Category: الظمأ الأنطولوجي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

د. عبد الجبار الرفاعي

يولع بعضُ المثقفين والكتّاب العرب بشذرات النفّري في “المواقف والمخاطبات” وأمثالِها من نصوص العرفاء، ذاتِ الكثافة الدلالية والاستبصارات المضيئة، ويستشهدون بها وينشرونها ويكتبون عنها، ويتعطّش بعضُهم لحياة العرفاء الروحية وصلتِهم العميقة بالله، المؤسَّسة على المحبة والتراحم وتذوّق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. يحاولون أن يتصيدوا تجربةَ النفّري والحياة الروحية لأمثاله، بالتقاط كلماتهم، غير أنههم يفشلون في تذوّق بهجة الروح باستبصارات أولئك الروحانيين الحاذقة. لم يدرك هؤلاء أن الحياةَ الروحية حالةٌ وجودية معيشة لا يتحقّق فيها الإنسانُ ما لم يبني صلةً حيّة بالله. هذه الصلة لا طريقَ لها سوى العبادة بكيفياتها المتعارَفة في الأديان، إن كان مسلمًا عليه أن يؤدي الصلاة، وإن كان يدين بديانةٍ أخرى عليه أن يؤدي الطقسَ على وفق تكريس الحياة الروحية فيها.كلامي هنا في سياق مناقشة بعض الذين يدعون للاكتفاءِ بالتأمل والتفكير الواعي اقتباسا من بعض الأديان الآسيوية، والاستغناءِ عن الحاجة للصلاة والعبادات في الأديان. التأمل والتفكير الواعي ضروري، لكنه ليس بديلًا عن الصلاة والعبادات. لا يتكرّس الإيمانُ ويلبث حيًّا فاعلًا في البناء والعمل الصالح إلا بعبادةٍ يومية في إطار ديانة الإنسان.

أعرف محققًّا تخصّص في إحياء تراث العرفاء وشغف بآثارهم كلَّ حياته، وبذل جهودًا مضنية في تحقيق نصوص ثمينة لهم. لبث سنوات طويلة ينقِّب في خزائن المخطوطات، وينهك نفسَه في البحث عن رسالة أو كتاب غير منشور، واستطاع بمهارةٍ فائقة اكتشافَ نصوص نفيسة منسية أو مجهولة، وتحقيقَها باحتراف خبيرٍ، وإخراجَها للنور من ظلام أقبية خزائن المخطوطات.كان يتوهم بإمكانية بناء صلةٍ حيّة بالله بلا عبادة، بل كان يعوّض العبادةَ بالكحول، وجد نفسَه كلّما شرب افتقر للمعنى الروحي الذي يتذوق قراءته بتلذّذ في آثار العرفاء.كان يشتدُّ ظمؤه الأنطولوجي، وتنطفيء شعلةُ حياته الروحية، ويتفاقم اغترابُه الوجودي، فيسرع لإرواء ظمئه ومداواة اغترابه بالكحول. تراه كأنه يهرول وراء سرابٍ يحسبه ماء، حتى تاه متسكعًا في حالة من الغثيان والسأم المضجر، وهو يلهث بغيةَ أن يقبض على شيءٍ من سكينة الروح وطمأنية القلب. في غفلةٍ منه وجد نفسَه مدمنًا، لا يمكنه الإفلاتُ من البئر المظلم الذي غطس فيه، فمضي دون جدوى يغوص في طبقاته، وصار كلّما غرق في الكحول أشد تعاظمت غربتُه واغترابُه في العالَم، وأكلته وحشةُ الوجود، ونضب أيُّ منبعٍ للمعنى في حياته. بعد أن ضاع هو، ضيّع عائلتَه، وتزلزل وانهار بيتُه، وفقد وعيَه، وانطفأت بصيرتُه، وعجز عن التوقف للحظة ومراجعة مسيرته، والنظر بهدوء إلى عبثه بنفسه وخسارته لذاته، ولكل ِّشيء ثمين في حياته. أخيرًا ساقه هذا الطريقُ المظلم لمغادرة الحياة عاجلًا، بعد أن أحرق الكحول أحشاءه.

لا أتحدث عن الحياة الروحية بوصفها تديّنًا شكليًّا، الذي هو نمط تديّن سطحي دعائي مجوّف، لا تغذيه صلة حيّة بالله، ولا يحضر فيه شيءٌ من روح الدين ومقاصده في مواقف وسلوك المتديّن، ولا يشعر صاحبة بسكينة وسلام باطني. ويستعملُ هذا التديّنُ بوصفه قناعًا لأغراض الوجاهة، ولتسويقِ شخصيات لا تتصف بالحدِّ الأدنى من طهارة القلب واليد واللسان. إنه تديّنٌ مفرّغٌ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي. تديّنٌ يضعُ معاييرَ ظاهريةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الروحي والأخلاقي للإنسان. ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّن زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّن إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًّا لنفور الناس من الدين.

أتحدث عن الحياة الروحية والإيمان بوصفه كائنًا حيًّا يقظًا فوّارًا، وبوصفه أمرًا وجوديًّا، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعِلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئًا فشيئًا حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياقِ تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطامًا. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيمًا تذروه الرياح. ينعكس تكريسُ الروح وإرواءُ ظمئها على بناءِ الإرادة وترسيخِها على الدوام، وهذه من الأغراض الأساسية للعبادة في الأديان، ‏وإن كانت هذه العبادةُ تنحرف عن غايتها الأصلية، وتُستعمل أحيانًا في وظيفةٍ مضادة.

اهتمَ كلُّ دينٍ معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصتْ كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتّبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رَسمها المحدّد، لأنه يهدر وظيفتَها ويمسخ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان وروحها، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولاتُ بعض الناس ترقيعَ والتقاطَ عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطَ بعضها ببعضها الآخر، ولصقَها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستَها بشكلٍ يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً مشوهة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذّي الصلةَ الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خارج إطار شريعتهم، أو يلتقطوا عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده. كيفيةُ القدّاس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. لا ننكر التشابهَ في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبّر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا أننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلِّ عبادة بصمتُها الخاصة ولونُها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياتُه الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشترَكة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذّبوا وتسامت أروحُهم بنور الله، وابتهجوا بمحُبّته[1]. الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعةٍ محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًّا مستعارًا من ديانةٍ أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًّا هندوسيًّا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقسٍ ترتسم فيه صورةُ ديانةٍ غير ديانته، وبين الحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانةٍ طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها[2].

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين الظمأ الأنطولوجي، ص 72، ط 3، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار التنوير، بيروت.[1]

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 63-64، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.[2]

 

https://alsabaah.iq/94527-.html?fbclid=IwAR1t9g3ADIAFOA1_Gpg5WY9y2M_WzsE4kD-ggq_RjjTn9zI2FYkCVL1yVhE_aem_Aa1opZqmQtqu5LMt361QvaqUGKyNucnYCpwIv3bTGZyfwt9mrT6xVf77E-TAA2B4249CXb6IX5Z-Pdyfag4LzQUO

قراءة النصوص الدينية في سياق الكرامة والحرية في كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”

قراءة النصوص الدينية في سياق الكرامة والحرية في كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”

د. وسام حسين العبيدي[1]

لعلَّ كثرة المقالات، التي تجاوزت 200 مقالة حتى اليوم، ودار كتّابها ولهى حول كتاب: «الدين والظمأ الأنطولوجي»، بوصفه من الكتب التي أمتعتْ وأفادت قارئيها، في قراءة المسألة الدينية قراءة معاصرة، لم تدع المزيد من القول لمن يريد الكتابة عن هذا الكتاب، فما يُراد أن يُقال، قد قيل فيها، ولعلَّ هذا التصوُّر صحيح، في ما لو تمّت مراجعتها بدقّة، ففيها الكثير من التوصّلات التي اتّفق أصحابها عليها بشأن هذا الكتاب ومؤلفه عبد الجبار الرفاعي. وقد لا أجد ثمّة موجبا لي يسوِّغ الكتابةَ عن هذا الكتاب، إلا إذا أردتُ الانطلاق من مُمهِّدات تُتيح لي مخرجا من هذا المأزق، من حيث التلقّي، بوصفهِ يتغايرُ من شخصٍ لآخر، حسب المرجعيات المعرفية التي تُحدِّد جنس النص المقروء، وترسيم حدوده الأجناسية بما يُميِّزُه عن سواه. ومن هنا أجد في هذا الكتاب، منطلقات تسمح لي أنْ أصِف متنَ هذا الكتاب، بأنه يمثِّل نصّا في الرحلة، بمعنى أنَّه يدخل ضمن «أدب الرحلة»، ذلك الأدب الذي يدور حول مشاهداتٍ ينقلها لنا الرحّالة عبر مدوّناتهم، والرفاعي في كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي» كان رحّالة لا على النحو المعتاد عند الرحّالة، إذ يدوّنون لنا مشاهداتهم في الأماكن التي حلّوا فيها، أو التي ارتحلوا إليها، ينقلون لنا عادات وتقاليد وقيم الجماعات التي اختلطوا بها، بل كان رحّالة يجوب في فضاء الذات، وأقاليم المعرفة التي حطَّ فيها ركابه، مستخلصا لقارئه في كلِّ تلك الرحلات الذاتية والمعرفية، دروسا يضعها بين يدي قارئه، عسى أنْ يستفيد منها، ولا يعيد الكرّة التي هدرت من عمر المؤلِّف الرفاعي الكثير، فكان له أنْ يجوب في طيات الذاكرة، في مواقف كانت له في مراحل مختلفة من حياته، منذ نعومة أظفاره، وصولا إلى ما انتهى إليه، وقد لا يُخفي ضيق ذرعه مما كان عليه في السابق من تجارب ومواقف لمن مرّ بهم من أشخاص أو مؤسسات، كان لها الأثر في تحجيم الذات وتقييد إرادتها، ما جعله يُمهِّد لهذا الموقف النقدي من تلكم التجارب في حديثه في بداية كتابه عن (نسيان الذات) محترزا ومتحرِّزا في بداية هذا الفصل من سوء الفهم الذي يطال تحديد دلالة الذات، بما يريد الحديث عنه، وهي الذات الفردية «التي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري، فمن دونها يفتقد كل إنسان ذاته، ويصير نسخة مكرَّرة متطابقة مع نموذجٍ مُحدَّدٍ مُصاغٍ سلفا، وتجري (نمذجة) الكل في سياق صفات ذلك النموذج وسماته وخصائصه، وكأنَّ الجميع يُسكَبون في قوالب مُتماثلة، تُلغى فيها اختلافاتهم وتمايزاتهم، وتُمحى البصمةُ الشخصية لكلٍّ منهم. هنا يتنازل الفرد عن ذاته، ولا يكون سوى بوقٍ يتردَّدُ فيه صدى أصواتِ الآخرين، فيما يختفي صوتُهُ الخاص». في هذا التوضيح أراد الرفاعي من ورائه إيصال رسالةٍ معرفيةٍ توجز كل ما قطعه من أسفار معرفية خاضها في حياته، وهي الحرّية التي ينبغي لها أنْ تتحقّقَ فيها الذات، الذات لا يرى لها وجودا ولا صيرورة إلا عبر ما تُحقِّقهُ من حرِّيةٍ وتتحقّقَ فيه، وهي في منظوره ليست أمرا ناجزا يمكن أنْ يأخذ أثره بمجرّد التعرّف عليه نظريّا؛ لأنَّ «وجود الحرية يعني ممارستها. الحرية لا تتحقّق بعيدا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرية تنتفي الذات، إذ لا تغتني الذات وتتّسع وتتكامل إلا بالحرّية». وهو إذ يؤكِّد ما للحرية من أثرٍ في تحقيق الذات، فإنه يُدرك في الوقت نفسه ما للعبوديةِ من هيمنةٍ على مسيرة الإنسان بصورةٍ عامة، في جعله مُكبّلا في مواقفه وآرائه لآخرين، معبّرا عن تلك العلاقة الضِدِّية بالجدل الذي لا ينتهي بين المقولتين، إلا أنَ الطريف في نظرته لتلك الجدلية العقيمة، أنّه ذهب إلى ما ورائها، باستنتاجه «أنَّ هذا الجدل هو مصدر الحركة، ومولِّد الطاقة لاستمرار الحياة. وكأنَّ هذا الكائن مجبورٌ في حرّيته، بقدر ما هو مجبورٌ في عبوديّته، ذلك أنَّ الكائن البشري في توقٍ أبديٍّ للحرية، فهو لا يكون إلا بالحرية. لو لم تطارده عبوديته على الدوام فلن يتطلع للحرية، الحريةُ بطبيعتها في صراعٍ أبديٍّ مع العبوديّة»، هذه النظرةُ الإيجابية للعبودية بوصفها واقعا تاريخيّا مر على البشرية وما زال، لا يعني الارتهان إليه، بمقدار الانطلاق منه إلى ما يُحقِّق للذات وجودا وهويّة، وأعني به الحرّية. وهي تُذكِّرنا بالنظرة الإنسانية التي أشار لها الكثير من المدوّنات في الأديان السماوية أو الوضعية، ولعل واحدة من مقولات شمس الدين التبريزي وهي: (لولا المرض ما عرفنا الصحة، ولولا الظلام ما عرفنا النور، ولولا المعاناة ما عرفنا السعادة، ولولا الفراق ما عرفنا الحب)، تُذكِّرنا بفحوى ما أشار إليه الرفاعي في نظرته الإيجابية لتلك العلاقة الجدلية بين مقولتي الحرية والعبودية، إلا أنه لا يكتفي في بيان هذه النظرة الإيجابية، فيضع لنا اشتراطات الحرّية وما ينبغي تمهيده لتحقيقها، وما تؤدِّي إليه من مآلات، وكأنه ينفي مسبقا سوء الفهم لمن يتصوَّر عبر هذه الجدلّية أنَّ كلا المقولتين متوازنتان قوّة وتمثّلا وتأثيرا، وذلك في قوله: «الحريةُ أشَقُّ من العبوديّة؛ ذلك أنّها: إرادةٌ، وحضورٌ، واستقلالٌ، وشجاعةٌ، ومسؤوليةٌ، وخيارٌ إيمانيٌّ، وموقفٌ حيال الوجود. أنْ تكون حُرّا فهو يعني أنَّكَ تُواجهُ العالمَ كلَّهُ، وتتحمَّلُ كلَّ شيءٍ وحدَكَ، العبوديّةُ: هشاشةٌ، وغيابٌ، واستقالةٌ، وخضوعٌ، وانقيادٌ، وتفرُّجٌ، وتبعيَّةٌ، ولا موقف، ولا أباليّةٌ، ولا مسؤوليةٌ. أنْ تكونَ عبدا يعني أنَّكَ لستَ مسؤولا عن أيِّ شيءٍ، حتّى عن نفسِكَ». هذه اللغة البيانية الشفيفة التي تذكِّرنا بخطاب الفرنسي إيتيان دو لابوسي في كتابه الشهير: «مقالة العبودية الطوعية» وهو يفرِّق بين الحرِّية والعبودية، من حيث أثر كلِّ واحدٍ منهما على من يتمثّلهما سلوكا وموقفا في حياته، بقوله: «إنَّ الشجعان لا يهابون الخطر أبدا في سبيل نيل الخير الذي يبتغون، ولا يرفض ذوو الفطنة مكابدة المشقَّة مطلقا، أما الجُبناء والخاملون، فلا يعرفون مكابدة الألم ولا السعي إلى الخير، فيقفون من المكارم عند التمنِّي، أما فضيلة الإرادة فمنتَزَعةٌ منهم بسبب تخاذلهم. وأَمَّا الرغبةُ في الخيرِ فتظلُّ لديهم بفعل الطبيعة، تلك الرغبة، بل تلك الإرادة المشتركةٌ بين الحكماء والأغبياء، وبين الشجعان والجبناء، للتوق إلى كلِّ الأشياء التي تجعلهم، باكتسابها، سعداء ومغتبطين: يبقى شيءٌ واحدٌ لا يقوى الناس على تمنِّيه، ولا أدري لماذا؟ إنه الحرِّية، وهي نعمةٌ كبيرةٌ ومُمتِعةٌ جدّا، فإذا فُقِدَت تتوالى الويلات، وتفقد النِعَمُ بعدها كلَّ طعمها ومذاقها، لأنَّ العبوديّةَ أفسَدَتها».

وعودة إلى ما انتهى إليه الرفاعي أعلاه، نجده يُلخِّص بإيجاز، سبب اختيار العبودية، على ما فيها من مآلات وخيمة على الذات، تعصف بوجودها الواعي المُدرَك، بأنَّ «الناس بطبيعتهم ينفرون من التفكير، ومن كلِّ ما يُوقظ العقلَ من سُباته، لذلك يُفتِّشونَ على الدوام عمَّن يُفكِّرُ عنهم بالنيابة، فيعودونَ في كلِّ شيءٍ يسيرٍ أو خطيرٍ في حياتهم إلى منْ ينوبُ عن عقلهم. من لا يُدرِّبُ عقلَهُ على التفكير لن يتعلَّمَ الاستقلالَ في التفكير. لا نتعلمُ التفكيرَ إلا بالإدمانِ على التفكير»، وهي الحقيقة التي أراد الرفاعي استظهارها في كلِّ ما خاضَ فيه من مواقف وتجاربَ عبر محطّات حياته التي يعرفُها من خبرَ سيرته عن قرب، ما جعله وفقا لتلك النتيجة أنْ يخرجَ من طوق الجماعات التي آمنَ بطروحاتها في المرحلة العمرية المبكرة من حياته، محافظا على ما تبقّى من ذاته، بل مُعيدا صياغتها وفقا لتراكمٍ من التجارب الثريّة بالدروس، مرتحلا إلى خطابٍ إنسانيٍّ داخل المنظومة القيمية الإسلامية، أرحبَ من خطاب تلكم الجماعات، وهو خطابٌ يرحِّلُ فكرة الجماعة/ المذهب/ الفرقة الناجية، إلى غير رجعة من منطلقات أفكاره التي يسعى لترويجها الآن، في ما صدر عنه من مؤلفات، لأنَّه لا يرى في أدبيات الجماعات والأحزاب مهما اختلفت توجّهاتها سوى نسخةٍ واحدةٍ تتكرّر من حيث المضمون الذي يُكرِّس ذوبان الذات في الجماعة: «أما قيمة الفرد، ومكانتُهُ، وحاجاتُه الذاتية، الروحيّة، والعاطفية، والوجدانيّة، والعقليّةُ، فلا أهميّةَ لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركَّب، الذي هو الجماعة ومتطلّباتُها»، وهذا ما يسعى الرفاعيِّ إلى مناهضته بكلِّ ما أوتِيَ من ثراءٍ معرفيٍّ أتاح له الخوضُ بعُمقٍ ودراية في مثابات متنوِّعة في مجالاتها المعرفية لكشفِ الباطن النفسي، والتمظهر الاجتماعي عند ممثِّلي تلك الجماعات في القديم والحديث، فضلا عن استعراض مواقف من سيرته تكشف لنا ما كان لتلك السيرة من أثرٍ عميق في تشكيل الذات وصياغتها، بما جعل كتابه رحلة تجمع بين المعرفيِّ والجغرافي منها، ويُقدِّمُ لنا من خلالها ضروبا من الخلاصات الضرورية لقراءة الدين ونصوصه في سياق يحفظ كرامة الإنسان وحريته، ولا يسحق الذات في التخندق الهويّاتي بعيدا عن روح الدين. لعل هذه الفكرةَ هي الأساس في هذا الكتاب.

[1] أستاذ في كلية الإمام الكاظم / بابل، متخصص في الادب العربي القديم ونقده.

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

د. أحمد سالم، مدير الندوة أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا بمصر

بعد فترة انقطاع طويلة عن المشاركة فى أنشطة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أعود لإدارة جلسة المفكر العراقى الكبير عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: “الدنيوي والديني في ضوء #علم_الكلام_الجديد“… وهو أحد أبرز الأسماء فى العالم العربى. وهو المفكر الذى إرتقي فى رؤيته للدين من الحدود المذهبية الضيقة إلى الأفق الإنسانى الرحب. وهو المفكر الذى رأى المقدس فى الأفق الإنسانى المتعدد الفهم. وهو يؤمن بأن الدين هو معين القيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والرحمة والمحبة. عبر العين العرفانية كانت اجتهادات عبدالجبار الرفاعى فى فلسفة الدين. وأهمية الدين فى حياة الإنسان. قبل الندوة التقيت بالمستشار عبد الجواد ياسين وبعض الأصدقاء على كافيه “مقهى” أبو عوف فى معرض الكتاب .. فى الساعة السادسة أدرت حوارا جميلا مع القامة الكبيرة الدكتور عبد الجبار الرفاعى عن رؤيته الإنسانية لتجديد الفكر الدينى. وكان حضور الجمهور ممتازا بالقاعة ..كما شرفت  سفيرة العراق بمصر بحضور الندوة … وسفير اندونسيا بتونس مع مجموعة من التلامذة الأندونيسيين بجامعة الأزهر. وكان أجمل ماسمعت بالأمس هو كلام سفير اندونسيا للدكتور عبد الجبار الرفاعي عن سعي السفير الدؤوب لنقل كل ما يكتبه باللغة العربية إلى اللغة الاندونسيه، لأنه يدرك بعمق قيم التسامح التى يدعو لها فى مؤلفاته، وأهمية دور القيم الأخلاقية فى مشروعه الفكرى. ولقد حضر جمع من التلامذة الاندونسيين الذين يدرسون بالأزهر بصحبة السفير. وكم تشعر بجمال الدين مع مسلمى جنوب شرق آسيا. أدركت كيف أن المفكر ينكفي على عمله سنوات لكى يخرجه مكتوبا بين دفتى كتاب، ولكنه لايدرك حجم تأثير مايكتبه، الا حينما يرى أفكاره قد طارت عبر المكان والزمان لتصل إلى قراءه…حقيقى كنت فخور جدا برؤيتى لمدى تأثير ما يكتبه عبد الجبار الرفاعى فى أناس يختلفون عنه فى العرق واللغة، ويتوافقون معه  فى الدين بروحه المتسامحة … كم هى رسالة الكاتب مؤثرة، حين يكتب بصدق يصل صدق ما يكتبه إلى قلوب الآخرين …نورت مصر دكتور #عبدالجبار_الرفاعي.

https://www.almothaqaf.com/e2/973633-%D8%B9%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

 

من الفهم الى الأنطولوجيا .. في سوسيولوجيا الدين: قراءة للدين والظمأ الأنطولوجي

من الفهم الى الأنطولوجيا .. في سوسيولوجيا الدين

قراءة للدين والظمأ الأنطولوجي

 

د. فاطمة الثابت[1]

لكي نقبل هذا العالم يجب أن نرفض هذا العالم، فالوجود أستُهلك إلى درجة الأضمحلال، وهناك تناقض فعلي بين تأمل العالم وبين تحويل العالم، ومن هنا تبرز ضرورة توظيف الفهم الحقيقي للدين ليرتوي “الظمأ الأنطولوجي”.

من منظور اجتماعي، تتضمن أنطولوجيا الدين دراسة طبيعة الكيانات والتجارب والظواهر الدينية في إطار الهياكل والمؤسسات والتفاعلات الاجتماعية. يدرس علماء الاجتماع كيف يشكل الدين المجتمع ويهيكله، وينظرون إلى البناء الاجتماعي للواقع الديني. من أهم القراءات السوسيولوجية للدين قراءة إميل دوركهايم، عالم الاجتماع الرائد، الذي تناول دراسة الدين من منظور وجودي، لا سيما في عمله الأساسي: “الأشكال الأولية للحياة الدينية” الذي نشر عام 1912، كان دوركهايم مهتمًا بفهم الطبيعة الأساسية وجوهر الدين داخل المجتمعات البشرية.

كما قدم ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني، مساهمات كبيرة في الفهم الاجتماعي للدين من خلال كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية “، بينما ركز إميل دوركهايم على التكامل الاجتماعي والجوانب الجماعية للدين، كان نهج فيبر أكثر دقة وشمل باستكشاف تجربة الفرد الذاتية، وتأثير الأفكار الدينية على التغيير الاقتصادي والاجتماعي، حيث وظّف (الفهم). كان نهج فيبر في فهم الظواهر الاجتماعية، بما في ذلك الدين، يرتكز على مفهوم “Verstehen”، وهو ما يعني الفهم باللغة الألمانية، وشدد على أهمية فهم المعاني الذاتية التي يعلقها الأفراد على أفعالهم ومعتقداتهم وتجاربهم. في دراسة الدين كان هذا يعني الاهتمام بالتجارب الحياتية للأفراد والمعاني التي ينسبونها إلى الممارسات الدينية.

وبغض النظر عن السياقات التاريخية التي ميزت بداية وجهات النظر الحداثية وتأثيرها الدائم، فضلاً عن الظهور اللاحق لاتجاهات ما بعد الحداثة، التي كشفت عن نقاط الضعف في العديد من الأيديولوجيات الحداثية، أو من زاوية مختلفة، النظر في إعادة تشكيل المشهد الفكري عالميًا، إن الحاجة ملحة إلى فهم جديد خاصة في العصر الحالي، بعد تراجع الهيمنة الأيديولوجية للفكر الغربي، أصبح من الضروري بالنسبة لنا أن نفهم فهمًا جديدًا واقعنا.

هذا الفهم يبدأ من تشخيص دقيق لأزمة التديّن، حيث يبين د. عبد الجبار الرفاعي: “إن ما وضع الدين اليوم في مأزق تأريخي، هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي الى المجال الأيديولوجي هذا من جهة، ومن جهة أخرى ازدراء بعض النخب للدين واحتقارهم للتديّن، أثر الفهم الساذج المبتذل لحقيقة الدين في فهمهم، والصدور في أحكامهم من نمط التديّن الأيديولوجي الشائع”.

في رحلة عميقة من الذات ينتقل بنا الرفاعي الى الوجود الإنساني، حيث يعتبر “الإيمان تجربة ذاتية، خلافًا للفهم والمعرفة، لا يتحقق الإيمان بالنيابة، بوصفه تجربة تنبعث من الداخل، وصيرورة تتحقق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري”. مَن يقرأ الفصول الأولى للكتاب وما بعدها يفهم هذا النص بتجلياته، يبدأ كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي” بنسيان الذات، ثم نسيان الأنسان، ليصل الى التجربة الدينية وأزمة الظمأ الأنطولوجي، وبعدها يقف على الاحتكار الأيديولوجي لإنتاج المعنى الديني، ويخرجنا من هذه الأزمات الى ضرورة تجديد الفكر الديني. مما يؤدي في النهاية إلى استكشاف التجارب الدينية والتعطش الوجودي للمعنى، فهو يدقق في أزمة الشوق الوجودي، ويواجه احتكار الأيديولوجيات لإنتاج المعنى الديني. وبذلك ترشدنا رحلة الرفاعي إلى الخروج من هذه التحديات الوجودية، وترسم خارطة طريق لتجديد الفكر الديني.

وفي تنمية هذا الفهم والانغماس في الأعماق الروحية لهذه المعاني، هناك تجنب متعمد للابتعاد والازدراء تجاه الذات أو نقيضها، وبدلًا من ذلك، يبدأ الاستكشاف من الذات، ويمتد نحو الوجود، ويرسم صورة متكاملة للوجود الإنساني.

[1] أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بابل في العراق.

الكتابة بوصفها تجربة وجود

الكتابة بوصفها تجربة وجود

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتُها بوصفها تجربةَ وجود. تجربة الوجود فردية، كلّ ما هو فردي ليس ملزِمًا لأي إنسان. أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحَقَّقُ فيه بطورٍ وجودي جديد. فشلتُ في أن أكونَ شخصيةً نمطية، أعرفُ أنِّي لا أنفردُ بذلك، كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ نمطيًّا.

يفرض كونُ الكتابة تجربةَ وجود على الكاتب الذي يعيشها ألا يصغي إلّا إلى ندائها، ماخلا حضورَه فيها يغيبُ الكاتبُ عن كلِّ شيء ويغيبُ عنه كلُّ شيء. لحظةَ يبدأ الكاتبُ الكتابةَ تأخذه إليها، لا تدعه يفكّر إلّا في فضائها،كلّما حاول الهربَ قبضتْ عليه من جديد كيف كان، لا تتركه مالم يمنحها كلَّ ما يمكن من ذكائه وقدراته الكامنة وصبره الطويل. الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ تمكث حياتُه الخاصة مؤجلةً على الدوام.

عندما أكتبُ أقعُ في أسرِ ما أكتبُ، كأني أسافرُ بسيارة تتيه في صحراء ليلًا، ‏أحيانا أتخبطُ وأحيانا أهتدي، يكشفُ لي التخبطُ دروبًا لم أعرفها من قبل. ‏ليست لدي قواعدُ مُلزِمة للكتابة، ولا طقوس مفروض عليّ أن أخضع لها، ولا برنامج أُكره نفسي على الانصياع له، ولا خارطة رسمتُها أنا أو رسمها غيري. لا طقوس أتباهى بها في الكتابة، لا طريقة خاصة أو عادة مستحكِمة، لا أوقات صارمة دقيقة منضبطة. أعيش الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجود أحقّقها وأتحقّق بها، أتذوقها كما يتذوق كلُّ إنسان تجربةَ وجود للذات. تجربةُ الوجود هذه شائقةٌ وشاقة، طالما وقع الكاتب المفتون بصنعته في أسرها، ولفرط اندكاكه بها ليس بوسعه الفكاكُ منها والذهابُ إلى غيرها، مهما كان اغواءُ الصنعة الأخرى ومهما كانت مكاسبُها.

‏ أكتب قناعاتي لحظة الكتابة، ‏أحاول عندما أكتب أن أكون موضوعيًا، أعبر عن ذاتي كما هي بحياد ‏ما أمكنني ذلك. أعرف أن ‏الإنسانَ عندما يتحدث عن الذات حيادُه صعبٌ جدًا. ‏الإنسان كائنٌ بارع في إخفاء عيوبه وثغراته، والتكتم على مواطن هشاشته ووهنه.   أعجز عن أن أكونَ كاتبًا تحت الطلب أو تكونَ كتابتي سلعةً معروضة للبيع، فشلت أن أكونَ شخصيةً آلية، أعرفُ أني لا أنفردُ بذلك،كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ كائنًا آليًا، تتسم كلُّ تجربة وجودٍ بفرادتها. في ممارسة الكاتب للكتابة يرى ذاتَه كلّ مرة بطورٍ وجودي آخر، لا تستنسخ أطوارُ وجوده الآتية أطوارَه الماضية. أحيانًا يكتب الجرح، كتابةُ الجرح أعمقُ تجارب الكتابة وأوجعُها وأغزرُها معنىً، عندما يكتب الجرحُ يشفى الإنسان.

يسعى الكاتبُ المبدع على الدوام أن يعثر على صوتِه الخاص، ولغتهِ الصافية، وطريقهِ الذي لا يمرّ عبر طريق غيره، طريقه الذي لا يوصله إلى نهايات مغلقة. لا يمكن للإنسان اكتشافُ الطريق حين يقاد كأعمى. هدفُ الكتابة أن يتلمس الإنسانُ الضوءَ الذي يدله على الطريق، وفي هذا الضوء يرسم خارطةَ الوصول إلى ما ينشده بأقرب الطرق. مَن يعجز عن اكتشاف طريقه بنفسه يعجز عن الإبداع. عندما يقودك دليلٌ يعرفُ الطريقَ من دون أن تكتشفَ أنت الطريق، تضيّع أثمنَ تجربة اكتشاف في حياتك، وتصبح كأنك معاقٌ يسير بغير أرجله.

لا ‏أتقيّد بخطة في الكتابة، ولا أقيّد طلابي الذين أشرف عليهم في الدكتوراه والماجستير بخطة صارمة، أقول لكلٍّ منهم ‏مارس اجتهادَك في كلِّ شيء، ‏في الكتابة، وفي رسم الخطة. في أثناء الكتابة ربما تستجدّ لديك أفكارٌ ثمينة وتظفر بمعطيات إضافية، حاول أن تضيفَ أو تحذف، حاول تبتكر، تعلّم التفكيرَ الحرّ، تمرّن على أن تناقش ما تقرأ مهما كانت مكانةُ مَن تقرأ له. ليس المهم أن تكون خطتُك كسكة قطار لا تحيد عنها. ‏الخطةُ الجيدة خارطةُ طريقٍ أولية تتوسع أو تتقلص أو تُستبدَل، حاول البحثَ عن الاختلاف أكثر مما تعمل على الاستنساخ، حاول أن تفكر بعمق أثناء الكتابة، وراجع أكثر من مرة ما كتبتَ بهدوء وتأمل فيه بدقة. اكتب وأنت تستحضر آراءَ القراء النابهين ومواقفَهم من كتابتك.

عندما أكتب أفكر كثيرًا بالقارئ، وإن كنتُ أكتب لنفسي قبل الكتابة للقراء، أخاطب نفسي قبل مخاطبة القراء، وأعلّم نفسي قبل أن أكون معلّمًا لأحد. أحاول البحثَ عن إجابات لأسئلتي الوجودية، واكتشافَ حلول لمشكلاتي الفكرية، عسى أن ينكشف لي النورُ الذي يضيء خارطةَ النجاة. يهمني أن أكتشف نفسي قبل أن أكتشف العالم، وأغيِّر نفسي قبل أن أغيّر العالم. أحاول أن أعبّر عن ذاتي كما هي عندما أكتب، أسعى بحماسٍ لأن يكون ما أكتبه وأتحدث به خلاصةَ تأملاتٍ عقلية، وتعبيرًا عن خبرةٍ روحية وحياةٍ أخلاقية. أحاول كتابةَ اكتشافاتي لذاتي، والاعترافَ بثغراتي، ومواطنِ هشاشتي، والتمرينَ على شجاعة الإعلان عن أخطائي، لعل الإعلانَ عنها يشفيني من مواجع الندم ويحرّرني من تكرارها، يهمني البوحُ بشيءٍ من جروحي الغاطسة عساني أطفئ جمرتَها بداخلي. مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ ما هو غاطسٌ في ذاتي. هذه الرحلةُ لا تتوقف، ولا تصل نهاياتِها المغلقة، ولن تبلغ قاعًا أخيرة.كلُّ يوم يتكشفُ في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله عن ذاتي، وعن الناس من حولي، وما لا أعرفه من غموض الشخصية الإنسانية وتناقضاتها.

مَن يقرأ كتاباتي بوسعه أن يرحل معي ويطلع على شيءٍ من محطات حياتي. تدور كتاباتي في آفاق سيرتي الذاتية، أحاول كتابتها بلغة صافية، وأبوح فيها بما يمكنني الإعلانُ عنه، وكأنها لوحةٌ نسجتْها أقداري وآلامي ومواجعُ حياتي. ‏أحاول التحدثَ فيها عن شيءٍ من ضعفي قبل قوتي، وهشاشتي قبل صلابتي، وجهلي قبل علمي، وعواطفي قبل عقلي، ‏وأسئلتي قبل أجوبتي. أحاول الإعلانَ فيها عن شيءٍ من إخفاقاتي قبل نجاحاتي، وضعفي قبل قوتي، وقلقي قبل سكينتي. أكتب لنفسي قبل غيري، أحاول أن أكونَ منقِّبًا ‏أكتب لأغوص في عوالم الذات. ‏الكتابة الجيدة تتكشف فيها سيرةُ الذات وأطوارُها الوجودية، كلُّ كتابة تعبّر عن تجربةٍ معيشةٍ للكاتب تكون شائقةً بمقدار ما هي شقيّة، مريرةً بمقدار ما هي عذبة.كتاباتي سيرةٌ ذاتية لما تراكم من تجارب وجروح مريرة وخبرات مختلفة عشتُها عبر محطات حياتي المتعدّدة والمتنوعة.

يخطئ من يتوهم أن كاتبَ هذا النصّ يدلي بتوصيات جاهزة لتدريب الكتّاب وتوجيه القرّاء. لا أقدّم أية توصيات، لستُ وصيًا على عقل أحد، يهمني تحريرُ العقل من الوصايات مهما كان القناعُ الذي تتلبس به، ومهما اتخذت لها من تسميات. الكتابةُ الجادة تتطلب ذاتًا صبورة، وعقلًا يقظًا، وإرادة شجاعة، وضميرًا أخلاقيًا حيًّا، وتراكمًا لقراءات نوعية، ومِرَانًا متواصلا.

 

رابط النشر:

 

الكتب كالأبناء يصعب الانفصال عنهم

الكتب كالأبناء يصعب الانفصال عنهم

د. عبد الجبار الرفاعي

نقل لي أحدُ الأصدقاء العراقيين المتوطنين في القاهرة سنوات طويلة، يقول: زرتُ أحدَ المؤلفين المصريين المشهورين في بيته، وفي سياقِ حديثنا عن الكتابةِ والتأليف، سألتُه عن كيفية مراجعته وتنقيحه لمؤلفاته المطبوعة عندما يريد إعادةَ نشرها، فقال لي: لا أعودُ للكتاب الذي أنشره بعد صدوره أبدًا، لأن العودةَ إليه تضطرُني لإعادة تحريره، بالشكل الذي يدعوني لتغييره جذريًّا، عند مراجعته أشعر كأني أقومُ بتأليف كتابٍ غيره، وذلك لا يشجعني على النظر في مؤلفاتي الصادرة مجددًا.

يقول الجاحظ: “ينبغي لمن كتبَ كتابًا ألّا يكتبُه إلا على أنَّ الناسَ كلَّهم له أعداء، وكلَّهم عالمٌ بالأمور، وكلَّهم متفرغٌ له، ثم لا يَرْضَى بذلك حتى يَدَعَ كتابَه غُفْلًا، فإذا سكنتِ الطبيعةُ وهَدَأتِ الحركةُ، وتَرَاجَعَتِ الأخلاطُ، وعادتِ النّفسُ وافرةً، أعاد النظرَ فيه، فيتوقّف عند فصوله تَوَقُّفَ مَنْ يكون وَزْنُ طَمَعِهِ في السلامةِ أنقصَ من وزن خوفِه من العَيْب”. حين أقرأ ما كتبتُه بعد سنوات، أحيانًا أكتئب، وأبتهج أحيانًا أخرى. أكتئبُ لشعوري بوهن شيء من كلماتي، وثغراتِ شيء من أفكاري، ولشعوري بما يفكر فيه القارئُ الذكيُّ، وكيف يتأمل ويدقق ما تقوله الكلماتُ وما لا تقوله وتحجبه. أبتهجُ حين يبادرُ قراءٌ أذكياء في الحديث عن الوثبة الروحية التي عاشوها بعد قراءة هذه الكتابات، وما شاهدوه من ألوان مضيئة لصورة الله في شيء من كلماتها، وانبعاث الثقة بداخلهم في أن الدينَ يمكنُ أن يحيي كلَّ معنى جميل في الحياة، ويمكن أن يوقظَ الضميرَ الأخلاقي، ويُكرِّس التكافلَ العائلي، والتضامنَ المجتمعي، ويخفض طاقةَ الشر التدميرية، ويبعث منابعَ الخير في الأرض، ويجعل صناعةَ السلام والعيشَ المشترَك والتراحم هي المشروع الأبدي للتديّن.

الكتبُ كالأبناء يصعبُ على الإنسان العاطفي الانفصالُ عنهم، مهما كانوا، ومهما تقدّمَ به وبهم العمر. أحيانًا تصير الكتبُ أشدَّ صلة بذلك الكاتب الذي نذرَ عمرَه للكتابة وتفرغَ لها، وأعطاها كلَّ ما يملكُ من وقت وطاقة وجهد وصحة، وتنازل لأجلها عن مباهج الحياة ومتعها المتنوعة، وسجن نفسَه في منفى اختياري، بعيدًا عن الأقرباء والأصدقاء، وتجاهلَ ايقاعَ الحياة اليومية وتفاصيلها، وانسحبَ من الواقع بكلِّ ما يحفلُ به من أحزان وأفراح.

كثيرٌ مما ينشرُ لا تنطبقُ عليه شروطُ الكتابة الحقيقية. الكاتبُ الجاد الذي يهمُه حمايةُ صورته أمامَ نفسه أولًا وأمامَ القراء ثانيًا، لا ينفك من تهيب الكتابة مادام منهمكًا بهذه المهمة الشاقة. يقول همنغواي: “إنّ الكتابةَ تبدو سهلة، غير أنّها في الواقع أشقّ الأعمال في العالم”. أحيانًا أكون محرجًا أمام القراء بما أحدثه من تنقيح وتهذيب متواصل في كتاباتي، ومحاولات تصفية متكررة لتنقية العبارات، لئلا تشوبها أكدار. ما يتعبني في الكتابة هو انتقاء الكلمات الحساسة، وبناء العبارات الصافية. حين أكتب أمارس عملية كالمهندس المعماري الذي يهمه الوجه الجمالي للبناء. المعاني حاضرة أحيانًا، ‏ما يرهقني هو استيراد الكلمات العذبة ‏مما هو مختزن في الذاكرة، وأحيانًا أعود إلى قواميس اللغة ومعاجمها عسى أن أجد الكلمات الملائمة لسياق النص. يقول الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير”.

‏ حاولتُ الخلاصَ من عادة استئناف النظر في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي” وغيره في الطبعات الجديدة إلا أني فشلت. ما يدعوني لاستئناف قراءة ما أنشرُه وأعملُ على إعادة تحريره وغربلته وتنقيحه وإثرائه كلّ مرة، هو شعوري بأني دائمًا في حالة امتحان أمام القراء الأذكياء. القارئُ الذكي بالقدر الذي يجعلُ الكاتب حذرًا، وخائفًا إلى حدّ الذعر لدى بعض الكتاب، لهذا القارئ بالقدر نفسه منّةٌ وفضلٌ على كلِّ كاتب يريد لكتابته أن تظلَّ قيد التداول، إذ يجعله متيقظًا مسؤولًا عن كلِّ كلمة يكتبُها وفكرة يبوحُ بها. يثيرُ القارئُ الذكيُّ الكاتبَ فيضطره لإعطاء الكتابةِ كلَّ طاقته ووقته، ويستفزُ مواهبَه ومهاراتِه وخبراتِه لحظةَ يكتب. يجعلُ هذا القارئُ عقلَ الكاتب دائم الهمّ بما يعتزمُ كتابته، متى لاحت في ذهنه فكرةٌ تزامنت بمعيتها الكلماتُ المعبرة عنها، وأردفها مخزونُه اللغوي بخيارات لصيغ متناوبة متبادلة للكلمات والعبارات الأقرب لذوقه في بيان تلك الفكرة والكشف عن مضمونها للمتلقي.

ما يشعرني بالرضا وأنا أعمل على إعادة النظر في كتاباتي هو الإدراكُ بأن هذا تقليدٌ تفرضه عليّ مسؤوليتي الأخلاقية تجاه القراء، ويلزمني به ضميري الذي يدعوني لأن أتعاملَ مع كتابتي مثلما أتعاملُ مع ما يكتبُه غيري، الذي أقرأ ما يقولُ على مَهَل، أتفحصُ كلماتِه وأفتشُ عن ثغراتِ أفكاره. عندما أقرأ ما يكتبُه كاتبٌ بعيون الناقد، أبادر لنقد أفكاري وغربلتها بعيون الناقد أيضًا، ولا أترددُ بتمحيصها وتهذيبِ كلماتِها. أعرفُ جيدًا أن الكلماتِ التي تمكث طويلًا في ذاكرة الكتابة تتطلب الكثير من الغربلة والتمحيص والصقل.كلُّ كتابةٍ يتسع عمرُها بمقدار ما تستجيب لعملية التكثيف بالتمحيص والحذف والاختزال.

أحاول كتابةَ تجاربي الذاتية، مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ الإنسان بدءًا من ذاتي. هذه رحلةٌ لا تنتهي، ولن تقف عند نهايات مغلقة.كلُّ يوم يتكشفُ لي في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله في نفسي وغيري، وما لا أعرفه عن العالَم من حولي.

أعرفُ أن كلَّ مَنْ يفكر يخطئ، لا يخطئ إلا مَنْ لا يفكر. لا يتحرر الإنسان من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه. مَنْ يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ يمتلك القدرة على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير.كلُّ مرة أريد تجديد طباعة أحد أعمالي الذي مضت على صدوره سنوات أتحمس لإعادة بنائه، حين أبدأ بالمراجعة أقع في مغامرة لم أكن أحتسبها، وكأني أكتب كتابًا جديدًا، إذ أقومُ بعمليات تحرير وتنقيح وشطب وإضافات متنوعة. أظن هذه عادة مؤذية يعاني منها كلُّ كاتب يدركُ أن عقلَ الإنسان مهما فكّر وتأمل وراجع تظلُّ النتائجُ التي ينتهي إليها اجتهاداتٍ بشريةً ناقصة وليست نهائية. طبيعةُ البشر النقص، وهو ما يدعو الإنسانَ لطلب الكمال والكدح لبلوغه. الحكيمُ يدركُ أن بلوغَ الكمال متعذر؛ وذلك ما تشي به الآيةُ القرآنية: “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”. يوسف، 76.

موضوعاتُ هذا الكتاب تنشدُ التدليلَ على الحاجة الأبدية للدين، بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية، وتشتركُ في بيان هذه الفكرة المحورية الواحدة بمداخل وتنويعات وبيانات متنوعة، إلا أن فصولَه يمكنُ أن تُقرأ خارجَ تسلسلها في الكتاب، بلا أن يخلَّ ذلك كثيرًا بفهم واستيعاب فصل سابق أو لاحق. وإن كنت أقترح على القارئ أن يصبر على القراءة المتوالية، لأن ترتيب الفصول ومواضعها يعكس سياقها المنطقي وليس عشوائيًّا.

في طبعته الرابعة خضعَ كتابُ “الدين والظمأ الأنطولوجي” لبناءِ شيءٍ من أفكاره، وتهذيبِ شيءٍ من عباراته، وأُعيد ترتيبُ فصوله، واغتنت فقراتُه بإضافات رأيتها ضرورية.

 

مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. يصدر قريبًا عن دار الرافدين في بيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد.

 

     رابط النشر: