Category: القراءة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الرهان على الكتابة

الرهان على الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

يسألني أحدُ الكتّاب الأصدقاء الأعزاء: لماذا لا تكتب للجماهير، نحتاج كتابةً تصنع الرأيَ العام، وتغيّر المجتمع، وتقضي على التخلف، وتنقلنا إلى مرتبة الدول المتقدمة، علينا النزول إلى الميدان، علينا أن نكون ثوارًا في كتاباتنا، نحن في معركةٍ تتطلب شجاعةَ التحدي والصمود والمواجهة والمغامرة، على الكاتب أن يكون كالعقائدي المؤمن بقضيته المتحمّس للقتال في المعركة. قلت له: لست وصيًّا على أيّ أحد، أحاول التحرّرَ من الوصايات، وتحرير الناس من وصايتي. منذ سنوات طويلة هجرتُ الكتابةَ التبشيرية، عندما أدركتُ حاجتي الشديدة لتفسير ذاتي والإنسان والعالم من حولي قبل كلِّ شيء. لا تصنع الرأيَ العام اليوم وتغيّر المجتمعَ الكتاباتُ التعبوية، والحلولُ المبسطة، والأمنياتُ والشعارات والأحلام الرومانسية. معادلات التغيير الاجتماعي التقليدية تبدّلت، عندما يتغير نمطُ التكنولوجيا يتغير نمطُ وجود الإنسان في العالم، وتصير الحياةُ أشدَّ تعقيدًا، والواقعُ أكثرَ تركيبًا، وتتراجع قدرةُ الإنسان على كبحِ التحول وترشيدِ مساراته، وربما يبلغ التحول درجةً ينفلت فيها الواقع، ولا يعود الإنسانُ قادرًا على تشكيله على وفق خرائطه الأيديولوجية ومعتقداته ورؤاه. لست أنا وأنت وغيرنا من الكتّاب مَن يحرّك التاريخَ ويغيّر الناسَ اليوم، ما يغيّر الناسَ هي تكنولوجيا المعلومات والذكاءُ الاصطناعي والروبوتات، والهندسةُ الجينية، ومعطياتُ التكنولوجيا الجديدة في هذا المجال وغيره، والتغيّرُ المناخي، والسياساتُ البراغماتية، والحروبُ العبثية، والكوارثُ الطبيعية والزلازل، والأوبئةُ المباغِتة. يجد ‏الإنسانُ الحاذقُ الذي يواكب الواقعَ بدقة نفسَه غارقًا بتحولات عميقة تعصف به كإعصار، وكأنه يسبح في تيارِ شلّالٍ متدفق، لا يهدأ، ولا يعرف إلى أين هو ذاهب. أوضحُ مرآةٍ تنعكس فيها صورةُ هذه التحولات هو تطبيق Chat GPT الجديد وشقيقاته، الذي وصفه بيل غيتس المؤسّس المشارك لشركة (Microsoft) بقوله: “إن برنامج الذكاء الاصطناعي (ChatGPT) له نفس أهمية اختراع الإنترنت، كما قال لصحيفة (Handelsblatt) اليومية الألمانية في مقابلة نشرت اليوم الجمعة”[1]. لا أريد أن أكون متشائمًا بشأن ما يعدنا به الذكاءُ الاصطناعي ولا متفائلًا. أتحدث عن قدراتنا كبشر على التكيّف مع واقعٍ ملتبس شديد التعقيد، تتحكم فيه إراداتٌ متصارعة، ورأسُمال متوحش لا يعرف إلا الربحَ العاجل، وتصنع تحولاتِه بعمق تكنولوجياتٌ جديدة وضعته على أعتاب منعطف لم تتكشف ملامحُ خريطته، ولا يدري الإنسانُ مآلاتِه فيه غدًا.

منذ بدأتُ النشرَ لم أتوهم يومًا أن العالمَ يتغيّر على إيقاع كتاباتي، أو أن الناسَ يترقبون أن يكتمل رسمُ خرائط حياتهم وطرائق عيشهم بأفكاري وكلماتي، دائمًا أعيش هاجسَ أن ما أقوله لا ينصت إليه أحد. أحيانًا يتفاقم شعوري بلا جدوى كتاباتي، ما يسعفني ويخفض ضراوةَ هذا الشعور، ويستحثّني على إنفاق وقتي يوميًا بين القراءة والكتابة وتحرير النصوص، هي الحاجةُ إلى منجزٍ يشعرني بالحضور في العالَم. لست محبطًا ولا يائسًا، مازلت أنجو بالكتابة من الخوضِ في متاهات الحياة، وحمايةِ نفسي من الاكتئاب والمحافظةِ على صحتي النفسية، بغضِّ النظر عن أصداءِ هذه الكتابات وانقسامِ مواقف القراء حيالها. ما أجنيه من مكاسب في الكتابة تدعوني للاستمرار، إذ تخفض شيئًا من قلقِ الوجود والشعورِ المرير بضراوة الشرّ وتفشيه في الحياة، وتمنح حياتي شيئًا من المعنى. لا أتقن أيّةَ مهنة في الحياة سوى القراءة والكتابة، إن كانتا مهنة، لا يلهمني فعلٌ في الحياة كما تلهمني القراءةُ والكتابة.

قيمة الكتابة في صدقِها بالتعبير عن الذات أولًا، وصدقِها مع القراء ثانيًا. دائمًا أكتب ما أعتقده صوابًا لحظة كتابته، لم أكتب يومًا ولن أكتب ما أكذب به نفسي أو أخون ضميري الأخلاقي أو أضلّل القراء وأخدعهم. لا أتردّد بإعلان قناعاتي عندما تتغيّر في ضوءِ الدليلِ العقلي، وأصداءِ ما أعيشه في الواقع وانعكاسه على حياتي وحياة الناس. العقل الذي ينشغل بالتفكير والتأمل وإعادة النظر في قناعاته، وتمحيصها بامتحان الأسئلة الصعبة، لا تتصلّب قناعاتُه ولا تنغلق بشكل نهائي. الضمير يفرض على صاحبه أن يذعن لما يمليه عليه عقلُه، ولا يتردّد في إعلان ما يراه صوابًا، ويحمي صاحبَه من أن تكذِّب رؤاه وأفكارُه ومفاهيمُه أحاديثَه وكتاباتِه ومواقفَه. لا أراهن كثيرًا ‏على قدرة جيلي على مواكبة الواقع والإصغاء لصوت المستقبل. الواقع الذي نعيشه بحاجة لأن نكون أنا وجيلي أكثرَ شجاعة لنعلن للأبناء أن كثيرًا مما نراه من خراب أوطاننا المسؤولُ عنه أيديولوجياتٌ منفصلة عن الواقع، نسجها خيال أيديولوجيين مسكونين بأحلام رومانسية، ممن لا يعرفون مصالحَ أنفسهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، وأحيانًا لا يعرفون بوضوح حتى ما يرفضونه بشدّة وإصرار عنيد.‏

لا يتغيّر العالمُ اليوم بكتاباتنا مهما كانت قيمتُها،‏كلُّ شيء من حولنا يتغيّر بعوامل عظمى خارج حدود قدراتنا.‏ لا أجد لكتاباتي وأمثالي أثرًا ملموسًا في إنتاج هذه العوامل، وإن كان هناك تأثيرٌ في تغيير الواقع فهو محدود جدًا. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نكتشف الديناميكيةَ التي يتغيّر على وفقها العالَم، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَم تبعًا لها.‏ نمطُ الحضور هذا يُعاد فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلّت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدّد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم.

واحدةٌ من المتاعب الموجِعة في مهنتي ككاتب أني لا أثق كثيرًا بكتاباتي، كلّما أقرأ ما أكتب تهتزّ قناعتي بكلماتي. المواقف الصادرة عن قراء لا أعرفهم ولا يعرفوني، ولم ألتقِهم من قبل، تعيد لي الثقةَ بما أكتب. يرى بعضُ القراء الكرام أن هذه الكلمات تعمل على خفض القلق الوجودي الذي يعيشه الجيل الجديد خاصة. ربما يعود تأثيرُ هذه الكلمات إلى أني أكتبها بصدق وإخلاص، وأكرّر كتابتَها عدة مرات إلى أن أستنفد كلَّ طاقتي، ولعلّ ذلك ما يدعو بعضَ القراء للقول بأنهم يتذوقونها وكأنها طعامٌ شهي.

بعض الكتّاب يظن أن العالمَ يتغيّر على إيقاع كتاباته، وأن كتاباتِه أهمُّ للبشرية من اكتشاف الكهرباء والسيارة والطائرة والبنسلين والانترنيت وغيرها، وأبرز من يمثّل هؤلاء كتّابُ الأيديولوجيات ممن تطغى في كتاباتهم الوثوقيات، وربما لا نقرأ لديهم أيّةَ كلمة في كتاباتهم تكشف عن ظنٍّ أو لايقين أو تشكيك. أكثر الكلمات في أحاديثهم وكتاباتهم تعبّر عن ثقةٍ مفرطة وجزمٍ نهائي، وحماسٍ يصل أحيانًا درجةَ الهوس، ورفضِ الإنصات لأية فكرة لا تنطق بما يقولونه. بعضُهم يرى نفسَه نبيًا مبعوثًا أرسلته السماءُ لإنقاذ البشرية. شخصياتهم صارمة، إراداتهم حازمة، وعنادهم لا ينكسر. يقينهم راسخ أبدي، مواقفهم نهائية، مهما تغيّرت الأحوال، وكذّبت الوقائع آراءَهم وشعاراتهم ورهاناتهم وأحلامهم. كثير من هؤلاء تحميهم هالةُ أسمائهم الكبيرة، ويلوذون بجماعات تحميهم وتروّج كتاباتهم بشكل واسع مهما كان مضمونُها، خاصة إن كانوا في شبابهم في حضانة أحد الأحزاب السياسية. أية محاولة لإعادة النظر في أعمالهم تُجهض قبل ولادتها، بعد أن يصنعون اسمًا لهم يحتمون به كلَّ حياتهم، ويواصلون الكتابةَ وتكديسَ مؤلفات بلا غربلة واختبار علمي لأعمالهم.

[1] (شبهه بأهمية اختراع الإنترنت… بيل غيتس يمدح “شات جي بي تي” والذكاء الاصطناعي)، قناة الجزيرة، مقال منشور بتاريخ 10-2-2023.

 

رابط النشر:

تعلمت من الكتابة أعمق مما تعلمت من القراءة

تعلمت من الكتابة أعمق مما تعلمت من القراءة

د. عبد الجبار الرفاعي

بدأت تمارينُ الكتابة في المرحلة الثانوية، لم تنضج لغتي وتصطبغ ببصمتها المميزة إلا بعد سنوات من تلك التمارين المتواصلة. أخيرًا أضحت لغةُ كتابتي بمعجمُها تفرض عليّ نوعَ الكلمات وأسلوبَ التعبير، وتؤثر وتتأثر بطريقة التفكير، كأني وقعتُ في أسر هذه اللغة، ولم أعد قادرًا على انتزاع نفسي منها. عندما يكرّر بعضُ القراء الطلبَ بأن أكتب بلغةٍ بديلة أعجز عن تلبية رغبتهم، بعد أن وقعتُ في شباك هذه اللغة. لم أدعِ يومًا أن الأفكارَ الواردة في كتاباتي كلها مبتكرة، لم يكتبها أحدٌ من قبلي.كتاباتي خلاصةُ مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي ولم ولن تتوقف، وعصارةُ أسئلة ذهنية وتأملات فرضها عليّ عقلي الذي لا يكّف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسّب من جراح بأعماقي في محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك طريقةَ تأثيره في فهمي.

الكتابة داء ودواء، قبل الكتابة أقلق، حين أفرغ منها أهدأ، بعد النشر أسكن، وأخيرًا أنسى ما كتبتُ لحظة أنشغل بما هو جديد، وإن كنتُ أكرّر العودةَ إليها لو استجدت رؤيةٌ موازية أو مضادّة. لا أستطيع مغادرةَ النصّ الذي أكتبه مادام تحت يدي، أخضع على الدوام لضغطٍ نفسي يكرهني على العودة للنظر فيه بين حين وآخر، لا ينقذني منه أحيانًا إلا النشر. في الكتابة ‏اللغةُ ترهقني أكثر من الفكرة، أحيانا أكرّر تحريرَ النصّ الذي أكتبه عدة مرات. ‏حين أكتب أمارس وظيفةً تشبه وظيفةَ المهندس المعماري، الذي يهمّه الوجهُ الجمالي للبناء. ‏أغلب الأحيان لحظةَ أكتب أجد المعاني حاضرة، ‏ما يرهقني هو العثورُ على الكلمات المناسبة للسياق ‏في القاموس اللغوي المخزن في ذاكرتي، وأحيانًا تتعسر ولادةُ الكلمة في ذهني فالجأ إلى قواميس اللغة ومعاجمها. ليست هناك لغةٌ مكتفية بذاتها، ‏إذا اتسع أفقُ المعاني اختنقت الكلمات. أعرف أن كتابتي تلبث ناقصةً لا تخلو من وهنٍ في شيء من أفكارها وكلماتها وعباراتها، مهما حاولتُ إعادةَ تحريرها وتنقيتها، ذلك ما يحثّني على إعادةِ النظر فيها وتكرارِ تحريرها على الدوام. اللايقين يستولي عليّ حين أكتب، أعود إلى كتاباتي أتأمل ما تتضمنه من مفاهيم وآراء ومواقف، أحاول غربلتَها وتمحيصَها مجدّدًا، واستبعادَ ما ينكشف من هشاشتها واعوجاجها، أحيانا أعيد كتابةَ الفقرة مرات عديدة. أمعن النظرَ في لغتها، أحذف الكلمات الواهنة، أحرّرها من الفائض اللفظي الذي يستنزفُ طاقةَ المعنى وينهكها. أعرف أن الجملَ القصيرة أشدّ إيقاعًا من الطويلة، الكاتب المتمرّس يقتصد في الكلمات، ويكثّف النصَّ ما أمكنه ذلك. رأيتُ بعضَ الكتاب يربك إيقاعَ النصّ بالإفراط في حروف العطف وأدوات الوصل والربط والاستئناف، وربما تلبث لديه الكتابةُ سائبةً لا تصنع حدودَها. براعة الكاتب تعلن حضورَها في الإيجاز، في الكتب الخالدة كلُّ صفحة تختزل ألفَ صفحة، كلُّ عبارة تختزل ألفَ عبارة، كلُّ كلمة تختزل ألفَ كلمة. الكتابةُ فنُّ الحذف والاختزال.

كلُّ كتابة أنشرها مسودةٌ لكتابةٍ لاحقة، وهكذا تتوالى كتابةُ المسودات. الكتاب الذي أكتبه لا أراه نهائيا، أكتبه كتابةً أولية، وبعد تحريرٍ وتنقيح ومراجعات متعدّدة أبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسودة لطبعة لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتي مسوداتٍ مفتوحةً أعجز عن النظر إليها بوصفها نهائية، وكأني أحلم بكمال شيء يعاند الكمال. لا أصل للشعورِ باكتمال النصّ، ونقائه من الوهن والثغرات، وصفاء صوته، وقوة طاقة المعنى الذي يريد إبلاغَه للقارئ،كثيرًا ما أعود إليه لتقويمه وترميمه وإثرائه. الكتاب الذي أفرغ منه أتردّد في نشره، وأقلق لحظةَ صدوره، مثلما يقلقني إهمالُه ونسيانُه، ينتابي شعورٌ أحيانًا كأنِّي خنتُ ذلك النصَّ المؤجل، أو خنتُ القرّاءَ ممن يتطلعون أن يجدوا في كتابتي ما يبحثون عنه.

القارئ يبهجه الضوءُ بغضِّ النظر عن المصباح الذي يصدر منه. يهمني القارئُ المحترِف حين أكتب، أعرف أن القارئ المحترف ذوّاق، لا يطيق الكلمات المقعرة والعبارات المكرّرة والشعارات ‏المبتذلة لغةً ومضمونًا، ‏لا أريد أن أخون القارئَ الذي لولا دعمه واعترافه لنضبت لدي طاقةُ الكتابة. القارئ يتطلع أن تتكشّف له صورةُ الكاتب الحقيقية، وما يريد أن يقرأه في كتاباته، القارئ مولعٌ بكلِّ ما حجبناه عنه، فلو بادرنا للاعتراف بضعفنا البشري بشجاعة لا نحتاج إلى دعاية أو ترويج لما نكتب. أكثر الكتابات المنشورة تخفي أكثرَ مما تعلن، وتبرّر أكثر مما تعترف، وتتكتم أكثر مما تبوح، وتموّه أكثر مما تصرّح، وتخادع أكثر مما تصدق، أجد بعضَ الكتاب يبرع في صناعة الأقنعة، وهو يحاول حجبَ تضخم ذاته وراء تلك الأقنعة.

مضافًا إلى خوفي من ممارسة الكتابة كنتُ أخاف في البداية من عرض ما أكتب على أيّ إنسان، امتلكتُ شيئًا من الجرأة بعد مدة فقدّمتُ ما أكتب لبعض الخبراء. كنتُ أحذر بشدّة من أيِّ نقد، أدركتُ لاحقًا أن استمرارَ هذا النوع من الحذر يعيقني من الإقدام على النشر، وربما يعجزني من خوض مغامرة الكتابة. جربتُ أنه يمكنني التخفيفُ من ذلك وخفضِه بعد ترويض نفسي على الاعترافِ بأخطائي وضعفي، والإعلانِ عن استعدادي للتعلّم والإصغاء لحكمة وخبرة أيّ إنسان، والإصرارِ على المضيّ في تمارين الكتابة وإعادة الكتابة. الاعتراف بالخطأ في مجتمعاتنا ينظر إليه أكثرُ الناس بوصفه فضيحة، استطعتُ بمشقة أن أمتلك الاستعدادَ للاعتراف بالخطأ الذي كان مُحرِجًا جدًا أول الأمر، عبر المران صار أقل إحراجًا، كلما أعلنتُ عن أخطائي قبل أن يعلنها غيري تخفّفتُ أكثر، واستطعتُ أن أجعل منجزي أكمل. جربتُ أن ليس هناك ما ينقذ الإنسانَ من عبء الشعور بالعجز وخوف الفشل إلا سبقه للبوح بفشله وإعلانه بأنه فشل في محاولاته الأولى والثانية والثالثة وهكذا. أسعى أن تتضمن كتاباتي بوحًا بأخطائي ووهني وهشاشتي ما أمكنني ذلك في مجتمعٍ يسيء تفسيرَ ذلك.

الكتابة ليست عملاً فردياً بحتاً،كلُّ كتابة حقيقية تختزل سلسلةً طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكلَّ ما تشبّع به وتمثّله وعيُ الكاتب، وترسّب في لاوعيه. لا يتكون الكاتبُ إلا بعد أن يقرأ كلَّ شيءٍ وينسى معظمَ ما قرأ، الكتابة منجز مشترك، تنصهر فيها عناصرُ مختلفة لنصوص طالعها الكاتبُ لتولِّد مركبًا مادتُه منها إلا أنه يتكلم لغتَه، وينصت فيه القارئُ لأنغام صوته. في كلّ نصّ ترقد عدة ُطبقات من النصوص، في كلّ نصٍّ تتجلى نصوصٌ متنوعة تحيل إلى معجمِ الكاتب اللغوي ومرجعياتِه ورؤيتِه للعالم، وتتكشّف فيها ثقافتُه وما أنتجته قراءاتُه وتفكيرُه وتأملاتُه. في كلّ نصّ ثري نستمع لصوتٍ تتناغم فيه ألحان عدّة أجناس من الكتابة، تتوحد ألحانُها وكأنها نغمٌ واحد. الكاتب الجادّ يلتقي الجميع، ويتعلّم من الجميع، يلتقي بما هو مشتَرك إنساني، ويتعلّم من المتفرّد فرادتَه.

كتاباتُ كلّ ِكاتب تغترف من نهرٍ واحد، بعضُها يغذّي بعضَها الآخر.كلُّ كاتبٍ يكتبُ كتابًا أساسيًا واحدًا، ما قبله تمارين ما بعده تنويعات. الكاتب الحقيقي تصنعه الكتابةُ بقدر ما يصنعها، وتعيد بناءَ ذاته من جنس ما يبنيها، البناء بمواد هشّة يبني كاتبًا وكتابةً هشة، البناء بمواد متينة يبني كاتبًا وكتابةً متينة. يتعلم الكاتبُ الصبور من الكتابة أكثر مما يتعلم من القراءة، بعد الفراغ من كلِّ كتابة جادّة يخرج بوعي أعمق لذاته ولغيره، وبرؤيةٍ أشدّ وضوحًا للعالَم من حوله، يجد ذاتَه في صيرورة وجودية تتغذّى بالكتابة وتغذّيها.‏‏

الكتابة لدي تمارينٌ على وعي الحياة، عبر اكتشاف أسرار الذات، وما يخفيه الإنسان، وكيف أستطيع أن أنجو بنفسي من هول هوس الناس وصخب الحياة من حولي، وأربح سلامي الباطني.‏‏ التحدي الذي يستفزني في الكتابة يؤلمني بقدر ما يعلمني، علمتني الكتابة أعمق وأدقّ وأثمن مما علمتني القراءة، مثلما علمني التعليم ما هو أثمن مما علمتني التلمذة. بعد الفراغ من كلِّ كتاب أخرج بوعي أعمق لذاتي ولغيري، وبرؤيةٍ أوضح للعالَم من حولي. لم أجد نفسي خارجَ الكتابة منذ أكثر من 45 عًاما تقريبًا، على الرغم من أني أحبّ القراءةَ أكثر من الكتابة، وإن كنتُ أكتشف المزيدَ من الطبقات العميقة لذاتي، وأشعر كأني أعيد تشكيلَها من جديد بالكتابة.

أكتب رحلتي الأبدية لاكتشافِ الذات واكتشافِ الناس من حولي، واكتشافِ أجمل تجليات الله في الوجود. أحاول تأملَ أسئلتي وإعادةَ النظر في إجاباتي، وتعميقَ البحث فيها والتعرّفَ على ثغراتها، والسعيَ للظفر بإجابات أعمق وأدقّ.

 

 

 

 

غواية الكتابة

غواية الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

غوايةُ الكتابة واحدةٌ من غوايات عصر تكنولوجيا المعلومات. صار الهوسُ بالكتابة والنشر، بلا موهبة ولا قراءة مكثفة ولا تفكير صبور،كهوس تكديس الشهادات العليا بلا تكوينٍ علمي. يورث الحضورُ في تطبيقات وسائل التواصل إدمانَ الشهرة، يصبح هذا الإدمانُ أحيانًا على غرار الإدمان على الهيروئين،كذلك يورث الحضورُ فجأةً في السلطة إدمانًا من نوعٍ آخر، مَن يعمل سنوات طويلة من حياته مسؤولًا في سلطة، أو مسؤولًا في تنظيمٍ سياسي بدولة أو مدينة صغيرة أو كبيرة، فينتقل فجأةً للأدب والثقافة والفن في منتصف عمره أو في خريف العمر بغية المزيد من الحضور والشهرة. يجهل أو يتجاهل هؤلاء أن البدايةَ بالإنتاج الفكري والأدبي والفني متعذرةٌ بلا تكوينٍ مستمر وتفكيرٍ متأمل وتراكمٍ طويل لقراءات تتواصل العمرَ كلِّه. يمكن أن يجد الإنسان نفسه في السلطة في أي مرحلة من عمره، بلا تأهيلٍ سياسي واجتماعي وثقافي، ويصل إلى مواقع متقدّمة بسرعة خاطفة، إن كان يتقن الانخراطَ بجماعات ترفعه لهذا الموقع. ‏سياقاتُ التكوين الفكري فردية، وهي تحتاج إلى قراءاتٍ تتسع لعمر الإنسان كلِّه وتفكيرٍ مزمن وممارسةٍ يومية للكتابة، وسياحةٍ في الثقافات والآداب والفنون والمعارف والعلوم، وشغفٍ بالكتاب وولعٍ لا ينطفئ بالمطالعة. لا تتراكم الثقافاتُ والآداب والفنون والمعارف والعلوم وتتفاعل إلا في رحلة العمر الممتدة ومحطاته المتنوعة، ولا تتخصب وتنضج إلا ببطءٍ وزمن مديد.

سألني شخصٌ ممن تقدم بهم العمرُ، لم يمتهن المطالعةَ في حياته، ولا علاقة له بالكتاب والمكتبات، أنه يريد أن يبدأ بكتابة رواية فماذا يفعل؟

قلت له: الكتابة الإبداعية لا تولد بقرار، لست روائيًا ولا ناقدًا، لم أجرؤ حتى اليوم على كتابة رواية. الرواية من أثمن أجناس الكتابة وأغناها وأصعبها احترافًا. ليست الروايةُ تكديسَ ألفاظ أو حكايات مبعثرة، الرواية تتطلب موهبةً ومهارة وكاتبًا لا يمتلكها إلا بعد تراكمٍ معرفي وجمالي واسع وعميق، ومطالعاتٍ غزيرة لأعظم الروائيين العالمين والعرب، وتمارين شاقة على الكتابة تصل حدَّ الضجر. تتناغم في فضاء الرواية أجناسٌ كتابية وفنون ومعارف متنوعة، يحتاج الروائي مضافًا إلى الموهبة ثقافةً موسوعية تلتقي فيها مختلفُ أنواع الثقافات والآداب والفنون والمعارف، وشغفًا مبكرًا بالمطالعات المتنوعة. ليس هناك نصٌّ يبدأ من لا شيء، النصُّ المكثّفُ نسيجٌ يحيلُ إلى ما يختزنه الكاتبُ من نصوص قرأها في مراحل متوالية من حياته. تتجلى براعةُ الكاتب في استلهام ما يمده به الخزّانُ المترسب من قراءاته في أعماقه.

كاتب الرواية المحترف يحتاج مدةً طويلة للقراءة والتحضير لعمله، بعض الكتّاب يحتاج مدة طويلة للتحضير لعمله الروائي أحيانًا، وربما يتطلب التحضيرُ للرواية عدة سنوات. قرأت لأمبرتو إيكو أنه أمضى (ثمان سنوات من أجل كتابة “بندول فوكو”… وفي الفترة التي كنت أحضّر فيها لكتابة روايتي بندول فوكو، قضيت ليالي بأكملها أتجول في ردهات معهد الفنون والحرف في باريس، حيث تدور بعض أحداث القصة، إلى أن يغلق أبوابه. ومن أجل وصف تجوال كاسوبون ليلاً في باريس من المعهد إلى ساحة ليفوج، ثم إلى برج إيفل، قضيت ليالي كثيرة أتجول في المدينة بين الثانية والثالثة صباحاً، أهمس في مسجل مدوناً ملاحظاتي حول ما أرى، ولكي لا أخطئ في أسماء الأزقة والمدارات)[1].

الروائي الحاذق لا يقف عند القراءة والتخيّل، بل يجد نفسَه يتقمّص أدوارَ أبطال روايته ومواقفهم، ويتموضع في أماكنها وأزمنة حوادثها، وينصهر بوقائعها، يعيش الأحداثَ ويتماهى مع الشخصيات ويسكن الأماكنَ وتسكنه. لفرط شغف الروائي يقع في فضاء الحدث ويتلبّس به كأنه هو من عاشه، ويلبث فيه مادام يفكر ويتخيل ويكتب عمله، لا يستطيع أن ينفكّ عنه في اليقظة، وعادة ما يلاحقه في نومه وأحلامه وكوابيسه. الروائي الحاذق لا يمكنه نسيانُ حضور شخصيات روايته، يتوحّد معهم إلى حدٍّ تتغلّب على مشاعره مشاعرُهم وينعكس صدى انفعالاتِهم ومواقفهم في انفعالاته ومواقفه. لفرط اندكاكه بكلِّ شيء في روايته ربما يأخذ شيئًا من كلِّ شيءٍ فيها إلى المستقبل، ولعمق تقمّصه لكلِّ التفاصيل وما يقع فيها تكون شخصيتُه حالةَ الكتابة كأنها صورةُ رواياته ورواياتِه صورةُ شخصيته. يتحدث نجيب محفوظ عن كمال عبد الجواد بطل ثلاثيته فيقول: “الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي… التطور العقلي لكمال أذكر انني مررت به خطوة خطوة”[2].

تفرض الكتابةُ على الذهن أن يفكر بعمق في كلّ كلمة، اللغة ليست أداةَ تواصل فقط،كلّ كلمة تستبطن، منذ نشأتها وعبر رحلتها الطويلة، معاني مستترة. تطويعُ لغة الكتابة أشدُّ امتحانات كلِّ كاتب، تظهرُ حذاقةُ الكاتب في القدرة على الاستمرار بتغذّية الذهن بكلماتٍ يسطعُ ألقُها ويرتسمُ معناها بذهن القارئ، وبراعته في حرصه على عدم استنفاد ما تختزنه ذاكرتُه من هذا النوع من الكلمات. الكتابة الجيدة لغتها صافية، أفكارها واضحة، أسلوبها يتقن اقتصادَ الألفاظ، لا تغرقه كلماتٌ لا تقول شيئًا. تكتب الروائية إيزابيل الليندي: “أنا أصحح إلى حد الإنهاك، وفي النهاية أستسلم. الرواية دائمًا غير منتهية تمامًا، ودائمًا ما أفترض بأنها يمكن أن تكون أفضل، ولكنني أبذل قصارى جهدي… أن تستعبدك حكاية فهذا مرض. إنني أحملُ القصة في داخلي طوال اليوم، طوال الليل، في أحلامي، في جميع الأوقات. كلُّ شيء أراه، كل شيء يحدث، يشعرني بأن الكون يتحدث معي لأنني أوصِّل القصة… لا أزال خائفة من امتناع قدرتي عن الكتابة. الأمر أشبه بابتلاع الرمل، إنه مروّع”[3].

‏ يرى الروائي المبدعُ صورةَ العالم في أصغر الأشياء في عينه وأقصاها عنه، يرى كهلًا في طفل، يرى غابةً في شجرة، يرى جبلًا في صخرة، يرى شلالًا في قطرة، يمكن أن يرى في أصغر شيء كلَّ الشيء. المبدعُ يتحسّس ما لا يتحسّسه غيرُه، وينفعل بما لا ينفعل به غيرُه، ويتألم بما لا يؤلم غيرَه، ويكتئب بما لا يكتئب به غيرُه، ويبتهج بما لا يبهج غيرُه.كأنه يرى جزئيات كلّ شيء وذراته بمجهرٍ يضيء التفاصيلَ الهامشية بما يعجز عن رؤيته غيرُه.كلُّ قصة مادة ثرية لتأليف رواية ترسم لنا شيئًا من تجليات أعماق النفس الإنسانية، وتكشف ملامحَ صورة الإنسان ومختلف أحواله وهواجسه وقلقه وتناقضاته، والعالَم الذي يعيش فيه. حياةُ كلّ إنسان قصةٌ بل سلسلةُ قصص لا تكرّرها حياةُ إنسان آخر.‏كلُّ شيء في هذا العالم قصة، الكتابُ قصة، القصيدةُ قصة، الكلمةُ قصة، البذرةُ قصة، النبتةُ قصة، الوردةُ قصة، الشجرةُ قصة.كلُّ علاقة لإنسان بإنسان، كلُّ حدث، كلُّ نجاح، كلُّ فشل،كلُّ حزن، كلُّ فرح، كلُّ شيء مهما كان قصة تتسم بفرادة. تحكي كلُّ قصةٍ تميّز هذا الكائن واختلاف أحواله ومواقفه وانفعالاته وأفعاله. يقول يونغ: “في بعض الأحيان تستطيع شجرةٌ إخبارك أكثر مما تستطيع الكتبُ إخبارك به”[4].

لا يجد المبدعُ نفسَه على حالة واحدة حين يكتب، ربما يكتب نصًا لحظة توهجٍ لن يعود قادرًا على كتابة ما يشبهه في لحظة آتية. الكاتبُ الحقيقي مبدع، الإبداع اختراقٌ للقوانين المتعارَفة للكتابة وخروجٌ على الطرق المرسومة من قبل، ومغادرةٌ للأساليب المملة. أحيانًا يعجب الكاتبَ نصٌّ، يجد قلمَه يضيع عندما يحاول تقليده، لا هو ارتقى إلى لغته، ولا استطاع أن ينتج نصَّه الخاص. أحيانًا يحاول أن يستأنف محاكاةَ نصِّه الذي أنتجه كما هو مرةً أخرى، فيجد قلمَه يعاند تكرارَ التجربة مهما حاول أن يكرهه على ذلك.

كلٌّ يكتبُ على شاكلته، النصُّ كائن حيّ ‏يختلف باختلاف مثابرة وموهبة ولغة وعصر وحالة مَنْ يكتبه. لو كان الكاتبُ يكرّرُ ما يكتبُه غيرُه ويطابقُه، لأصبحت الكتابةُ نسخةً واحدة، ‏ولما تمايز كاتبٌ عن كاتبٍ وإبداعٌ عن إبداع، ‏ولصار كلُّ الروائيين دوستويفسكي، وكلُّ الفلاسفة إيمانويل كانط، وكلُّ العرفاء النفّري ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، وكلُّ الأدباء العرب الجاحظ وطه حسين ونجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف.‏‏‏

[1] أمبرتو إيكو، اعترافات روائي ناشئ، ترجمة: سعيد بنغراد، ص 26-27، 2014، المركز الثقافي العربي، بيروت.

[2] نجيب محفوظ، أتحدث إليكم، ص 33-34، ط1، 1977، دار العودة، بيروت.

[3] ميريدث ماران، لماذا نكتب: عشرون من الكتّاب الناجحين يجيبون على أسئلة الكتابة، ترجمة: مجموعة من المترجمين، مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى، ص 32-35، ط3، 2013، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت.

[4] هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ، ترجمها وعلق على نصوصها: أحمد الزناتي، 165، 2022، الكويت. عن: (كارل غ. يونغ، الرسائل، الجزء الأول، صفحة 179).

 

رابط النشر:

الكتابة بوصفها تجربة وجود

الكتابة بوصفها تجربة وجود

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتُها بوصفها تجربةَ وجود. تجربة الوجود فردية، كلّ ما هو فردي ليس ملزِمًا لأي إنسان. أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحَقَّقُ فيه بطورٍ وجودي جديد. فشلتُ في أن أكونَ شخصيةً نمطية، أعرفُ أنِّي لا أنفردُ بذلك، كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ نمطيًّا.

يفرض كونُ الكتابة تجربةَ وجود على الكاتب الذي يعيشها ألا يصغي إلّا إلى ندائها، ماخلا حضورَه فيها يغيبُ الكاتبُ عن كلِّ شيء ويغيبُ عنه كلُّ شيء. لحظةَ يبدأ الكاتبُ الكتابةَ تأخذه إليها، لا تدعه يفكّر إلّا في فضائها،كلّما حاول الهربَ قبضتْ عليه من جديد كيف كان، لا تتركه مالم يمنحها كلَّ ما يمكن من ذكائه وقدراته الكامنة وصبره الطويل. الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ تمكث حياتُه الخاصة مؤجلةً على الدوام.

عندما أكتبُ أقعُ في أسرِ ما أكتبُ، كأني أسافرُ بسيارة تتيه في صحراء ليلًا، ‏أحيانا أتخبطُ وأحيانا أهتدي، يكشفُ لي التخبطُ دروبًا لم أعرفها من قبل. ‏ليست لدي قواعدُ مُلزِمة للكتابة، ولا طقوس مفروض عليّ أن أخضع لها، ولا برنامج أُكره نفسي على الانصياع له، ولا خارطة رسمتُها أنا أو رسمها غيري. لا طقوس أتباهى بها في الكتابة، لا طريقة خاصة أو عادة مستحكِمة، لا أوقات صارمة دقيقة منضبطة. أعيش الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجود أحقّقها وأتحقّق بها، أتذوقها كما يتذوق كلُّ إنسان تجربةَ وجود للذات. تجربةُ الوجود هذه شائقةٌ وشاقة، طالما وقع الكاتب المفتون بصنعته في أسرها، ولفرط اندكاكه بها ليس بوسعه الفكاكُ منها والذهابُ إلى غيرها، مهما كان اغواءُ الصنعة الأخرى ومهما كانت مكاسبُها.

‏ أكتب قناعاتي لحظة الكتابة، ‏أحاول عندما أكتب أن أكون موضوعيًا، أعبر عن ذاتي كما هي بحياد ‏ما أمكنني ذلك. أعرف أن ‏الإنسانَ عندما يتحدث عن الذات حيادُه صعبٌ جدًا. ‏الإنسان كائنٌ بارع في إخفاء عيوبه وثغراته، والتكتم على مواطن هشاشته ووهنه.   أعجز عن أن أكونَ كاتبًا تحت الطلب أو تكونَ كتابتي سلعةً معروضة للبيع، فشلت أن أكونَ شخصيةً آلية، أعرفُ أني لا أنفردُ بذلك،كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ كائنًا آليًا، تتسم كلُّ تجربة وجودٍ بفرادتها. في ممارسة الكاتب للكتابة يرى ذاتَه كلّ مرة بطورٍ وجودي آخر، لا تستنسخ أطوارُ وجوده الآتية أطوارَه الماضية. أحيانًا يكتب الجرح، كتابةُ الجرح أعمقُ تجارب الكتابة وأوجعُها وأغزرُها معنىً، عندما يكتب الجرحُ يشفى الإنسان.

يسعى الكاتبُ المبدع على الدوام أن يعثر على صوتِه الخاص، ولغتهِ الصافية، وطريقهِ الذي لا يمرّ عبر طريق غيره، طريقه الذي لا يوصله إلى نهايات مغلقة. لا يمكن للإنسان اكتشافُ الطريق حين يقاد كأعمى. هدفُ الكتابة أن يتلمس الإنسانُ الضوءَ الذي يدله على الطريق، وفي هذا الضوء يرسم خارطةَ الوصول إلى ما ينشده بأقرب الطرق. مَن يعجز عن اكتشاف طريقه بنفسه يعجز عن الإبداع. عندما يقودك دليلٌ يعرفُ الطريقَ من دون أن تكتشفَ أنت الطريق، تضيّع أثمنَ تجربة اكتشاف في حياتك، وتصبح كأنك معاقٌ يسير بغير أرجله.

لا ‏أتقيّد بخطة في الكتابة، ولا أقيّد طلابي الذين أشرف عليهم في الدكتوراه والماجستير بخطة صارمة، أقول لكلٍّ منهم ‏مارس اجتهادَك في كلِّ شيء، ‏في الكتابة، وفي رسم الخطة. في أثناء الكتابة ربما تستجدّ لديك أفكارٌ ثمينة وتظفر بمعطيات إضافية، حاول أن تضيفَ أو تحذف، حاول تبتكر، تعلّم التفكيرَ الحرّ، تمرّن على أن تناقش ما تقرأ مهما كانت مكانةُ مَن تقرأ له. ليس المهم أن تكون خطتُك كسكة قطار لا تحيد عنها. ‏الخطةُ الجيدة خارطةُ طريقٍ أولية تتوسع أو تتقلص أو تُستبدَل، حاول البحثَ عن الاختلاف أكثر مما تعمل على الاستنساخ، حاول أن تفكر بعمق أثناء الكتابة، وراجع أكثر من مرة ما كتبتَ بهدوء وتأمل فيه بدقة. اكتب وأنت تستحضر آراءَ القراء النابهين ومواقفَهم من كتابتك.

عندما أكتب أفكر كثيرًا بالقارئ، وإن كنتُ أكتب لنفسي قبل الكتابة للقراء، أخاطب نفسي قبل مخاطبة القراء، وأعلّم نفسي قبل أن أكون معلّمًا لأحد. أحاول البحثَ عن إجابات لأسئلتي الوجودية، واكتشافَ حلول لمشكلاتي الفكرية، عسى أن ينكشف لي النورُ الذي يضيء خارطةَ النجاة. يهمني أن أكتشف نفسي قبل أن أكتشف العالم، وأغيِّر نفسي قبل أن أغيّر العالم. أحاول أن أعبّر عن ذاتي كما هي عندما أكتب، أسعى بحماسٍ لأن يكون ما أكتبه وأتحدث به خلاصةَ تأملاتٍ عقلية، وتعبيرًا عن خبرةٍ روحية وحياةٍ أخلاقية. أحاول كتابةَ اكتشافاتي لذاتي، والاعترافَ بثغراتي، ومواطنِ هشاشتي، والتمرينَ على شجاعة الإعلان عن أخطائي، لعل الإعلانَ عنها يشفيني من مواجع الندم ويحرّرني من تكرارها، يهمني البوحُ بشيءٍ من جروحي الغاطسة عساني أطفئ جمرتَها بداخلي. مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ ما هو غاطسٌ في ذاتي. هذه الرحلةُ لا تتوقف، ولا تصل نهاياتِها المغلقة، ولن تبلغ قاعًا أخيرة.كلُّ يوم يتكشفُ في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله عن ذاتي، وعن الناس من حولي، وما لا أعرفه من غموض الشخصية الإنسانية وتناقضاتها.

مَن يقرأ كتاباتي بوسعه أن يرحل معي ويطلع على شيءٍ من محطات حياتي. تدور كتاباتي في آفاق سيرتي الذاتية، أحاول كتابتها بلغة صافية، وأبوح فيها بما يمكنني الإعلانُ عنه، وكأنها لوحةٌ نسجتْها أقداري وآلامي ومواجعُ حياتي. ‏أحاول التحدثَ فيها عن شيءٍ من ضعفي قبل قوتي، وهشاشتي قبل صلابتي، وجهلي قبل علمي، وعواطفي قبل عقلي، ‏وأسئلتي قبل أجوبتي. أحاول الإعلانَ فيها عن شيءٍ من إخفاقاتي قبل نجاحاتي، وضعفي قبل قوتي، وقلقي قبل سكينتي. أكتب لنفسي قبل غيري، أحاول أن أكونَ منقِّبًا ‏أكتب لأغوص في عوالم الذات. ‏الكتابة الجيدة تتكشف فيها سيرةُ الذات وأطوارُها الوجودية، كلُّ كتابة تعبّر عن تجربةٍ معيشةٍ للكاتب تكون شائقةً بمقدار ما هي شقيّة، مريرةً بمقدار ما هي عذبة.كتاباتي سيرةٌ ذاتية لما تراكم من تجارب وجروح مريرة وخبرات مختلفة عشتُها عبر محطات حياتي المتعدّدة والمتنوعة.

يخطئ من يتوهم أن كاتبَ هذا النصّ يدلي بتوصيات جاهزة لتدريب الكتّاب وتوجيه القرّاء. لا أقدّم أية توصيات، لستُ وصيًا على عقل أحد، يهمني تحريرُ العقل من الوصايات مهما كان القناعُ الذي تتلبس به، ومهما اتخذت لها من تسميات. الكتابةُ الجادة تتطلب ذاتًا صبورة، وعقلًا يقظًا، وإرادة شجاعة، وضميرًا أخلاقيًا حيًّا، وتراكمًا لقراءات نوعية، ومِرَانًا متواصلا.

 

رابط النشر:

 

الكتابة بوصفها مِرَانًا متواصلًا

الكتابة بوصفها مِرَانًا متواصلًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏  فجأةً وجدت ذاتي مولعةً بالمطالعة منذ بداية العقد الثاني من عمري، ووجدتُها بعد سنوات قليلة تحلم بالكتابة وإن كنت أراها أمنيةً شبه مستحيلة، أحسبها صنعةً خاصة ببشرٍ لم يُخلقوا إلا لها، وبعد سنواتٍ من المطالعة تجرأتُ وأقتحمتُها. بدأتُ أكتب حكاياتِ أمي وزميلاتها بلغةٍ تخرجها من العامي إلى الفصيح، وأكتب ما ينسجه خيالي من حكاياتٍ عابرة وقصص قصيرة، لا أتذكر وقتها أني عرضتُ ما كتبتُ على أيّ أحد، أكتفي بكتابتها وأشعر ببهجةٍ لبرهة، وأعود في اليوم الثاني لقرائتها بهدوءٍ فأشعر بالضجر، أحيانًا أدخل حالةَ اكتئاب مؤقت يحرّضني على التعجيل بتمزيقها. تضاعفت المحاولاتُ بمرور الزمان، وتخبّطتُ بفوضى التجريب والتكرار الممل، ممزوجةٌ تلك المحاولات بشغفٍ غريب، يلابسه خوفٌ يبلغ حدَّ الذعرِ أحيانًا، ويأسٍ من النجاح في التجارب التالية.كنتُ دائمَ التفكير بما عليّ فعلُه كي أظفر بخطوة النجاح الأول في هذه الصنعة، قادني تفكيري إلى ممارسة أشكالٍ متنوعة من الكتابة، انتقلتُ فجأةً للشعر، وان كنتُ أنفر من أكثر الشعر الشعبي، ولا أتذوق أحيانًا ما أقرأه في دواوين شعراء كبار. عثرتُ صدفةً على قصائد نثر منشورة في بعض المجلات والصحف، أيضًا لم أتفاعل معها ولم أفهم أكثرَها، غير أنها ورطتني بوهم أن كلَّ إنسانٍ يمكنه كتابةُ الشعر، خاصة إن كان من هذا النوع.كنتُ مستعجلاً فبدأتُ بكتابة ديوانٍ فرغتُ منه أظن بعشرة أيام، اتسع له دفترٌ لا أتذكر عددَ صفحاته، ربما تضمن ما لا يقلّ عن عشرين قصيدة، بعضُها يحتّل عدةَ صفحات من ذلك الدفتر.كلُّ وقتي كان مكرّسًا للشعر تلك الأيام، أكتب القصيدةَ وأعود أشطب وأضيف وأحذف، أقرأ ما أكتب وأعود إليه مرةً بعد أخرى،كلُّ ذلك من دون أن أُخبر أحدًا. أكتب لنفسي، وأقرأ لنفسي، وأحتفظ بدفتري بمكانٍ خاصّ لئلا يراه غيري، وأخدع نفسي بأن ما أكتبه ضربٌ من الشعر ليس بالضرورة أن يمتثل لمعايير الشعر المتداولة. بعد الفراغ من كتابة الديوان تركتُه عدة أيام، رجعتُ لقرائته بتأملٍ وهدوء، لا أكتفي بقراءة واحدة، كنت أعود لأقرأ ما فرغت منه عدة مرات، إلى أن اقتنعتُ أنه هراءُ مراهقٍ غير مخلوق للشعر، استفقتُ من هذا الوهم الذي مكثتُ في أسره عدةَ أشهر، في واحدةٍ من محطات ضياع اكتشاف دروب الكتابة الوعرة، لحظةَ الاستفاقة مزّقتُ الديوان، واثر انزعاجي وحنقي على هوسي بالشعر أحرقتُ ما مزّقتُه، لئلا أعود لمثل هذه المحاولة العقيمة. أشعرني هذا الموقف بشجاعةٍ أمام نفسي، وقدرةٍ على محاكمتها مبكرًا، وفضحِ أحلامها وأوهامها الزائفة.كلُّ ذلك كان يجري من دون أن يعرف به أيُّ إنسان من الأهل والأصدقاء. أبتعد عن الكلّ عندما أكتب، وأخفي عن الكلّ ما أكتب، أمزّق ما أكتبه بعد أيام، خشيةَ أن يُفتضح ضعفي وهشاشتي أمامي أولًا حين أعود لقراءته، وربما أمامهم إن عثروا عليه، وهذه واحدةٌ من أوهام الكمال الزائف الذي كنتُ وأمثالي ضحيتَه من تربيةٍ خاطئة للآباء والأمهات في القرية. العائلةُ ومجتمعُ القرية يعاملاني وأمثالي بأنّا أكبرُ من مرحلتنا العمرية، وذلك ما حرمنا من أبسط احتياجات مرحلة الطفولة، حرمني من اللعبِ والعبث الخلاق الذي يوقظ طاقةَ الإبداع ويرسخها لدى الطفل، وممارسةِ حريتي في التعبير عن احتياجات الطفل البريئة المتنوعة. غطس هذا الحرمانُ عميقًا، أجد حاجةً كامنة في داخلي أحيانًا لشيءٍ مما يلعب به أطفالي، إلا أني لا أجد قدرةً نفسية على ممارستها في عمرٍ متقدّم.

في حوزة النجف قبل 45 سنة طلب منا أحدُ مدرسي أصول الفقه كتابةَ بحث في سياق دراستنا للفقه وأصوله، وأمهل تلامذتَه أسبوعين، كثّفتُ جهودي للمطالعة والكتابة في هذا الموضوع، كتبتُ مقالةً بنحو ثلاثين صفحة، أعدتُ كتابتَها أكثر من مرة، وبعد أيامٍ من تسليمها للأستاذ أعرب عن إعجابه، ونبّهني إلى بعض الثغرات والأخطاء.كانت المرةَ الأولى لوضعِ كتابتي في مباراةٍ مكشوفة، والاحتفاءِ بها بين مجموعةٍ من أقراني.كرّر الأستاذ الطلب من تلامذته الكتابةَ للمرة الثانية والثالثة، حفّزني موقفُه على الاستغراقِ في المراجعة، والتريّثِ بالكتابة، وإعادةِ تحرير المسودات عدة مرات. في المرتين اللاحقتين أعرب الأستاذُ عن اهتمامه وحثّني على الاستمرار بالكتابة. الطريفُ أن هذا المدرس لم يكن يتقن الكتابة، قرأتُ له بعضَ الكتابات بعد ربع قرن فرأيتُها بمثابة الخطب المنبرية، لا تنطبق عليها معاييرُ الكتابة بوصفها “صناعة الإنشاء” كما يعرفها أهل البيان.

في سنة 1978حضرتُ حلقةً لتدريس العقيدة تضمّ نحوَ 25 تلميذًا، كان الأستاذُ فيها الشيخَ أحمد البهادلي، وهو علامةٌ متمكن بعلمه وبيانه، عذبٌ في التعليم، شخصيته جذابة، قرأتُ قبل حضور درسه كتابًا أصدره حول العقيدة يستوعب محاضراتِه في كلية الفقه في النجف، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتمنى التعرّفَ عليه والتلمذةَ في حلقات درسه. سمعتُ من أستاذنا في كتاب “معالم الأصول” الشيخ صالح الصالحي ثناءً على البهادلي، وصفه بأنه من أساتذة “كفاية الأصول” الجيدين، الأستاذُ الذي يتقن تدريسَ هذا الكتاب بجدارة مجتهدٌ استنادا للتقليد التعليمي المتعارَف في الحوزة.كنتُ أتطلع لأن يكون شيخُنا البهادلي أحدَ المراجع في النجف، لا أعرف هل منعه زهدُه من التصدي، أو أنه لم يكتشف طريقَ الوصول لمقام المرجعية. في خاتمة تدريسه أخبرنا بأنه يريد امتحانَنا تحريريًا، لم يكن الامتحانُ التحريري متعارفًا وقتئذٍ في حلقات الدرس الحّرة في الحوزة. في اليوم التالي بعد أن امتحن تلامذتَه جاء الأستاذُ بالأوراق غاضبًا،كانت الأوراقُ بيدي غير أنّه لم يوزعها، لعل علاماتِ التلامذة الضعيفة منعته من ذلك. تحدّث لمدة ساعة موبخًا ومنذرًا بالتيه في هذا الطريق لو واصل التلامذةُ التكاسلَ والإهمال والافتقار للجلد والمثابرة، ذكر حكاياتٍ مؤلمةً عن بعضِ رجال الدين الذين لا يكترثون بالتعليم الرصين في الحوزة، ولجوءِ بعضهم لممارسة الشعوذة وخداع العامة. وأردف القولَ بحكايةٍ ملهمة عن مثابرة أخوين كانا في غرفةٍ واحدة بأحد المدارس الدينية بالنجف، في الليل كانا يطالعان تحت ضوء مصباحٍ مُضاء بالنفط، عندما يغفو أحدُهما يضع علامةً على قنينة المصباح الشفافة، ليسعى في الليلة التالية أن يعوّض ما فاته في ليلةٍ ماضية، إن لبث أخوه وتفوّق في ساعات السهر يواصل المطالعة. تألمتُ من توبيخ مدرسنا، ذهبتُ إليه بعد انصراف بعض الزملاء لأعرف نتيجتي، كنت متردّدًا مضطربًا، عندما تكلمتُ ماتت الكلماتُ في شفاهي، غرقتُ بين حياءٍ ووجل من توبيخٍ إضافي، أجابني الشيخُ البهادلي بحماس: لا تقلق، أنت الوحيد الذي حصلت على 100. ظلّ موقفُ أستاذي هذا يمدّني بطاقةٍ مضاعفة كلّما خارتْ عزيمتي، وعشتُ حالةَ وهن، وأدركتني الهشاشة، والشعورُ بالعجز عن الكتابة.

هذه تجربتي الشخصية،كلُّ تجربة من هذا النوع تعكسُ ذاتَ الكاتب، وتنكشف فيها مواهبُ الذات وقدراتُها وأقدارُها وأحوالُها وظروفُها وثقافتُها ونمطُ رؤيتها للعالم ومحطاتُ حياتها.

 

رابط النشر: