السؤال، وإنما عن تجربة إنسانية تستطيع أن تجعل من الظمأ قوةً للحركة، ومن الحد منطقةً للإمكان، ومن الاختلاف مجالًا للعلاقة، ومن التحول طريقةً للوجود.

ومن هنا يصبح الإنسان العابر امتدادًا طبيعيًا للإنسان الذي اكتشف الرفاعي ظمأه الأنطولوجي: إنسان لا يعيش خارج المعنى، ولا يمتلكه بصورة نهائية، وإنما يعيش في الطريق إليه؛ لا يسكن هوية مغلقة، بل يعيد تشكيلها؛ لا يرى الآخر جدارًا، بل إمكانية علاقة؛ ولا ينظر إلى الحدود بوصفها نهايات، بل بوصفها مواقع يمكن أن يبدأ عندها عبور جديد.

وهنا تحديدًا تتحول فلسفة العبور من مجرد فلسفة للانتقال إلى فلسفة للوجود في حالة السيولة: الوجود يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة تصطدم بالحدود، والحدود تفتح أو تغلق إمكان العبور؛ وما دام الإنسان كائنًا غير مكتمل، فإن وجوده يظل محكومًا بإمكان إعادة العبور.

بهذا المعنى، يمكن القول إن «الظمأ الأنطولوجي» يكتشف جرح الإنسان المفتوح على المعنى، بينما تحاول فلسفة العبور أن تفكر في الحركة التي تنشأ من هذا الجرح. وبين الاكتشاف والحركة تتسع الدائرة: من الظمأ إلى الإمكان، ومن الإمكان إلى العبور، ومن العبور إلى التحول، ومن التحول إلى تعدد لا يستقر في صورة نهائية.

ولعل هذه هي النقطة التي يمكن عندها أن نترك الرفاعي لا خلفنا، بل أمامنا؛ إذ يصبح كتابه عتبة لا خاتمة، وبداية سؤال لا إغلاقه. فالظمأ الذي كشفه يمكن أن يكون أحد المداخل إلى فلسفة تقول إن الإنسان لا يوجد لكي يستقر، بل لكي يتحول؛ وإن المعنى لا يوجد فقط لكي يُمتلك، بل لكي يُعاش ويُعاد إنتاجه؛ وإن الدين، حين يستعيد إنسانيته، يستطيع أن يكون فضاءً لهذا العبور. فالوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود إمّا أن تتحول إلى جدران أو إلى معابر؛ والفكر يبدأ حين يحاول إعادة فتح المعبر.

 خاتمة: من الظمأ إلى العبور

تكمن أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» في أنه يحاول استعادة السؤال الذي سبق كثيرًا من الإجابات الدينية، وهو سؤال الإنسان عن معنى وجوده، وعن إمكان أن يتحول الدين من منظومة للامتثال إلى تجربة تمنح الوجود قابلية أوسع للمعنى. فالظمأ الأنطولوجي يجعل الإنسان كائنًا لا يستقر في صورته الراهنة، لأنه يظل مأخوذًا بما يمكن أن يكونه، وهذا ما يمنح التجربة الدينية بعدها الحيوي.

وإذا أردنا أن نذهب بمشروع الرفاعي خطوة فلسفية أخرى، أمكن القول إن الظمأ الأنطولوجي هو لحظة ما قبل العبور: فالإنسان لا يعبر لأنه يملك يقينًا نهائيًا، وإنما يعبر لأنه يشعر بأن وجوده الراهن لا يستنفد إمكان وجوده. الظمأ هو الذي يفتح الحد، والسؤال هو الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب منه، والإيمان هو إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يمنح هذا العبور معنى.

بذلك نجعل الرفاعي عتبة تأسيسية، لا موضوعًا ننتهي عنده؛ وتُدخل مفاهيم مشروعنا الأساسية: التحول، الحد، السيولة، الإمكان، العلاقة، والإنسان العابر .

 

https://almothaqaf.com/readings-2/989985-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%B1

 

[1] أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الكوفة.

قائمة برسائل الدراسات العليا المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

تمت يوم الخميس 11-6-2026، مناقشة الرسالة التي قدّمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2 في الجزائر، بعنوان: “علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة”. وقد مُنحت الرسالة تقدير “جيد جدًا”.

هذه الرسالة هي الحادية والثلاثون في تسلسل الرسائل المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

 وفيما يأتي قائمة بما تمت مناقشته حتى اليوم:

 أولا. الدكتوراه:

  1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبدالجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
  2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
  4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
  5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: “عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي”، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.

ثانيا. الماجستير:

  1. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
  2. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
  3. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
  4. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
  5. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
  6. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
  7. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
  8. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
  9. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
  10. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
  11. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
  12. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
  13. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
  14. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
  15. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  16. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
  17. التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
  18. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
  19. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
  20. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
  21. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
  22. 27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
  23. أثر الهرمنيوطيقا في فهم النص الديني عند عبد الجبار الرفاعي، ميس السراي، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة واسط بالعراق، 2025.
  24. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي”، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
  25. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
  26. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.

 

 

 

لم تتوحّد البشرية في دين واحد

لم تتوحّد البشرية في دين واحد

 د. عبد الجبار الرفاعي

تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد الإعلامي. غير أننا قلما نستمع في مثل هذه الملتقيات إلى حديثٍ واقعي يلامس الجذور العميقة للعنف والكراهية، لأن معظم المتحدثين يكررون عباراتٍ أضحت أقرب إلى لافتاتٍ للمجاملات في العلاقات العامة، لغةً تحتشد بالثناء والتمجيد، وتفتقر إلى مساءلةٍ صريحةٍ للبنى المغلقة التي تنتج الإقصاء، وتعيد إنتاج الخوف من المختلف، وتعطل إمكان التفاهم الإنساني العميق بين أتباع الأديان والثقافات.

كل الكلمات والعبارات تتفق على أن تراثات الأديان ومواقفها وأفعالها وممارساتها منزّهةٌ من هذا العنف المتوحش المتفشي، وكل متحدث ينزع إلى تبرئة دينه ومذهبه وتراثه من كل ما يمكن أن يسيء إلى الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا، على الرغم من أن الممارسات المتشددة تصدر عن أفرادٍ متدينين ينتمون إلى جماعاتٍ دينيةٍ معروفة، وتستند إلى مدوناتٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ وتراثيةٍ راسخةٍ في الذاكرة الدينية، تغذّي أحيانًا رؤيةً مغلقةً للعالم والإنسان، وتمنح العنف مشروعيةً رمزيةً حين يوظف الدين خارج أفقه الأخلاقي والروحي والجمالي.

إن تبرئة تراث الدين وممارسات أتباعه لم تعد ذات جدوى اليوم، المشكلة لا تكمن في الإنكار، وإنما في العجز عن الاعتراف الصريح بما يجري في الواقع. الضروري هو امتلاك شجاعة النظر إلى الحضور الطاغي لنمطٍ من التدين المتشدد الذي يستقي منابعه من تدينٍ مولعٍ بالموت، وتغذّيه مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والإعلام والمنابر الدينية، عبر إعادة إنتاج مفاهيم مغلقة في فهم الإنسان والعالم والحقيقة، وترسيخها في الوعي الجمعي بوصفها التعبير الوحيد عن الحق والحقيقة، الأمر الذي يفضي إلى إقصاء المختلف، وإضعاف قيم التعاطف والرحمة والمحبة والعيش المشترك.

لا يمكن فرض دينٍ واحدٍ على البشرية، البشر لم يتوحدوا عبر التاريخ في معتقدٍ واحد، ولم تتطابق تجاربهم الروحية ورؤاهم للعالم وإجاباتهم عن الأسئلة الميتافيزيقية.كل محاولةٍ لاحتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضور دينٍ بعينه عبر العنف والإقصاء وإبادة المختلف، تنتهي إلى إنتاج المزيد من الكراهية والعنف. الإيمان لا يولد بالإكراه، ولا تنبثق التجربة الروحية من الخوف، لأن الصلة بالله لا تتحقق بالقوة، وإنما تنمو في فضاء الحرية والاقتناع والتعاطف والرحمة.

كل وقائع الحروب تكذّب الوهم القائل بإمكان إفناء الأديان أو اقتلاعها من حياة البشر. لم تستطع الإبادات الجماعية، ولا حملات الاضطهاد، ولا العنف المنظم، أن تمحو مكونًا دينيًا من الوجود. ذلك ما تشهد عليه بوضوح حياة دياناتٍ غير تبشيرية، ودياناتٍ قديمةٍ تعود نشأتها إلى ما قبل الميلاد، ظل حضورها الديموغرافي محدودًا، غير أنها واصلت البقاء، وعاندت عذاباتها، وفرضت حضورها في التاريخ الإنساني، على الرغم مما تعرضت له من تعسفٍ واضطهادٍ وقتلٍ مريعٍ في محطاتٍ متعددةٍ من مسيرتها. الدين حاجةٌ متجذرةٌ في البنية الوجودية للإنسان، تتجدد كلما بحث الإنسان عن معنى لحياته، وملاذٍ يبدد قلقه، وأفقٍ يروي ظمأه إلى الطمأنينة والسكينة والمعنى.

لم نجد ديانةً يتنازل عنها جميع المعتنقين لها، إثر اقتناعهم بحجج ديانةٍ أخرى على بطلانها. قد يقتنع بعض الأفراد أحيانًا، غير أنه يتعذر أن يقتنع كل أتباع دينٍ بحجج أتباع دينٍ آخر، مهما بدت تلك الحجج مقنعةً لأصحابها. ذلك أن الجدل بين تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين لله والإنسان والعالم، لا ينتهي إلى نتيجةٍ منطقيةٍ حاسمة، لأن كل رؤيةٍ تنبثق من شعورٍ نفسي، وأفقٍ إيماني، وتجربةٍ روحية، وتاريخٍ طويلٍ خاص من التفسير والتأويل.

مضافًا إلى أنه لا يمكن إعادة بناء كل تفاصيل نشأة الأديان في ضوء أفقٍ تاريخيٍّ متأخرٍ كثيرًا عن عصر مؤسسيها، ولا التعرف على جميع ظروف نشأتها وتحولاتها عبر الزمان. تاريخ كل ديانةٍ تعيد الجماعة المؤمنة تكوينه باستمرارٍ في ضوء مخيلتها، وتغذيه بما تختزنه من أحلامٍ ومطامحَ وصورٍ مثاليةٍ عن ذاتها وماضيها. تظل الجماعة أسيرةَ الصور الخلّابة التي رسمتها لمعتقداتها ورسختها في وعيها الجمعي، وما لم تقرأ تاريخها خارج الأطر المغلقة لمعتقداتها، فإنها تلبث تبالغ في الإعلاء بتميّز دينها، وتصر على تفوقه على سواه، حتى تتحول هذه الرؤية إلى عنصرٍ عميقٍ في اللاوعي الجمعي، ويشتد حضورها إلى الحد الذي يؤثر في اختيارات الجماعة ومساراتها التاريخية ومصائرها. الأديان التي استفاقت راجعت الصور الخلّابة التي تملأ مخيلتها التاريخية، فدرستها بعناية، وغربلتها ومحصتها في ضوء المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وتأملت بدقةٍ سردياتها، وفتشت عن منابع إلهامها وكيفية تشكلها عبر الزمان، وامتلكت شجاعة الاعتراف بما اكتنف مسيرتها من انتهاكاتٍ لكرامة الغير، وحاولت أن تستبعد ما تراكم في تراثها من أحكامٍ تنبذ كل مَن لا يعتنقها.

أدركت بعض الأديان متأخرةً ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنسانًا، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما يُحترم المختلف بما أنه إنسانٌ يشترك مع الجميع في إنسانيته، بالمعنى الذي تتأسس عليه حقوقه الطبيعية والمدنية كافةً. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحيانًا على شعورٍ مستترٍ بالتفوق، في حين أن الاحترام اعترافٌ متبادل بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف. التسامح يتضمن أحيانًا إشارةً خفيةً بالعلو على المختلف، فأنت تتسامح معه كرمًا منك، وتفضلًا، وعطفًا، ورأفةً، وكأنك الأكثر إنسانيةً والأعلى مقامًا والمتفوق عليه. أما الضمير الأخلاقي اليقظ فيفرض احترام المختلف بوصفه إنسانًا لا غير، لا بوصفه منتميًا إلى قوميةٍ أو هويةٍ أو دينٍ أو معتقد. نحترم المختلف لأن الله كرّمه مثلما كرّمنا، كل إنسان يولد مكرمًا، وتسبق كرامته كل انتماءاته وهوياته واختلافاته.

ما أعنيه بالتسامح هو الشعور بمنح الغفران لإنسانٍ يُنظر إليه بوصفه مخطئًا في معتقده، إنسان لا يعرف الحقيقة كما يعرفها مَن يمنحه العفو ويغض الطرف عن خطئه. التسامح بهذا المعنى يبتني على الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ لإدراك الحقيقة، في حين أن الاحترام يبتني على تعدد الطرق إلى الحقيقة، ويحيل إلى تنوع وجوهها، والاختلاف في وسائل فهمها والتعبير عنها. يختلف المعنى الذي أقصده للتسامح عن المفهوم الشائع له، لأن نشأة مفهوم التسامح وتطوره في السياق الغربي الحديث لا تتطابق مع مفهومه في السياقات التراثية، ولا مع ما يحيل إليه مدلوله في المعجم العربي، حيث يقترن غالبًا بالعفو والصفح والتفضل، أكثر من اقترانه بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=386394

عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

أ. د. محمود محمد علي[1]

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “،‏”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.

وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.

[1] مفكر مصري.

الكتابُ بدلَ المنبر: تأملات قارئ في كتاب”الدين والظمأ الأنطولوجي”

الكتابُ بدلَ المنبر: تأملات قارئ في كتاب”الدين والظمأ الأنطولوجي”

د. علي الطائي[1]

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص المعاني، وتزدحم فيه المنابر بالكلام الفائض عن الحاجة، يظلّ بعض البشر يشبهون الاستثناء الهادئ، لا يُعرَفون بالضجيج، بل بالأثر. من هؤلاء، تعرّفتُ—لا وجهاً لوجه، بل عبر ذلك الخيط الإنساني الشفيف الذي يُسمّى الصوت إلى المفكّر والفيلسوف العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي. كان التعارف بوساطة صديق العمر، البروفيسور علاء الحلّي، في اتصالٍ هاتفيٍّ بسيط في شكله، عميقٍ في أثره، كأنما أُريد له أن يكون دليلاً على أن الأرواح المتقاربة لا تحتاج إلى مصافحة كي تتعارف.

لم ألتقِ الدكتور عبد الجبار شخصياً حتى اللحظة، لكنني سمعتُه. وكم من صوتٍ يكشف لك عن معدن صاحبه أكثر مما تفعل الملامح. كان صوته دافئاً، مهذباً، مشبعاً بتواضعٍ نادر، يوحي بأن صاحبه بلغ مرحلة من الصفاء تجعله يختار العزلة الواعية لا هرباً من الناس، بل حفاظاً على المعنى. أحسستُ، وأنا أستمع إليه، أنه من أولئك الذين تصالحوا مع الكتاب بوصفه الرفيق الأوفى، واكتفوا بالقراءة والكتابة عن اللهاث وراء المنتديات واللقاءات التي تستهلك الروح أكثر مما تغذّيها.

هذا الإحساس لم يكن غريباً عني؛ فقد وجدتُ نفسي، متأخراً أو مبكراً، أسير في الطريق ذاته: طريق الاكتفاء بالكتاب، وبالكتابة بوصفها فعلاً وجودياً، نصنع بها عالماً موازياً، نودع فيه ما يجيش في الصدور من أفكار وعواطف وأسئلة. عالمٌ يمنحنا قدراً من الاستقرار النفسي، ويحمينا قدر الإمكان من ضجيج الناس وضجيج الجهالة المتفشية.

نحن نعيش مفارقة قاسية: العالم من حولنا يقفز قفزات هائلة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الخارقة، فيما ينكفئ مجتمعنا العراقي، ومعه جزء واسع من العالم الإسلامي، إلى منحدرات مخيفة من الجهل والخرافة. عودة محمومة إلى معتقدات بالية، وإحياء لأسئلة استُهلِكت تاريخياً، وجدالاتٍ عقيمة لا تنتج معرفة ولا أخلاقاً، بل مزيداً من الانقسام والتشظي. في هذا السياق المأزوم، تبدو مشاريع التنوير الحقيقية أشبه بمحاولات إنقاذ أخلاقي وفكري، لا ترفاً ثقافياً.

من هنا، لم يكن تواصلي المتكرر مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي وذلك في أواخر عام 2025 مجرد تواصل عابر، بل تقاطع همٍّ معرفي. حين طلبتُ منه أن يرشّح لي أحد كتبه لأقوم بقراءته صوتياً ونشره عبر قناتي «حواريات الطب والأدب» على اليوتيوب، لم يتردّد، واختار لي كتابه الأول (الدينُ والظمأ الأنطولوجي)، الكتاب الذي يشكّل عتبة مشروعه الفكري كلّه. سارعتُ إلى قراءته كاملاً، وتسجيله بصوتي، ونشره ليكون متاحاً للجميع، فكان منه كعادته كرمٌ آخر، إذ شارك الرابط مع أصدقائه في مختلف أنحاء العالم، وكأن المعرفة لديه لا تُختَزن، بل تُتداول.

وأنا أقرأ هذا الكتاب، كنت أستعيد سيرة رجلٍ لم يولد في رفاه الفكر، بل عبر محطات قاسية: الفقر، ثم الغياب المبكر عن العالم في الطفولة، ثم الظلمة الأشد حين انخرط في دهاليز الأحزاب والسياسة والإسلام السياسي. لكنه، بخيارٍ شجاع، خرج مبكراً من تلك المتاهة، وعاد إلى ذاته، ليؤسس مشروعاً تنويرياً يطمح إلى تحرير الدين من أقفاصه التقليدية، وإخراجه من القراءة الكلاسيكية المغلقة إلى أفق أنساني أرحب، هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

هذه المقدمة ليست قراءة نقدية بعد لأنني لستُ ناقداً، ولا حكماً معرفياً لأنني لستُ حاكماً، بل شهادة إنسانية أولاً، واعتراف بفضل كتابٍ وصاحبه ثانياً. هي تحية من قارئٍ وجد في هذا العمل ما يستحق التوقّف والتأمل، وما يدفعه لأن يكتب، لا من موقع الادّعاء، بل من موقع الامتنان، قبل أن ينتقل في الصفحات التالية إلى ما تبادر إلى ذهنه وقلبه وهو يطوي صفحات هذا الكتاب، صفحةً بعد أخرى.

في “الدين والظمأ الأنطولوجي” لا يكتب عبد الجبار الرفاعي سيرةَ ذاتٍ بقدر ما يكتب سيرة العطش الإنساني، ذلك العطش الذي يتخفّى في تفاصيل الحياة الأولى، ويصعد ببطء من الطين والقصب والحرمان، ليصير سؤالًا فلسفيًا عن المعنى، والوجود، والله، والإنسان. ما يفعله في الفصلين الأول والثاني ليس استرجاعًا للماضي، بل تفكيكٌ لجذور الكينونة، وكأن الذاكرة هنا أداة تأويل لا حنين.

في الفصل الثاني، لا نتعرّف إلى الطفل بوصفه فردًا، بل بوصفه كائنًا منسيًا داخل شروط قاسية: فقر، اغتراب عشائري، حرمان من اللعب، وطفولة بلا طفولة. هذه ليست سردية مظلومية، بل كشف مبكّر عن كيفية تشكّل الحساسية الأخلاقية؛ كيف يولد الانحياز للمقهورين من غربةٍ أولى، وكيف يتحوّل الجرح إلى وعي، لا إلى حقد. الرفاعي لا يدين القرية، ولا يجمّلها؛ يراها كما هي: مكانًا مزدوجًا، ينتج القسوة كما ينتج النبل، ويصوغ الإنسان في صمتٍ ثقيل.

اللافت أن الظمأ هنا ليس دينيًا بمعناه التقليدي، بل ظمأ وجودي سابق على العقيدة الدين في هذا النص لا يُقدَّم كمنظومة أحكام، بل كخبرةٍ حيّة تتجسد في الأم: في تسبيحها الفجري، وفي رحمتها التي تسبق الغَيرة على الله، وفي أخلاقيتها الصامتة التي تُعلِّم دون خطاب. من هذا التدين الأمومي الشفيف يتشكّل إيمان لا تهزّه الأسئلة الفلسفية، لأنه لم يُبنَ على الجدل، بل على الطمأنينة. هنا يصبح الدين مكوِّنًا أنطولوجيًا، لا قشرة ثقافية ولا هوية اجتماعية.

وحين يلجأ الكاتب لاحقًا إلى الإسلام السياسي، نفهمه بوصفه بحثًا عن مأوى، لا عن سلطة؛ عن هوية بديلة تحمي من غربة المكان، قبل أن ينكشف زيف الوعد، وتُضاف غربةٌ أخرى: الاغتراب عن الذات. هكذا تتراكم طبقات النسيان: نسيان الإنسان في الطفولة، نسيان الذات في الأيديولوجيا، ثم استعادتهما لاحقًا عبر الفكر والكتابة.

هذه القراءة لا تُخرجنا من النص بخلاصات جاهزة، بل تتركنا في منطقة تأمل صامت: كيف يتحوّل العطش إلى معنى؟ وكيف يمكن للدين، حين يتحرر من ضجيج الجماعة والخرافة، أن يعود إلى وظيفته الأولى: إنقاذ الإنسان من الجفاف الداخلي، لا من الأسئلة. في هذا الكتاب، يكتب الرفاعي ضد النسيان، لا بوصفه مفكرًا فحسب، بل بوصفه شاهدًا على أن الطريق إلى الله يمرّ دائمًا عبر الإنسان.

في “الدين والظمأ الأنطولوجي” يبلغ نصّ عبد الجبار الرفاعي ذروة اعترافه الهادئ، حيث لا يعود السؤال عن الدين سؤالَ منظومةٍ أو خطاب، بل سؤالَ إنسانٍ كاد أن يضيع داخل ما آمن به. هنا يتراجع المفكر خطوة إلى الوراء، لا ليتبرّأ من ماضيه، بل ليفهمه، كأنما الكتابة نفسها فعلُ استعادةٍ للذات بعد طول غياب.

“نسيان الإنسان” في هذا ليس مفهومًا أخلاقيًا مجردًا، بل تجربة معيشة: نسيان القلب داخل الأيديولوجيا، ونسيان الرحمة تحت ضغط الصراع، ونسيان الذات حين يتحوّل الإيمان إلى وظيفة، والتنظيم إلى بديل عن الضمير. يكتب الرفاعي عن تلك المرحلة لا بنبرة المدّعي، بل بنبرة من عرف الخسارة من الداخل، واكتشف أن أكثر ما يُهدَّد في المشاريع المغلقة ليس العقل، بل الإنسان الكامن في العمق.

اللافت أن الخروج من هذا النسيان لا يتم عبر قطيعة فجائية، بل عبر تعبٍ طويل، وأسئلة موجعة، وخيباتٍ تتراكم بصمت. هنا يتجلّى الظمأ الأنطولوجي بوصفه عطشًا للمعنى قبل أن يكون توقًا للعقيدة؛ عطشًا إلى دينٍ لا يُلغي الإنسان باسم الله، ولا يختزل الله في شعارات البشر. الدين، في هذه التجربة، لا يعود سلاحًا في المعركة، بل ملجأً للروح بعد أن أنهكها الصخب.

بعد ذلك تتضح ملامح التحوّل: من الإيمان الأيديولوجي إلى الإيمان الإنساني، من اليقين الصلب إلى الطمأنينة المتواضعة، من الانتماء إلى الجماعة إلى المصالحة مع الذات. كأن الرفاعي يقول دون تصريح إن الطريق إلى الله لا يمر عبر إقصاء الإنسان، وإن أي تدين لا يعيد الاعتبار للهشاشة والرحمة محكوم عليه بالجفاف.

هذه القراءة لا تمنح القارئ أجوبة جاهزة، لكنها تمنحه ما هو أثمن: شجاعة النظر إلى الداخل. ففي زمنٍ يُعاد فيه إنتاج العنف باسم المقدّس، يذكّرنا هذا النص بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأسئلة، بل في إخمادها، وأن الدين حين يُستعاد في بعده الأنطولوجي، يصبح وعدًا بالحياة، لا ذريعةً للموت. هنا، بالضبط، يستعيد الإنسان صوته، ويستعيد الدين معناه.

علي شريعتي، ذلك المثقف الرسولي، يقف على مفترق طرق: بين ظمأ الإنسان للمعنى، وبين حاجة الإنسان للثورة. في أعماق كتاباته، ينبثق سؤال وجودي: هل يروي الدين ظمأ الروح أم يحرّك الجماهير؟ يسعى شريعتي للإجابة عبر أدلجة الدين، فيحوّله إلى أيديولوجيا شاملة، تصنع أبطالًا، وتحدد الأدوار، وتمنح الحياة معنى ثوريًّا، لكن هذه الأدلجة لا تصمد أمام فحص العقل الفلسفي؛ فهي لا تسمح بالأسئلة المفتوحة، بل تقدم إجابات جاهزة لكل التساؤلات، وتحاصر الإنسان في فضاء مغلق من الجزميات النهائية.

هنا يكمن التناقض الجوهري: الأيديولوجيا تغلق، بينما الدين يفتح؛ الدين يسعى لتحقيق العدالة، وينشد القسط، لكنه لا يفرض رؤى أحادية، في حين أن القراءة الأيديولوجية تسعى لفرض قيم جديدة، لكنها غالبًا ما تختزل الواقع في ثنائيات قاسية: طبقة ومستضعف، طاغوت وثائر، حرب وسلام. شريعتي أراد أن يكون الرسول الثوري والمفكر الاجتماعي في آن واحد، أن يصنع من الدين نارًا فكرية، لكن النار نفسها تظل مقيدة، محكومة بإطار أيديولوجي، لا تتجاوز حدودها إلا بإرادة عقل فلسفي قادر على التساؤل وإعادة بناء المعنى.

في مقابل هذا، يطلّ الأفق الأُنطولوجي للكتاب، حيث الدين لا يُقرأ لأجل الصراع الطبقي ولا لتحريك الجماهير، بل ليروي الظمأ الأبدي للإنسان: ظمأ المعنى، ظمأ العدالة، ظمأ الاتصال بالمقدس. هنا يكمن الفرق بين شريعتي والنهج الأنطولوجي: الأول يبحث في الدين عن أدوات للتحول الاجتماعي، والثاني يرى في الدين مسارًا للارتقاء الروحي والفهم العميق للوجود، حيث الأسئلة مفتوحة، والفكر حر، والوعي مستنير.

لكن، وفي قلب هذا التباين، نجد نقطة التقاء غير متوقعة: كلاهما يعي أن الدين قوة، وأن المعنى ليس حكرًا على أية فلسفة أو أيديولوجيا. شريعتي يرى في النصوص دافعًا للثورة، والأفق الأُنطولوجي يرى فيها سبيلًا لاستنارة الروح. والواقع أن الإنسان بحاجة إلى الاثنين: إلى الثورة في عالمه المادي والاجتماعي، وإلى السؤال المفتوح الذي يمنحه الحرية في عالمه الداخلي، إلى إجابات لا تُفرض، بل تُكتشف، وإلى ثورة عقلية تتجاوز حدود الأيديولوجيا.

في النهاية، يظل شريعتي شخصية متمردة على الجمود، محبوسًا في أيديولوجيا، لكنه يُذكّرنا بأن الدين أكثر من أيديولوجيا، وأن الحرية الفكرية والتساؤل المستمر هما السبيل لإرواء ظمأ الإنسان الحقيقي، ذاك الذي لا يكتفي بالثورة الخارجية وحدها، بل يسعى دائمًا إلى ثورة في فهمه لذاته، وعلاقته بالآخر، وعلاقته بالمقدس.

الكتاب يشدنا إلى عمق مأزق الفكر الديني في العالم الإسلامي المعاصر، حيث يكشف عن الانحدار الروحي والأخلاقي والفكري الذي تسببه السلفية في حياتنا. السلفية، كما يصورها الكاتب، لا تكتفي بتحديد العقائد وفرض المعتقدات، بل تمتد لتحتكر الدين كله، فتقنن سلوك الإنسان، وتقيّد قلبه وروحه وعقله، وتدفعه إلى الكراهية والتمييز والاستعلاء على الآخر المختلف. إنها تخلط الماضي بالحاضر، وتحيل نصوص القرآن والسنة إلى آلات للتسلط والتحكم، وتحوّل الله إلى صورة صارمة تفترس كل جمال ورحمة في الحياة.

يبرز الدور المدمر لابن تيمية، الذي أصبح مرجعيةً حاضرة وفاعلة لدى المؤسسات السلفية والجماعات المقاتلة، إذ يتكرس تأثيره في التعليم والدعوة، ويحدد ما هو مسموح به وما هو محظور، حتى أصبحت كل القراءات الأخرى للنصوص، من الفلاسفة والمتصوفة والمتكلمين، محرمة أو مغيبة. هذا التراث، يخلق أزمة مزدوجة: أفقها الروحي ميت، وأخلاقه مفقودة، وعقله مكبوت، فتضيع الإنسانية وسط موجات التكفير والعنف، وتصبح الدولة الوطنية الحديثة عاجزة عن تأسيس المواطنة والعدالة الاجتماعية، لأن الأساس العقائدي المنغلق يتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان والحريات.

الكتاب لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يشير إلى جذورها: بنية تحتية معرفية موروثة، من علوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه، تنتج تلقائيًا نفس الإجابات، وتعيد إنتاج الأسئلة نفسها، فتسجن العقل المسلم في دائرة مغلقة، مهما حاول الاجتهاد أو التجديد، لأن قواعد التفكير متجذرة منذ قرون في سياق تاريخي وثقافي مختلف. حتى مقاصد الشريعة، التي يدعو البعض لتفعيلها كخلاص، تبقى محدودة بفهمها التاريخي، ولا تسمح بإنتاج فقه حديث يجيب على تحديات عصرنا.

يبرز الكتاب أيضًا الخطر الروحي للجماعات المتطرفة التي تبنّت هذه القراءات، حيث تتحول النصوص الدينية إلى أدوات لإنتاج العنف والدم، وتنسف الرحمة والمحبة، وتغلق كل نافذة على الجمال والتراحم والأمل. وهنا يقدم الكاتب رؤية مضيئة: تحرير صورة الله من قيود التفسير السلفي، وإعادة اكتشاف البعد الروحي الأخلاقي للنصوص، كما في ميراث محيي الدين ابن عربي، الذي يرى الرحمة صفة إلهية تتجلى في العبد، ليصبح الإنسان قادرًا على الرحمة للآخر، مما يفتح طريقًا لبناء فهم ديني متجدد، يسعف الروح والعقل والأخلاق، ويؤسس حياة متجددة للمجتمع.

الكتابُ يشير إلى مأزق الفكر الديني الموروث، ويبيّن أن الخلاص لا يكون باقتصار التجديد على اختيارات نصية محددة، بل بضرورة إعادة النظر في بنية المعرفة الدينية نفسها، وتحرير العقل والروح من قيود الأنساق القديمة، ليصبح الدين مصدرًا للحياة لا للموت، وللأخلاق لا للتعصب، وللجمال لا للدمار.

الأيديولوجيا تحتكر إنتاج المعنى الديني وتعمل على تعطيل العقل النقدي، فتخلق واقعًا متخيلًا وتسيطر على المجتمع عبر الإعلام والسياسة والدين، بينما يظل جوهر الدين السعي نحو العدالة وإرواء الروح؛ أما أدلجته فتفسد وظيفته وتغرق المجتمع في ثقافة الموت التي تخنق الحياة ، بينما تبرئة الذات وتمجيد الماضي تعيق التفكير النقدي وتغذي النرجسية والاعتماد على الآخرين لتبرير الفشل؛ لذلك يبرز أهمية استلهام التصوف المعرفي والفلسفة نقديًا في سياقها التاريخي دون تقليد أو تبجيل أعمى، وإصلاح “الحوزة” من داخلها عبر تطوير المناهج وطرق التدريس لمواكبة تحديات العصر، مع رفض تصنيفات هجينة مثل «علماني مؤمن»، لأن الإيمان والعقل يمكن أن يجتمعا، والتجديد الديني الحقيقي يتطلب نقد التراث وفهمه في سياقه، وإحياء العقل النقدي، وتمكين الدين من أداء وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية دون الاستسلام لأدلجة أو احتكار السلطة.

أما الفصلُ الثامن وهو حوارية مع المؤلف فيمكن أن نلخص أبرز ما جاء فيه بما يلي:

يركز الحوار مع د. عبد الجبار الرفاعي على ضرورة تجديد الفكر الديني في العالم الإسلامي من الداخل، معتمدًا على المطالعة المستمرة والتفكر النقدي، ومؤكدًا على أن الفكر الديني غالبًا ما يقف عند حدود الهوية والحنين للموروث دون إبداع أو استيعاب للتحديات المعاصرة. ينتقد هيمنة الأيديولوجيات السياسية والدينية التي اختزلت الدين في أطر جامدة، ويدعو إلى فتح آفاق التعلم على الفلسفة والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة لتجاوز الجمود التقليدي، مع الإشارة إلى أن الإصلاح الحقيقي للمؤسسات الدينية لا يمكن أن ينجح إلا من داخلها، مستفيدًا من مشروع النزعة الإنسانية في الدين الذي يعيد الاعتبار للإنسانية والبشرية في فهم المعنى الديني ويعزز قيم المحبة والتراحم والحرية الدينية بعيدًا عن الهيمنة الأيديولوجية والتفسيرات المتشددة.

ولا بد في ختام هذه السياحة أن أضيفَ

تأتي هذه الدراسة لتسبر أغوار الفكر الديني وتجدداته، لكنها لا تدعي الانتهاء أو حصر الرؤى في نتائجها، بل تفتح باب التأمل والنقد والبناء لمزيد من البحث والدراسة. من وجهة نظري، ثمة تحدٍ كبير يواجه أي مشروع تجديد فكري في مجتمعنا العراقي، يتمثل أولًا في اللغة الفلسفية والمصطلحات العلمية واللاهوتية المعقدة التي يغرق فيها كثير من الباحثين، في حين أن الغالبية العظمى من الناس لا تفهمها، ويعيشون واقعًا من الأمية الثقافية والسيطرة الفكرية عبر المؤسسة الدينية والمؤسسات السياسية، فأي خطاب يظل بعيدًا عنهم لا يستطيع الوصول إلى ملايين البشر حتى يكون له أثر حقيقي في المجتمع.

ثانيًا، أرى أن الطريق لتقريب المذاهب وتعزيز التعايش في العراق يمر حتمًا عبر إصلاح المناهج التعليمية، بحيث يتم إشراك مختصين قادرين على صياغة محتوى يفهمه الناس، ويستوعب الطيف الواسع من الأديان والمذاهب، ويزرع ثقافة تقبل الآخر، بعيدًا عن الخطاب الطائفي الذي يؤجج الصراعات ويقسم المجتمع. من شأن هذه المناهج الجديدة أن تضع حجر الأساس لمجتمع متسامح، يقدر التنوع ولا يفرض إرهاقًا فكريًا أو عقديًا على أبنائه.

ثالثًا، لا بد من سن تشريعات واضحة وقوية من الدولة تهدف إلى كبح الخطاب الطائفي الذي يسيء إلى الآخرين أو يحرض على العنف باسم الدين والمذهب أو المعتقدات المختلفة، مع الحفاظ على الحرية المشروعة التي لا تزرع الفتنة أو تضر بالآخر. الرقابة هنا ليست قيدًا على الفكر أو الحرية، بل هي حماية للسلام الاجتماعي، ووسيلة لتأسيس ثقافة تحبب الناس إلى بعضهم البعض، وتبعدهم عن لغة التهديد والوعيد التي لطالما أضرت بمجتمعنا على مدار عقود.

إنني أقدم هذه الخاتمة كإضافة مقترحة للدراسة، وآمل أن تشكل أساسًا لبحوث لاحقة تستهدف تفعيل الفكر الديني في خدمة الإنسان، وتعزيز التعايش، ونشر ثقافة الاحترام المتبادل، بعيدًا عن التطرف والطائفية، بما يتيح للعقل والمجتمع أن ينموا معًا في بيئة منفتحة وآمنة.

د. علي الطائي، طبيب وكاتب وشاعر.

بابل/العراق – 30-12-2025

[1]  د. علي الطائي، طبيب وشاعر وكاتب من بابل في العراق.

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%8F-%D8%A8%D8%AF%D9%84%D9%8E-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A8%D8%B1-%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A6-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7/

سيرة المعنى في الدين والظمأ الأنطولوجي

سيرة المعنى في الدين والظمأ الأنطولوجي

قراءة فلسفية في رحلة الإنسان إلى الله

ليلى تبّاني[1]

في زمن يغمر فيه الفراغ الوجوديّ روح الإنسان المعاصر، وفي وقت تهيمن فيه التكنولوجيات المعاصرة على عقل الانسان وعلى وجدانه وكيانه، يعود صوت عبد الجبار الرفاعي في كتابه ” الدين والظمأ الأنطولوجي ” (دار الرافدين، الطبعة الرابعة، 2023، 312 صفحة) ، ليذكّر فيه ، بأنّ ما فينا ليس عطشا إلى معرفةٍ عابرة ، بل ظمأ أنطولوجيٌّ إلى المعنى، إلى ما يتجاوزنا دون أن يفارقنا، إلى الله بوصفه الأفق الأسمى للكينونة. الدين عند الرفاعي ليس نسقا فقهيا ولا منظومة لاهوتية، بل هو حركة الوجود في الإنسان، تَوْقُه الأزليّ إلى ما يمنحه السكينة والاكتمال، وإلى ما يملأ الصدع الخفيّ بين الكائن وظله. يقول الرفاعي: “الظمأ الأنطولوجي هو حنين الكائن إلى المطلق، وتوقه إلى ما يثري وجوده ويمنحه سكينة لا تنضب” (صـ113).

هذا الظمأ لا ننشد منه ترفا روحيا، بقدر ما هو ضرورة وجودية تبرز أنّ الموت حقيقة وجودية؛ فحيث يوجد الموت، تنبثق الحاجة إلى الدين. الدين، كما يقول الرفاعي، هو الجواب الأنطولوجي الوحيد على تحدّي الفناء، لأنّه يمنح الوجود معنًى لا تقدر المادة على صياغته، ولا الفلسفة على استنفاده، يقول في هذا السياق: “ما دام هناك موت، فهناك حاجة إلى الدين، لأن الدين هو الجواب الوحيد لتحدي الفناء” (صـ114). هكذا يصبح الدين عنده جوابا أنطولوجيا على سؤال الكينونة، لا وعدا لاهوتيا مؤجّلا. وهو إذ يستعيد جوهر الدين كصوت في القلب قبل أن يكون خطابا في السلطة، يحفر عميقا في التجربة الداخلية للإنسان حين يفقد ذاته في ضجيج الجماعة، ليعيد تعريف الإيمان لا كيقينٍ جامد، بل كقلق مقدّس يطلع الكائن على سرّ الوجود: “الإيمان ليس يقينا جامدا، بل قلق مقدّس، بحث دائم عن الله في عمق الإنسان (صـ88)، الإيمان إذن ليس انغلاقا، بل انفتاح مستمر على اللانهائي. في مقابل هذا الظمأ الوجودي، يرى الرفاعي أن أخطر ما يهدّد الدين هو اختزاله في الإيديولوجيا حين يُحتكر المعنى في خطاب واحد، يُقدَّم بوصفه الحقيقة المطلقة ويغلق باب الاجتهاد وباب التفكير التأملي الناقد، إذ يقول: حين يُحتكر المعنى يُقتل الدين (صـ85). بهذا يضع يده على جرح الإنسان الحديث، لا في انحسار الإيمان بل في اغترابه داخل تديّنٍ بلا روح، تدين يغلق الأبواب بين الله والإنسان باسم الله ذاته، تديّن بمقاسات معيّنة كما أرادوه بعض حراس النوايا. من هنا تتخذ الحرية عند الرفاعي بعدا لاهوتيا، فهي ليست فعلا سياسيا بل استعادة للكرامة الوجودية: “الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بشجاعة الإرادة ومغامرة العقل” (صـ215). الحرية شرط الإيمان الحقّ، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنا ما لم يكن حرّا، لأنّ الإيمان القسري عبودية لصورة الله في أذهان الآخرين، لا لله ذاته. الحرية هنا ليست نقيض الدين، بل جوهره الخفيّ الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يقول “نعم” لله وهو واع بقدرته على أن يقول “لا”. في هذه المسافة بين الحرية والإيمان، يلتقي الرفاعي بهايدغر والغزالي معا، فهايدغر في الوجود والزمان يرى أنّ الإنسان كائن قلق، منفيّ في العالم، لا يكتشف ذاته إلا في مواجهة العدم، أمّا الغزالي في” المنقذ من الضلال” فقد عاش قلقا مماثلا، حين تهاوت أمامه يقينات الحواس والعقل، حتى وجد الحقيقة في النور الذي أشرق في قلبه بإيمانية متعالية.

نخلص للقول بأنّ كليهما انطلق من القلق بحثا عن الحقيقة وانتهج سبيلا رآها مناسبة. الرفاعي يعيد هذا القلق إلى موضعه الوجودي كعطش أنطولوجي لا يُروى إلا بصلة بالإلهيّ. فإذا كان هايدغر يرى القلق طريقًا إلى الكشف عن الوجود، والغزالي يجعله طريقا إلى الكشف عن الله، فإنّ الرفاعي يجعل القلق طريقا إلى الإنسان ذاته، لأنه لا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان. لذلك، حين يتحدث الرفاعي عن الإنسان، فإنّه لا يتحدّث عن الكائن البيولوجي أو الاجتماعي، بل عن كائن يُولد وحيدا ويموت وحيدا، يعيش تجربته الوجودية منفردا: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30). إنّها تجربة العزلة الأنطولوجية التي لا يبدّدها إلا حضور المعنى، فالإيمان لا يُستعار من الجماعة، بل يُكتشف في صمت الذات وهي تواجه وجودها العاري أمام الله. غير أنّ هذا الإيمان ليس انفصالا عن العالم، بل انخراط فيه بعين ترى الجمال والرحمة في كلّ شيء. ففي فقرة من أجمل فقرات الكتاب، يكتب الرفاعي : “الفن يهب العالم جماله، والدين يهب العالم معناه” (صـ116). بهذا القول يجمع بين هايدغر الذي رأى في اللغة بيت الوجود، والغزالي الذي رأى في الجمال مظهر الحقّ، ليؤكد أنّ الدين والفن توأمان في رحم المعنى، كلاهما طريق إلى الخلود، أحدهما عبر الجمال، والآخر عبر الصلة بالله. من جوهر هذا الجمال ينبثق تصوّره لله، لا كإله الحرب والانتقام، بل كإله الرحمة والحياة: “الله ليس إله الحرب بل إله الحياة، وليس المنتقم بل الرحيم الذي يتجلى في جوهر الرحمة والمحبة” (صـ116). بهذا الانفتاح يدعو مفكرنا صريحا الى الرحمة والمحبّة، ويطهّر صورة الله من شوائب الإيديولوجيا، ليعيدها إلى أفقها الرحماني، حيث الله ليس فكرة بل حضور، ليس سلطانا بل نورا في الكينونة. يبدو ـــ وفي هذا الإطارــــ مفكّرنا وريثا فلسفيا لهايدغر حين يتحدّث عن نسيان الكينونة، وللغزالي حين يتحدّث عن ظلمة الحواس والعقل، لكنّه يتجاوزهما معا حين يجعل الله ليس فقط جوابا للقلق، بل شرطا للمعنى نفسه، إذ يدمج قلق هايدغر وطمأنينة الغزالي في وحدة أنطولوجية واحدة يرى فيها الإنسان كائنا في طريقٍ دائم إلى الله، لا يصل أبدا، لكنّه لا يكفّ عن المسير.

من الناحية المنهجية، يستعيد الرفاعي مفردات الفلسفة الحديثة، لكنه يعيد تأويلها بلغة القلب، فالوجود عنده ليس مفهوما مجرّدا بل خبرة تُعاش، والعقل ليس نقيض الروح بل بوابتها إلى النور. يقول الرفاعي: “الحرية الجوانية هي أن تحيا بإيمانك دون وصاية، أن ترى الله بعينك لا بعين الآخرين” (استنباط من فكر الرفاعي). هذا النداء الداخلي هو ذاته ما يسميه الغزالي “الذوق”، ويسميه هايدغر “الإنصات للوجود”. حين نقرأ الرفاعي من هذا الأفق، نكتشف أن الدين عنده ليس موضوعا للإيمان فحسب، بل طريقة في الوجود، هو سيرة المعنى في الكائن البشري، منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على العدم إلى اللحظة التي يغمضهما على الرجاء، هو الرحلة التي يعبر فيها الإنسان من الظل إلى النور، من الخوف إلى الحب، من القشرة إلى العمق. يرى الرفاعي أن فقدان المعنى هو الخطيئة الأصلية لعصرنا الحديث، فالعالم الذي امتلأ بالعلوم والتقنيات خسر الإحساس بالقداسة، فصار الإنسان مريضا باللاجدوى. لهذا يعود الرفاعي ليقول إن الدين ليس نقيض العلم، بل دواؤه الأنطولوجي، لأنّه يردّ للوجود “هالته” كما قال فالتر بنجامين، أي ذلك البريق الذي يجعل الأشياء أكثر من مادتها . الدين بهذا المعنى ليس هروبا من الواقع، بل إدراكا لعمقه الغائب.

في فصل “نسيان الذات” يقدّم الرفاعي نقدا للشمولية بكلّ أشكالها مثل نقد الفلاسفة الأوروبيين ما بعد الحداثة، خاصة فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو. يرى الرفاعي أن الإنسان فقد ذاته حين ذاب في الجماعة والأيديولوجيا، تماما كما قال ليوتار إنّ “السرديات الكبرى” ألغت صوت الفرد باسم الحقيقة المطلقة. عنده، ونسيان الذات هو الوجه الديني للشمولية، حيث تُحتكر الحقيقة باسم الله وتُصادر حرية الإنسان في الإيمان والتفكير. لذلك يقول: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30) إعلان أنّ الإيمان تجربة شخصية لا تُستعار من الجماعة، وليس للإيمان وصاية ولا وشاية ولا مصادرة. بخلاف فلاسفة ما بعد الحداثة الذين انتهوا إلى نسبية وعدمية، يقترح الرفاعي بديلا رحمانيا: العودة إلى المعنى الداخلي للدين كحاجة وجودية تُحرّر الإنسان ولا تسجنه. الرفاعي يلتقي مع ليوتار في نقد الشمولية، ويخالفه في النتيجة، فبينما انتهت الفلسفة الغربية إلى العدم، يدعو هو إلى إحياء المعنى والرحمة والمحبة داخل الذات. ويلتقي مع فوكو في نقد السلطة الدينية والمعرفية، إذ يقول: “احتكار إنتاج المعنى الدينيّ يعني احتكار الله” (صـ171). لكنّه يتجاوز فوكو إلى أفق روحي، فبينما فوكو يفكّك السلطة، يعيد الرفاعي بناء الذات المؤمنة الحرّة التي تواجه الله مباشرة دون وسائط مؤسسية، يلغي الأوصياء على الدين. أما نيتشه، الذي أعلن “موت الإله”، فقد أراد بذلك نهاية الإله الأخلاقي الذي صنعته المؤسسات لا نهاية الله الوجودي، فيردّ الرفاعي بعمق حين يقول: “حين يتحوّل الدين إلى نصوصٍ جامدة، ويختفي فيه البعدُ التجريبيُّ، يغيب اللهُ من حياة الإنسان” (صـ157). فهو يحيي الله الذي أَماتَه نيتشه، لا في السماء، بل في قلب الإنسان الذي يستعيد التجربة. هكذا يلتقي الرفاعي مع نيتشه في نقد الإله الميتافيزيقي السلطوي ويخالفه في النتيجة، فبينما رأى نيتشه الخلاص في الإنسان المتعالي، يرى الرفاعي الخلاص في الإنسان العارف. في فكر الرفاعي، الدين هو ما يملأ الفجوة بين وجود الإنسان وحدوده، وما يعيد له المعنى بعد أن فرّ من الإله المؤدلج إلى الفراغ.

في هذا الامتداد، يصبح الغزالي أصلا روحيا، وهايدغر مرشدا أنطولوجيا، وفوكو ناقدا للسلطة، وليوتار محلّلا للتفكك، ونيتشه صرخة إنذار ضد موت الروح. أما الرفاعي، فيوحّد هذه الأصوات في نغمة واحدة بأن لا خلاص من العدم إلا بالمعنى، ولا معنى بلا إله، ولا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان ذاته. لذلك حسب ما ورد: “التديّن الذي لا يُنقذ الإنسانَ من خوائه الوجوديّ، ولا يروي عطشَه إلى المعنى، هو تديّنٌ يطفئُ الروحَ لا يُحييها” (صـ165). في نهاية رحلتي القرائية التأملية الممتعة لكتاب ” الدين والظمأ الأنطلوجي”، انجلى عنّي اللبس كما للقارئ، بأنّ الدين عند الرفاعي ليس لاهوتا، بل أنطولوجيا للرحمة، وسيرة للمعنى في صحراء الوجود. الإنسان فيها لا يطلب الله لينجو، بل ليكون؛ لأن الله، في فكره، ليس الغاية التي تُدرك، بل الطريق الذي لا يُفارقنا ونحن نسير فيه إلى ذواتنا، إلى المعنى الذي يسكننا منذ الأزل، للننجو بواسطة ذواتنا في طريقنا إلى الله.

[1] كاتبة من الجزائر.

https://al-aalem.com/%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC/

كتاب دروب المعنى

كتاب دروب المعنى[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أكتب هذا الكتاب كتابة متواصلة، ولم أخطط لإصدار كتاب بهذا العنوان.كنت، كلما ولدت في ذهني فكرة، أو ألهمتني مطالعاتي، أو حاولت تقديم تفسير لظاهرة معينة، أدوّن رأيي في دفتر خاص، وبعد شيوع الهاتف الذكي، اتخذته وسيلة لتدوين هذه الأفكار. قبل استعمالي لهذا النوع من الهواتف، كانت بعض الأفكار تولد قبيل النوم، وأنا في الفراش، فأعمل لها صياغة لغوية في الذهن، وأقرر تدوينها صباحًا، غير أن ذهني يخذلني، وأنا أبحث بلا جدوى عنها، وعن أية ومضة لكلمة ترشدني إليها، مما دعاني إلى المبادرة بتدوينها قبيل النوم، وإن كنت أحيانًا، لفرط الإرهاق، لا أجد في نفسي القدرة على النهوض من الفراش والكتابة في الهاتف. هربت من ذهني أفكار وتفسيرات لظواهر، أظن كان تسجيلها مفيدًا لي وللقراء، لو تم تدوينها لحظة انبثاقها كضوء قبل أن ينطفئ. حاولت بعد عدة سنوات تنظيم ملفات لكل مجموعة، وبعد مضي عشرين عامًا تراكم لدي ما يقرب من مئة وخمسين ملفًا، يتسع كل ملف إلى مئة فقرة أو أكثر. كنت أعود إليها أحيانًا حين أتذكر، وأنا أكتب، أنني تناولت هذه القضية وكتبت عنها بإيجاز يومًا ما، عساني أقرأ ما يمكنني من العثور على مفاتيح تهديني إلى الحديث عنها. وكلما رجعت إلى هذه النصوص، رأيت فيها ما هو جدير بالنشر.

بعد تنقيح هذه النصوص وتصفيتها وغربلتها، اخترت منها مجموعة ضمها هذا الكتاب، واستشرت في نشرها بعض القراء ممن أثق بذكائهم ومواهبهم، فاتفق كل مَن اطلع عليها على ضرورة نشرها، بل حثني بعضهم على إصدارها، لأنهم رأوا أنها ستكون مقروءة أكثر من مؤلفاتي الأخرى، لكونها تتناغم مع إيقاع القراءة في عصر يكاد كثير من القراء يغادرون فيه الكتب الكبيرة، ويبحثون عن شذرات ونصوص وفقرات صغيرة، تقدم فكرة ذات صلة مباشرة بحياة الإنسان.كان بعض القراء، ممن لا أعرفهم، يستحثني على الاختزال والتكثيف في الكتابة، وتقليل عدد كلمات المقالة، حين يطالعون مقالاتي الأسبوعية التي أنشرها منذ سنوات في الصحف والمجلات. أدركت أننا نعيش مع قراء مختلفين في العصر الرقمي، الذي يفرض علينا إيقاعه المتعجل، ويلزمنا أن نواكبه بما نمتلك من طاقة واستعداد، لئلا يسحقنا قطاره إن تباطأنا أو توانينا عنه. القراء من الجيل الجديد أشد استعدادًا منا للتناغم مع إيقاع سرعة قطار الذكاء الاصطناعي المذهلة. حفزني ذلك على مراجعة هذه النصوص، وعندما طالعتها بمجموعها، قلت: لمَ لا أعمل منها كتابًا يعكس خلاصة رؤيتي للإنسان والدين والعالَم، ويتعرف فيه القارئ على دعوتي لتجديد الفكر الديني، ويقدم أفكاري في نصوص صغيرة لا تتجاوز بضع كلمات، وتكون مقالاتي فيه بمثابة “مقالة في فقرة”، مقالة تستوفي ما أريد قوله بكلمات قليلة، تحاول التخلص من فائض الألفاظ، وتبتعد ما أمكن عن المحسنات البلاغية، والتفاصيل والجزئيات، لتعرض للقارئ رأيي ورؤيتي بصورة مكثفة. وأخيرًا، اقتنعت بضرورة نشر هذا الكتاب، لمن يبحث عن خارطة طريق واضحة، تدله على المفاهيم المحورية في تفكيري الفلسفي والديني، وفهمي للإنسان والحب والدين والحياة.

كما استحثتني أكثر الطلبات التي تصلني على الدوام من طالبات وطلاب دراسات عليا يكتبون عن أعمالي، تدعوني لإنارة مصابيح تضيء لهم طريق البحث، وهم في أول دروب اكتشاف رؤيتي، والأفكار المحورية في أعمالي. خاصة أن رؤيتي وأفكاري مبثوثة في هذه النصوص، بتعبيرات وتنويعات كثيرة. حين ينشد أحد التعرف على فهمي للفلسفة وضرورة حضورها اليوم، وكيف أن الحاجة المعرفية لها تتجدد وتتعمق وتتضاعف بازدياد الأسئلة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي، تلك الأسئلة التي عجز العلم عن الجواب عنها، كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب عنها، هذا الذكاء لا يتوقف عند تعميقها فقط، بل يجعلها تتوالد ولادات متواصلة لإنتاج أسئلة أعقد وأعمق منها، تواجه العقل والدين والقيم، ولم يطرحها العقل والعلم والمعرفة البشرية من قبل. وحين ينشد أحد التعرف على تفسيري لحاجة الإنسان إلى الحب والدين، بوصفهما من أغزر منابع المعنى لحياة الإنسان، في زمان تبددت فيه معاني الحياة، وخسر الإنسان بفقدانها السكينة والطمأنينة والأمان، وأصبح يعيش في عالم تتكدس فيه الأشياء المادية، وتتلاشى فيه معاني الحياة.

لا يلتقي القارئ في هذا الكتاب برؤى وتفسيرات غريبة عمّا ورد في مؤلفاتي، أو رؤى تتنكر لما كتبته في سلسلة مؤلفاتي عن الإنسان والحب والدين والفلسفة، وإنما يقرأ أفكاري ذاتها، بلغتي وكلماتي ذاتها، وما أضيفه هنا هو شروح ومزيد من التوضيحات لتلك الأفكار. لا حاجة للقول إني مدين لكل كتاب أحدث انعطافة في طريقة تفكيري، ودعاني للعودة إلى المفاهيم الأساسية في ذهني، وتفحصها وغربلتها وتمحيصها من جديد، واختبار عقلانيتها، وقدرتها على الصمود عند النقد العقلاني الصارم. وهذا ما يدعوني لأن أعترف بأني تلميذ لكل معلم كبير من الكتّاب الذين قرأت لهم. فقد أنفقت حياتي في القراءة، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب. حاولت أن أقرأ الكل، وأنسى الكل، كي أنتج قراءتي الخاصة للإنسان والحب والدين والعالم.

مكثت مدة أفتش عن عنوان يتناسب ومحتوى هذا الكتاب، بوصفه يتسع لسيرة كاتب، وتطور فهمه لحياته وقراءته وكتابته، وكيفية تشكّل فهمه وتفسيره للإنسان، وطبيعته المتضادة في ذاتها، واغترابه الميتافيزيقي، وظمئه الأنطولوجي، واحتياجاته العميقة للمعنى، إثر هذا الاغتراب والظمأ، مما يفرض ضرورة حضور العقل والحب والدين في حياته، ليحدث توازن بين العقل والروح والقلب، ويظل العقل مرجعية نهائية في الحكم نفيًا وإثباتًا. لم يولد العنوان إلا بعد انتخاب مجموعة عناوين، واستبعاد أخرى، والتردد، وانتقاء أحدها لأشهر، والانصراف عنه لاحقًا، واختيار غيره، وهكذا. أخيرًا، في يوم الإخراج النهائي للكتاب لدى الناشر، وقع اختياري على عنوان: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”. عنوان “دروب المعنى” يعرّف حياتي بأنها رحلة للبحث عن المعنى، والسعي للكشف عن منابع إنتاجه في الفلسفة والدين والحب. وبما أنه العنوان الأساسي للكتاب، فهو يستوعب أكثر مضامين النصوص الواردة فيه.

في عنوان هذا الكتاب فضلت استعمال مصطلح “الدروب” وفقًا لمارتن هايدغر، بدلاً من “الطرق”. في الدروب، يسير الإنسان بلا خارطة مسبقة، تتكشف له الخارطة تدريجيًا وهو يسير، وكأنه يسير في غابة بحثًا عن معنى وجوده وحياته، بخلاف الطرق التي تكون فيها الخارطة واضحة قبل السير.

يرى القارئ أن هذه النصوص تتحدث عن أسئلتي وتأملاتي واعترافاتي، وشيء من إجاباتي المقترحة عن الأسئلة، فقد كنت وما زلت أبحث في الفلسفة والدين والحب عن المعنى لوجودي كإنسان، والمعنى لوجود العالم الذي أعيش فيه، ولوجود كل شيء فيه. ويلاحظ القارئ الذي يواكب صدور مؤلفاتي هذا الخيط الناظم لما انشغل فيه عقلي من أسئلة وتفسيرات ورؤى واقتراحات لأجوبة عن أسئلة المعنى المتنوعة والمتوالدة. عنوان “دروب المعنى” يعكس ما ورد من نصوص ترسم خارطة لطريقة تفكيري الفلسفي، وكيفية تذوقي للحب، وحضوره في قلبي بوصفه أعذب معاني الحياة، وكيف صيّرني الحب مستثمرًا أبديًا فيه، بعد أن تذوقت فيه ما لم أتذوقه في سواه. من صنائع الحب في حياتي أنه أسهم بفعالية عالية في خلاصي من ارتداد الآثار الموجعة للشر الأخلاقي على حياتي، وأسهم في تهذيب أخلاقي، وتطهير سلوكي، وجعل كل إنسان في مأمن مني، مهما كان مشاكسًا، أو مختلفًا عني في آرائه ومعتقده ومواقفه وسلوكه. ومن صنائع الحب ظهور أثره في حمايتي من شرور الإنسان، وخفض أثر النزعات العدوانية له في العبث بأمني الشخصي. وصار الحب مرآة يتجلى فيها الإيمان بالله في حياتي، بما هو منبع لسكينة الروح وطمأنينة القلب، عساني أستطيع أن أصيّر حب الله دينًا، ودين الله حبًا.

وردت نصوص هذا الكتاب متنوعة، ولم تنتظم في مجموعات تترتب موضوعيًا. أظن أن هذا النوع من الكتابة الحرة يعكس رؤية جمالية في تنوع الموضوعات، بكيفية تتيح لمن يقرأ هذا الكتاب أن يقرأ أية صفحة في نهايته، أو وسطه، أو بدايته، فيتلذذ فيها بمتعة القراءة، ولا يعاني من الرتابة والملل،كما يحدث عادة في الأعمال المنتظمة منطقيًا، والمكتوبة بلغة جافة.كنت أنشد من عدم تسلسل نصوص الكتاب وانتظامها موضوعيًا أن يشعر القارئ أيضًا بتفاعل وحيوية في التنقل من نص في الحب مثلًا، إلى نص في الفلسفة، إلى نص في الدين، إلى نص يتناول موضوعًا آخر، وكأن القارئ سائح في مدينة تتنوع الأنماط المعمارية لمبانيها، أو حديقة تتنوع أشكال وألوان وعطور أزهارها. ومن أجل تيسير البحث في الكتاب، بادر الأخ عبد العاطي طلبة، مشكورًا، بوضع كشاف للموضوعات في خاتمة الكتاب، يشير إلى الأرقام المتسلسلة الواردة فيها موضوعات النصوص، حسب موقعها في الكتاب.

[1] مقدمة كتاب: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، لعبد الجبار الرفاعي، يصدر الكتاب في جزئين قريبا عن: دار خطوط وظلال في عمّان – الأردن.

 

https://alsabaah.iq/118623-.html

الاغتراب والقلق الوجودي

الاغتراب والقلق الوجودي

حسن الكعبي[1]

مفهوم (الظمأ الأنطولوجي) من المفاهيم التي اجترحها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي للتعبير عن ظمأ الانسان الى ما يثري وجوده، وهو بتعبيره “الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، لأنه ظمأ الكينونة البشرية، باعتبار أن وجود الإنسان وجود يحتاج إلى ما يثريه. فظمأ الانسان في بعده الانطولوجي متجذر فيه ومهمين على وجوده بالكامل، وهو المفهوم الوحيد الذي بإمكانه أن يجيب عن تساؤلاتنا حول سيادة ظاهرة الإرهاب وتفشيها بين الشباب في الغرب وغيره، ممَّن هم في كفاية معاشية، وبعضهم يعيش ترفاً مادياً، وفي هذا الإطار يتساءل “فما الذي يدفعهم للهجرة إلى ولائم الذبح، وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا. والتسابق على الانخراط في وحشيّة عبثيّة، تتلذَّذ بالدم المسفوح، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحاريّة؟”. ويجيب “إنَّ ذلك يعود إلى ما يعانونه من ظمأ أنطولوجي للمقدَّس، وبسبب رتابة الحياة، وذبولها وانطفاء المتعة التي تمنحها لهم الملذَّات الحسِّية”.

والظمأ بما هو تعبير عن الحاجة والنقصان والفقر، فهو ينطلق بالأساس من مفهوم الاستلاب والاغتراب بأنواعه والتي تنبع بالأساس من الاغتراب الميتافيزيقي – الديني، لكن بمنظور يغاير تصورات فيورباخ الذي يرى “أنه لا يوجد تباين واختلاف بين الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشريّة أي أنّ الإنسان نزع عن نفسه صفاته وتنازل عنها لله – أي أن الله أنموذج ذهني من تصورات الانسان ذاته – ونتج عن ذلك اغترابه وضعفه وعجزه واستلابه وقد ربط فيورباخ الاغتراب بالدين واعتبره المصدر الأساس للاغتراب، حيث أن فكرة الله تسلب الإنسان ذاته وذلك لاعتقاده بوجود قوة مفارقة له متميزة ومختلفة، وبذلك فالاغتراب الميتافزيقي هو غير أشكال الاغتراب الأخرى. يقول الرفاعي: “الاغتراب الميتافزيقي كما أصطلحُ عليه، هو اغتراب وجودي عن العالَم الميتافيزيقي. وهو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب النفسي والاغتراب السياسي. ينشأ هذا الاغتراب عندما يحبس الإنسانُ وجودَه بالوجود المادي الضيق، فيختنق باغترابه عن الوجود الميتافيزيقي. وينتج عن ذلك تمزق الكينونة الوجودية للإنسان وضياعها بتشرّدها عن الأصل الوجودي لكلِّ موجود في عالَم الامكان. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتّصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتّصال الوجوديّ يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقيّ. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أنَّ وجودَ الذَّات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي”.

نقطة الاختلاف تكمن في أن الخلاص من الاغتراب في الأنواع الأخرى لا يعني الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي، والى هذا يشير الرفاعي: “على الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاص من الاغتراب في هذه الأنواع لا يعني الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي”. ويرجع الرفاعي أسباب عدم القدرة من الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي “لأن الاغتراب الميتافزيقي اغتراب لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالة من الاغتراب تنتج القلق الوجودي إذ بعد أن يفتقد صلته بإلهه يفتقد ذاته”. بمعنى أن الكائن البشري لا يمكنه الخلاص من اساس اغترابه، الا إذا استطاع ان يجد تلك الصلة بينه وبين إلهه فيصل الى حالة من التسامي والتصالح مع الذات وحبها. وطبعاً قد تختلف رؤية الانسان للإله فقد يكون الإله عند البعض هو المال او المادة المشبعة لأنواع الغرائز أو هو شخص ما أو عقيدة ما أو رمز ما، لكن ما يقصده الرفاعي بالإله هنا هو الله تعالى كحقيقة مطلقة يصعب إدراكها؛ لذلك فإن البحث عنها يظل دائماً هو الهدف من خلق الانسان للارتقاء بذاته وتساميها في رحلة البحث هذه، ولذلك فهو يقول بخلاص الانسان من أنواع الاغتراب من دون التمكن من الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي إلا في حالة الاقتراب من الحقيقة المطلقة حيث يتحول المنظور”الى الإله من منظور عدائي الى منظور قائم على الحب” بمعنى أن الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي يكمن في الدين بتجلياته الروحية والأخلاقية والجماليّة.

الإنسان كما يشير الرفاعي “كائنٌ متعطِّشٌ على الدوام إلى ما يرتوي به، ومن خلال البعد الأنطولوجي في تصوراته: يمكنه العبور إلى جوهر الدين، وبه يرتوي الظمأ للمقدَّس، وبه يتذوَّق الأبعاد الجماليّة، ويدرك ما يفيضه الدينُ على مشاعر المتديِّن في عالمنا، من جمال”، ومحبة وتسامح نابعة من منظومة تيولوجية مترشّحة عن الدين كحقيقة انطولوجية لها تجلياتها الجماليّة التي تروي ظمأ الانسان الى الكمال، وهي بذلك تختلف عن حقيقة الدين في طابعها الايديولوجي الذي يسيس وجودنا دون أن يثريه.

[1] كاتب عراقي.

 

https://altanweeri.net/12790/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A/

عبــد الجبــار الــرفاعي ووعيه الاعتدالي لمعادلة الوطن والدين

عبــد الجبــار الــرفاعي ووعيه الاعتدالي لمعادلة الوطن والدين

د. محمد نعناع[1]

هو “كائــن ميتــافيزيقي”، لذلك عنده المعنى أهم من الحس، ولهذا يعيش هادئاً، ليس منزويا بل هادئا في خارجه وعاصفا في داخله، ومنبع عواصفه الداخلية يأتي من إدمانه القراءة وشغفه بها حد الظن بأنه يساويها مع العبادة، هو متطور في فكره بموازاة ثباته في التزامه بدينه، مضيء في فكره أيضا، لذلك يُحب أن يرى الله نورا على نور، يعشق العمق لأنه يُنتج الجرأة، وكاره للرثاثة، لإنها تُشوه العلم وتُعزز الكراهية.

هو أحد الرافضين للمنبهرين بالزبد، لأنه يهتم بما يمكث في الأرض، وأكبر المعترضين على مروجي الدوغما، فهو يمقت التبعية والطاعة العمياء، وبهذا انتقل من كونه مفكرا دينيا عبر تحولات موضوعية إلى أن يكون منظرا إنسانيا خلّاقا، وإن صيرورته منصة إبداعية ذاتية تحفيزية وليست تلقينية، جاء بسبب حساسيته من الواقع واستجابته لمتغيراته، وهذا ما سيجعل منه حالة فريدة في الفكر الإسلامي، وفي معادلة الوطن والدين، أو ثنائية الجغرافيا والمعتقد.

أبدع الرفاعي في مجال التطور الاعتدالي بين أن يرسخ “الظمأ الانطولوجي” ويغادر “الاجترار الفقهي” التقليدي، لقد أثبت لنفسه ثم للآخرين بأن التفوق يمر عبر التطور المعرفي، فهو يُضيف ويعدل باستمرار على كل ما يكتبه، وكل طبعة جديدة من كتبه تجد فيها تغييرا وإضافة بما نسبته أكثر من 20% من مضمون الكتاب، وهذا ما سيجعل منه مفكرا ديناميا مؤثرا، وما بدأه من (الدين وجوديا) فقد أنهاه بانصهار (الدين في الكرامة)، وما بينهما رفدنا “بـــــــالغربة الميتافيزيقية” و”بـالنزعة الإنسانية”، فهذا هو الدين في وعيه، وهو ما يجعله يتطور ويعتقد بأنه يُطور الآخرين، على الرغم من أنه ليس تبشيريا بل منطقيا إقناعيا.

في بواكيره كان متعلما على سبيل نجاة، وأصبح الآن باحثا على سبيل نجاة، ولذلك أراد أن يصنع [علم كلام جديد] فهو يعتقد بأن الكلام القديم ليس إنسانيا بل لاهوتيا محضا، وفي (مفارقاته وأضداده) و(مسراته ومخاضاته)، وهما خواتيمه الفكرية والشخصية، انبعث منه دفق اعتدالي يمكن وصفه بأنه فتحُ لأفق أوسع، أرحب من الأيديولوجيا.

حاجة الواقع المليء بالمنغصات المعيشية المهيمنة على العقليلة الشبابية لمفكرٍ كالرفاعي ستبدو حاجة في صميم الوعي، وإن أي محاولة لصناعة رأي عام معتدل متجاوز للمقولات الطوائفية ومفارق للتبعيات الدوغمائية يجب أن نجد في قلبها عبد الجبار الرفاعي وأمثاله، فهم الضرورة المُطورة لأجيال المتحفزين المقيدين بقيود المجتمع وللمحبطين المتلكئين في منتصف الطريق.

  [1] كاتب عراقي

https://altanweeri.net/12799/%D8%B9%D8%A8%D9%80%D9%80%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%80%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D9%88%D8%B9%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%AF%D8%A7/

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html