Category: الوحي

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

الحياة الروحية لا تتحقّق بلا صلة حيّة بالله

د. عبد الجبار الرفاعي

يولع بعضُ المثقفين والكتّاب العرب بشذرات النفّري في “المواقف والمخاطبات” وأمثالِها من نصوص العرفاء، ذاتِ الكثافة الدلالية والاستبصارات المضيئة، ويستشهدون بها وينشرونها ويكتبون عنها، ويتعطّش بعضُهم لحياة العرفاء الروحية وصلتِهم العميقة بالله، المؤسَّسة على المحبة والتراحم وتذوّق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. يحاولون أن يتصيدوا تجربةَ النفّري والحياة الروحية لأمثاله، بالتقاط كلماتهم، غير أنههم يفشلون في تذوّق بهجة الروح باستبصارات أولئك الروحانيين الحاذقة. لم يدرك هؤلاء أن الحياةَ الروحية حالةٌ وجودية معيشة لا يتحقّق فيها الإنسانُ ما لم يبني صلةً حيّة بالله. هذه الصلة لا طريقَ لها سوى العبادة بكيفياتها المتعارَفة في الأديان، إن كان مسلمًا عليه أن يؤدي الصلاة، وإن كان يدين بديانةٍ أخرى عليه أن يؤدي الطقسَ على وفق تكريس الحياة الروحية فيها.كلامي هنا في سياق مناقشة بعض الذين يدعون للاكتفاءِ بالتأمل والتفكير الواعي اقتباسا من بعض الأديان الآسيوية، والاستغناءِ عن الحاجة للصلاة والعبادات في الأديان. التأمل والتفكير الواعي ضروري، لكنه ليس بديلًا عن الصلاة والعبادات. لا يتكرّس الإيمانُ ويلبث حيًّا فاعلًا في البناء والعمل الصالح إلا بعبادةٍ يومية في إطار ديانة الإنسان.

أعرف محققًّا تخصّص في إحياء تراث العرفاء وشغف بآثارهم كلَّ حياته، وبذل جهودًا مضنية في تحقيق نصوص ثمينة لهم. لبث سنوات طويلة ينقِّب في خزائن المخطوطات، وينهك نفسَه في البحث عن رسالة أو كتاب غير منشور، واستطاع بمهارةٍ فائقة اكتشافَ نصوص نفيسة منسية أو مجهولة، وتحقيقَها باحتراف خبيرٍ، وإخراجَها للنور من ظلام أقبية خزائن المخطوطات.كان يتوهم بإمكانية بناء صلةٍ حيّة بالله بلا عبادة، بل كان يعوّض العبادةَ بالكحول، وجد نفسَه كلّما شرب افتقر للمعنى الروحي الذي يتذوق قراءته بتلذّذ في آثار العرفاء.كان يشتدُّ ظمؤه الأنطولوجي، وتنطفيء شعلةُ حياته الروحية، ويتفاقم اغترابُه الوجودي، فيسرع لإرواء ظمئه ومداواة اغترابه بالكحول. تراه كأنه يهرول وراء سرابٍ يحسبه ماء، حتى تاه متسكعًا في حالة من الغثيان والسأم المضجر، وهو يلهث بغيةَ أن يقبض على شيءٍ من سكينة الروح وطمأنية القلب. في غفلةٍ منه وجد نفسَه مدمنًا، لا يمكنه الإفلاتُ من البئر المظلم الذي غطس فيه، فمضي دون جدوى يغوص في طبقاته، وصار كلّما غرق في الكحول أشد تعاظمت غربتُه واغترابُه في العالَم، وأكلته وحشةُ الوجود، ونضب أيُّ منبعٍ للمعنى في حياته. بعد أن ضاع هو، ضيّع عائلتَه، وتزلزل وانهار بيتُه، وفقد وعيَه، وانطفأت بصيرتُه، وعجز عن التوقف للحظة ومراجعة مسيرته، والنظر بهدوء إلى عبثه بنفسه وخسارته لذاته، ولكل ِّشيء ثمين في حياته. أخيرًا ساقه هذا الطريقُ المظلم لمغادرة الحياة عاجلًا، بعد أن أحرق الكحول أحشاءه.

لا أتحدث عن الحياة الروحية بوصفها تديّنًا شكليًّا، الذي هو نمط تديّن سطحي دعائي مجوّف، لا تغذيه صلة حيّة بالله، ولا يحضر فيه شيءٌ من روح الدين ومقاصده في مواقف وسلوك المتديّن، ولا يشعر صاحبة بسكينة وسلام باطني. ويستعملُ هذا التديّنُ بوصفه قناعًا لأغراض الوجاهة، ولتسويقِ شخصيات لا تتصف بالحدِّ الأدنى من طهارة القلب واليد واللسان. إنه تديّنٌ مفرّغٌ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي. تديّنٌ يضعُ معاييرَ ظاهريةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الروحي والأخلاقي للإنسان. ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّن زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّن إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًّا لنفور الناس من الدين.

أتحدث عن الحياة الروحية والإيمان بوصفه كائنًا حيًّا يقظًا فوّارًا، وبوصفه أمرًا وجوديًّا، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعِلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئًا فشيئًا حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياقِ تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطامًا. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيمًا تذروه الرياح. ينعكس تكريسُ الروح وإرواءُ ظمئها على بناءِ الإرادة وترسيخِها على الدوام، وهذه من الأغراض الأساسية للعبادة في الأديان، ‏وإن كانت هذه العبادةُ تنحرف عن غايتها الأصلية، وتُستعمل أحيانًا في وظيفةٍ مضادة.

اهتمَ كلُّ دينٍ معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصتْ كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتّبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رَسمها المحدّد، لأنه يهدر وظيفتَها ويمسخ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان وروحها، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولاتُ بعض الناس ترقيعَ والتقاطَ عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطَ بعضها ببعضها الآخر، ولصقَها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستَها بشكلٍ يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً مشوهة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذّي الصلةَ الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خارج إطار شريعتهم، أو يلتقطوا عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده. كيفيةُ القدّاس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. لا ننكر التشابهَ في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبّر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا أننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلِّ عبادة بصمتُها الخاصة ولونُها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياتُه الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشترَكة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذّبوا وتسامت أروحُهم بنور الله، وابتهجوا بمحُبّته[1]. الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعةٍ محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًّا مستعارًا من ديانةٍ أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًّا هندوسيًّا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقسٍ ترتسم فيه صورةُ ديانةٍ غير ديانته، وبين الحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانةٍ طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها[2].

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين الظمأ الأنطولوجي، ص 72، ط 3، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار التنوير، بيروت.[1]

 الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 63-64، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.[2]

 

https://alsabaah.iq/94527-.html?fbclid=IwAR1t9g3ADIAFOA1_Gpg5WY9y2M_WzsE4kD-ggq_RjjTn9zI2FYkCVL1yVhE_aem_Aa1opZqmQtqu5LMt361QvaqUGKyNucnYCpwIv3bTGZyfwt9mrT6xVf77E-TAA2B4249CXb6IX5Z-Pdyfag4LzQUO

علم الكلام الجديد في ضوء رؤية عبد الجبار الرفاعي

علم الكلام الجديد في ضوء رؤية عبد الجبار الرفاعي

عبد العاطي طلبة[1]

منذ أكثر من 30 سنة يعمل عبد الجبار الرفاعي على إعادة بناء علم الكلام وفلسفة الدين في المجال العربي. أصدر مركز دراسات فلسفة الدين الذي أسسه الرفاعي ببغداد أكثر من 300 كتاب. وأصدر الرفاعي مجلة قضايا إسلامية معاصرة قبل 26 سنة، وتخصصت هذه الدورية بعلم الكلام الجديد وفلسفة الدين، وصدر منها حتى اليوم 76 عددًا، أكثر الأعداد تتجاوز 400 صفحة. واعترافًا بالمهمة التي نهضت بها، وبوصفها الدورية الأهم المتخصصة بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد بالعربية، خصّص “المعهد البابوي في روما” التابع للفاتيكان كتابَه السنوي 2012 لهذه المجلة، وصدر الكتاب بالإيطالية والانجليزية والفرنسية، في 320 صفحة.

وعبد الجبار الرفاعي مُفَكِّر عراقيّ، مُتَخَصِّص في الفلسفة وعلوم الدين، ومن مؤسسي علم الكلام الجديد في العالم العربي، بلغت عناوين آثاره المطبوعة 50 عنوانًا، الأخيرة منها هي: «الدين والظمأ والأنطولوجي»، و«الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، و«الدين والنزعة الإنسانية»، و«الدين والكرامة الإنسانية»، وكتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». أعماله تحاول التأسيس لمشروع فكري يقوم على فهم الإسلام فهمًا تجديديًّا؛ يخرج به عن سياقاته المأزومة والضيِّقة إلى سياقات أخرى هي أوسع وأرحب وأكثر تسامحًا ورحمانيّة.

وأخيرًا أصدر الرفاعي كتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». صدر في طبعته الأولى عن دار التنوير ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ثم صدر في طبعة ثانية جديدة مزيدة ومنقَّحة عن دار الشؤون الثقافيّة ببغداد، وازداد حجمُ الكتاب في هذه الطبعة أكثر من خمسين صفحة، وهي أجود وأغنى، كما صدر أيضًا عن دار المصورات بالخرطوم، وهي نسخة مطابقة تمامًا لنسخة دار الشؤون الثقافية دون زيادة فيها، كما صدر أخيرًا سنة (2023) عن مركز دراسات فلسفة الدين ودار الرفدين في طبعة ثالثة جديدة، وهي مزيدة فصلًا جديدًا ومنقَّحة. اعتمدتُ في تلخيصي هذا على الطبعة الثالثة الواقعة في 234 صفحة، وهذه الطبعة مزيدة أيضًا بـ «مناقشة الرؤى الرسولية لعبد الكريم سروش»، وهو باب مزيد فيها.

هنا نحاول التعريف بعلم الكلام الجديد في ضوء رؤية الرفاعي في هذا الكتاب الرائد؛ وهو كتابٌ يحكي تجربة الرفاعيّ الذي انهمك منذ وقتٍ مبكِّر في الدعوة إلى التجديد الكلامي، ومحاولة ابتناء علم للكلام الجديد. وينبع اهتمام الرفاعيّ بالكلام الجديد من أنّه المنطلق الذي ينبغي أن يبدأ منه كلُّ مشروع فكريّ يروم التجديد. ولأهميّة هذا الكتاب تبنَّتْهُ جامعاتٌ ومعاهد تعليم ديني مُقَرَّرًا دراسيًّا في “علم الكلام الجديد” داخل العراق وخارجها، كما صدرت ترجمته إلى (الفارسيّة) صيف هذا العام، وترجمته (الكردية) تحت الطبع، ويُعْمَل على ترجمته ونشره باللغة (التركيّة)، ولغات أخرى.

يقول الرفاعيُّ: «انشغلتُ سنواتٍ طويلة في علم الكلام الجديد، وقرأتُ وسمعتُ البلبلةَ والغموضَ، والتشوُّشَ والالتباسَ في تعريفه، وتحديد موضوعه وأركانه ومرتكزاته، فأدركتُ الحاجةَ الماسَّةَ لتأليف مقدِّمة تحدِّد الإطار العام لهذا العلم، وتضع المعيارَ الذي يمكن اعتمادُه في تصنيف هوية المتكلم والكلام الجديد، وتوفِّر للباحثين والدارسين في علم الكلام وفلسفة الدين خارطةَ طريق ترسم المعالم الأساسيّة لعلم الكلام الجديد» (ص 20).

يقع الكتاب في خمسة فصول رئيسة في طبعته الثالثة الصادرة هذا العام 2023 عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد؛ يحمل الفصلُ الأولُ عنوانَ «ملخص لنشأة علم الكلام وتطوره وعجزه»، وهو كما يظهر تلخيص للأدوار التاريخية التي مر بها علم الكلام. ويحمل الفصلُ الثاني عنوان “تجديد علم الكلام” ويتحدث المؤلف في هذا الفصل عن أن منهجه هو التجديد وليس الاصلاح ولا الإحياء ويحدد تسعة أركان لتجديد علم الكلام، ويحمل الفصلُ الثالث عنوان «الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي»؛ يضع فيه المعيار الذي يتميّز به الكلامُ الجديد عن غيره، مُفَرِّقًا بين مفاهيم كالإحياء والتحديث والتجديد، كما يناقش فيه عبد الكريم سروش في مفهومه حول الوحي و«الرؤى الرسولية». ويحمل الفصل الرابع عنوانَ «الفهم الجديد للوحي لدى مفكِّري الإسلام في الهند»؛ يتناول فيه الفهم الجديد للوحي الإلهي لمفكّرين كولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن. أما الفصل الخامس والأخير، فهو حوار أُجْرِيَ مع الكاتب في إطار التعريف بعلم الكلام الجديد، ويقع تحت عنوان «إيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي للدين في الكلام الجديد»؛ يدور حول الغاية من ابتناء علم للكلام جديد؛ وهي ابتعاث تلك المعاني الجمالية والرحمانية في الدين، ونفي صورة الله المرعبة عن الله التي قامت في الكلام القديم.

مدخل

فرضَ علمُ الكلام التقليدي على الدين الإسلامي رؤيةً للعالَم أثَّرَتْ تأثيرًا بالغًا في تعطيل الاجتهاد والتجديد في الدِّين، ومن هنا جاءت الدعوةُ إلى الانتقال من الكلام القديم إلى الجديد استجابةً لأسئلةِ الإنسان المعاصر وقلقه واغترابه الروحيّ، وما دام هناك إنسان، فهناك أسئلة ميتافيزيقيّة كُبْرَى، وتحدِّيات روحيّة ينبغي الوفاءُ بها؛ يفرضها تطوُّرُ الوعي البشريّ واختلافُ الزَّمانِ والمكانِ التَّاريخيّ.

ينطلق الكلامُ الجديد بتعريف الوحي الذي تتفرَّع عنه المسائلُ الكلاميّةُ الأخرى، ومحاولة تقديم تفسيرٍ جديد له؛ شرط أن يكون التفسيرُ الجديدُ منحصرًا في إطار الدين الميتافيزيقيّ لا خارجًا عنه، ومن هنا يأتي المعيارُ الذي به يُعَرَّفُ الكلامُ الجديد والمتكلمُ الجديد من كونه يبتدئ أوّلًا بتبنِّي مفهوم جديد ميتافيزيقيّ للوحي. والآن، فلنُقم برحلة موجزة في تاريخ علم الكلام وتطوّره وعجزه أخيرًا.

رحلة تاريخية موجزة

نشأ علمُ الكلام بين المسلمين مبكِّرًا لعوامل تاريخيّة كثيرة، وتصدّرت مسألةُ «الإمامة» العواملَ الباعثةَ على إنشاءِ الكلام، فكانت السياسةُ وراء ولادة الكثير من المعتقدات والأفكار التي تشكَّلت منها المذاهبُ بعد ذلك، وظلَّتْ تلعب هذا الدور دائمًا.

غذَّتِ الصِّراعاتُ  اللاحقةُ بين المسلمين مسائلَ هذا العلم، وعملتْ على تطوُّر نقاشاتِه وتَشَعُّبِها. وبعد انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربيّة، واستيعابه لمجتمعات وإثنيّات أخرى متعدِّدة، كانت لها أديانُها وثقافاتُها وتراثها، دخل كثيرون منهم الإسلامَ وهم مُحَمَّلُون بهذه الترسُّبات الكامنة في أعماقهم، فكان لها عظيمُ أثر في إثراء هذا العلم وتعدُّد أبوابه ومذاهبه.

وفي فترةٍ لاحقةٍ استهوى علماءَ الكلامِ المنطقُ الأرسطيُّ وفلسفةُ اليونان وامتداداتُها؛ وذلك بعد انفتاح المسلمين على التَّرجمة. دخل الكلامُ في مرحلة لاحقة دوائرَه المغلقة، فأضحى عاجزًا عن استيلاد مسائل جديدة أو استخدام مناهج أخرى في البحث والتأويل، وظلّ يعالج المسائل نفسها التي عالجها السَّلَفُ، يبتدئ من حيث ينتهى، وينتهي من حيث يبتدئ.

بلغ الكلامُ ذروتَه في القرن الرابع الهجري، واستوت الفرقُ والمذاهبُ وتنوّعَت وتعدَّدَت، وحاولتْ هذه المذاهبُ على تكاثُرِها أن تكون لها مقولاتٌ كلاميَّة في السياسةِ والإمَامَةِ؛ وكُتِب لهذه المذاهبُ التي طوّرَت لنفسها نظريّةً سياسيّة تسوِّغ مسلكها السياسيّ عقديًّا البقاء في تاريخ الإسلام وعالَمه، أمّا غيرها فلم تلبث إلا وانطفأتْ مبكِّرًا.

إشكاليَّة المُسَمَّى

أطلقُ الدَّارسون على ذلك العلم الذي يدرس العقيدة أسماءً عديدة؛ من بينها «الفقه الأكبر» الذي يدرس الاعتقاداتِ في مقابل «الفقه الأصغر» الذي يدرس العمليّات، كما أُطْلِقَ عليه اسمُ «أصول الدِّين»، لأنّه يتمحور حول بيان أصول هذه الديانة، وأُطْلِقَ عليه اسمُ «التوحيد»، فهو العلم الذي يدرس مسألةَ توحيد الله؛ تسميةً للكلِّ بأشرف أجزائه، كما أُطْلِقَ عليه مُسَمَّى «العقائد»، فهو العلم الذي يدرس عقائدَ الإسلام ويعمل على بيانِها، وأمَّا عن أشهر أسماء هذا العلم، وأكثرها تداوُلًا وانتشارًا فهو مسمّى «علم الكلام».

للدارسين آراء متعدِّدَة حول السبب وراء هذه التسمية، فمن قائل إنّ عنوان مباحثه كان قولهم «الكلام في كذا»، أو لأنّ صفة الكلام كانت أشهرَ مباحثه وأكثرَها جدلًا، أو لأنّه يُورِثُ القدرةَ على الكلام، أو لأنَّه من العلوم التي تُعْلَم وتُتَعَلَّم بالكلام، أو لأنَّه مشتقّ من الكَلْمِ الذي هو الجرح، أو لأنَّ الكلامَ ضدُّ السكوت، وكان المتكلمون يتكلمون حيث ينبغي الصمت، إلى غير ذلك من أسباب متكاثرة أوردوها وتخالفوا فيها أيضًا.

تيّار الظاهريّة وفشوّ التقليد

وُلِدَ التفكيرُ الكلاميّ غريبًا في مجتمع فكريّ يناهضُ وجودَه، ولا يراه شيئًا، وأُلْصِقَتْ به مختلفُ التُّهَم، ووصفهم أئمةُ الفقه الأوائل – كما ورد عنهم – بالبدعة وأقسى الألفاظ وأشنعها؛ وبذلك تغلغلتْ الأفكارُ المناهضةُ لعلم الكلام وعيَ المسلمين، وأُودِعَتْ أمثالُ هذه العلوم قفصَ الاتِّهام على الدّوام، ورغم ذلك اشتدّ عودُ الكلامِ وتبلورت مسائلُه مبكِّرًا.

توفَّرَتْ هوامشُ من الحريّة الفكريّة والدينيّة أدَّتْ إلى نشوء الفرق الإسلاميّة الكبرى كالمعتزلة والأشاعرة والماتريديّة والشِّيعة، وضمَّتْ كلُّ مدرسةٍ أجيالًا من المتكلِّمَةِ المجتهدين الذين اشتغلوا بتطوير هذا العلم وترسيخ مدارسِهم الكلاميَّة وتدعيمها بشتّى الوسائل والأدوات. بدأ مُتَنَفَّسُ الحرية هذا يذبل شيئًا فشيئًا حينما طغتْ روحُ التكفير بعضَ المتكلمين والفقهاء.

تعاون الخليفةُ المتوكِّلُ مع الفقهاء في فرض حصار فكريّ على المتكلمين، وألزم غيرَه برؤية عقديَّة بِعَيْنِهَا مَنَحَهَا المشروعيَّةَ، وحظر ما عداها. وفي مرحلة لاحقةٍ جاءتْ وثيقةُ «الاعتقاد القادريّ» – نسبةً إلى الخليفة القادر بالله – مُتَبَنِّيةً رؤية الحنابلة في العقيدة، مستهدفةً بعضَ المتكلِّمين، مُسْتَحِلَّةً دماءَهم. واتَّسع نفوذُ الاعتقاد الظاهريّ بمرور الأيام، مناهضًا أيَّ محاولة للعقلنة العقائديّة، مُقْصِيًا كلَّ ما يخالفه من رأي.

يُطْلِقُ علمُ الكلام – في أصله – للإنسان حريةَ التفكير في العقيدة، ولا يرى جوازَ التَّقليد؛ استدلالًا على ذلك بالنقل والعقل، ولم يقُلْ بجواز التقليد في العقيدة أحدٌ إلّا تيَّار أهل الظاهر المناهض للمتكلِّمين. ضحَّى تيارُ الظاهريّة الاعتقاديّة بروح الشريعة ومقاصد الدِّين الكُلِّيَّة، مُغَيِّبًا العقلَ، مُتَجاهِلًا كلَّ عصرٍ وما يحفل به من تغيُّرات شتّى.

ورغم ما حفلت به مدوّنات الكلام القديمة من تحريم للتقليد العقائديّ، إلّا أنّ الأتباع قلَّدُوا مؤسِّسي ومجتهدي الفِرَق والمذاهب العقديّة وتابعوهم في آرائهم جيلًا بعد جيلًا دون أيّ محاولة لنقدها أو الخروج عليها؛ وبذلك تعطَّل الاجتهادُ الكلاميُّ من قِبَل أهلِه كذلك.

ركود الكلام

اصطبغ الكلامُ بألوان الثقافات المحلِّيَّة في المجتمعات الإسلاميّة، ولم يتحرَّر أبدًا من تأثيرات الموروث، ففي القرن الأول وحتى القرن الثالث، كان التفكيرُ الكلاميُّ يدور مع ما يتسجدّ من أسئلة واستفهامات، لكنّه مع بداية القرن الثالث انتهج نهجًا جديدًا، دُشِّنَتْ فيه مرحلةٌ جديدة؛ اشتغل فيها المتكلِّمون بابتناء المباني، وتأسيس المذاهب والفرق الإسلامية الكبرى.

عصفتْ بالكلام عواصفُ لم تمنعه من المُضيّ قدمًا، بل وظهرتْ في القرن الرابع والخامس والسادس والسابع أهمُّ مدونات الكلام؛ مثل «المغني» للقاضي عبد الجبار في القرن الخامس الهجري، و«التجريد» لنصير الدين الطّوسي في القرن السابع الهجريّ؛ الذي أصبح نموذجًا يرتسمه الباحثون.

لم يشهد التأليفُ في علم الكلام أعمالًا إبداعيّة أخرى بعد «التجريد»؛ ما كان إيذانًا بركود هذا العلم وانسداد سُبُلِهِ منذ هذا الحين. لكن، ظهرتْ إرهاصاتُ انبعاثٍ جديد نهاية القرن الثالث عشر، وتبلورت أسئلةٌ جديدة استفاق بها الفكرُ الكلاميّ، واستهلّ جماعةٌ من الأعلام محاولةَ إحيائِه واستدعائه في العصر الحديث، ومن ثَمَّ العمل على إعادة بنائه وتجديده.

أسباب عجز الكلام القديم

عُمِّمَتْ المقولاتُ الكلاميّةُ القديمةُ على جميع العصور؛ ما جعل الكلامَ عاجزًا عن مواكبةِ الحياة الراهنة بمشكلاتِها المستجدَّة، وتحدِّياتها الجديدة؛ ويمكن إيجازُ مظاهر هذا العجز في المحاور الآتية:

  • مرجعيّةُ المنطق الأرسطيّ

رغم رفض المتكلِّمين للفلسفة وطرائقها إلا أنّهم قبلوا المنطق الأرسطيّ واستعملوه أساسًا يبنون عليه مقولاتِهم الكلاميّة، بل وصار المنطقُ مرجعيةً يَحْتَكِمُ إليها المتخالفون حول المسألة الواحدة؛ كلٌّ يُدَعِّمُ كلامَه مستخدمًا قواعدَ هذا المنطق وطرائقه في الاستدلال وإقامة الحجّة. ظلّ المنطقُ الأرسطيّ جامدًا عند ما قاله أرسطو منذ زمن بعيدٍ، ولم يَعُدْ قادرًا على مواكبة تطوُّرات العصور المتتالية التي انقلبتْ عليه حديثًا، ورفضتْه منهجًا للتفكير.

  • الفصام بين النظر والعمل

تغلَّبَتْ بالتّدريح النزعةُ التجريديّةُ الذهنيّةُ على المنحى الواقعيّ في علم التفكير الكلاميّ، وانجرّ إلى عالم ذهنيّ مُجَرَّد؛ يُفَكِّرُ في مسائل بعيدة لا تواكب مشكلاتِ الإنسان الواقعة، وجعل يُدَقِّق في مسائل افتراضيّة ومحاججات بعيدة عن آمال الإنسان وآلامه في الحياةِ المُعَاشَة. أدَّى هذا إلى تغليب النَّظَرِ على العَمَل، وحالة انفصاليَّة ما بين النَّظر والعمل، وهيئة فكرية تغلب فيها الحكمةُ النظريّة الحكمةَ العمليّة، بل وتعمل على الحطِّ من شأنها.

  • شيوع التَّقليد

تراجعَ دورُ العقل بالتدريج وشاع التَّقْلِيدُ الذي يرفضُه المُتَكَلِّمَةُ أصلًا، إذ جعلتْ أقوالُهم تُبْتَنَى على الإيمان بمسلَّمات قَبْلِيَّة يقومون بالاستدلال عليها بمقدِّمات يقينيّة؛ ما أدّى بهم إلى منهج جدليّ لا طائلَ وراءَه، فتراجع لذلك دورُ العقل وشاع التقليدُ في أصول الدين، وصار الأتباع يُسَلِّمون بمقالات شيوخهم، ويدعِّمونها بالحجج، دون مراجعة أسُسِها، أو التفكير خارج مساقاتها، ودخل الكلامُ معهم مرحلةً من السبات العميق.

  • إهمال الإنسان

لم يدرس المتكلِّمون الإنسانَ، ولم يُدْرِجُوا في مقالاتهم بحوثًا تتناول همومه واحتياجاته، ولم يتعاملوا معه على أنّه المقصد الأسمى وراء الوحي الإلهيّ، بل انشغلوا بالغيبيّات والمقالات السياسيّة التي أنهكتِ الإنسان، وانتهكتْ كرامتَه التي تُعَدُّ مقامًا وجوديًّا خُصَّ الإنسانُ به إلهيًّا.

  • غياب الضمون الاجتماعيّ عنه

لم يقتصر الكلامُ القديمُ على تجريد الكلام والابتعاد به عن الجانب العمليّ منه، بل تَفَرَّغ فيه التوحيدُ عن مضمونه العمليّ، وغدا الاعتقادُ أقربَ إلى التصديقات الذهنيّة التي لا يُرَى لها تطبيقٌ سلوكيّ في عالم الواقع.

  • التربية على الخوف

صوّر الكلامُ القديمُ الإلهَ في صورة مرعبة؛ جعلت الإنسانَ معه عبدًا مُسْتَرقًّا خانعًا ذليلًا، تُصَادَرُ حقوقُه وحريَّاتهُ. واحتجب بذلك لاهوتُ الرحمة، وتنمَّطَتْ علاقةُ الإنسان بالله، فقامت على أساس من القهر والخوف، لا الحبِّ والرغبة.

  • ترسيخ اللاهوت الصراطيّ

يُجَادِل كلُّ متكلِّم عن مذهبه الكلاميّ، ولا يكتفي بذلك، لكنّه يقوم بحصر الحقَّانيّة في مقولات فرقته فحسب، محتكرًا صورة الله، ومحاولًا استملاكَه، واصمًا المخالف بالابتداع في الدِّين أو الكفر أو درجة تكون بينهما؛ ما أدَّى إلى حالة اصطراعيّة بين أتباع الفِرَق… كُلٌّ يحاول فرضَ نفسه على الآخر بكلِّ طريقة ممكنة، وصارَ العَيْشُ المشترك بين المختلفين عقديًّا أمرًا مستحيلًا.

  • إهمال الرّوح

أورد المتكلِّمون مقالاتِهم بأسلوب رياضي، أو منطقيّ، أو فلسفيّ، أو علميّ، وجانبوا الجانبَ الروحي والعاطفي في محاججاتِهم، فنتج عن ذلك إيمانٌ جافٌّ يُهْمِلُ الروح، ولا يُلْقِي بالًا بانفعالات الإنسان وعاطفته وشعوره الداخليّ، ولهذا ابتُعِثَ التصوّف علمًا مستقلًّا؛ ردًّا على هذا الإهمال والضياع الروحي للمسلمين الذي ساهم فيه المتكلِّمون.

  • الافتقارُ إلى المَضْمُون الأخلاقيّ

عرفنا أنَّ الكلامَ لا يعتبر الحكمةَ العمليّةَ كثيرًا؛ ومن هنا جاء إهماله للمضمون الأخلاقيّ، فلا نعثر في مدوّنات الكلام على مختلف فِرَقِها ومذاهبها مبحثًا يتناول ماهيّةَ القيمة الأخلاقيّة مثلًا، ولا نجد ما يمكن أن يُلَمِّح إلى مباحث تتعلق بالفضيلة والسعادة، رغم امتلاء القرآن بمناقشة هذه القيم وتركيزه عليها في مواضع كثيرة.

  • عدم التمييز بين المقدس واللامقدس

كان التمييزُ قائمًا بين النص الأوَّل (القرآن والسنّة)، والنّص الثاني (شروح النّص الأول)، لكن حدث بينهما خلطٌ بالتدريج، إذ ارتقت بعضُ الشروحات والتفاسير الدينيّة مقامًا مُقَدَّسًا وهي في أصلها أفهامٌ بشريَّة.

ولم يكن المتكلّمون بِدْعًا من هذا الأمر، إذ كانت لهم مقولات وشروحات خاصّة بهم في ضوء العصر الذي عايشوه والمعارف التي يعرفونها، ثم جاءَ أتباعُهم -في عصور التقليد والانغلاق- غارقين في التفسيرات والشروح وشروح الشروح والحواشي؛ لا يأتون بجديد، ولا يتعاملون مع هذه النصوص بروح النَّقد، بل حصروا فيها الأقوالَ، وعاملوها كأنَّها نصوص مقدَّسة.

  • تجاهُل العوامل المؤدِّية إلى نشأة الفرق

تجاهلَ الكلامُ الظروفَ والعواملَ التي نتجت عنها الفرقُ والمذاهبُ الكلاميَّةُ ولا سيّما العامل السياسيّ، وكأنّها نشأت في سياق منفصل عن زمانها وبيئتها وتاريخها الخاص.

  • الاعتماد على الطبيعيّات الكلاسيكيّة

من المشكلات التي مُنِيَ بها الكلامُ أن اعتمد على علوم الطبيعة لدى القدماء، وأوردوا مسائلَها القديمة في مدوَّناتهم متعاملين معها على أنَّها حقائق نهائية، وما زاد في الأمر من سوء أن استمرّت هذه الطبيعيّات مبثوثةً في كتب المتكلِّمين وثناياها، مختلطةً بغيرها؛ يُكَرِّرها الخَلَفُ ويتناقلونها جيلًا بعد جِيلٍ.

ماهيّة الكلام الجديد

محاولات إحيائيّة: بين التجديد والإصلاح

قارب القرنُ الثامن عشر على الأفول، وحدث اللِّقاءُ الأوّل بين الشرق والغرب منذ مدّة طويلة في مصر حينما غزاها نابليون عام 1798م، فكانتِ الصدمةُ الحضاريةُ أوقعَ من الصدمةِ العسكريّةِ، ثم كان أن ابتُعِثَ رفاعةُ رافع الطهطاويّ إلى فرنسا، فانبهر بفنون وآداب ومعارف الفرنسيِّين مدوِّنًا ما رآه وتعلَّمه هنالك في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، ومن ثَمَّ عاد إلى مصر مفعَّمًا بطاقة الترجمة، مساهمًا في نقل ما اقتدر عليه من العلوم والفنون والمعارف الحديثة.

وحدث الأمرُ نفسُه في شبه القارّة الهنديّة حيثُ استحوذت الدهشةُ على النّخبة المفكِّرة هنالك، فدعا سيد أحمد خان المسلمين في الهند إلى الأخذ بمكاسب الحضارة الغربية، وأصدر من أجل ذلك مجلة «تهذيب الأخلاق»، وأسَّس «جامعة عليكرة الإسلاميّة» تحقيقًا لهذا المطلب؛ ما أدّى إلى عاصفة من جدلٍ ومناظرةٍ أيقظت الفكرَ الكلاميَّ الكامنَ، وانبرى جمالُ الدين الأفغاني وأكبر حسين الإله آبادي للردِّ على مقالات أحمد خان وآرائه بخصوص هذا الأمر.

سرتْ عاصفةُ التجديد والإصلاح العالَم الإسلامي أجمع، واختلط الإصلاحُ بالتجديد، والتجديدُ بالإصلاح، واتّسمت الحركاتُ الإصلاحيّة برفض التعصب والتحجُّر، ومحاكاة شيء من الإصلاح اللوثري في المسيحيّة، أما التجديد فاتّسم بالإبداع والابتكار، والإتيان بما لم يكن مألوفًا من قبل، واستخدام أدوات منهجيّة حديثة لم تكن مستخدمةً في السابق.

دار النِّقاشُ بين الباحثين حول مفهوم التجديد الكلاميّ، فرأى البعضُ أنّه يعني دمجَ المسائل المستجدَّة، واستيعابها في إطار المنظومة الكلاميّة القديمة، فيما ذهب غيرُهم إلى أنَّ التجديد الكلاميَّ يعني تجديدًا في المباني، والمسائل، واللغة، والموضوعات، والمناهج، والأهداف، وإذا طالَ التجديدُ هذه الأبعاد، فلا شكّ ستشهد الهندسةُ الكلاميّةُ لعلم الكلام تجديدًا مستمرًّا، وسيظهر الكلامُ في حُلَّة ولباسٍ آخر جديد.

ما يُؤْخَذُ على الرؤية السابقة للتجديد أنّها لا تضع حدًّا فاصلًا بين علم الكلام وفلسفة الدين، إذ تتماهى فيها الحدودُ وتتداخل، ورغم ذلك تبدو هذه الرؤية تصوُّرًا أجلى وأظهر من أيّ رؤية أخرى لتجديد علم الكلام. وحتى تتضح الصورةُ، ويقوم هذا العلمُ على قدم وساق، ويتمايز عن غيره، يمكن وضعُ تعريفٍ لعلم الكلام الجديد أنّه «الفهم الجديد للوحي»؛ ما يجعل هذا التعريفَ معيارًا يتمايزُ به الكلامُ الجديد عن غيره.

تأسيس الكلام الجديد

لا يُمْكِن القول بنسبة تأسيس هذا العلم لرجل واحدٍ؛ ذلك أنّ حركةَ التجديد في معارف الدين مخاضٌ عسير، فلا يمكن لتجديدٍ أن يكون بمجرَّد قرار تصدره مؤسَّسة، أو كتاب يكتبه إنسان، وهكذا كان تجديدُ الكلام مشروعًا أسهمتْ فيه مؤسسات كثيرة، ورجال كثيرون عملوا على تأسيسه وتطويره.

تميّزت الفترةُ ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين بالدّعوة إلى إحياء علم الكلام القديم، لكنّ مصطلح الكلام الجديد لعلّه لم يظهر إلا على يدَي شبلي نعمان في كتابه «علم الكلام الجديد»، لكن لا يمكن الجزم بأن شبلي نعمان هو أوّل من نحت هذا المصطلح، ولعلّه مُسْتَعَار من سيد أحمد خان.

اتَّخَذ علمُ الكلام الجديد فيما بعد مسارًا مُخْتلفًا مع محمد إقبال، إذ حاولَ في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام» ابتناءَ فلسفة بديلة للدِّين تغتني بما تستوعبه من معارف الآخر، وقام بتحليل جوهر الدِّين مستنطقًا الموروث الإسلاميّ للعرفان، ومستعينًا بحشد من الفلاسفة والمفكِّرين الغربيِّين؛ ما يشى بموقف إيجابيّ من الفلسفة ومعارف الغرب الحديثة. كما قام بمعالجة الوحي، والنبوة معالجةً جديدة؛ ما يضع مساهمته في إطار الكلام الجديد.

تكاملتْ رُؤى محمد إقبال لدى فضل الرّحمن، رغم أنّه لم يُحاكِهِ في تفكيره، وإن كانت رؤاه قد اغتنت وتطوَّرت بأفكار إقبال وطريقته. دعا فضل الرحمن للعودة إلى القرآن، مستندًا عليه في أفكاره ورؤاه، محاولًا تخليصه وتنقيته من إكراهات التاريخ وتسلُّطاته، واضعًا يديه على مقاصد القرآن وكُلِّيَّاته، والقضايا المحوريّة فيه، منتهيًا إلى آراء كانت غريبة على بيئته الدينيّة.

أعاد التفكيرُ الدينيُّ في إيران إنتاج مقولات إقبال، وعمل على تطويرها وتنميتها، ولا سيّما رأيه في خَتْم النبوَّة، إذ كان يرى الوعيَ البشريَّ الإنسانيَّ قد وصل إلى مرحلة من الكمال المعرفيِّ الذي أهَّلَهُ إلى الانفراد بنفسه، وعدم الحاجة إلى الاعتماد على مِقْوَدٍ يُقَادُ منه (النبوة).

أما مصطلحُ «علم الكلامِ الجديد»، فقد ظهر أصلًا في إيران نتيجةَ ترجمة كتاب شبلي نعمان سابق الذِّكر، وبدأ ظهورُه في أُفُقِ التفكير الفلسفيّ والكلاميّ لدى محمد حسين الطباطبائيّ، وشروح تلميذه مرتضى المطهّري الذي كتب تصوّرات أوّليّة بشأن التجديد الكلاميّ، مستعملًا مصطلح «الكلام الجديد» باحثًا الجانب الوظيفيّ من علم الكلام.

محاولات التجديد الكلامي بين إيران والعالَم العربي

صدر كتاب «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» للطباطبائي، وقام المطهري بشرحه، ورغم كون الكتاب يُعْنَى بالفلسفة أكثر، إلّا أنّ البحث فيه قد انصبّ على بيان مسألة المعرفة والإدراك، وتفسير حقيقة المعرفة الإنسانية ومصادرها وحدودها، مُعْتَمِدًا في ذلك على نقد الاتِّجاه التجريبيّ في الفلسفة الغربيّة الحديثة، والاتِّجاه المادِّيّ؛ فوقع في نوع من الالتباس في فهم الفلسفات الغربية الحديثة وتياراتها، نتيجة افتقاره إلى معرفة اللغة التي دُوِّنَت بها هذه الفلسفات، واضطراب ترجماتها التي عاصرتْه.

كما صدر كتابُ «فلسفتنا» لمحمد باقر الصدر وهو أَلْصَقَ بـ «علم الكلام» منه إلى «الفلسفة»، إذ نسج الصدرُ فيه على منوال الطباطبائي؛ محاولًا تدوين علم كلام فلسفيّ، التبس لديه تفسير بعض اتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة وآراء الفلاسفة، فوقع فيما وقع فيه الطباطبائي من التباسات لنفس السبب السالف. كما حاول الصدرُ في كتابه «الأسس المنطقيّة للاستقراء» التّحرُّر من تقليد أرسطو، وفكّر في آفاق لا تقرر مقولاته في «فلسفتنا»، واعتمد فيه على توظيف منهج الاستقراء القائم على حساب الاحتمالات، وحاول أن يعالج ثغرة اليقين في الاستقراء الناقص.

وإذا انتقلنا إلى العالم العربي، نجد بعض المحاولات المبكِّرة للدّعوة إلى التجديد الكلامي لدى أمين الخولي الذي يرفض حصر الاجتهاد في المجال الفقهيّ فحسب، فكما تستجدُّ قضايا فقهيّة معاصرة على الفقيه المعاصر معالجتها معالجةً جديدة، كذلك تستجد احتياجاتٌ معنويّة وروحية وباطنة لدى الإنسان تجعل الحاجةَ مُلِحَّة إلى الاجتهاد الكلاميّ أيضًا، فالتطوّر سنّة شاملة؛ تفرض سلطانها على المعاملات والعبادات، والعقائد كذلك، ولذلك يرفض الخوليّ أيَّ قراءة لاتاريخيّة للتراث الإسلامي بشتّى ضروبه ونواحيه.

وحاول محمد عبد الله دراز في كتابه «الدين: بحوث مُمَهِّدَة لدراسة تاريخ الأديان» معالجةَ الفكرة الدينيّة من الناحيتَين: الموضوعيّة والنفسيّة، كما ناقش العلاقةَ بين الدِّين والأخلاق والفلسفة وسائر العلوم، كما ناقش نشأة الدين، والحاجة إليه، ومنابع الإلهام الإنسانيّ فيه، مستندًا في ذلك كلِّه على معطيات المعرفة الإنسانيّة الجديدة، مستفيدًا من تحصيله العلمي والمعرفي الجديد.

وأوردَ فهمي جدعان مصطلح «كلام جديد» في كتابه «أسس التّقدُّم عند مُفَكِّرِي الإسلام في العالَم العربي الحديث» في خضمِّ مناقشته «التوحيد المُتَحَرِّر»؛ الذي يعني ضرورةَ وجود علم كلاميّ يُعالج التوحيد من جهةِ كونه علمًا مُحَرِّرًا للإنسان، صافيًا ممّا قد يعلق به من شائبة أو كَدَر.

يبدأ التجديد الديني بتجديد الكلام

لا يمكن للدِّين أن يتجدَّد مواكبًا حركةَ العصر الحديث إلّا عن طريق تجديد الكلام الإسلامي، والانتقال عن دوائر الكلام القديم المغلقة، فتجديد الفقه مثلًا يُبْتَنَى على تجديد الكلام، إذ تُعَدُّ المقولاتُ الكلاميَّةُ مسبقاتِ الفقيهِ اللاهوتيّةِ ومُسَلَّماتِه العقليةِ، فلا يمكن الانتقالُ عن القراءةِ الفقهيَّة المغلقة للنصوص ما لم يسبقْها تجديدٌ في البنية العميقة لإنتاج تفسير النصوص والمنحصرة في الكلام وحده لا غير.

تتجلّى أهميّةُ الكلام الجديد في أنّه يعمل على التمييز بين الإلهي والبشري، ويضع حدودًا بين الوحي الإلهيّ والعقل البشريّ، كما يكشف عن أقنعة المقدّس إذا ما تدثّر بها الدنيويُّ؛ ما يؤدِّي إلى تحديدِ مجالات المقدَّس الذي يعمل فيها، ومعرفة مجالات الدنيويّ التي يدور فيها. كما تتجلّى أهميتُه في إطلاق نزعةِ التَّفكير الحرِّ في العقيدة، وتقويض الانغلاق الذي عَمِلَ على تكريسه تيّارُ الظاهريَّةِ الاعتقاديَّة عبر الزَّمان.

هذا غير أنّه ينشد التعبيرَ الجماليَّ عن الدين ويعمل على تكريسه، نفيًا للقُبح، ونبذًا لتفسيراتٍ موغلة في الوحشيَّة؛ تبتعد بالدين عن سياقاته الرحمانيّة. ولأنّه لا جوابَ أبديًّا للأسئلة الميتافيزيقيّة كان لزامًا على علم الكلام الجديد أن يتأسس، وأن يكون له وجود، وأن يصير المنفذ الوحيد للكلام إذا أُرِيدَ له النفاذ إلى عصرنا الحاضر وهمومه ومشكلاته الراهنة.

انحصار التجديد الكلامي في الفهم الجديد للوحي

الكلام بين التجديد والتحديث

حرص بعضُ الباحثين المتحمِّسين للتراث على عدم استخدام مصطلح «الكلام الجديد»، مُفَضِّلين بدلًا منه «الكلام الحديث»؛ تخلُّصًا من الحمولة الدلاليّة التي تحملها كلمة «الجديد»، وما تشي به من قطيعةٍ مع الكلام التقليديّ القديم، إذ «الكلام الجديد» يعني تخطِّي ما كان يُبْتَنى عليه الكلامُ القديمُ من مناهج وأدواتٍ للفهم وتحصيل المعارف؛ كالمنطق الأرسطيّ، وسطوة الطبيعيّات الكلاسيكيّة، والرؤية القديمة للعالَم والإنسان.

إن مجرّد التّسمية تفرض سلطانَها على طريقة الباحث في التفكير، فالباحث الكلاميُّ الجديد يعرف قصورَ الفكر الكلامي القديم، ويحاول ابتناء آخر على أنقاضه، أما الباحث الكلاميّ الحديث، فإنه لا يرنو إلّا إلا بسط المسائل الكلاميّة القديمة في صورة مدرسيّة حديثة ربّما، مع استيعاب المسائل التي استجدّت بأدوات ومناهج البحث القديمة كما يفعل من يمكن تسميتهم بـ«الأشاعرة الجُدُد» من تسويق للأشعريّة مرّة أخرى عن طريق تكريسها، وإلباسها حُلَّة جديدة لا تخلو من إغواء.

مضمون قديم تحت مُسَمًّى جديد

ظهر تعبير الكلامُ الجديد – كما تقدَّم – مع  شبلي النعماني في كتابه «علم الكلام الجديد»، وكان أوَّل من يؤلِّف كتابًا تحت هذا المُسَمَّى، لكنّه تناوَل مسائل الكلام التقليدي هي هي دون تغيير، متبنِّيًا المناهج والأدوات القديمة نفسها دون أي تغيير ظاهر، كما أدرج في كتابه مسائل جديدة لم تُبْحَثْ من قبل؛ كمسألة الانتحار، وحقوق المرأة، والحقوق العامّة للشَّعب… إلخ.

تبنّى شبلي النعماني نفسَ المنطق الدفاعيّ للكلام التقليدي، فلم يخرج عن القديم قيد أنملة إلّا فيما أورده من مسائل جديدة عالجها بمناهج قديمة، لذا كان وفيًّا كلّ الوفاء للقديم؛ ما يدعو إلى القول بأنّه تبنّى اسمًا جديدًا، لكن بمحتوىً ومضمون ٍتقليديّ قديم. ولعلّه أخذ هذا المسمى عن أحمد خان الذي نجد في آثاره خروجًا على التراث الكلاميّ القديم دون الإشارة إلى ذلك.

وأصدر إسماعيل حقِّي الإزميلي كتابًا بعنوان «علم الكلام الجديد» باللغة التركيّة العثمانيّة، لكنّ الكتاب لم يُتَرْجَمْ إلى العربية أو غيرها من اللغات حتى اليوم، ولم يُعْرَف عن مؤلِّفه أنّه من روَّاد التجديد، ولو كان يحمل اتِّجاهات أو رؤىً تجديديَّة خارج نطاق القديم لطارت شهرتُه في الآفاق كغيره من الكتب، لكنّ هذا لم يحدث.

ذهنيّة تراثيّة

أكثرُ مُفَكِّري الإسلام اليوم مقلِّدون في العقيدة لأئمّة الفرق، لأنّهم يرون العقائدَ ثابتةً لا اجتهادَ فيها. تنبني هذه الرؤية على أنَّ كلَّ الحقيقة الدينية تمّ الكشفُ عنها، ولا يمكن الإتيانُ بجديد، بل كلّ جديد هرطقة دينيّة، وشبهة ينبغي الإتيان عليها رفضًا وردًّا.

ولعلّه لا نجد دعوةً صريحةً إلى التجديد في العقائد إلّا لدى أمين الخولي الذي رأى سُنَّةَ التَّطَوُّر سُنَّةً عامّة جارية تشمل العقائد بجانب العبادات والمعاملات، ورغم هذه الدعوات التجديدية المحمومة التي أطلقها، إلّا أنه لم يفصح عن رأيه في مقولات الكلام، ولم يمارس التجديد عمليًّا.

بناءً على ذلك، لا يمكن وضع محمد عبده في خانة الكلام الجديد، لأنه كان يُفَكِّرُ بذهنيّة كلاميّة قديمة، وعلم الكلام لديه كما ظهر في (رسالة التوحيد) هو الكلام القديم ذاته، إذ صاغ القديم ببيان مدرسيّ جديد، مُطَعِّمًا إيَّاه ببعض الرّؤى العقلانيّة التراثية من هناك وهنالك، كافًّا عن الخوض في مسائل لا يرى طائل من ورائها كمسألة الصفات وعلاقتها بالذات. يفتقر كلامُ محمد عبده إلى الفهم الديناميكيّ للوحي، ولا يبتكر منهجًا آخر للبحث الكلامي، ولا يوظِّف أدواتٍ جديدة في الفهم.

جاءَ طه عبد الرحمن مستأنفًا أبا حامد الغزالي، لكن بلغة تبتكر معجمها الاصطلاحيّ الخاصّ الذي تنفرد به، محاولًا الإفادة من المنطق الحديث وفلسفة اللغة. يفكِّر طه عبد الرحمن بذهنيّة تراثيّة لا يتحول عنها إلا بمنحوتاته اللغويّة؛ ما يحمل على القول أنّه لم يأتِ بكلام جديد أيضًا، وإن أتى بمُبْتَكَرَاتٍ اصطلاحيّة جديدة، وإن حاول الاستفادة من معارف وفلسفات وأدوات حديثة.

مِعْيارُ الكلام الجديد وأركانه

يقول الرفاعي: يلتبس مفهومُ التجديد بمفهومَي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية. للإصلاح الدينيّ عند روَّاد النهضة العربية أكثر من معنى، وإن كانت تلتقي على رفض التعصّب والتحجّر، ومحاكاة شيء من حركة الإصلاح الدينيّ اللوثريّ في المسيحيَّة، وفتح باب الاجتهاد في الفقه بالعودة إلى أدوات النَّظر وأصول الفقه الموروثة. بدأ هذا النمطُ من الفهم للإصلاح مع الطهطاوي مرورًا بالأفغاني، وتلميذه محمد عبده الذي كان أول عالِم مسلم يسعى لتدشين محاولات جادَّة في إعادة تفسير القرآن، وتقرير التوحيد ببيانٍ حديث، وإصدار فتاوى تصغي لإيقاع العصـر. إصلاح محمد عبده توقف عند المسائل الفقهية وتفسير بعض الآيات القرآنية من دون المساس الجوهري بالمقولات العقائدية، والقضايا الإيمانية النظرية الداخلة في نطاق “علم العقائد” أو “علم الكلام”. يتبنى الرفاعي التجديد وليس الإصلاح ولا الإحياء، ويشرحه بقوله: أعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

أدركتْ جماعةٌ من المصلحين والمفكِّرين منذ القرن التاسع الأثرَ شديدَ السُّوء الذي تسبَّبَتْ فيه بعضُ العقائد كالقضاء والقدر، فقاموا بانتقاد مفهومِها الشَّائع لدى المسلمين، وبالتّدريج اتَّسَعَت دائرةُ النَّقد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وظهر ما سُمِّي بـ «الكلام الجديد» في الإسلام الهندي.

ونظرًا لتبنِّي كثيرين مصطلح «الكلام الجديد» رايةً لآرائهم وأفكارهم ومقولاتهم الكلاميّة، التبس الكلامُ الجديدُ بغيره، فليس كل ما يُكْتَب تحت مُسَمَّى «الكلام الجديد» كلامًا جديدًا في حقيقة أمره، لذا فالمعيار الذي يمكن اعتباره مقياسًا لتمييز الكلام الجديد من غيره، وعلى أساسه يمكن تصنيف أحدُ المتكلمِّين بأنه متكلم جديد، هو الإتيان باجتهاد كلاميّ جديد يتبنّى مفهومًا جديدًا للوحي الإلهيّ ضمن نطاقه الميتافيزيقي لا خارجه.

الكلام الجديد الذي يُعْنَى بابتناء مفهوم جديد للوحي كما يرى الرفاعي يقوم أساسُه على تسعة أركان أساسية، هي:

  • تفسيرُ الوحي تفسيرًا ديناميكيًّا، لا يكون النبيُّ فيه الجانبَ السلبيَّ المنفعل، بل يكون فيه متفاعلًا معه، متأثِّرًا ومؤثِّرًا فيه.
  • نفي الصورة المرعبة لله في الكلام القديم، ومحاولة ابتناء صورة أخرى رحمانيّة مُفَعَّمَة بالرأفة الإلهيّة.
  • ابتناء صلة بين العبد والله تقوم على أساس من المحبة، لا على أساس القهر والخوف.
  • إيقاظ المعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ الكامن في النصوص المؤسِّسَة.
  • إعادة تعريف الدين بصورةٍ يكون فيها منبعًا لما يُثْرِي حياةَ الإنسان بالمعنى الذي يتطلّبه وجودُه.
  • الانفتاح على تعدُّد قراءات القرآن بتعدّد الأحوال، والأزمان، والبيئات، والثقافات، والأشخاص.
  • الاستفادة من معطيات الفلسفة الحديثة، والعلوم الإنسانية المعاصرة، والأدوات الجديدة في الفهم والتأويل.
  • دراسةُ المتخيّل الديني وتحليلُ كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني ضرورةٌ تفرضها عملية التجديد، فمَنْ يمتلكُ وسائلَ إنتاج هذا المتخيّل يمتلكُ السلطةَ ويمتلكُ التحكُّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم في مجتمعاتنا. المتخيلُ الديني يُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها، ويُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها.
  • لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعضُ من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع، كما يدلّل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها.

في ضوء فهم الوحي فهمًا ديناميكيًّا جديدًا لا يتنكَّر لأصله الغيبيّ، يمكن التحرُّر من مأزق القراءة اللاتاريخيّة للسنة والسيرة النبويّة، ويمكن الوقوفُ على ما هو محلِّيٌّ خاصّ بثقافة الجزيرة العربية، وما هو عالميّ يشتمل البشرَ جميعَهم، وبين ما هو وحيانيّ من قول النبي وفعله وتقريره، وما هو شخصي في سلوك النبيّ، وبلغة حاسمة: يمكن التمييز بين الثابت والمتغير في الدِّين.

مسَارَان جديدان في فهم الوحي

نلتقي في علم الكلام الجديد بمسارَين في تفسير الوحي وفهمه:

  • مسار يفسِّر الوحي بوصفه ظاهرة وقعت في التاريخ.

يرى هذا التيّارُ الوحيَ مُنْتَجًا ومُنْتِجًا ثقافية، وموقفه ملتبس حيال المضمون الميتافيزيقي للوحي. يمثِّل هذا التيّار باحثون مثل: محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم.

  • مسار يفسِّر الوحي بوصفه ظاهرة ميتافيزيقيّة.

يرى هذا التيارُ الوحيَ حالةً يعيشها النبيُّ؛ نتيجةَ تسامِي الإنسان (النبيّ) بروحه، أو تنزيلٍ إلهيٍّ عليه. يعتمد هذا التيارُ آثارَ العُرَفَاء لبيان البعدِ الميتافيزيقيِّ للوحي، والعلوم الإنسانية الحديثة لبيان بعده البشريّ. يمثِّل هذا التيارَ باحثون مثل: أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، ومحمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سروش، وغيرهم.

مناقشة الرؤى الرسولية لعبد الكريم سروش

عرض

يرى سروش في كتابه: «كلام محمد رؤى محمد» -الصادر عن دار: أبكالو للنشر والتوزيع، من ترجمة: أحمد الكناني- أن ما ورد في القرآن من مشاهد القيامة؛ كتنازع أهل الجنة الشراب، وسلخ جلود أهل النار ونضوجها مرة أخرى، وحوادث الأنبياء الكثيرة وقصصهم؛ كانشقاق البحر لموسى، وغيرها من الآيات الشبيهة لم يكن النبي فيها ناقلًا لأخبار تلقاها تلقِّيًا مباشرًا، ولكنه شاهدها في أحلامه ورؤاه، وقام بروايتها كما رآها، لذا فهذه الآيات في حقيقتها ليست إلا مجموعة من الأحلام والرؤى التي اختبرها وعاينها النبيُّ ووقعت له، وشاهدها مشاهدة مباشرة في منامه، لذا فإنه في مثل هذه الآيات يروي عن نفسه مشاهداته الخاصة، ولا يروي عن غيره.

يناقش سروش على سبيل المثال رأي الطباطبائي في المراد من السماء التي تسكنها الملائكة بأنها عالم ملكوتي، ذو أفق أعلى نسبةً إلى هذا العالم المشهود، فيقول: «ولو تنبه صاحب (الميزان في تفسير القرآن) إلى أن رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج إلى كل تلك التأويلات، ولذهب إلى خبير في الأحلام والأنثروبولوجيا يدله على معنى أن شخصًا في تاريخ وجغرافية الحجاز، ومن ثقافة تلك الحقبة، يرى في المنام أن الشياطين تقذف الشهب» (كلام محمد رؤى محمد، ص 87).

ولأن هذه الآيات والأخبار ليست إلا أحلام النبي ورؤاه، فإنها لا تستخدم لغة الأدب في الإيضاح والتعبير عنها، ولا تستخدم الاستعارات والمجازات والكنايات والتشبيهات، لأن لغة الأحلام -المختلفة تمامًا عن لغة الأدب- لا تحمل إلا معانيها الحقيقية، والتصورات التي عاينها الرائي كما شاهدها واختبرها، ومن ثَمَّ فإن لغة الأحلام لا تنتظم في سياق منطقي، فلا تحكمها الضروات المنطقية، ولا تجري عليها أحكام الطبيعة بصورها المختلفة.

يقول سروش: «لا بد من الإذعان إلى أن تلك الفوضوية ليست من فعل الأعداء ولا غفلة الجامعين، ولا هي دون علم صاحب الوحي، وإنما راوي السور المبتنية على الرموز والرؤى غالبًا ما يفتقر إلى المنطق والتسلسل فيفقد الانسجام والانتظام؛ هذا هو دأب المنام، ولا وجود لليقظة فيه» (كلام محمد رؤى محمد، ص 107).

نقد الرفاعي لسروش

يعرض الرفاعيُّ هذا الفهم الجديد للوحي على أنه نوع من التجديد الكلامي ومثال له إلا أنه لا يكتفي بالاعتراض عليه بل ويناقشه أيضًا. يبتدئ الرفاعي مناقشته لمفهوم «الرؤى الرسولية» لدى سروش من كيفية تفسيره للوحي من الأساس، فالإنسان لا يمكنه بلوغ مرتبة النبوة إلا عن طريق التسامي بكينونته الوجودية الذي يؤهله للتحقق بالكمال الاستثنائي اللائق بهذا المقام الإلهيّ… ولا يمكن أن تكون الرؤى والأحلام وسيلةً يتكامل بها، ويتأهل من خلالها الإنسان لأية مهمة حياتية، فكيف بمرتبة النبوة، وكيف يُتَصَوَّر أن يتحمل النبي مسؤولية الرسالة أو بعضها عن طريق رؤى وأحلام يراها في منامه؟!

يقول الرفاعي: «لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام، ولا يمكن أن يكتسب إنسان إمكاناته الوجودية وقدرته على تحمل الرسالة الإلهية في المنام. يلزم من القول بالأحلام النبوية أن تكون مهمة النبي في إبلاغ الرسالة وتلقِّيها أهون من مهمة رجل العلم والسياسة والعسكر والتجارة…» (ص 149).

يرى الرفاعي أن مرتبة النبوة تشبه إلى حد كبير استضافة الغيب للإنسان، واستضافة الإنسان للغيب؛ يكون المُضيف فيه هو الله، والضيف هو النبي، وفي ظلال هذه الضيافة يتلقى النبيّ الوحي ويتحمل مسؤولية البلاغ والإبانة، لذا فإن «الوحي ليس شعورًا نفسانيًّا باطنيًّا، وليس حوارًا تستبطنه الذاتُ… الوحي حقيقة من حقائق الغيب؛ هذه الحقيقة ينكشف فيها الإلهيُّ للبشريّ، ويتجلّى فيها للإنسان ما هو إلهيّ. شهود الإنسان للإلهيّ لا يتحقق إلا إذا تكامل الإنسانُ في طور وجودي يفتقر إليه غيرُه من البشر؛ ذلك ما يؤهله أن يكون نبيًّا» (ص 149)، لا الرؤى والأحلام التي يشاهدها ويختبرها في المنام، ثم يأتي ويحكيها في صورة لغوية لا يحكمها سبب ولا منطق.

يرى الرفاعي إذن أن الوحي حالة أنطولوجية تتحقق للإنسان ويتلبس بها إذا ما تكاملت كينونته الوجودية، فالنبي ليس كالشاعر ولا المبدع أو المخترع الذي قد تؤثر الرؤى والأحلام في فنه وعلمه وإبداعه بوجه من الوجوه، لكنه المتحقق بمقام وجودي استثنائي للإنسان. يقول: «الشاعر إنسان موهوب يتميز بقدرته على الإبداع، مرتبة الشاعر الوجودية -وهكذا مرتبة الرسام والمخترع- هي مرتبة غيرهم من الناس. النبي مثل غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبته الوجودية ارتقت، فاصطفاه الله للنبوة…» (ص 150).

إن الوحي إذن كما يرى الرفاعي صلة وجودية بين عالمَي الغيب والشهادة يمكن من خلالها أن يكون النبي شاهدًا للغيب تجلِّيًا يتجلى الإلهيُّ فيه، فــ«النبي من جهة الوحي يشهد عالم الغيب، وبوصفه بشرًا يحتفظ بحضوره في عالم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشترك فيها مع الكلّ» (ص 150).

إنه يمكن باستنطاق القرآن التعرف على الوحي بوصفه منتميًا إلى عالم الغيب؛ ومن ذلك قوله تعالى: « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» (المزمل: 5)، فالقول الثقيل توصيف رمزيّ، إذ القول لا يمكن وصفه بالثقل المادي طبقًا لقوانين عالم الشهادة، لكنه ثقيل على النفس ثقلًا لا يمكن معه أن يتحمله أي إنسان عادي إلا إذا تكامل وجوده تكاملًا يمكِّنه من التلقِّي والبلاغ عن الله.

ينتهي الرفاعي في مناقشته تلك إلى أن «الوحي بعدان، بعد إلهي، وآخر بشري، لا يمكن دراسة البعد الإلهي الغيبي في الوحي في ضوء المناهج العلمية المعروفة لدراسة الطبيعة ومن يعيش فيها. النبي لا يفقد بشريته عندما يتلقى الوحي… [فــ] إنكار البعد البشري في شخصية النبي هو ما يفعله الغلاة وبعض المتكلمين القدماء. محمد نبي مبعوث برسالة إلهية… إنسان يعيش حياته البشرية كما يعيش الناس… إنسان يمتلك بصيرة نورانية، وعبقرية فذَّة… تجذرت في ذاته الرحمةُ الإلهية بوصفها ضمير النبوة» (ص 153).

الفهم الجديد للوحي لدى مفكِّري الإسلام في الهند

بين التعدديّة الدينية والأحادية

يتنافس في الإسلام الهنديِّ تياران؛ تيار تعدُّدِيّ، يؤمن بالتعددية الدينية، ولا يقولُ باحتكار الطريق إلى الحقّانيّة والنجاة، ويتقبّل الاختلاف في الفضاء الديني، ويتعايش مع مختلف التجارب الدينية. وفي مقابل هذا التيار تيارٌ آخرُ أحاديّ، لا يتقبّل تعدّد التجارب الدينية، ويؤمن باحتكار الطريق إلى الله، وهو شديد الوفاء للرؤية الكلامية والفقهية القديمة، مُقْصِيًا كلّ اجتهاد آخر لا ينسجهم وفهمهم للدين.

تنتمي مدرسةُ وليّ الله دهلوي، وأحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن للتيّار التعدّدي في الإسلام الهنديّ الذي كان حضورُه في المجال العربي قليلًا، إذ كان الحضورُ الأكبرُ  لتيّار الانغلاق والأحادية الدينيّة ولا سيّمها في ممثِّلها الأكبر؛ أبي الأعلى المودودي الذي كثَّف كتاباته وأحاديثه وجهوده للتفسير السياسيِّ لآيات القرآن الكريم، وكرّس حياتَه من أجل إقامةِ دولةٍ دينيّةٍ تتأسَّس على التُّراث القديم.

تبنّت أدبياتُ الإسلام السياسيّ في المجال العربي أفكارَ المودودي، بل وقام بعضهم على شرحها وتثبيتها في محاكاة مستمرة للغتها ومنطقها كما يُلْمَسُ ذلك في آثار سيد قطب الذي استقى عنه أفكارَ الدولة الدينية، والمجتمع الجاهلي، وبغضَ الفلسفة والعلوم الإنسانية، فأصبح لا يستطيع التفكير خارج أفقه ورؤاه المغلقة حول الدين والله والعالَم.

المودودي: الفهم السياسي للدين

تلخّص رسالةُ المودوديّ: «المصطلحات الأربعة في القرآن» قراءته السياسيّة لعقيدة التوحيد التي لا يراها تتحقّق خارج الدولة الدينيّة المتخيّلة في رأسه، إذ إنشاءُ البشرِ دولةً على الأرض يُعَدُّ ضربًا من الشِّرك والعدوان البشري على الله؛ وعلى هذا المنوال يقوم على تأويل أفكارِ «الإله، الرب، الدِّين، العبادة» تأويلًا سياسيًّا يخرج عن سياقاتها القرآنيّة، والميتافيزيقيَّة؛ محيلًا بذلك الإسلامَ أخيرًا إلى دين بلا روح، وبلا قلب، وبلا عقل.

وجَّهَ وحيد الدين خان نقدًا صوب المودودي وأفكاره، إذ ميّز بين الدِّين بوصفه نظامًا دستوريًّا قانونيًّا وسياسيًّا، وبين الدِّين بوصفه علاقة بين الله والإنسان، والتي يراها أصلَ الدّين، ناقضًا أن يكون الدينُ نظامًا سياسيًّا على غرار الأنظمة الدنيويّة الأخرى.

وحيد الدين خان ناقدًا المودودي

أدرك وحيد الدِّين خان مبكِّرًا ضرورةَ إعادة بناء التفكير الكلاميّ، إذ يرى طريقة الكلام وأسلوبه قد تغيَّرا بتغيُّر الزمان، ومن ثم علينا الإتيان بكلام جديد قادرًا على تحدِّي العصر الحديث والتعامل معه.

ورغم هذه الرؤى المنفتحة والناقد، إلّا أنّه لم يستطع التحرّر تمامًا -في كتبه كـ«الإسلام يتحدّى»، و«الدين في في مواجهة العلم»- من القديم، وظلّ يفكّر داخل النظام التراثيّ غير خارج عنه، لذا لا يصح وضعه في زمرة المتكلمين الجدد، لأنّه لم يحقِّق المعيارَ الذي طُرِح سابقًا من ضرورة تقديم فهم جديد للوحي.

ولي الله دهلوي: إرهاصاتُ تجديد كلامي

بدأت إرهاصاتُ تجديدٍ كلاميٍّ أوَّليَّة تظهر مع ولي الله دهلوي الذي عمل على ترسيخ أُسُسِ الإسلام التعدّدي الذي لا ينفي الآخر، ولا ينبذه. وكان يمتلك رؤيةً تتَّسع لعبور التراث؛ رؤيةً تحاول إعادة فهم القرآن فهمًا مباشرًا دون وساطة، وحاول فهم السنةِ في ضوء آفاقها التاريخيّة.

ويمكن العثور على إرهاصات الكلام الأولى في آثاره التي أشارت إشاراتٍ مبكّرة لدور النبي التفاعليّ في تَلَقِّيه للوحي، ونفي حصر معنى الوحي بانفعال النبي، وسلبيته إزاءه، إذ يرى الدهلوي أنّ الكتابَ الإلهيَّ يُرْسَل أوّلًا في قلب الرسول بصورة خفيَّة، ثم إذا ما انطبعتِ الرسالةُ الإلهيّةُ في نفس الرسول كما وُجِدَتْ في عالم السماء؛ ينطلق الرسولُ في العالَم ناطقًا بها، مُعَبِّرًا عنها.

ورغم هذه الرؤى غير المنغلقة للدهلويّ، إلّا أن تيّار الجمود والدعوة إلى السلفيّة استأثر بتراثه، فاستحالَ معهم فكرًا شائها، يخلو عن كلّ أشكال التفكير العقليّ الحُرّ، ويكرِّس للتقليد، واستدعاء الفهم التراثي مرة أخرى.

سيد أحمد خان: مَلَكَةُ النّبوة

كان علمُ الكلام الجديد أكثرَ تَعْبِيرًا عن نفسِه في فكر سيد أحمد خان الذي رأى النبوةَ مَلَكَةً طبيعيّة في النفس الإنسانيّة، ولا يأتي النبيَّ الوحيُ الإلهيُّ من خارج، لكنّه نشاطُ العقلِ الإلهيِّ في النفس الإنسانيّة.

لذا فالوحي ليس إلّا ذلك المعنى الذي قام في نفس النبي بالفعل الإلهيّ، ولهذا يُعَدُّ القرآنُ ألفاظَ النبيِّ؛ صاغها بلغته العربية اعتمادًا على المعاني الإلهيّة التي قامت في نفسه. على كُلٍّ، أثارت آراءُ أحمد خان الكلاميّة عاصفةً من الجدل، أيقظت الفكر الكلامي من سباته العميق.

محمد إقبال: التجربة الدينية بين العرفاء والأنبياء

استأنف محمد إقبال طريقة تفكير سيد أحمد خان، وترسّمَ منهجَه التأويليّ، فسعى إلى زحزحة علم الكلام القديم، فتمحورت جهوده حول ابتناء فلسفة للدين جديدة. ويُعَدّ كتابُ إقبال: «تجديد التفكير الديني في الإسلام» أولَ نصّ حديث في علم الكلام الجديد، لكن تأثيره لا يزال هامشيًّا في الدراسات الدينية بالعربية.

صاغ إقبال مفهومًا جديدًا للوحي يتمحور حول التجربة مميِّزًا بين تجربة الأنبياء وتجربة العرفاء التي تتَّحد في فحواها، لكنّ تجربة النبي تمنحه إرادة تغيير العالَم، أما تجربة العارف، فيبقى في فضائها.

ناقش إقبال كذلك مفهوم الحاجة إلى الوحي، ورأى أن الحاجة إلى الوحي تختصّ بمرحلة من الوعي البشري قد تجاوزها الآن، إذ لم يعُدِ الإنسان بحاجة إلى مِقْوَدٍ يُقَادُ منه.

فضل الرحمن: الفهم الديناميكي للنبوّة

جاء فضل الرحمن في أعماله مُطَوِّرًا آراءً اجتهادية جريئة، إذ يرفض مفهوم الوحي لدى الكلام التقليديّ، ويصوغ مفهومًا تجريبيًّا له يتفاعل فيه النبيّ ميكانيكيًّا، وتُعَادُ معه روحانيته.

إنّ القرآن – لدى فضل الرحمن – كلّه كلمة الله، وكلّه كلمة محمد أيضًا على الحقيقة، إذ تتجلّى فيه شخصية النبي كما يتجلّى فيه اللهُ للناس، ونستمع فيه إلى صوت الله بأصداء روح النبي.

القرآن كلمة الله بمعنى أنه يخلو عن الخطأ والزور، لكنه في نفس الوقت جاء على لسان النبي محمد، فهو الناطق به. نجد لدى عبد الكريم سروش صدى لفكر فضل الرحمن فيما أسماه «بسط التجربة النبوية»، إذ يصور النبي كالنحلة التي تعيد تكوين الرحيق عسلًا.

 

[1] عبد العاطي طلبة، كاتب ومترجم مصري، ومعلِّم لغةٍ عربيَّة للناطقين بغيرها. له ترجمات ومقالات منشورة في بعض الصُّحف والمجلات. تخرج في جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية عام 2014م، ثم التحق بجامعة القاهرة، وتخرج في كلية الآداب، قسم الفلسفة عام 2018م.

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

براء ريّان[1]

يبدأ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” بالحديث عن نشأة علم الكلام، وأسباب النشأة ودوافعها، إن كانت داخلية أو خارجية. علم الكلام لم ينشأ كنوع من الترف الفكري كما يعتقد البعض، بل نشأ تلبية لحاجات فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والثقافي والعقدي. يوضح د. عبدالجبار الرفاعي في هذا الكتاب المخاوف التي أصابت الفقهاء من هذا العلم الذي يحاول عقلنة أصول الدين وإثباتها بطرق عقلية. عارض كل من الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل هذا العلم، وهذا التعاض يعكس البنية السوسيولوجية والمعرفية التي لم تتهيأ في تلك اللحظة التاريخية لاستيعاب التفكير العقلاني الفلسفي بطريقة شبيهة لمن يرفض العقلانية الحديثة. مثّل علم الكلام في تلك اللحظة قمة الفكر العقلاني في الإسلام بجرأته ومقولاته المتنوعة وأسئلته. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي: ان تراجع علم الكلام بدأ عندما نُقلت الحوارات الكلامية من دور العلم إلى بلاط السلطان وخضعت للسياسة،كان الاعتزال ضحية هذا الانتقال من التفكير خارج حدود عقلانية السلطة. عندما تأدلج علم الكلام وتوقف التفكير العقلاني فيه دخل مرحلة السبات، وصار ضحية الوثيقة القادرية ( ٤٠٨ هـ ) التي فرضت مذهباً رسمياً واحداً لا يحق لأحد الخروج عليه وهو المذهب الحنبلي، وحرّمت التفكير الاعتزالي، فكانت هذه ضربة موجعة للتفكير الكلامي العقلاني، بعد أن تحول لمقررات ومراسيم وأوامر تفرضها السلطة السياسية. لم يستسلم الفكر الكلامي كليا لهذه التحولات، بل نهض علم الكلام مجدداً بعد زمان على أيدي متكملين كبار كنصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي، وغيرهما، وهو ينهض اليوم مجددا في علم الكلام الجديد.

كان لنشأة الفكر الكلامي في عالم الإسلام دور هام بتوليد الأسلئة العقلانية التي تبحث قضايا الاعتقاد لتولد منه تساؤلات ومقولات متنوعة. حضور العقل في التفكير الكلامي وعقلنة العقائد الدينية، وبحث كبرى الأسئلة العقلية كالجبر والاختيار والتوحيد والعدل وغير ذلك، تسبب بمحاربة التفكير الكلامي من تيارات رأته يشكل تهديداً لأصول الشريعة. نضج علم الكلام ليشكل الرؤية الكونية في الإسلام، وليشكل نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي كما يرى أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.كل ذلك كشفه الرفاعي في علم الكلم القديم، فأدرك سطوته على العقل الإسلامي، بل أدرك أنه المنبع العميق لأصول الفقه والآراء والمواقف الفقهية وتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.

تحدث الرفاعي عن محاولات التأسيس الحديث لعلم الكلام وتجديده منذ أيام ولي الله الدهلوي مروراً بسيد أحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، وانتقالاً للمدرسة الإيرانية في مشروع القراءة الهيرمونيطيقية عند محمد مجتهد شبستري، إلى القبض والبسط وبسط التجربة النبوية عند عبد الكريم سروش، والعقلانية والمعنوية عند مصطفى ملكيان، ثم المدرسة العربية المتمثلة بالقراءة الألسنية عند نصر حامد ابو زيد، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، والتراث والتجديد عند حسن حنفي، وغيرهم. كتابات كثيرة مر عليها أستاذنا الرفاعي واستوعبها استيعاباً نقدياً وناقش أصولوها ومرجعياتها، مما جعلته يضع جهده الأكبر في رسم ملامح علم الكلام الجديد، ووضع مقدمة هذه كي تحاول رسم حدود هذا العلم وموضوعه ومنهجه، محاولاً تمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم من جهة، والكشف عن المحاولات الشكلية لتجديد علم الكلام.

يرى الرفاعي ان علم الكلام القديم لبث يفكر في إطار العقلانية القروسطية، وفي ظل منطقها وفلسفتها، وفي ظل نظامها المعرفي، والعلوم الطبيعية السائدة آنذاك. نشأ علم الكلام ليجيب عن أسئلة المسلم في تلك القرون، فمع تطور المنطق والفلسفة ونشوء علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وتطور العلوم الطبيعية لدرجة القطيعة الابستمولوجية مع الطبيعيات القديمة، وتطور أسئلة المسلم المعاصر، نشأت حاجة يفرضها الواقع، لنشوء علم كلام جديد، يستوعب الطفرات الفلسفية الحديثة والعلوم الإجتماعية والمناهج الإبستمولوجية، ليخلق حواراً فكرياً ينطلق من واقع المسلم. وعلى هذا الساس تسقط بعض الدعوات التي ترى علم الكلام الجديد نوعا من الترف الفكري والإدعاءات، فنظرة سريعة لما نحن فيه ندرك فيها الحاجة الماسة التي فرضها الواقع لإنشاء علم الكلام الجديد. لا يمكن مثلاً بناء حياة متصالحة مع العصر للمسلم في ظل مقولات الولاء والبراء والفرقة الناجية وتكفير المسلم المختلف في عقيدته التي ترسخت في علم الكلام القديم.

معيار علم الكلام الجديد عند الرفاعي

يضع الرفاعي معياراً واضحاً لتمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم، والمعيار يتمثل كما يرى في الفهم الجديد للوحي. يرى الدكتور الرفاعي أن كل شيء يحدد فهمه تعريفنا للوحي، إذ يقول: (يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. في حدود تعريف الوحي يتحدّد مفهومُ النبوة، ويتحدّد حضورُ الإلهي في القرآن في حدود فهم النبوة، ويتحدّد معنى الكلام الإلهي).

مسألة فهم الوحي أخذت مسارين في الفكر الإسلامي المعاصر، كما يقول الدكتور الرفاعي:

1- مسار يرى الوحي بتعبير د. نصر حامد ابو زيد (منتَج ومنتِج ثقافي) حيث يكون في فترة التكوين مرآة للثقافة، وما بعد التكوين يتحول لموجِّه للثقافة. يعتمد هذا المسار علوم الإنسان والمجتمع والفلسفة في تفسير تمثلات الوحي وأصله، فيقعون في بعض الأحيان في إنكار البعد الغيبي للوحي، ونرى في بعض الأحيان عبارات لهم يعترفون بها بالأصل الغيبي للوحي، وإن كانوا يرون أن الوحي مرآة انعكس فيها واقع عصر البعثة الشريفة ولغة ذلك العصر. ويرى الرفاعي هذا في كتابات: نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي وعبد المجيد الشرفي.

2- مسار يتعامل مع الوحي بكونه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، ويبحث في أصل ونشأة الوحي أكثر مما يبحث في تمثلاته في الحياة الإجتماعية، ويعتمد هذا التيار آثار العرفاء والفلاسفة في دراسة أصل الوحي، وعلوم الانسان والمجتمع في تفسير تمثلات الوحي في الواقع، ويرى الرفاعي هذا في كتابات: محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش.

فهم الرفاعي للوحي

يقول الرفاعي: (الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ، على الرغم من توظيف هذا الفهم لشـيء من أدواتِ فلسفة الدين وعلمِ الأديان المقارن وعلومِ الإنسان والمجتمع، للكشف عن البُعد البشـري التاريخي في تمثلات الوحي في الواقع. البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التَّاريخ وسياقاته، البُعد البشـريّ في الوحي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته. كلُّ ما هو تاريخي بشـري وكلُّ ما هو بشـري تاريخي،كلُّ ما هو إلهي بوصفه إلهيًّا خارج التاريخ، وكلُّ ما هو خارج التاريخ لا يخضع لمعادلات دراسة الواقع وأدوات فهمه وتفسيراته). فهم الدكتور الرفاعي للوحي يشدد على مضمونه الميتافيزيقي الغيبي، ولا يتجاهل البُعد البشري في شخصية النبي “ص”. يفهم الرفاعي الوحي بطريقة ديناميكية وهي تختلف عن الطريقة الميكانيكية التي ترى النبي “ص” مجرد وعاء مر من خلاله الوحي من دون أي تفاعل منه. الرفاعي يرى أن النبي متفاعل إيجابي مع الوحي. للوحي جانبان كما يرى الرفاعي: إلهي / بشري، بشري / إلهي، الإلهي يتمثل بعقيدة التوحيد والقيم الكبرى التي نطق بها القرآن الكريم الأبدية التي تنطبق على كل إنسان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان، والبشري يتمثل بانعكاس حياة النبي الخاصة “ص” والظروف الخاصة بمجتمعه وواقع عصر البعثة الشريفة على الوحي. وبهذا لا يكون النبي متفاعلا سلبيا مع الوحي، بل يكون متفاعلا إيجابيا تظهر شخصيته وحياته بوضوح في الوحي. في ضوء فهم الرفاعي يتضح أن كل من لا يفهم الوحي فهماً ديناميكياً لا يمكن أن يصنف متكلماً جديداً. ويعلن الدكتور الرفاعي عن فهمه للنبوة وصلة النبي بالغيب، والفرق بين النبي وبين غيره ممن لا صلة له بالغيب، عندما يقول الرفاعي: (النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنًا، ولا متنبئًا، ولا متأملًا يقوده تفكيره لمقام النبوة، النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في حالة النوم، أو صورٍ ينسجها خيالُ النبي، أو حالة نفسية، أو محصِّلة ارتياض صبور، أو تأمُّلات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقام النبي، ولا تتنبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله).

يصنف البعض خطأ بعض الكتابات التي تكتب بلغة جديدة وتنحت مصطلحاتها الخاصة على أنها كلام جديد، لكن هذه الكتابات لا يمكن ان تصنف كلاماً جديداً وفق معيار الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لهذا يرفض الرفاعي أن يصنف الدكتور طه عبد الرحمن على أنه متكلم جديد ولا يصنف كتاباته كلاماً جديداً، لأن د. طه وفيٌّ للتراث والمدونة الكلامية ومقولات الاشعري والغزالي وابن تيمية تماماً، وإن نحت معجمه اللغوي الاصطلاحي المبتكر. العقل التراثي عقل مقيد بالتراث لا يجرؤ الخروج على مسلماته. د. طه عبد الرحمن حلقة تأخذك لكل مسارات اللغة والفكر ولكنها تعيدك في نهاية المطاف للتراث. المشكلة اننا لا نجرؤ على نقد التراث، ونقد العقل والمناهج والوسائل التي توالد من خلالها. المشكلة في عدم تحررنا من النظام المعرفي والقيمي الحاكم على المنظومة التراثية، لا نعرف سوى أن نقول تجاه العلوم الحديثة أنها نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي معين لكي نرفضها، ثم ننسى أن نطبق هذا على علومنا التي نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي قائم على العقلانية الأرسطية والرؤى التراثية. نحن نعي جداً أن هذا النظام المعرفي والقيمي كان حاكماً على كل المعارف الإسلامية، لكننا نرفض أن نفكر في ضوء العقلانية الحديثة ولوائح حقوق الإنسان. تربينا على كراهية عصرنا ومنجزاته، هكذا تعيش أجسادنا في العصر الحديث، لكن فكرنا مازال في القرون الهجرية الأولى، تشكله مقولات الشافعي والأشعري والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

 

مناقشة الرؤى الرسولية للدكتور عبد الكريم سروش

يقول د. عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية (تحدثنا في كتاب القبض والبسط عن بشرية وتاريخية المعرفة الدينية، وفي هذا الكتاب “بسط التجربة النبوية” نتحدث عن بشرية وتاريخية الدين والتجربة الدينية نفسها)، ثم إنتقل عبد الكريم سروش في كتابه الاخير ( كلام محمد، رؤى محمد) للحديث عن فهم للوحي بوصفه أحلاما يشاهدها النبي “ص” في المنام.

في سياق نقده للدكتور سروش ينطلق الدكتور الرفاعي من رؤية يؤسس عليها نقده، إذ يقول: (لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه). مادام لكل شيء حقيقته الخاصة التي يتم التعرف عليها من خلال فضائه الخاص، ومادام لكل من الفن والعلم والغيب حقيقته، ويتم التعرف على هذه الحقيقة من داخلها، لذلك لا يمكن تفسير البعد الغيبي للوحي بمناهج علم النفس، لأنها مناهج تتعاطى مع ما يدور في النفس الإنسانية بمنطق علم النفس الحديث، ولا صلة لها بما يدور في الغيب وما وراء الطبيعة، فأي دراسة للغيب في الوحي تعتمد مناهج علم النفس سترى أن الوحي حالة سيكولوجية يعيشها النبي “ص” تخطئ الطريق كما يرى الرفاعي، إذ ستبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار. يمكن دراسة كل ما ينتمي لعالم الطبيعة في الوحي من خلال المناهج العلمية لعلوم الانسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، لكن ما يتعلق بالبعد الغيبي في الوحي فهو بحث يقع خارج الإطار البحثي لعولم الإنسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، في ضوء هذه الرؤية يناقش الدكتور عبدالجبار الرفاعي نظرية الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية، حيث يرى الدكتور سروش أن الوحي عبارة عن رؤى عرضت في المنام للنبي، وللرؤى لغتها الخاصة حيث لا تخضع لقوانين المجاز والكناية، فلغة الاحلام تحتاج لتفاسير الأحلام، وبهذا ربما نحتاج للجوء لتفسير الوحي سيكولوجياً. في سياق نقده لسروش ورفضه لاعتماد اعتمادُ مناهج البحث في العلوم الطبيعية والانسانية في تفسير البعد الغيبي للوحي يقول الرفاعي: (يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن الكريم، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة، دراسةُ الميتافيزيقا وما بعد الطبيعة أحدُ حقول الفلسفة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي والنظرُ إليه على أنّه حالة سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقت محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وحقيقتَه وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. يمكن التعّرفُ على شيءٍ من ملامحِ الغيبيات وصفاتِها ومظاهرِها وتجلياتِها بما تتحدّث به آياتُ القرآن. الآياتُ تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها لأنها لا صورةَ لها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية). النبوة عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي مقام وجودي يحتاج الإنسان إلى تكامل وجودي واصطفاء إلهي يؤهله لتلقي الوحي، كما تشير الآية: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، التأهيل لتلقي هذا القول الثقيل لا يمكن أن يكون من خلال الرؤى، النبوة هي الطور الوجودي الذي يكون أكمل طور وجودي ومقام وجودي يرتقي إليه الإنسان كما يرى الرفاعي.

يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي: إن كانت عمليات إعداد قادة العسكر والفكر والسياسة تحتاج لبرامج تعليمية لسنوات طويلة، فكيف يمكن لإنسان يؤهل لمقام تلقي الوحي الذي يصفه القرآن الكريم بـ (القول الثقيل) أن يتحقق من خلال الأحلام. يقول الرفاعي: (إن كان الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمالٍ إستثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي الفريد، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكامله وبناءِ إستعداده الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه. تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي/ الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم، لأن النبوةَ ذاتُ طابعٍ وحياني. الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى المادي للوجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل كينونةُ الإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والنبوةَ كالشعر ينفي كونَ النبوة مقامًا وجوديًا يبلغه الإنسان، الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على إبداع الشعر، مرتبةُ الشاعر الوجودية هي مرتبةُ غيره من البشر. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت، ولذلك اصطفاه اللهُ للنبوة).

تمييز علم الكلام الجديد عن فلسفة الدين

يضع استاذنا الرفاعي معياراً للفصل بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، المتكلم الجديد مؤمن بالوحي والنبوة، ويبحث تحت سقفهما، أما فيلسوف الدين فمن الممكن ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن ويبحث في كل شيء بحثاً حراً من دون سقف معين. فلسفة الدين فلسفة، الفلسفة حكم العقل لا غير كما يقول الرفاعي: (‏الفلسفة تعني حكم العقل لا غير. الفلسفة مرجعية العقل في كل قضية إثباتًا أو نفيًا). وفي هذا السياق يرفض الرفاعي محاولات “أسلمة الفلسفة” ويراها ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، يقول بصراحة: (لا يكون التفكير فلسفيًا إلا أن يقع خارج إطار المعتقدات والأيديولوجيات والهويات المغلقة. كل الأُطر المقيدة للتفكير العقلي تمارس تمويهًا بعناوين مراوغة عبر الأدب والفن، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقدات والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. محاولات “أسلمة الفلسفة” ضرب من التفلسف ضد الفلسفة. كتبت عن ذلك أكثر من مرة في مقالاتي ومؤلفاتي). وهذا تمييز واضح يرفع الالتباس الذي وجد مع الشيخ مصطفى عبد الرازق حيث عد علم الكلام هو الفلسفة في الاسلام، الفلسفة يفترض أن تكون بحثاً عقلياً محايداً، وعلم الكلام ينحاز لجملة من المسلمات الاعتقادية. أي فكرة ترى في الفلسفة خصوصية ستنتهي بأدلجة الفلسفة. العلم ربما ينحاز، لكن لا يمكن للفلسفة أن تنحاز.

 

استعادة المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الكلام الجديد

غاب الإنسان عن المدونة الكلامية القديمة، وتخصصت هذه المدونة في ذات الله عز وجل وصفاته وما يتفرع عنها، ونست الإنسان الذي كُلف بأعظم مهمة في الوجود وهي الاستخلاف. علم الكلام الجديد يستعيد للإنسان مركزيته في الوجود التي اكتسبها من كونه خليفة الله في الأرض. يرى الرفاعي انه لا تعارض بين مركزية الإنسان في الكلام الجديد مع مركزية الله عز وجل وهو رب الإنسان كما حصل في بعض الفلسفات المعاصرة، بل يكتسب الإنسان هذه المركزية نتيجة ما وهبه الله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة). لا يدرس الدكتور عبد الجبار الإنسان وحاجاته بمعزل عن الله كما حصل في رؤية حسن حنفي التي وصلت إلى ما أسماه الرفاعي (نسيان الله في تفسير حنفي للقرآن) فنسيان الله ينتهي إلى نسيان الإنسان (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

يرى الرفاعي ان اخراج الدين من حدوده الأنطولوجية وترحيله لحدود أيديولوجية انتهى إلى نزع المضمون الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وتحويله من وسيلة لإنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي إلى أداة أيديولوجية يصبح فيها وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة. هذا الترحيل من الفضاء الأنطولوجي للفضاء الأيديولوجي رصده علم الكلام الجديد، لذلك يبحث عن سبيل لإستعادة الدين إلى فضائه الأنطولوجي ليكون حسب تعريف د. الرفاعي: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشتق الرفاعي “من ‏هذا التعريف كل شيء يكتبه ويقوله عن الدين”. في كتابات الدكتور الرفاعي إنقلاب مضمر مستتر على تيارات فكرية معاصرة، أخرجت الدين من دائرة الأنطولوجي إلى دائرة الأيديولوجي، فأخضعت النصوص القرآنية لمقولاتها الخاصة، وأصبح النص ينطق عندهم بما تتضمنه مقولات مثل “الحاكمية” ، “بناء فوقي وبناء تحتي” ، “ديالكتيك صاعد هابط” والخ، من مقولات إسلامية مختلطة بماركسية أُلبسب على النص، لذلك أخذ الكلام الجديد عنده مهمة إعادة الدين لفضائه الأنطولوجي ليكون منبعا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. يشدد الرفاعي على أن “أي معرفة لا يعرف فيها الدين حدوده فهي معرفة غير منتجة”.

العقلية الكلامية القديمة

لم يستطع أكثر من يكتبون في الدين الخروج على العقلية الكلامية القديمة، والتفكير بآفاق علم الكلام الجديد.كتابتهم تولد فجوة عميقة بين جيل نشأ على كتابات صنعت متخيلهم نحو الحياة والمختلف في المعتقد وبين جيل الشباب المسلم.كتابات تضع الذات في قفص وهاجس “الهوية”، ككتاب (جاهلية القرن العشرين)، تضعهم مقابل الجيل الجديد من أبناء الإسلام، الذي لا يُغذي متخيله هذه الكتابات بل إشتق له طريقاً آخر. لا تفضيل لمتخيل جيل على جيل آخر، فلكل جيل خصوصيته التي أحترمها. شعر جيلٌ كامل بالخيبة، آمن تارةً بحلم الدولة الوطنية، وتارة بشعارات ناصرية قومية، ثم بالخيبة الكبرى بدولة الإسلام السياسي، التي سجنت إيمانه بقفص “الأيديولوجيا” وفشلت ببناء الدولة. غذت متخيله كتابات العقلية الكلامية القديمة بمصطلحات لا وجود واقعي لها: (كالجيل القرآني الفريد، والعزلة الشعورية عن المجتمع، والدولة الإسلامية، والجاهلية، والنظام الإسلامي، والخ). صدمات متتالية وتجارب باءت بالفشل، جعلت كثيرون يرون في نصوص جلال الدين الرومي ملاذاً، حيث لا قفص للإيمان، ولا كراهية للآخر، طريق الإيمان لديه هو طريق الحب. ما الضير في هذا، أيُلام جيل تحمل صدمات الفشل المتكررة التي زعزت كل شيء عنده، ثم لجأ للكنوز الروحية حفاظاً على المعنى الذي يتولد عنده من الإيمان. ينزعج البعض من الاهتمام المعاصر بشخصيات كالتوحيدي والرومي وابن عربي أكثر من الاهتمام بأبي حامد الغزالي وابن تيمية. الإهتمام بالتوحيدي والجاحظ ومسكويه وابن سينا وابن رشد وابن طفيل يفوق الإهتمام بالغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لماذا هذا الانزعاج من تحول الاهتمام بشخصيات معينة إلى شخصيات أخرى؟ العقل الإسلامي تغذى على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ونسوا كتاب تهافت التهافت لفيلسوف قرطبة ابن رشد. لم نقرأ نزعة الأنسنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، حتى قدوم الفيلسوف محمد أركون ليحيي هذه النزعة ويقدمها لنا. إن الاهتمام الحالي في جيلي بالشخصيات المعاصرة كالجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وناصيف نصار ومحمد إقبال وفضل الرحمن وعبدالجبار الرفاعي يفوق الإهتمام بالندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وأبو يعرب المرزوقي وطه عبد الرحمن. ينتمي كل جيل منا لكتّابه الذين يخاطبون عقليته ويعرفون احتياجاته. لن نحاكم ما تقرؤون، ولا تحاكمون ما نقرأ، قد وُلد كلٌ منا لزمان مختلف وتحدياتٍ ورهاناتٍ مختلفة.

وأخيراً هذه جهود مهمة، سيكون لها نتائجها في يوم ما، وعلينا ألا نظلمها ونحملها فوق طاقتها، فما زال الفكر الكلامي الجديد لم يتجاوز المئة وخمسين عاما، ويحتاج إلى وقت للتبلور والنضوج مثله مثل أي علم آخر. شكراً لاستاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذه الرحلة الممتعة في هذا الكتاب الرائع.

[1] براء ريّان، كاتب عراقي.

 

رابط النشر:

عبد الجبار الرفاعيّ: الأثر والمنجز

عبد الجبار الرفاعيّ: الأثر والمنجز

أسامة غالي*

يُلفي مَن يطالع هذا الكتابَ «عبد الجبار الرفاعي: الدين حياة في أُفق المعنى» أنّ تجربةً فكريّةً قد تناولتها اطروحات ورسائل دراسات عليا في عدة جامعات، ودراسات، ومقالات، ومراجعات، وشهادات، لأكثر من عقدين، وفي مناسبات مختلفة، ولدواعٍ شتى، وبتنوع ثقافيّ بين الشرق الإسلاميّ وغربه، واتفقَ، اختياراً وجمعاً، أن يوضعَ شيءٌ منها في كتابٍ، وعلى ثلاثة محاور: شهادةً، ومقالاً، ودراسةً؛ كشفاً عن نسقِ التجربةِ الظاهرِ والمضمرِ معاً، وتعريفاً بها وفاءً لأثرها. وما كانَ لهذه التجربةِ أنْ تنال هذه العنايةِ لولا غناها، وتنوّعها، وعمقها، وتميزها، واختلافها أيضاً.

الرفاعيّ أثراً

وقفَ الكتّابُ ـ في غير مظنّةٍ ـ عند أثر الرفاعيّ، وتناولوا ما هو شخصي قامَ على صلةٍ، أو موقفٍ، وما هو عام قامَ على قراءة منجزٍ، وفي الحالين يتجلى الأثرُ؛ محرضاً على أنْ أفتتحَ التقديمَ بشيء من الصلةِ بالأستاذ الرفاعي؛ لأصلَ بعدها إلى المنجز، ولا يعدمُ في التعريف بالمنجز شيءٌ مما هو ذاتي.

حينَ دخلتُ النجفَ دارساً للمعارف الدينيّة، وكان سناً مبكراً، تعرّفتُ إلى الدكتور الرفاعيّ، وكانَ التعرّفُ في ضوءِ المنجزِ، لاسيما في شرحي أصول الفقه والفلسفة، وبين هذين الكتابين كنتُ أطالعُ مجلة «قضايا إسلاميّة معاصرة» التي تصلُ النجفَ بموادٍ غنيّة: طروحات جديدة، وترجمات تفتحُ كوةً لنفاذ فكر الآخر المختلف. ولا تعدمُ أحاديث أساتذة عن الرفاعيّ، سيرةً وموقفاً وثقافةً، ومع كلّ هذا يزدادُ حضور الرفاعيّ في أفق الوعي، ويتماد الفضولُ بالتعرّفِ إليه عن كثبٍ.

توثقت الصلةُ بالرفاعيّ مفكراً ومترجماً، وكانَ ما أسسه في بغداد، مركزاً لفلسفة الدين، رافداً معرفياً مهماً، إذ قامَ بنشرِ نتاج مفكرين إيرانيين لم يطالع عربيّاً، إضافة إلى ما ينجزهُ الرفاعي شخصياً، مراجعةً، ونقداً، وسجالاً، وفكراً. وكانَ يحرصُ، في كلّ هذا، على شيعوعةِ الاستنارة في العالم العربيّ، وفي العراق تحديداً.

لم تكن طروحات الرفاعيّ تفارقُ نبعين إلاّ ما ندر: الأولى القرآن الكريم، والنزعة العرفانيّة. غير أنّ تكأة الرفاعيّ على هاتين النبعين لم تعد تكأة القُدامى، فهو يبتكرُ لنفسه آليات اشتغال أخرى، ومنظوراً مختلفاً، ومراساً جديداً ينجم عن استجابةِ راهنٍ، ولا يبعدُ، في ما ينجزُ، عن طرح الإشكاليات الكبرى في الثقافة الإسلامية، وهو صانع الأسئلة الأمهر.

شيءٌ آخر يضاف، أنّ الرفاعي لا يرى تعارضاً، أو انفصالاً، بينَ العلوم الحديثة، إنسانيةً، واجتماعيةً، والمعارف الدينيّة القُدمى؛ وإنما يرى ثَمَّ نسغاً يتماد بينها، وتخادماً يقضي بفهمٍ جديدٍ للدين، إلا أنه يفارقُ بينَ معطيات تيك المعارف أو العلوم الإنسانيّة وبينَ العلوم الصرفة؛ طبيعيةً أو غيرها.

لا جرمَ، أنّ الأثر تمادَ أبعدَ من المنجزِ، وصارَ إلى صلةٍ مباشرةٍ، تواصلاً ولقاءً وحواراً، فتعرّفتُ إلى المفكر الرفاعيّ شخصياً، وكانَ ما يطرحُه ذات ما يتمثلُ في شخصيته، تقبلاً للاختلاف، وانفتاحاً واصغاءً للآخر، وتدفقاً فكرياً وروحانيّاً واخلاقيّاً، ونأياً عما يتركُ في الروح صدأً، وبذلاً، بلا جزاءٍ، لأي سؤالٍ.

لم تنقطع الصلةُ، ولم تخفت، ولا يعكرها الحاحٌ بطلبٍ، فكانَ يبادرُ بالسؤالِ دوماً، متفقداً الغياب، أو مواسياً لحظة فقدٍ، أو فرحاً بإنجازٍ، محفزاً إليه، ومتابعاً تفاصيل تأديته، داعماً ومحتفياً، ولقد مدَّ بالصلةِ إلى شخصيات أُخر، عراقيّاً، وعربيّاً، وإيرانياً، معرّفاً، أو قاضياً لمسألة تعسرت.

هكذا تعرّفتُ إلى الدكتور الرفاعيّ، ولقد أًبقي على هذا الأثر؛ لأنه مما يأملُ ويعلّمُ، ويفتحُ آفاقاً، ويمنحُ الطمأنينة.

الرفاعيّ منجزاً

اتفقَ أنْ أعنى بالفلسفةِ والعرفانيّة جرّاء الدرس الديني في النجفِ،  ثُمَّ  أنْ أواصلَ هذه العنايةَ أكاديميّاً في الدراسة العليا، وكانَ النظرُ في الفلسفة والعرفانيّة، دراسةً وتحقيقاً، يقدمُ معالجةً لمشكلٍ منهاجيّ، ألا وهو العلاقة بين العقل والوحي، ثُمَّ سؤال الدين، وكانَ قد شاعَ، بلا أصلٍ، أنّ ثَمَّ قطيعةً بينهما، أو قل إنّ ثَمَّ تهافتاً خفياً قد سوّغ العلاقةَ الذهنية، وربما هذا ما أدّى بـ «أبي حامد الغزالي» إلى إشهار «تهافت الفلاسفة»، ثُمَّ جاءَ رداً «تهافت التهافت» لـ «ابن رشد»، وبقي هذا السجالُ مفتوحاً على هامشِ المدوّنتين الفلسفيّة والعرفانيّة، واتخذ شكلاً آخر في النظر المعرفيّ الحديث «الابستمولوجيا»؛ إذ صارَ السجالُ إلى ثنائية الدينيّ والبشريّ، ومعاينة الحدود الفاصلة بينهما، ومدى التقارب والتقاطع.

ولا جرمَ، أنّ لعلم الكلام دوراً في تغذية هذا السجالُ إسلاميّا وعربياً، واسهاماً في تكريسه لقرون، بل تشويه العلاقة، وتحريف طبيعتها، واشغال الدارسين عمّا هو جوهريّ في الدين، ومما لا يخفى أنّ علم الكلام القديم يقوم على غايةٍ هي الإلزام، مما تفرضُ أنْ تكونَ المنهاجيةُ جدلاً يأنسُ بنتائجها التلقي العامي، وتضفي مشروعيةً للتقليد والاتباع بلا عبء بحثٍ ومساءلة.

وإذا ما عُرفَ أنّ للعقلِ مدياته، وللوحي مدياته، وما بينهما علاقة ملء الفراغ ـ أياً كان شكلها: أفقية نظير ما صورها المشاؤون، أم عمودية «تراتبية» كتصوير العرفانيّة ـ يُكتشف الشططُ الذي مارسه علم الكلام، وينجمُ فهمٌ دقيقٌ لسؤال الدين، وربما حاولَ، قديماً، «اخوان الصفا» مقاربة هذا المسعى، ثُمَّ حاولَ، اتباعاً، «صدر الدين الشيرازيّ» تطبيق، وشيعوعة، هذه المقاربة.

يبدو لي أنّ سؤال الدين في تجربة الرفاعيّ يتأسسُ على فهمِ العلاقة بين العقل والوحي، وهو فهمٌ يقومُ على إعادة تعريف العقل والوحي على غير ما قرّ في المدوّنة القُدمى، وبمعزلٍ عن التركةِ النظرية التي ورثها المتكلمون والفلاسفةُ عن «أرسطو»، وهو ما يقترحه كمقدمة لعلم الكلام الجديد بقوله: « يبدأ علم الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرر تعريفه في علم الكلام القديم كما هو…»([1]). ثُمَّ يقول: « العقل كائن تاريخي يتغير ويتطوّر ويتكامل تبعاً لنمو وتراكم معقولاته كيفاً وكماً…»([2]). وإذا ما كانَ هذا المدخلُ لسؤال الدين؛ فتكون النتيجةُ أنّ ثَمَّ فهماً جديداً للدين، وقراءة مختلفة، أو بتعبير الرفاعيّ نفسه: «يفهم الدين من داخله، وإن كانت تمثلاته في الحياة البشرية تفهم من خارجه. الدين حياة في أفق المعنى، الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية هي الأفق الذي يتحقق فيه الدين، وهي لا تتطابق مع المادة التي تتحقق وتنكشف فيها العلوم وقوانينها.»([3])

زاولَ الرفاعيّ هذا الفهمَ بوصفه أصلاً مرجعيّاً تستندُ إليه تمثلات تجربته، ففي كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي» يضعُ هذا الأصلُ مفتتحاً؛ ليتفرّعَ منه إلى سردِ سيرته الفكريّة وتحولاتها، ثُمَّ معالجة المشكلات التي أرهقته، وهي مشكلات عامة، بل إنّها مشكلات الإنسان المفكر.

ولا يُعدمُ هذا الأصلُ في كتابه «الدين والنزعة الإنسانيّة»، إذ يقول: « لا أفهم الدين فهماً وضعياً يقطع صلته بالمطلق، لذلك أختلف في فهمي لـ «أنسنة الدين» عما هو شائع لدى كثيرين من الباحثين في هذا المضمار»([4]). ثُمَّ يعودُ لتعريفِ الدين قائلاً: «الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحيّ وأخلاقيّ وجمالي لحياته الفردية والمجتمعية. هذا هو تعريفي للدين»([5]). ولهذا الأصلُ المرجعيّ تجلٍ آخر في كتابي «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، و«الدين والكرامة الإنسانيّة».

حاولَ القدامى، بمختلف اتجاهاتهم، أنْ يقدموا فهماً لعلاقة العقل بالوحي، غير أنّ هذا الفهم لم يخلُ من الميلِ إلى طرفٍ، والانتصار له. فثَمَّ نفرٌ مالَ إلى فاعلية الوحي ميلاً كلياً بوصفه مصدر المعرفة الرئيس، والكاشفُ عن الواقعِ، أمّا العقلُ فلا يحوز مزيةَ كشفٍ، بل هو خطّاء، ولا يصحُ الوثوق به، وكانَ «أوغسطين»، و«توما الأكويني» الآباء المؤسسين لهذا الرأي، وتبعهم، إسلاميّاً، «أبو حامد الغزالي».

ونجمَ، في الثقافةِ الإسلامية، رأيٌ آخر، كانَ يصوّر العلاقة، بين العقلِ والوحي، على أنّها توصلية، أي أنّ العقلَ يحوزُ مزيةَ توكيد الأصول، توحيداً ونبوةً، ثُمَّ يقفُ، ويمضي الوحي بوصفه المصدر الرئيس لتوكيد الأصول الأخرى، ومكاشفة التفاصيل، وإذا ما تعارضَ العقلُ والوحي تعارضاً بدوياً، أو مستقراً، فيقدمُ الوحي.

وبينَ هذين الرأيين ثَمَّ رأي آخر يحوز للعقلِ مزية المعرفةِ مطلقاً؛ مستبعداً فاعلية الوحي، وهو يستندُ إلى تكأةِ علميّة صرفة «تجريبية»، وربما هو أشبهُ بما قرّ في الفلسفةِ الوضعية.

لا تبعدُ تيك الآراء عن دائرة الجدلِ الكلاميّ القديم التي أرادَ المحدثون، عرباً وغيرهم، أنْ يعيدوا النظرَ فيها، وأن ينقدوا بالمساءلةِ ما تسربَ منها إلى المدوّنة الجديدة، غير أنّ نفراً من هؤلاءِ المحدثينَ وقعوا بفخاخ الاستعادة، أي أنّهم تبنوا، قبلياً، رأياً ما في مساءلة الآراء الأخرى بمعزلٍ عن التفكير بإعادة تعريف العقل والوحي تعريفاً جديداً، كما فعلَ الدكتور الرفاعي، ثُمَّ محاولة فهم العلاقة فهماً ايجابياً.

حاولَ الرفاعيّ أن يعرّفَ الوحي بأنه: «صلة وجودية بين عالم الغيب والشهادة، تصيّر النبي شاهداً للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلى على مرآة البشري[6]، وبهذا يفارق الرفاعي بين الوحي والعقل مفهوماً ومحددات، مجترحاً رأياً رابعاً لا ينتصر فيه إلى طرفٍ ما، أو يقصر، أو يهمش، فاعليته، بقدْر ما يقدّم فهماً للعلاقة على أصلٍ من تنوّعِ الواقع الوجودي وسعته، غيباً وشهادةً.

ينجمُ مما مرّ، أنّ تجربةَ الدكتور الرفاعيّ تقومُ على فهمٍ جديدٍ للدين، وأنّ هذا الفهمَ يشكّلُ أصلاً مرجعياً في منجزه، وقد انبجسَ، بدءاً، من مساءلة مفهومي العقل والوحي، والعلاقة بينهما، في المدوّنة الفلسفيّة، والكلاميّة القُدمى، وكانَ للنزعة العرفانيّة دورٌ في تشكّل هذا الفهم.

شيءٌ آخر يضاف، أنّ الرفاعيّ توصلَ إلى هذا الفهم، بوصفه أصلاً مرجعياً، بعد خبرةٍ في قراءة ودراسة التراث الدينيّ والإنسانيّ، وتجربة روحية في تأمل عوالم الغيب، والشعور بتجلياته، إضافةً إلى شغفه بمتابعة ما تنتهي إليه مناهج العلوم الحديثة، وهو يرى، قبلاً، أثرها الفاعلَ في سياقِ التجربة البشرية.

ختاماً، أنّ هذا الكتابَ يعدُ تعريفاً بالرفاعيّ أثراً ومنجزاً، وانجازه وفاءً واحتفاءً.

والحمدُ لله أولاً وآخرَ.

*  باحث عراقيّ متخصص بالأدب المقارن، والدراسات العرفانيّة.

[1]) مقدمة في علم الكلام الجديد، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط3، ص21.

[2]) مقدمة في علم الكلام الجديد، د. الرفاعي، ص126.

[3]) الدين والكرامة الإنسانية، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط2، ص47.

[4]) الدين والنزعة الإنسانية، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط4، ص55.

[5] ) الدين والنزعة الإنسانية، د. الرفاعي، ص55.

[6]  «مناقشة الرؤى الرسولية» لعبد الكريم سروش، د. عبد الجبار الرفاعي، مقال نشر في العالم الجديد بتاريخ 1ـ10ـ2022.

 

رابط النشر:

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر:

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

د.علي أحمد الديري*

جمعتني والرفاعي طرقٌ ومسالك تحت مظلات كثيرة، منها: الأستاذية وما فيها من لذة المريد، والصداقة وما فيها من قوة العلاقة، واللقاء وما فيه من قوة الشوق، والكتابة وما فيها من كلّ ذلك.

أكتب هذه الشهادة وأنا أتنقل بين مطارات الهجرة على موعد للقاء بيروتي يجمعنا بعد انقطاع يقترب من سبع سنوات. نعم، نحن أصحاب الأوطان المؤجلة، نجد فيما يجمعنا وطنًا ليس بديلًا لكنه أثير.

أكتب في هذه اللحظات – في ناشئة من لحظات ما قبل الفجر التي يقهرك عليها السفر الطويل بين القارات – مُستلهمًا فكرة من إشارة وردت في مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، وأوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا”، المزمل، 5. يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي “ص”، الذي جعله مستعدًا لتحمل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي أن الثقل، يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها وهي تَشق معنى النص الذي يُوحى إليها، بقدر ما النص يشق سمعها.

هكذا أفهم النص الديني باعتباره قولًا ثقيلًا بما فيه من قوة تكوين وفتح وإنشاء وفرادة، يتطلب منا أن نتلقاه بقلوب مشعة بالإيمان وعقول مليئة بالنور، وقراءات مفعمة بالتأويل الذي يُعمّر الأرض بالخير والسلام والسكينة، لا العنف والقتل والتوحش.

كلُّ ما يُلقى من خطاب، يحمل قوة الفكرة وأفق الغيب واتساع الأرض وسر الإنسان، أعتبره قولًا ثقيلًا، يستدعي الصداقة والصحبة واللقاء والأستاذية والمريدية، فأنت تحتاج إلى من يشاركك حمله بأحد هذه العناوين. جمعتني صحبة “القول الثقيل” مع الرفاعي، فنحن نتشارك حمل هذا القول وتقليبه بأفهام متعددة، وتخليصه من ثقل العنف، وشحنه بثقل المعنى.

تجربة الوحي في فهم علم الكلام الجديد، وفي فهم العرفاء والمتصوفة لا تنتهي ولا تنقطع، ما دامت السماء مُلهمة والأرض عامرة. ينتهي التشريع، لكن لا تنتهي مهمة الإنسان في قراءة القول الثقيل، يظل الإنسان يسعى لإعطاء القول الثقيل معنى دنيويًا يعيش به، ويخفف به ثقله المادي، ليغدو كائنًا خفيفًا، وفق نظرية الصوفية في الكثائف واللطائف.

القول الثقيل حين يتجسد في لغة حية، يعطيها من غيب وحيه، وتُعطيه من شهود أرضها، تمامًا كما قال محمود درويش، وهو يتحدث على لسان إدوارد سعيد في طباقه مع هويته: “ولي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات، ولي لغة من حوار السماء مع القدس، لكنها لا تُسعف مخيلتي”. في حوار السماء مع القدس، تلتقي لغة الوحي المقدسة مع لغتنا العربية المعيشة في التاريخ والمجتمع، هنا ينشأ ما يمكن أن نسميه إشكالًا ثقيلًا، يحتاج إلى جهود بشرية تبتكر له حلولًا وشروحًا وتأويلات غير منتهية.

أشترك مع الرفاعي في هذا الحوار، نطوّع لغتنا وأفكارنا وكتاباتنا، لتقليب هذا القول الثقيل، وفهم إشكال لقاء الغيب مع الأرض فيه، وإعطائه معنى دنيويًا، من دون أن يفقد خزائن غيبه المكتنزة بالمجاز.

لا أحد يحتكر شرح القول الثقيل ولا تأويله ولا تنزيله في قلوب الناس وعقولهم، سيغدو علم الكلام الجديد في مقاربة الرفاعي، محاولة لتنزيل القول الثقيل، لخدمة الإنسان وحفظ كرامته، وذلك بأن يكون نازلًا فيه وله، لا عليه، بمعنى نازلًا من أجله، لتلطيفه وترقيقه، لا نازلًا كأجل عليه، لتعنيفه وتغليظه.

في عام 2002 كنت رفيق الرفاعي لزيارة صديقنا المفكر جودت سعيد، أستعيد الآن هذه الزيارة، باعتبارها صداقة ولقاء مع أحد مؤولي القول الثقيل، وأحد الشخصيات التي بذلت جهدًا كبيرًا لتخفيف ثقل العنف من أفهام من يعتقدون أن ثقل القول يعني صرامة الحدود، وكثرة الفروض، وشدة العقاب، وغلظة البراءة من المختلف، ونافحت من أجل توجيه معنى الثقل إلى وزن الروح وعمق الجمال وتجرّد المطلق.

الذين لا يتلطف ثقل القول في أفهامهم، لا يتجاوزون جرن الناقة، ويظلون يرددون للانبهار الخارجي: “إن النبيّ (ص) كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يُسرَّى عنه”، الجِرن هو باطن العنق، إذا برك البعير ومدّ عنقه وصدره على الأرض، قيل: ألقى جِرانَ بالأرض. إنها صورة تعبر عن ثقل ما يتلقاه النبي (ص) من قول، وكذلك هي صورة لطبيعة حياة النبي في الأرض، بشر يمشي في الأسواق ويركب دابته، ويتفاعل مع الغيب من فوق ظهر ناقته، نحتاج لهذه الصورة المركبة للنبي كلّها لنقدم كلامًا جديدًا، كلامًا يمد عُنق النصّ، لا يلوي عنق النصّ، ولا يتوقف عند جِرن عنق الناقة.

الذين يظلون في ثقل الظاهر، يفقدون خفة الباطن، ولا يتجاوزون ثقل جرن الناقة، إلى جِرن العقل والروح حيث الأفكار تُطحن وتُدق وتسوّى، وهذه واحدة من معاني الوصل بالغيب وتحقق الوحي، والنبوة بما هي صلة بالغيب، هي رسالة بفكر جديد وفهم جديد وكلام جديد، ومن هنا يأتي معيار الكلام الجديد في فهم الرفاعي: أن يُقدّم المتكلم فهمًا جديدًا لمعنى الوحي.

من يتمكنون من توطين أنفسهم على تحمّل مشقة الوصل بالغيب، ليشقوا سمعًا جديدًا، يتكلمون كلامًا جديدًا، يُنشئون به فهمًا جديدًا للوحي، وهذا عين ما قاله ابن عربي: “فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه (ص) في كتابه العزيز”[1]. يبقى الغيب حاضراً في الفهم كرزق وفتح من الله: “وكان علي ابن أبي طالب يقول: إنّ الوحي قد انقطع بين رسول الله، وما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبداً فهماً في هذا القرآن “[2].

وصل الفهم هو ما بقي من الوحي بعد ختم وحي الشريعة، به نجدد معنى ثقل القول، ويحرص ابن عربي على تذكيرنا بالصحبة والتخلق والأدب، فبهم نستعين لتوطين النفس على تحمّل مشقة القول الثقيل. وهذا ما لمسته في صحبة الرفاعي التي لا تنفك عن التأدب والتخلق. وقد صحبني في تقديم كتابين لي عن ابن عربي، فمقاربة خطاب ابن عربي بما يحمله من قول ثقيل بحاجة إلى أن تُلقي عليه جرانك أي توطن نفسك عليه، ولا يكفي ذلك، بل أنت بحاجة إلى صاحب يطمئنك إلى أنك تلقيت هذا القول الثقيل بما يليق به، فوجدت السكينة في شهادة الرفاعي حين كتب لي: “إنها المرة الأولى التي يأخذني باحث إلى فضاء لا مفكر فيه في ميراث محيي الدين العميق، الدقيق، الخصب، المركب … شكرًا لك لأنك اجتهدت في عبور المكررات والاجترار الأجوف والترميق اللفظي والنصوص الوثوقية في دراسة هذا الكنز المجهول في دنيا العرب”.

في كتابي الثاني عن ابن عربي، اهتممت بتخفيف ثقل مقولة (وحدة الوجود)، لأنزلها من صومعة التصوّف إلى الأرض المحتربة بالتكفير، كانت صحبة الرفاعي تقول لي، لا ينسيك الاحتفاء الشيعي بابن عربي، الأصوات التي كفرّته وزندقت قارئه الأكبر ملا صدرا الشيرازي، من داخل الخطاب الشيعي نفسه، فتداركت بصوت الصحبة، ما كان سيبدو نقصًا معيبًا.

هكذا، تغدو صحبتنا دومًا، على مفترق قول نُقلّبه ونخففه بحُبّ وشغف ومتعة.

 

 

 

 

*  باحث وناقد من البحرين.

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص285 .

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص 258.

 

رابط النشر:

سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي في الكلام الجديد عند الرفاعي

سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي عند الرفاعي

 د. ياسر عبد الحسين[1]

(إن الفكرة يجب أن لا تنقصها حرارة الرغبة، كما أن الرغبة يجب أن لا ينقصها ضوء الفكرة). باروخ سبينوزا.

ظاهرة الأسماء المستعارة في أوساط الكتّاب والمفكرين ليست بجديدة، ربما كان السبب محاولة التحرر من القيود السياسية والدينية والاجتماعية في تلك الحقب التي غلب عليها القيود والحواجز الفكرية في التعبير عن المفاهيم والآراء، وخصوصا تلك التي تقترب من المعبد ورجاله، وخوفا من مقصلة الأفكار والتحريم، لذلك عندما نشر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا Baruch Spinoza الذي يعد من أهم فلاسفة القرن السابع عشر، كتابه الشهير (رسالة في اللاهوت والسياسة) بدون ذكر اسمه، كما نشره لدى ناشر وهمي ونُسب الكتاب في حينه لكاتب يهودي ملحد، وسبب في ذلك الوقت وإلى يومنا الحاضر، نقاشات حادة في مسار الفهم الديني، وهو ما عبر عنه سبيونزا بنفسه أن الهدف الأساس من كتابه هو تحول الدين إلى اعتقادات خرافية، بدافع الخوف الهذياني من القوى الطبيعية والإنسانية والدوغمائية المصلحية للكنائس، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع الحروب الأهلية، العلنية منها والضمنية وسيطرة الحكام والسياسيين على انفعالات العامة، وحسب تعبيره فقد تحولت المؤسسة الدينية إلى مسارح لا يسمع فيها الفرد، بل علماء ليس لديهم الرغبة في تعليم الناس، بل يفرضون تعاليم جديدة، والأساس في كتابه يقوم على رفض القراءات اللاهوتية المبنية على أحكام مسبقة دون السماح بأي مراجعة نقدية، بالمقابل ثمة محاولات صريحة للإصلاح والتجديد الديني ذهبت خلفها روؤس مفكريها ومنظريها وخصوصا في جدل الحداثة الأوروبية.

اقتصرت محاولة سبينوزا في جوهر الحداثة بعد نشره كتابه اللاهوت السياسي عام 1670 على تحديد العلاقات بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال الحكم وتوسع في حلقات ليست بعيدة عن هذا الإطار، لكن يبدو أن المشكلة أعمق من هذين المسارين (الدين – السياسة) خصوصا في عالمنا الراهن. اليوم ثمة محاولة مشرقة في إطار الفهم الإسلامي، يقدمها المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، محاولة جريئة في كسر التكلس الفكري. إنها ثورة في المعنى والفهم بإطار إنساني يستهدف عدم استغلال القراءة الدينية التراثية وتوظيفها سياسيا أو مجتمعيا. في كتابه (مقدمة في علم الكلام الجديد) يعيد الرفاعي بناء مفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، ويجعله نقطة البداية في تجديد علوم الدين. اطلعت على الطبعة الثالثة الصادرة أخيرا عن دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وهي طبعة مزيدة ومنقحة، مزيدة فصلا إضافيا، كما يفعل الرفاعي بإعادة نشر مؤلفاته بطبعات جديدة، إذ يعيد العمل عليها بالتفصيل “وكأنه يؤلفها من جديد” حسب تعبيره. هذه الطبعة فيها من الأبحاث العميقة والنادرة والجريئة حول فهم حاجات الإنسان غير المادية مثل الدين، بوصفه “حياة في أفق المعنى، وحاجة الإنسان الأبدية لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية” حسب تعريف الرفاعي، تأتي أهمية الموضوع من منظار إعادة تعريف الدين، ووجهة التجديد الذي يختلف عن مفهوم الإصلاح والإحياء في رأيه، وهنا يؤطر الرفاعي قضية التجديد كإطار فكري متميز عن غيره من المفكرين. يبدأ التجديد في رأيه من إعادة بناء مفهوم الوحي كمنطلق للكلام الجديد.

وإن كان علم الكلام قديم، فإن الرفاعي يعتقد أن الأخير لا يلبي حاجة الإنسان الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم اليوم. يقول الرفاعي: علم الكلام الجديد يدرك أن الحقيقة واحدة في ذاتها، إلا أنها نسبية في معرفتها لتعدد وجوهها وطرق الوصول إليها، بعكس علم الكلام القديم الذي يرى الحقيقة الدينية بوجه واحد ويحتكر الوصول إليها بطريق واحد. ولا يرى الكلامُ القديم الإنسانَ المختلف في معتقده مساويا لغيره؛ وذلك يولد العنف والخصومات والصدامات، بينما يحتاج العالم اليوم عبر علم الكلام الجديد إلى المساواة في الإنسانية واحترام الكرامة، ومنح الحريات والحقوق على أساس المواطنة.

استثمارُ الدين الإيجابي

كانت محاولة سبينوزا الأساسية وليدة اللحظة الأوروبية وصراع الأفكار منذ عصر النهضة حول الكتاب المقدس وجدل الفيلولوجيا، بعد محاولة بعض التيارات إلى إجراء عملية تحقيق في الكتاب المقدس من الناحية التاريخية فضلا عن اللغوية من أجل الوصول إلى نسخة أقرب إلى الصحة، وسط رفض الكهنة والتيار المحافظ، لذلك حاول سبينوزا أن يفتح بمشرطه الفكري هذه المناقشة من أجل عدم استغلال الدين مجتمعيا وسياسيا. وبذات السياق يشير الرفاعي إلى أن: “الدين يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في الهدم، ويعود الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفية تمثلهم له في حياتهم”. وعلى حد قوله: “من يريد أن يعلّم الناسَ الحياة يمكنه، كما يمكن استغلال الدين ممن يريد أن يعلم الناسَ الموت، وهو ما تفعله الجماعات المتشددة العنيفة في كل الأديان، من يريد أن يعلم الناس السلامَ يجد الدين منجما يمكنه استثماره فيه، كذلك يمكن استغلال الدين في الحروب، مثلما حدث في الماضي ويحدث في الحاضر”، وبالتالي يتقارب هدف الرفاعي مع ما أشار إليه سبينوزا في كتابه اللاهوت والسياسة: (النور الفطري لم يوضع موضع الاحتقار فحسب، بل إنه كثيرا ما أُدين باعتباره مصدرا للكفر، وأصبحت البدع الإنسانية تعاليم إلهية).[1]

وحيث إن للدين في مجتمعنا سلطةٌ على الأرواح لا يضاهيها نفوذ أية سلطةٍ أخرى، لذلك يمكن أن تكون كيفية فهم الدين وطريقة قراءة نصوصه فاعلة في إحداث تحول أساسي إيجابي أو سلبي في اقتصاد المجتمع وتنمية كافة مجالات حياته، وكما يقول الرفاعي إن: الدين يمكن أن يكون حافزًا خلاقًا للعمل والإنتاج والتنمية الاقتصادية؛ وذلك ما كشف عنه ماكس فيبر Max Weber، حين فسر كيفية تأثير البروتستانتية والقراءة الكالڤينية للكتاب المقدس في بناء فهم يكتسي فيه العمل والإنتاج معنى دينيا، وكيف بعثت الكالڤينية تديّنا ينشغل فيه المسيحي بحياته الدنيا، لينال الخلاص ورضا الله في الآخرة، حيث إن الأخلاق البروتستانتية الكالفينية بخاصة كانت أحد أهم العناصر التي أسهمت إسهاماً كبيراً في تطور الروح الرأسمالية الحديثة؛ إذ إن تلك الأخلاق قد أنتجت قيماً ومعايير شجعت العمل الحر والتنسك والادخار، وبذلك خلقت مناخاً ذهنيا ساعد بدوره على تطور المشروع الاقتصادي الحر، وبالتالي على نمو وتطور الرأسمالية في الغرب[2].

تناول كتاب الدكتور الرفاعي في فصله الأول نشأة علم الكلام وتسميته، وحضور الرؤية الكلامية وتغلغلها في العلوم الدينية وبداية الدعوة لتجديده في هذا العصر، أما الفصل الثاني فقد تناول الإحياء والإصلاح والتجديد وأوضحَ الاختلاف في بين هذه المفاهيم وغاياتها، فيما يقدم الفصل الثالث خارطة لعلم الكلام الجديد بوصفه الفهم الجديد للوحي حسب المعيار الذي وضعه، أما الفصل الرابع فيكشف عن بوادر الدعوة لتجديد علم الكلام، وولادة الفهم الجديد للوحي لدى مفكري الإسلام في الاسلام الهندي من خلال اراء ولي الله الدهلوي، وأحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، فيما تحدث الفصل الخامس عن إيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي للدين في علم الكلام الجديد، وكما هي عادة الرفاعي في تشديده على الأبعاد الروحية والأخلاقية والانسانية في كتبه الاخرى.[3]

في نشأة علم الكلام الجديد

تجاوز الطالب أستاذه حالة نادرة، طبقت سبينوزا حينما ناقش مسائل كان أستاذه ديكارت قد تحاشاها قبل أربعين سنة خوفاً من المحافظين، على الرغم من كونه أحد تلامذة الفلسفة الديكارتية لكن برع في المنهج العلاقاني، وكما الحال مع الرفاعي الذي تجاوز في رؤيته الجديدة أساتذته في دراسته في الحوزة العلمية بالنجف وقم، أو في دراسته الأكاديمية، فهو يعد اليوم من المفكرين البارزين في العراق والعالم العربي في حقل التجديد الفكري والديني.

علم الكلام الجديد عند الرفاعي يعيد صياغة علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين، حيث إن وجهة التجديد ومنطلقاته وأسسه وأركانه تختلف عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه، لكون التجديد يعني إعادة فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، بينما مؤلفات الفرق الكلامية ومقولاتها تفتقر لتلبية أكثر ما يبحث عنه الإنسان من معنى في الدين، ويشير إلى أن مقولات الكلام القديم الاعتقادية لا تورث الروح سكينتها، ولا القلب طمأنينته، وهذا التصريح العلني من الرفاعي يحمل من الجرأة السبينوزية الخاصة، وإن كانت بشفرات ناعمة، كما الحال مع سبينوزا الذي هو فيلسوف وصوفي مفعم القلب بمحبة الله، ديدنه الحقائق الأزلية.[4]

تاريخيا بدأت فكرة علم الكلام نتيجة الحروب الأهلية في مرحلة لاحقة الجدل بين المسلمين، فظهرت استفهامات متنوعة في فضاء الصـراع السياسي، وما انفكت هذه الاستفهامات تترسخ وتتشعب وتتوالد في صيغ جديدة بمرور الأيام، وقد كان للحروب الداخلية في ذلك العصـر أثر مهم في تطوير النقاش في الموضوعات العقائدية، ثم تغذى علم الكلام في حقبة لاحقة بالمنطق الأرسطي والفلسفة التي تدفقت من مراكز الترجمة في العصـر العباسي بعد أن انفتح المسلمون على الميراث الثقافي للحضارة اليونانية، ومدرسة الإسكندرية، ومعارف الهند، وبلاد فارس، واستهواهم المنطق الأرسطي، والفلسفة اليونانية.

فاخترقت مقولاتها مباحث علم الكلام الذي تفاعل تدريجيا مع هذه المقولات، لهذا كانت السياسة وراء ولادة الكثير من الأسئلة والمعتقدات والآراء الكلامية وتفاعلاتها في الحياة الإسلامية، مثل ولادة أسئلة الخوارج حول الحاكميَّة بعد معركة صفين، وولادة القول الجبر والقدر في العصـر الأموي، وأيضا هنا يقترب الرفاعي العراقي من سبينونزا الهولندي في ربط الفكرة الدينية بالسياسة وتفسيرها، فقد عمل سبينوزا على ثلاث مجالات هي: نقد دور المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، ونقد البناء العقائدي اللاهوتي، ونقد البناء الأخلاقي اللاهوتي.[5]، وكما تولدت معارضة لأفكار الفيلسوف الهولندي لهذا البناء النقدي، فقد ذكر الرفاعي أن التيار المناهض لعلم الكلام تغلل لدى عامة المسلمين، فبدأ كثير منهم ينظر بارتياب للفكر الكلامي، بل تنامت هذه الحالة، وأُشيع مناخ مشبع بالتهمة حول العلوم العقلية، حتى اضطر ذلك بعض المهتمين بها للتمسك بالتقية والتكتم على معارفه، لكن بعد توفر هامش حرية للتفكير أثر بالغ في نمو وازدهار مدارس كلامية عديدة، من أبرزها الشيعة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية. ويذكر الرفاعي بانه لم يسجل تاريخ الإسلام أن فيلسوفا أو متصوفا كان سببًا في سفك دماء الفقهاء أو غيرهم من علماء الإسلام، لكن من صلب أو قتل من الفلاسفة والمتصوفة مثل الحلاج وشيخ الإشـراق السهروردي وغيرهما، كانوا ضحية فتاوى فقهاء، وظل بعض الفقهاء أقرب للسلاطين والخلفاء من كل الفلاسفة والمتصوفة، وكان بعضهم يتنعمون في بلاطهم، فيما كان الفلاسفة والمتصوفة في الغالب فقراء، بل إن المتكلمين أيضاً كانوا يكابدون ظروفًا معاشية غير مريحة في حياتهم.

نقد علم الكلام القديم

يرى سبينوزا أنه لا يمكن التوفيق بين الدين والعقل، فهما شيئان مختلفان كليا، فالمعرفة الدينية تتناول جانب الطاعة عكس العقلية، وبذلك فكل شخص حر في تفسيره للنصوص الدينية، حيث يقول: (قد بينا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها، كما بينا أن مضمونه كله مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المسبقة).[6]، وحاول تفسير اخر ومراجعة نقدية لهذا الاطار، فيما يحدد عبد الجبار الرفاعي أن أبعاد العجز في التراث الكلامي، بغية اكتشاف مبررات تجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار أسئلة العصر ومعارفه، تتمثل فيما يلي:

المنطق الأرسطي بوصفه مرجعية للتفكير الكلامي: على الرغم من رفض المتكلمين للفلسفة وطرائق تفكير الفلاسفة، لكنهم قبلوا المنطقَ الأرسطي، وتعاملوا معه كمسلمات أساسية في البحث الكلامي، واستندوا إليه في بناء علم الكلام، وركزوا على القياس الأرسطي وأشكاله، كقوالب أساسية في الاستدلال على المقولات والمسائل والآراء، وصار هذا المنطقُ هو المرجعية في التفكير الكلامي، حيث أضحى الخصمان يحاول كل منهما نقض حجّة الآخر، بالاستناد إلى أساليب المحاججة الأرسطية ذاتها، فقاد ذلك إلى خطأ المتكلمين في استعمال هذا المنطق، فجعلوا حكم الحدود الحقيقية وأجزائها مضطردًا في المفاهيم الاعتبارية، رغم أن المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، وعجز عن مواكبة طرائق التفكير للعقل الحديث مع أفكار فرنسيس بيكون وديكارت وإيمانويل كانط وهيغل، ونلاحظ أيضا تأثر سبينوزا بديكارت بشكل بارز.

النـزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل: تغلبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحوّل علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم ومقولات لا علاقة لها بحركة حياة الإنسان وشجونها ومواجعها حسب الرفاعي، حيث كان إيغال العقل الإسلامي في التجريد منشأ لتغليب النظر على العمل؛ فمثلًا كان ملا صدرا الشيرازي يعيب على الشيخ الرئيس ابن سينا استنـزاف جهوده في مثل هذه العلوم، حتى إنه أرجع ما ظهر له من أخطاء ابن سينا في الإلهيات إلى صرف وقته في هذه العلوم الثانوية غير الضـرورية.

تراجع دور العقل وشيوع التقليد: على الرغم من أن كلا من الكلام والفلسفة يصنف في خانة المعارف العقلية، إلا أن هناك فرقًا شاسعًا في نوع المنهج الذي يتعاطاه المتكلم، والمنهج الذي يتعاطاه الفيلسوف.

إهمال الإنسان ونسيان كرامته وحرياته وحقوقه: لم يدرج المتكلمون في مؤلفاتهم مبحثًا خاصا بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدّد موقع الإنسان في سلم المخلوقات، أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وكرامته وحرياته، وهذا ما تميز به المؤلف عن غيره في وضع بصمات مهمة عن ارتباط الكرامة والإنسان بالدين.

تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي: أراد القرآن الكريم للتوحيد أن يكون صبغةً لحياة الإنسان بقوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) بمعنى أن حياةَ الإنسان ومواقفه وسلوكه اليومي ينبغي أن تصطبغ وتتلون بالتوحيد.

التربية على الخوف وترسيخ العبودية الطوعية: يرى الرفاعي أن صورةُ الله في علم الكلام القديم لا تقترن بالرحمة والعدل، إنها صورة السيد المخيف المرعب، المتمرس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب، الإنسان عبدٌ مسترقّ خانع ذليل حقير. صورة الله في علم الكلام الأشعري لا تقترن بالعدل، لله أن يفعل بخلقه ما يشاء، بلا أن يوصف أيُّ فعل يصدر من الله مهما كان بالقُبح أو الحُسن، فله أن يعذّب العادل، ويثيب الظالم.

ويصف أسبابا نقدية أخرى مثل ترسيخ “اللاهوت الصراطي” حسب المصطلح الذي يقترحه الرفاعي، حيث يجادل المتكلم لإثبات حقانية مقولات فرقته الاعتقادية، والتدليل على عدم حقانية ما سواها، حيث تشكل هذه المقولات بمجموعها منظومة اعتقادية واضحةَ الحدود، بنحو يمكن الاستناد إليها بوصفها معيارًا للتعرف على كل ما يقع في إطارها من مفاهيم وآراء، وما هو خارجها، وكذلك إهدار الروح والقلب والعاطفة، حيث لم ترد آيات القرآن بأسلوب رياضي أو منطقي أو فلسفي أو علمي، ولم يتحدث القرآن وكأنه كتاب في العلم أو الفلسفة أو المنطق أو الرياضيات، هو كتاب لا يخلو من محاججات ونقاشات متنوعة، لكنها تنتظم في سياق آياته، بنحو يتعاطى مع انفعالات وأحاسيس النفس البشـرية ببيان يتغلغل في أعماق روح وقلب الإنسان، وكما يتحدث الدكتور الرفاعي عن افتقار علم الكلام للمضمون الأخلاقي، حيث إن مباحث علم الكلام القديم تنتمي إلى ما يصطلح عليه بالحكمة النظرية لا الحكمة العملية، والأخلاق تنتمي للحكمة العملية، ناهيك عن مشكلة الخلط بين النصّ المقدس وتفسيراته حدث خلط بالتدريج بين النص الأول المؤسس والنصّ الثاني الشارح، ويعني بين القرآن الكريم، وما هو ثابت من السنّة الشـريفة على اختلافات في حدودها، وكذلك تجاهل ظروف وعوامل ولادة وتشكل الفرق.

التجديد والإحياء والإصلاح ليست مترادفة

هذه أكثر الكلمات والمصطلحات المتداولة في الكتابات العربية تبدو بنظرة سطحية عاجلة، لكن الرفاعي ينظر لها بنظرة عميقة، حيث يعتقد أن عدم التحديد الدقيق للمعنى والفوضى في الاستعمال يتسببان في كثير من الاختلافات والنزاعات، حيث يلتبس مفهوم التجديد بمفهومي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، وتتعدد معانيه بتعدد أساليب توظيفه في الاستعمال، فالسلفيون يفسرون الإصلاح على ضوء منظورهم الذي يرى الإصلاح مرادفا للإحياء، بمعنى استئناف ما كان كما كان، وأيضا فإن الجماعات الدينية تفهم الإصلاح بوصفه خفضا لمنابع المعنى الديني الميتافيزيقي، وتمددا واتّساعا لحدود الدين الدنيوية وهو يعني دخول كل شيء في الدنيا في الدين، أو ما يسميه الرفاعي بـتديين الدنيوي واستيعاب الدين لأفكار وأقوال ومواقف وأفعال الإنسان كلها، حتى العلوم والمعارف تتحول إلى دينية، خاصة الفلسفة والعلوم الإنسانية والفنون والآداب، وهو ما شاع في الأدبيات الإسلامية بعنوان (إسلامية المعرفة).

أما الإصلاح الديني عند رواد النهضة العربية، فله أكثر من معنى، وإن كانت تلتقي على رفض التعصب والتحجر، ومحاكاة شيء من حركة الإصلاح الديني اللوثري في المسيحية، وفتح باب الاجتهاد في الفقه بالعودة إلى أدوات النظر وأصول الفقه الموروثة، بينما يستعمل الدكتور الرفاعي مصطلح التجديد، وليس الإحياء أو الإصلاح؛ لأن معنى التجديد لا يلتبس بغيره، فالتجديد الذي يراه الرفاعي في نظريته لا يدعو لإحياء التراث كما هو، ولا إصلاح معارف الدين وترميمها، بل يعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة، وبالتالي فإن منطلق التجديد هو الوعي بأن‌ متطلبات العيش في عصرنا وتحديات الواقع تختلف عن الماضي، ولهذا يعتقد الرفاعي أن التجديد يتأسس على هذه الأركان:

الركن الأول: بوصلةُ التجديد إعادةُ تعريف الإنسان، وتعريف الدين، وتحديد وظيفته في حياة الفرد والمجتمع.

الركن الثاني: دراسةُ وفهم واستيعاب ونقد علوم ومعارف الدين في التراث، واستكشافُ مداراتها ومدياتها وآفاقها المتنوعة، والاهتمامُ بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام.

الركن الثالث: الاستيعاب النقدي للعلوم والمعارف البشرية الحديثة، مثل: الفلسفة، علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الألسنيات، وغيرها من مكاسب العصر الحديث.

الركن الرابع: تجديد فهم الدين يتطلبُ مقارنةَ الأديان ونصوصها المقدسة، ومعرفة كيفية تشكل مؤسساتها الدينية، وصلة السلطة بتشكل التراث الديني وتنوع العلوم والمعارف الدينية.

الركن الخامس: تجديدُ فهم الدين يحتاج دراسةَ مسارات الدين عبر التاريخ، والكشف عن اختلاف وتنوّع تمثلاته وأنماط التدين في مختلف العصور والمجتمعات.

الركن السادس: يبدأ التجديد بإعادة بناء أدوات إنتاج المعرفة في الإسلام، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، بمعنى أن تجديد فهم الدين لا يتحقق إلا بتجديد مناهج الاجتهاد في الدين؛ وذلك يتوقف على الذهاب عميقا إلى البنية التحتية المنتِجة لعلوم ومعارف الدين، وغربلتها وتمحيصها وتفكيكها.

الركن السابع: لا ينجز التجديد وعودَه إلا بالتحرر من التفسيرات الحرفية المغلقة لآيات القرآن الكريم والنصوص الدينية، والانفتاحِ في التفسير على المناهج الحديثة في علوم التأويل والألسنيات، وعلى كل ما يمكن الإفادة منها من معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع.

الركن الثامن: دراسة المتخيل الديني وتحليل كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني ضرورة تفرضها عملية التجديد.

الركن التاسع: لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعض من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع، كما يدلل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها.

ولهذا يعتقد الرفاعي أننا نحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة لمسار الإصلاح الديني التكراري في الإسلام منذ جمال الدين الأفغاني إلى اليوم، الذي مازال ‏يصادر كل دعوة للتجديد تحت لافتته، وأن ‏النقد العميق للتراث واكتشاف بنيته التحتية، وكذلك الإصلاح عند سبينوزا يرى أن الكتاب المقدس كلام الله الذي يستهدف تعليم الناس السعادة الحقيقية، غير أن تفسيرات الناس ابتعدت عن الجوهر الحقيقي للدين، وأن الدعوات الأصلاحية في هذا المسار ليست جادة في تحقيق هذه السعادة.

الوحي: وحدة الانطلاق

عمل سبينوزا على خارطة فهم الوحي، حيث كان يرى أن الكتاب المقدس يمثل وحيا إلهيا لا يحتوي معرفة عقلية وفلسفية، بل معرفة إيمانية بالله تدعو إلى الطاعة، فالخلاص في الآخرة لا يكمن في العقل، بل في الوحي، وبهذا فإن الكتاب المقدس لا يقدم معرفة معينة أو محاولة للوصول إلى حقيقة عقلانية، بل معرفة تتلخص حول ما يجب فعله حتى يطيع المؤمن بذلك إلهه عبر الأخلاق والصفات الحميدة واتباع الصدق والعدل والمحبة، وما على المؤمن إلا طاعة وصاياه من دون استعمال العقل لكون الله لم يوحِ للأنبياء بأمور فلسفية عميقة، بل بأفكار يسيرة للغاية[7]

يقول سبينوزا: (قد بيّنا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها كما بينا أن مضمونه كله مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المسبقة)، ولاحقا انتقد سبينوزا ابن ميمون الذي أخضع الدين للعقل وسعى للتوفيق بينهما.[8] الدين بالنسبة إلى المسيحي العادي كان عبارة عن طقوس وشعائر وأسرار ربانية غيبية، وبالتالي فالمفهوم العقلاني الذي قدمه سبينوزا عن الدين ما كان بإمكانه أن يواجه المفهوم التقليدي الراسخ منذ مئات السنين سوف ينتصر مفهومه عن الدين، ولكن لاحقاً أي بعد مائتي سنة بعد أن تتقدم الشعوب الأوروبية وتتعلم، وتستنير.[9] وبهذا، فإن سبينوزا يرى في الكتاب المقدس وحيا يمنح بدوره المؤمنين معرفة بأهم ما يريده الله لأتباعه.

ينطلق الرفاعي بعلم الكلام الجديد من الوحي، حيث يرى أن الكلام الجديد يبدأ بإعادة بناء مفهوم الوحي، كما يقول: (ولما لم أجد خارطة طريق تكشف لنا بوضوح معنى علم الكلام الجديد، والمعيار الذي نحدد على وفقه المتكلم الجديد، أقترح الفهم الجديد للوحي هو المعيار الذي أراه لتمييز علم الكلام الجديد عن علم الكلام). ويعتقد الرفاعي أن تجديد الدين يبدأ بتجديد علم الكلام، وأية بداية للتجديد في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات، فمثلا تجديد الفقه مثلًا يبتني على تجديد أصول الفقه، والأخير يبتني على تجديد علم الكلام؛ ذلك أن قبليات ومسبقات أصول الفقه، الذي يبتني عليه الاستنباط الفقهي، ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصـر، ما لم يعد النظر بالبنية التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، تتخطى آليات النظر والفهم المتوارثة، حيث يرى الرفاعي بأن علم الكلام الجديد يعتمد العقل قبل النقل، وتخضع فيه مختلف المقولات والقضايا لأحكام العقل وأدلته، لكون العقل هو المرجعية لاختبار الخطأ من الصواب، والمعيار الذي نقيس به صدق كل قضية أو كذبها، على الرغم من كل النقد الذي صوبه له الفلاسفة منذ نيتشه، وجماعة مدرسة فرانكفورت، ومفكرو ما بعد الحداثة في الغرب، فإن العقل الحديث يضـيء لنا كل يوم أفقا جديدًا في مختلف مجالات العلوم والمعارف المختلفة.

علم الكلام الجديد عند الرفاعي ليس مستودعا لتكديس عناصر متنوعة، وربما متضادة، تعود لموضوعات مختلفة، علم الكلام الجديد يقوم على الفهم الجديد للوحي الذي تتأسس عليه عدة أركان تتمثّل في الآتي:

–  علم الكلام الجديد يفسر الوحي تفسيرًا ديناميكيا؛ بمعنى أنه لا يرى النبي منفعلًا سلبيا حالة الوحي، كما يرى علم الكلام القديم الذي يفسـر تلقي النبي للوحي، وكأنه قناة تمر من خلالها كلمة الله للناس من دون أن يكون النبي متفاعلًا معها.

–  الإنسان بطبيعته ينفر ممن يخاف منه، ولا يحاول الاقتراب إليه، لهذا فان علم الكلام القديم رسم صورة مخيفة لله، وفي سياقها تشكّلتْ علاقةُ المسلم بالله، فعلم الكلام الجديد ينشد إعادة رسم هذه الصورة بشكل يجعل صلةَ المسلم بالله لا خوف فيها، صلة مشبعة بالسلام الروحي.

–  ينشد علم الكلام الجديد إيقاظَ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين، بما يتواءم وحاجة حياة الإنسان للمعنى الديني في زماننا، ويسعى لاكتشاف القيم الكونية المشتركة في الإسلام مع الأديان الأخرى.

–  لا يعرف الكلام الجديد الدين بوصفه يتسع لكل شيء في الحياة، وبكونه بديلاً للعقل والعلوم والمعارف والتجربة وتراكم الخبرة البشـرية، كما يعرف الدين بذلك أكثرُ الذين ينطلقون من تفسير علم الكلام القديم للوحي والنبوة، في ضوء تعريف الوحي في علم الكلام الجديد يعاد تعريف النبوة، ويعاد تعريف الدين، بالشكل الذي يكون الدين منبعًا لما يثري حياة الإنسان بالمعنى الذي يتطلبه وجوده.

في ضوء هذا الفهم للوحي، يرى الرفاعي أنه يمكننا قراءة السنة والسيرة من منظور مختلف، يحررنا من مأزق القراءة اللاتاريخية لهما، التي تسـرف في تأبيد دلالات كل ما هو ظرفي محلي خاص بثقافةِ الجزيرة العربية ونمط عيش الناس عصـر البعثة، ولهذا يشير إلى مسارين في علم الكلام الجديد خارج المسار الموروث، الأول: مسار يفسـر الوحي بوصفه ظاهرة وقعت في التاريخ، فانعكست عليها الثقافة واللغة والبيئة، وظهرت ملامحها فيها بوضوح، مثلما انعكس الوحي على التاريخ فتفاعل معه وأعاد صياغته على وفق رؤيته، وهذا التيار يرى الوحي مُنتَجاً ومُنتِجاً ثقافياً، وهذا مسار يرى موقفه ملتبسا غامضا حيال المضمون الميتافيزيقي للوحي، كما نقرأه في بعض كتابات محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشـرفي، وغيرِهم.

أما المسار الثاني، فيفسـر الوحي بوصفه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، فالوحي في مفهومه حالة يعيشها النبي من خلال اتصاله بالله تتشبع بها روحه، وتمتلئ بها مشاعره، وتتشكل بها رؤيته للعالم، وينشغل هذا التيار بتفسير حقيقة الوحي وبيانِ ماهيته في عالم الغيب، وخلافا للمسار الأول يعتمد هذا التيار آثارَ العرفاء في تفسير البعد الميتافيزيقي للوحي، لكنه يعتمد الفلسفة وعلومَ الإنسان والمجتمع في تفسير البعد البشـري للوحي، وتحقّقه في التاريخ وانعكاسه على الواقع، كما نراه في بعض كتابات أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، ومحمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سـروش، وغيرهم.

ويرى الرفاعي أن المعيار الذي يمكن على أساسه أن تصنف مفكر بأنه متكلّم جديد هو تعريفه للوحي خارج مفهومه في علم الكلام القديم، بوصف الوحي هو المفهوم المحوري الذي تتفرع عنه مختلف المسائلِ الكلامية. وبناء على ذلك، فإن كل من يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي، إن كان مؤمنا بالبعد الغيبي للوحي يمكن أن يصنف تفسيره على أنه علم كلام جديد، أما من يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالبعد الغيبي للوحي فهو ليس متكلما جديدًا. المتكلم غير فيلسوف الدين، المتكلم يفكر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كل دين الذي يفكر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهج بحثه وأدواته مما أنجزته العلوم والمعارف، وهذه رؤية جديدة تسجل للرفاعي في وضع أساس لتمييز علم الكلام الجديد عن علم الكلام القديم.

الإسلام الهندي

يقول باروخ سبينوزا: (هل اختبرت كل هذه الديانات قديمها وحديثها التي تعلم هنا وفي الهند وجميع أنحاء العالم ولو اختبرتها جميعها فمن أنبأك أنك اخترت أفضلها). ويقول الرفاعي: تمرست الأديان في الهند في قبول المختلف في المعتقد، بعد أن تخلصت منذ مدة طويلة من حروبها وصراعاتها، لذلك أصبحت أكثر خبرة في العيش المشترك، لا يقصي بعضها بعضها الآخر في أكثر مراحل التاريخ، فضلا عن أن هناك ميراثا روحيا ورمزيا في هذه الجغرافيا الميتافيزيقية الدينية، وتلك ميزة الفضاء الميتافيزيقي والثقافي الهندي الحافل بالتعدد، فهناك تفاعل وتأثير وتأثر متبادل متواصل بين ثقافات الأثنيات والأديان في الهند، حتى إن الرموز والشعائر في هذه الأديان تتوارث وتتناغم فيما بينها، وذلك ما تفتقر إليه السياقات الدينية والثقافية في الجزيرة العربية وتضاريسها الصحراوية، لذلك ظل الفضاء الميتافيزيقي فيها فقيرا يمهد لإنتاج بيئة إسلام أحادي ينمو ويترعرع فيها التيار السلفي، الذي كان وما زال فقيرًا ميتافيزيقيا، كافتقار الصحراء وطبيعتها وتضاريسها لتنوّع الكائنات والبشـر والأديان والثقافات كما يرى الدكتور الرفاعي. أما في الإسلام الهندي فيتنافس تيّاران: تيار إسلام تعددي، يستقي من رؤى العرفاء، ويسترشد برؤية الشيخ محيي الدين بن عربي في (تعدد الطرق إلى الله)، وعدم احتكار الطريق إلى الحقانية والنجاة والخلاص، وعدم اختصاص النجاة بديانة أو فرقة أو مذهب أو طائفة أو جماعة؛ لأنها ضرب من احتكار رحمة الله، وهذا تيار تعددي في الإسلام الهندي، وتيار آخر أُحادي في الإسلام الهندي، غير متفاعل مع الفضاء الديني المتنوع، ولا يتقبل بروح إيجابية تنوع المعتقدات والمقدسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يتفهم تعدد التجارب الدينية، وهو تيار شديد الوفاء للرؤية الكلامية ولأحكام المدونة الفقهية، تسلطت على ذهنية تيار الإسلام الأحادي مدرسة الحديث، فاضمحل حضور العقل في تفكيره، وصار لا يفهم النصوص إلا فهما حرفيا.

ويأخذ الرفاعي نموذج أبي الأعلى المودودي بوصفه الأعمق أثرا في أدبيات الجماعات الدينية العربية، وإن كان لا يظهر أثر مفاهيمه بوضوح، بنحو صارت مفاهيمه إحدى البنى الأساسية لهذه الأدبيات، حيث كتب أبو الأعلى المودودي رسالة (المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم)، ونشرها على شكل مقالات متسلسلة في مجلة (ترجمان القرآن) تلخص هذه المصطلحات قراءةَ المودودي السياسية لعقيدة التوحيد، وكيف فرضت هذه القراءة فهمًا لا يرى في التوحيد شيئًا خارج الدولة المتخيلة في ذهنه، وتسرّبت رؤيتُه لأدبيات الجماعات الدينية بمختلف مذاهبها وتسمياتها، حيث أعاد المودودي إنتاج دلالات مصطلحات (الإله، والرب، والدين، والعبادة) سياسيا خارج سياقها القرآني، وفرغها من مدلولها الميتافيزيقي والقيمي، وفسرها في ضوء أحلامِه بتأسيس دولة تنبثق من تأويله لهذه المصطلحات، ويعتمد دستورها ونظمها وقوانينها المتنوعة على التراث، كما يشير الرفاعي في كتابه إلى: أن المودودي ذهب إلى أن إنشاء الإنسان لدولة في الأرض من دون العودة إلى الله وبتفويض منه، وبلا وضعه هو تعالى لخرائط السلطة والحكومة والدولة، ضرب من الشرك والعدوان على الله، وكما يفتعل المودودي، بسبب فهمه السياسي للتوحيد، مغالطة تضاد بين حاكمية الله وحاكمية الإنسان، فيعد ذلك عدوانًا على الربوبية، حيث استقى المودودي المضمون الاعتقادي للتوحيد من ابن تيمية، وأفرغه من مضمونه الميتافيزيقي وأشبعه برؤيته السياسية، حيث رأى المودودي صورةَ الله في السلطة والحكومة والدولة، ولم ير تجلياتها في الوجود، واحتجب عليه حضورها في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. ويضيف الرفاعي: إن المودودي يستأنف صورة الإله السياسي الذي اخترعه الحكام في وقت مبكر من نشوء الدولة في المجتمعات البشرية، لتسويغ تسلط الحاكم على الناس. تسيّدت صورةُ الإله السياسي في دولة المدينة في بلاد سومر القديمة، وهو النمطُ الأسبق لظهور الدولة في التاريخ، وترسّخت هذه الصورةُ واتَّسعت واتخذت صيغتها اللاهوتية المركبة في الحكم الثيوقراطي.

وهذا التفسير السياسي للدين، يشير له مفكر آخر وهو ولي نصر، الذي يرى أن حياة المودودي وأفكاره تعتمد على أن التجديد الإسلامي لم يكن مجرد ردة فعل ناتجة عن الرفض الثقافي للغرب، فقد يرتبط بأمور مثل السياسة الطائفية وتأثيرها على تشكيل الهوية ومفهوم القوة في المجتمعات التعددية والقومية، وعلى الرغم من أن حجج المودودي كانت مناهضة للغرب، إلا أنها كانت نابعة من صميم تنافس إسلامي وهندوسي على السلطة في الهند البريطانية، وقد سعى المودودي لتفسير الإسلام تفسيرا يحد من التعايش الثقافي الذي كان يبشر به حزب المؤتمر الوطني الهندي.[10]

لقد تناول الرفاعي العديد من الشخصيات الفكرية المهمة التي ناقش أفكارها بكل علمية وحيادية مثل وحيد الدين خان، وولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد أقبال، وفضل الرحمن، ثم أضاف لاحقا عبد الكريم سروش، وكل هذه المحطات الفكرية تحتاج إلى دراسات مفصلة أجاد فيها مفكرنا ببراعة وإتقان كما هو معهود ومشهود له في الرصانة الفكرية في طريق وضع معالم تأسيس مدرسة جديدة تستحق الإشادة.

الطريق الطويل                                                                       يقول الرفاعي إن: (الدعوة لتوطين علم الكلام الجديد في الدراسات الدينية والكتابة فيه، والكشف عن أسسه وأركانه وأهدافه وخرائط سيره وما يهتدي به، هي خطوة أولى على طريق طويل لا تطوى محطاته سـريعا، ولا يمكن بلوغ أقصـى مدياته، أو الوصول لنهاياته في وقت قريب)، فأمامنا طريق شاق، ينبغي أن تتضافر فيه جهودُ أكثر من جيل من الباحثين الخبراء بالتراث والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع لنيل ما ننشده من سعادة البشرية. منذ بداية صدوره أصبح هذا الكتاب منهجا علميا في كثير من الجامعات العراقية والعربية والإسلامية في أقسام الفلسفة والمعارف الإسلامية. كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” يستحق ان يتنبه له الباحثون والأساتذة لأنه يضع منهجا تأسيسيا لعلم الكلام الجديد.

المراجع:

[1] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 125

[2] للمزيد انظر: إبراهيم الحيدري، (جدلية الحوار حول أطروحة ماكس فيبر الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 18، العدد الاول، 1990، ص 159

[3] عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، دار التنوير، مركز فلسفة الدين، بيروت- بغداد، 2021.

[4] فاطمة حداد الشامخ، الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا، ترجمة جلال الدين سعيد، ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ط2، الرباط، 2017، ص 22 وما بعدها.

[5] المصدر نفسه.

[6] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 355

[7] حول الموضوع انظر: جلال الدين سعيد، سبينوزا والكتاب المقدس الدين والأخلاق والسياسة، مؤمنون بلا حدود، بيروت، 2017، ص 17 وما بعدها.

[8] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 355

[9] هاشم صالح، سبينوزا بين الدين والفلسفة، انفاس، 22 تموز 2017

[10] ولي نصر، المودودي وصناعة التجديد الإسلامي، دار جداول للتوزيع والنشر، بيروت، 2018.

[1] باحث عراقي متخصص في العلوم السياسية.

رابط النشر:

لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام: مناقشة “الرؤى الرسولية” للدكتور عبد الكريم سروش

لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام

مناقشة “الرؤى الرسولية” للدكتور عبد الكريم سروش

 

د. عبد الجبار الرفاعي

لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه. التعرّفُ على الغيبِ في القرآن الكريم يكونُ من خلال ما تتحدّث به آياتُه. لا يخضع الغيبُ في اكتشافِ ذاتِه ومعرفةِ حقيقته للعلمِ ومناهجِه المعروفة، وإن كانت العلومُ هي الأداة الأساسية في التعرّف على تأثير الغيب في الواقع ودراسةِ تعبيراته في الحياة الفردية والمجتمعية.

يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي، والنظرُ إليه على أنّه حالةٌ سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقتْ محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار، كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الآياتُ القرآنية تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية.

الوحي طورٌ وجودي استثنائي للإنسان، يتسعُ فيه وجودُ النبي ويتكاملُ عبر صلته بالله. ليس الوحي استنارةً ذاتية مقطوعة الصلة بالله، أو صورًا ذهنية مجردة، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرةً بيولوجية نشأت عن نشاط هرموني، أو تساميًا للروح من دون صلة بالله.                                                                                                                                    في ضوء ما تقدّم يمكن مناقشةُ رأي الدكتور عبد الكريم سروش في: “الرؤى الرسولية”، الذي يذهب فيه إلى أن ما جاء من مشاهد للقيامةِ في القرآن الكريم وقصصِ الأنبياء وغيرِها لم يكن النبيُّ محمد “ص” فيها ناقلًا لأخبار تلقاها، بل كانت أحلامًا ورؤىً وقعتْ له وشاهدها مباشرةً بنفسه في منامه، يتحدّثُ النبيُّ في القرآن عن مشاهداته ولا يروي عن غيره. يتساءل سروشُ عن المناظرِ والمشاهداتِ المتنوعةِ الواردةِ في آيات القرآن: “‏أين وقعت تلك المناظر والمشاهدات؟” ويجيب بقوله: “‏وقعت في الرؤيا”[1]. وأن ما ورد في القرآن على لسان النبي من مشاهد للجنة والنار والقيامة ‏ويوم الحساب، وما وقع من حوادث للأنبياء، مثل انشقاق البحر لموسى وغيرها، رآها النبيُّ في أحلامه، ‏وتحدّثَ عنها ووصفها كما رآها. يقول سروش: “هو رآها بنفسه وعينه. كان ناظرًا وراويًا لتلك المناظر، رأى أهلَ الجنة يتنازعون الشراب، ورأى أهلَ النار تسلخ جلودهم كلما نضجت”[2].

‏ ينبّهُ الدكتورُ عبد الكريم سروش إلى أن لغةَ الأدب وما فيها من مجازاتٍ وكناياتٍ واستعاراتٍ وتشبيهات غيرُ لغةِ الأحلام. لغةُ الأحلام تتحدّثُ عن مشاهدات مباشرة، مَنْ يرى الرؤيا يشاهدُ الحدثَ ويصف ما رآه، ويصوّر المواقفَ والأحداثَ والوقائع كما شاهدها هو. وذلك يعني أنه لا يتحدثُ لغةَ المجازات والاستعارات والكنايات والتشبيهات. يقول سروش: “‏لغة الأحلام لا تحتوي على المجازات والاستعارات والكنايات، بمعنى أن التصورات التي يراها الحالم في منامه لا تحمل إلا على معانيها الحقيقية، وليست بحاجة إلى مراجعة القواميس اللغوية للوقوف على معاني الألفاظ ودلالتها. ولعل مفسري الأحلام هم القادرون على فهم دلالتها… لغة الأحلام تختلف عن لغة الأدب”[3]. الأحلامُ غيرُ منتظمةٍ في سياقٍ منطقي، ‏ولا تكون بالضرورة محكومةً بنظام السببية المعروف، ولا تنطبق عليها دائمًا قوانينُ الطبيعة المكتشفة. كثيرًا ما ‏يرى الإنسانُ الأحلامَ مشتتة خارجَ إطار التراتبية المعروفة للحوادث ‏في الواقع الذي يعيشه. ‏يقول سروش: “‏لابد من الإذعان إلى أن تلك الفوضوية ليست من فعل الأعداء ولا غفلة الجامعين، ولا هي دون علم صاحب الوحي، وإنما راوي السور المبتنية على الرموز والرؤى غالبًا ما يفتقر إلى المنطق والتسلسل فيفقد الانسجام والانتظام. هذا هو أدب المنام، ولا وجود لليقظة فيه”[4]. ‏وقد يختلط الواقعُ بالأحلام بالخيال، ففي “حديث النبي عن حروب زمانه ‏خلطَ بين الواقع والخيال، حيث ينقل خبرَ نزول آلاف الملائكة لنصرة المؤمنين”[5]. في سياق مناقشة رأي العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ‏بكون “المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالمًا ملكوتيًّا، ذا أفق أعلى نسبة إلى هذا العالم المشهود”، يجيب سروش بقوله: “‏ولو تنبّه صاحبُ الميزان إلى أن رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج إلى كل تلك التأويلات، ولذهب إلى خبير في الأحلام والأنثربولوجيا يدله على معنى أن شخصًا في تاريخ وجغرافية الحجاز ومن ثقافة تلك الحقبة، يرى في المنام أن الشياطين تقذف الشهب”[6]. هذا ملخص شديد لما أفاده الدكتور عبد الكريم سروش في “الرؤى الرسولية”.

‏   النبيُّ محمد وغيره من الأنبياء يعيشُون وفقًا لطبيعتهم الإنسانية،كما يعيشُ أيُّ إنسان يحتاجُ أن يتنفسَ الهواء، ويشربَ الماء، ويأكلَ الطعام، وغيرها من الاحتياجات. النبيُّ إنسانٌ يفرحُ ويحزن، يبكي ويضحك، يتألمُ ويرتاح، يشبعُ ويجوع، يصحو ويمرض، يستيقظُ وينام ويرى الرؤيا في المنام. ‏النقاشُ مع الدكتور عبد الكريم سروش ليس في مقام رؤية النبي للرؤيا في منامه، النقاشُ في كيفية تفسيره للوحي وما ورد في القرآن من مشاهدَ القيامة، والقصصِ النبوي، وغيرها، بوصفها أحلامًا شاهدها النبي الكريم في منامه.

‏إن كان الإنسانُ لا يبلغ مرتبةَ النبوة إلا إذا تسامت كينونتُه الوجودية وتحقّق بكمالٍ استثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكاملِه وبناءِ استعدادِه الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقِّيه. النبوة مقامٌ لا يناله كلُّ إنسان، المرتبة الوجودية للنبوة تتحقّقُ باستعدادٍ وتأهيلٍ بشري واصطفاءٍ إلهي. لم تعرف التربيةُ إعدادَ إنسان وتأهيلَه لأيةِ مهمةٍ حياتية عبر الأحلام، فكيف يمكن افتراضُ إعداد إنسانٍ تُناط به وظيفةٌ إلهية استثنائية، ويصطفيه اللهُ ويوكل إليه أداءَ مهمةٍ عظمى في الحياة، ويؤهله لتحمّل رسالته من خلال أحلامٍ يراها في المنام. الإنسانُ العادي لا يمكن إعدادُه لتحمِّل أية مسؤولية باعتماد الأحلام، فكيف إذا كانت مسؤوليةُ هذا الإنسان إلهيةً وهي أكبرُ من كلِّ مسؤولية، ووظيفتُه أعظمُ من كلِّ وظيفة. وكيف إن أناطَ اللهُ بهذا الإنسان بناءَ أسس التوحيد في مجتمعٍ مُشرِك، وتحمّلَ رسالةَ الله الخاتمة للعالمين. إنها وظيفةٌ لم يكن بإمكانه إنجازُها إلا بعد أن يتحقّقَ بطورٍ وجودي أوسع وأعمق وأغنى وأسمى.

‏   لا تكتسبُ النبوةُ مقامَها السامي من الأحلام، ولا يمكن أن يكتسبَ إنسانٌ إمكاناته الوجودية وقدرته على تحمّل الرسالة الإلهية من المنام. ‏يلزمُ من القول بالأحلام النبوية ‏أن تكونَ مهمةُ النبي في إبلاغِ الرسالة وتلقيها أهونَ من مهمة رجل العلم والسياسة والعسكر والتجارة وأمثالهم، لأن إعدادَ هؤلاء لا يمكن أن يعتمد على الأحلام. يكونُ إعدادُ الإنسان للمهمات الكبيرة من خلالِ برامجَ تربوية وتعليمية، وتراكمِ خبرات عملية تتطلب المواظبةُ عليها إنفاقَ سنوات عديدة من أعمارهم من أجل التأهيل لمثل هذه المهمات، مضافًا إلى توفر مواهب ومؤهلات ذاتية تمكّنهم من التصدي لها.

‏   ‏يمكن تشبيهُ النبوة بحالةِ استضافة الغيب للإنسان واستضافةِ الإنسان للغيب. ‏هذا المستوى الفريد من الضيافة، الذي يكون المُضيّفُ فيه اللهَ والضيفُ النبي، لا يمكن أن تتوفر الإمكانات الوجودية لتنفيذه بكفاءة تتناسب معه عبر رؤى في المنام. الوحيُ ليس شعورًا نفسانيًّا باطنيًّا، وليس حوارًا صامتًا تستبطنه الذات،كي نتعرفَ على حقيقته بقراءةِ مدرسةِ التحليل النفسي للأحلام ونظرياتِ علماء النفس وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة. الوحيُ حقيقةٌ من حقائق الغيب، ‏هذه الحقيقةُ ينكشفُ فيها الإلهيُّ للبشري، ويتجلّى فيها للإنسانِ ما هو إلهي. شهودُ ‏الإنسان للإلهي لا يتحقّقُ إلا إذا تكامل الإنسانُ في طورٍ وجودي يفتقر إليه غيرُه من البشر؛ ‏ذلك ما يؤهله لأن يكون نبيًّا. تظهر تمثُّلاتُ الوحي وآثارُه في لغة وثقافة وتقاليد ومواقف الإنسان ‏فردًا وجماعة، وهذه الآثار تُدرسها العلوم والمعارف البشرية المتنوعة كما تُدرس غيرُها من الظواهر في حياة الإنسان، لكن لا يمكن أن ندرس البُعدَ الغيبي في الوحي بأدوات هذه العلوم والمعارف.

‏تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم. النبوة ذاتُ طابعٍ وحياني، الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي للوجود وليس بالمعنى المادي للموجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل الكينونةُ الوجوديةُ للإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًّا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والمبدع والمخترع، ويفسِّر مقامَ النبوة كالشعر والإبداع والاختراع لا يرى النبوةَ مقامًا وجوديًّا استثنائيًا للإنسان. الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على الإبداع، مرتبةُ الشاعر الوجودية وهكذا مرتبة الرسّام والمخترع هي مرتبةُ غيرهم من الناس. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت فاصطفاه اللهُ للنبوة.

الوحيُ صلةٌ وجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة تصيّر ‏النبيَّ شاهدًا للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلّى على مرآة البشري، وإن كان النبيُّ بوصفه بشرًا يلبث على انتمائِه لعالمنا، ولا يفتقد بصلتِه بالغيب كونَه إنسانًا يعيش في الأرض. النبيُّ من جهة الوحي يشهدُ عالمَ الغيب، وبوصفه بشرًا يحتفظُ بحضورِه في عالم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشتركُ فيها مع الكلِّ وتنعكس فيها بشريتُه. ما هو مرآة عالَم الغيب الوحيُ الإلهي، ‏وما يعكسُ عالم الشهادة الطبيعةُ البشرية، ‏وهذا ما ينكشفُ بوضوحٍ في القرآن: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ”[7].

‏ لا يمتلك كلُّ إنسان إمكاناتِ وجودٍ تمكّنه من شهود الغيب، ‏الإنسانُ الذي ينكشفُ له الغيبُ يحدثُ تكاملٌ في ‏كينونته الوجودية، بنحوٍ يسافر صعودًا ليبلغ مرتبةً يتجلى له الإلهي. يحدثُ لدى النبي تحولٌ أنطولوجي في كيفيةِ وجوده، بالشكل الذي يتّسعُ وجودُه فيتجلى له الحقّ. ‏الإنسانُ الذي يتحقّقُ ‏له هذا الطورُ ‏يصل مقامًا وجوديًّا لا يناله غيرُه من الناس، يكتسبُ وجودُه في هذا المقام غناه بإمكانات إضافية تجعله قادرًا على شهود الغيب. عندما يتحقّقُ الإنسانُ بهذا الطور الوجودي يكون مؤهَّلًا لمقام النبوة، وكلّما اتسع وجودُ الإنسان وكانت مرتبتُه أكملَ اتسعت تبعًا لذلك نبوتُه وصارت رسالتُه بسعة إمكانات وجودِه. يواصل النبي سفرهَ الوجودي ما دام حيًّا، فوقَ كلِّ مرتبةِ كمالٍ ‏للإنسانِ مراتبُ أكملُ منها، ‏وهو ما تشير إليه الآية: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”[8]. ومهما بلغت مرتبتُه يظلُ ‏النبيُّ إنسانًا لا يفارقُ طبيعتَه البشرية.

لا طريقَ للتعرّف على الوحي بوصفه ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، في القرآن الوحيُ يتحدثُ عن الوحي، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. عندما نقرأه نرى عدةَ آياتٍ تضيء مضمونَ الوحي، مثل الآية: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا”[9]. القولُ الثقيلُ توصيفٌ يرمز لحقيقةٍ تنتمي إلى عالم الغيب،كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه وكيفيتُه على شاكلته، “القولُ” هنا ليس ألفاظًا منطوقةً تشبه الألفاظَ المستعملة في اللغات، “الثقيلُ” ليس كميةً يمكنُ أن توزنَ بالمقاييس المادية، ونكتشفَ كيفيتَها بأدوات مادية. ‏تشيرُ الآيةُ إلى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل “القول الثقيل” الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصفُ الوحي بـ “القول الثقيل” يتطلبُ سعةً وجودية استثنائية لا يمتلكُها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فيصل تلك السعة الوجودية.

آيةٌ قرآنية أخرى تشيرُ إلى أن النبيَّ اختصّه اللهُ بقربٍ لم يختصّ به أحدًا سواه: “ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى”[10]، القربُ أو البُعد في عالَم الغيب ليس إلغاءَ المسافة المكانية. القربُ أو البُعد في الغيب يشاكلُ الغيب. القربُ هنا مقامٌ وجودي يبلغُه الإنسان، إنه تعبيرٌ عن قدراتِ وجودٍ إضافية تمكّن النبيَّ من الاتصال بوجود الله المستغني عن كلِّ وجودٍ سواه.

أما قولُه تعالى: “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ”[11]، فيصوّر القرآنُ مشهدًا تهتزّ أمامه المشاعرُ. في الآية كنايةٌ عن التجلّي الوجودي للحقّ، وكيف تهشّم الجبلُ وانهار فجأة، تجلّي الله للجبل مشهدٌ أصاب موسى بالذهول وسقط مغشيًّا عليه.

نحتاجُ إلى إعادةِ تعريف الوحي وبيانِ صلته بالغيب بوضوح، وهكذا إعادة تعريف النبوة وبيان الطبيعة البشرية للنبي، ليتضحَ ما ينتمي لعالَم الغيب في النبوة، وما ينتمي للطبيعة البشرية. التعريفُ يدلنا على حدودِ المعرَّف ومجاله، وحقلِ اشتغال أدوات العلوم والمعارف البشرية في المجال الذي ينتمي للطبيعة البشرية، ويدلنا على ما هو خارج حقل اشتغال تلك الأدوات في المجال الذي ينتمي لعالَم الغيب.

الطبيعةُ تخضعُ لقوانين تتحكمُ بأسباب ونتائج الظواهر فيها، سيادةُ الإنسان على الطبيعة تتسعُ باتساع اكتشافاتِه لقوانينها وظفره بوسائل استثمارها. ما وراء الطبيعة لا يخضعُ لقوانين الطبيعة، ولا سبيلَ إلى فهمِه بأدواتها واكتشافِ آفاقه في ضوئها. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه.

كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها. تنطقُ لغاتُ الأرض بدلالات يرسمُ خارطتَها ويحددُ مجالَها المحيط الذي يعيشُ فيه الإنسانُ، وليس بوسع اللغة أن تطلَّ على ما هو خارج مديات محيطه إلا بتمثيل ومجاز وتشبيه وكناية واستعارة تشير إلى ما وراء المادة. الكلمةُ تبوحُ بالمعنى الذي تتسعُ له، الكلمةُ لا تتسعُ إلا للمعاني المتداولة في موطن ولادتها وفضاء تشكّل دلالتها، يقول فتغنشتاين: “إن حدودَ لغتي تعني حدودَ عالمي”.

للغيب مفاتيحُه الخاصةُ وللطبيعة مفاتيحُها الأخرى، مَنْ يؤمنُ بالغيب يعرفُ أن مفاتيحَ الغيب وما وراء الطبيعة مستودعةٌ في القرآن. من مفارقاتِ كتاب “الرؤى الرسولية” لعبد الكريم سروش ما يظهرُ من تضادٍ بين ما يدللُ بشكلٍ لافت على ايمانه بالله والغيب والوحي والنبوة في مختلف محاضراته وكتاباته، وبينَ تفسيرِه للوحي والنبوة ومشاهد القيامة والقصص في القرآن الكريم في كتابه هذا. مفارقةٌ أخرى في “الرؤى الرسولية” وأشباهها من كتاباته ومحاضراته تتمثلُ في ضيق مرجعية القرآن، وتسيّدِ مثنوي جلال الدين الرومي وحضورِه الطاغي في تفكيره وتعبيره، واتخاذِه أساسًا في تفسير القرآن وتأويل عالم الغيب فيه. جلال الدين الرومي يبتكرُ لغتَه المكتنزة بالمعنى، وهي تتميزُ بالجمال والسهولة في التعبير عن المعاني بحكايات واستعارات وكنايات وأمثال متنوعة، غير أن لغتَه لا تؤسس قواعدَ عامة أو ترسمَ خرائط يمكنُ اعتمادها لفهم الوحي والغيب في القرآن. عندما يتخذُ سروش أبياتَ شعر المثنوي أساسًا لفهم الغيب ويعتمدها في استنطاق آياتِ القرآن فليس بالضرورة أن يهتديَ للطريق الذي تنكشفُ له فيه آفاقُ الغيب. مفتاحُ فهم الغيب في القرآن ما تقوله آياتُه، والمرجعيةُ في تفسير الغيب ما تشي به دلالاتُها. جلال الدين الرومي والعرفاء يفسّرون القرآنَ في ضوء بصيرتهم أحيانًا، حتى لو كانت بصيرتُهم حاذقة إلا أنها قد تشطح. الطريقُ لتفسير القرآن أن نستنطقَ آياتِه بآياتِه لاكتشاف ما ورد فيها من ملامح للغيب. بوسعنا أن نستضيء باستبصارات العرفاء وبما يقوله المفسّرون غير أنها تظل اجتهاداتٍ بشرية، وكلُّ اجتهاد عرضةً للخطأ.

في الوحي بُعدان، بُعدٌ إلهيٌّ وآخرُ بشري، لا يمكنُ دراسةُ البُعد الإلهي الغيبي في الوحي في ضوءِ المناهج العلمية المعروفة لدراسةِ الطبيعة ومَنْ يعيشُ فيها. النبيُّ لا يفقدُ بشريتَه عندما يتلقى الوحيَّ، يمكنُ دراسة البُعدِ البشري في شخصية النبي وحياته الخاصة والاجتماعية والواقع الذي كان يعيشُ فيه في ضوء المعطيات العلمية. إنكارُ البُعد الغيبي في النبوة هو ما يفعله المُنكِر للوحي الإلهي، وإنكار البُعد البشري في شخصية النبي هو ما يفعله الغلاةُ وبعضُ المتكلمين القدماء. محمدٌ نبيٌّ مبعوثٌ برسالة إلهية يُوحى إليه، إنه إنسانٌ يعيشُ حياتَه البشرية كما يعيشُ الناسُ. ‏محمدٌ رسولُ الله “يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ”[12]، ويفرح ويحزن، ويبكي ويضحك، ويتألم وينشرح. محمدٌ إنسانٌ يمتلكُ بصيرةً نورانية، وعبقريةً فذة، ومشاعرَ نبيلة، وخُلُق عظيم: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”[13]. محمدٌ إنسانٌ تجذّرت في ذاته الرحمةُ الإلهية بوصفها ضميرَ النبوة.

[1] سروش، ‏عبد الكريم، كلام محمد رؤى محمد، ترجمة: أحمد الكناني، ص 82، 2021، دار أبكالو، بغداد.

[2] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 77.

[3] سروش، ‏عبد الكريم،‏ كلام محمد رؤى محمد، ص، 84.

[4] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 107.

[5] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 107.

[6] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 87.

[7] الكهف، 110.

[8] طه، 114.

[9] المزّمِّل، 5.

[10] النجم، 8 – 9.

[11] ‏الأعراف، 143.

[12] الفرقان، 7.

[13] القلم، 4.

 

رابط النشر: