Category: القراءة

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

مسرات القراءة ومخاض الكتابة

مسرات القراءة ومخاض الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

أنا قارئٌ قبل كلِّ شيء وبعد كلِّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي، لم أجد نفسي خارج أسر القراءة، وأظن أني لن أتوقف مادمتُ حيًا. قراءتي تتغير بتغيرِ الواقع، والوعي، وتغيرِ المزاج، وعوامل أخرى خفية لا أدركها تفعل فعلَها في انتقاءِ نصوصٍ واستبعادِ أخرى. رفقةُ الورق والكتب استغرقتْ معظمَ أيامي، أنفقتُ من سنوات عمري معها أكثرَ بكثيرٍ مما أنفقتُ برفقة البشر. لو فرضتْ عليّ الأقدارُ أن أختار العيشَ مع الكتب أو البشر لاخترتُ العيشَ مع الكتب. أنا كائن لا أطيق العيشَ بلا منبعٍ للمعنى في حياتي، القراءة كانت ومازالت ترفد حياتي بأعذب معانيها. بعد هذه الخبرة في القراءة أصبح القارئُ كاتبًا، غير أن القراءةَ مازالت تلازمه وتفرض حضورَها كأولويةٍ على الكتابة، لا تصمد مواعيدُ الكتابة وجداولُها الزمنية لحظة يتّقد شغفُ القراءة. حين أضجر من الكتابةِ استريح بالقراءة، وحين أفقد التركيزَ بعد ساعاتٍ من القراءة، لا يستفيق وعيي إلا بالقراءة.

لا أستطيع إحصاءَ ما حصدتُه من مكاسب القراءة والكتابة. بالقراءة والكتابة استطعتُ أن أفكر خارج الأطر المغلقة، أحترم كلَّ رؤية عقلانية، لكن لا أعبأ بالترهيب الذي يمارسه بعضُ المتحدثين والكتّاب، ممن يحاولون إحباطَك برأي من التراث، أو رؤيةٍ لفيلسوف يوناني أو فيلسوف حديث، أو نصٍّ لأديب شهير، أو قولٍ لمفكر معروف. تعلمتُ من الكتابة ما هو أبعد مدى وأدقّ من القراءة، استطعتُ أن أصنع من كلماتٍ مبعثرة معاني مُلهِمة لحياتي. تعلمتُ من الكتابة الوضوح، ورسمَ الحدود بين الأشياء، واكتشافَ جغرافيا المفاهيم وخرائطها، وحرّرتُ ذهني من وصايات الفلاسفة والمفكرين والكتّاب بمختلف أساليبِهم البلاغية، وأدواتِهم اللغوية، ومراوغاتِ كلماتهم.كانت الكتابةُ ومازالت منبعًا غزيرًا لتوالد أسئلةٍ حارقة لما تراكم في ذهني من أوهام، تولد منها أسئلةٌ أشدّ احتراقًا.كلما فكرتُ بعمق وأنا أكتب ضاق فضاءُ الأجوبة واتسعت الأسئلة، ذلك ما يجعلني أتهيّب اقتحامَ الكتابة، وأحاول ألوذ بخيمة القراءة.

يرى القارئُ في هذا الكتاب تفاصيلَ متنوعة عن رحلتي الطويلة بمعية القراءة وممارسة الكتابة. وتكشف له هذه الأوراقُ شيئًا من ذكريات هذه الرفقةِ الشيقةِ في القراءة والشاقةِ في الكتابة، وشيئا مما تعلمتُه من دروسهما الثمينة. ما ورد فيها فصلٌ من محطات حياتي المتنوعة، اخترتُ كتابةَ هذا الفصل قبل غيره من السيرة الذاتية، بوصفه يعبّر عن أثمن ما عشتُه في حياتي. لا أنكر أن صنفًا من الكتب نقلني من يقينٍ مغلق إلى لايقين، وزحزح وثوقياتٍ متجذرة كالكائنات المتحجرة المنهكة لذهني، تلك الوثوقياتُ أخلدتْ تفكيري للنوم. بعد يقظة الذهن تخفّف من أثقال مكثتْ غاطسةً مدة ليست طويلة في منطقةٍ مظلمة، لم يفضحها إلا نورُ التفكير العقلاني.كأن الذهنَ لحظة أزاحها تحرّك بصيرورة متواصلة، لا يلبث طويلًا، إن مكث في محطة، إلا ويغادرها عاجلًا في رحلةٍ لا تتوقف إلى محطةٍ آتية، صار ذهني لا يتطلع للتوقف في المحطات قدر شغفه للسير في الطريق، همُّه المضيّ في رحلة اكتشاف، صار الطريقُ فيها غايتَه لا المحطة. لا يفزعني تساؤل العقل، ولا أخشاه على الإيمان، ولم أحرص يومًا على حماية إيماني بتعطيلِ التفكير العقلاني النقدي. لم تعبث قراءتي وأسئلتي المتواصلة بأخلاقي، ولا بسكينةِ الروح، ولا بطمأنينةِ القلب. مَن يختزل الإنسانَ ببُعدٍ واحد تبدو له هذه واحدةٌ من المفارقات، أدرك جيدًا أنها تظهر بنظرةٍ عاجلة كمفارقة، وإن كانت النظرةُ المتأنية تكشف عن قدرةِ الطبيعة الإنسانية على استيعابِ الأضداد.

تعلمتُ الكتابةَ بالكتابة، لا يتكون الكاتبُ بالتوصيات الساذجة الجاهزة، على طريقة: “كيف تتعلم اللغة الإنجليزية بسبعة أيام”. لا أعرف كاتبًا عظيمًا ولد في مدارس تدريب وورش كتابة. الكتابة الحقيقية عملية إبداعية تتطلب موهبةً، وشخصيةً صبورة، مضافًا إلى قراءاتٍ نوعية متواصلة، وتفكيرِ هادئ، وجَلَدٍ على تكرارِ تمارين الكتابة المملة، وعدمِ التعجّل بالنشر، والتضحيةِ بكثيرٍ من متع الحياة الحسية الآنية.

قراءة الكتاب الورقي ليست كلَّ شيء في تحصيلِ المعرفة وفهمِ العالَم، وليس من لا يقرأ الكتابَ الورقي اليوم لا يفهم شيئًا في العالَم. تتضاعف طرائقُ تلقي المعرفة، وتتبدّل وسائلُ القراءة وتتنوع أساليبُها، وتتضاعف باضطرادٍ أعدادُ القراء في عصر الإنترنت. قبل الإنترنت كان عددُ القراء محدودًا، صار أغلبُ من يستعمل تطبيقات وسائل التواصل يقرأ اليوم. لم يعد مفهومُ القراءة ضيقًا لا يعرف فضاءً خارج الورق، وسائلُ التواصل الجديدة وسّعتْ هذا المفهومَ وأضافت طرائقَ جديدة للقراءة، اتسعتْ فيها آفاقُها بعد أن تشارك السمعُ والبصرُ الوظيفةَ ذاتها. أكثر من تطبيق اليوم تحضر فيه الصورُ والمسموعاتُ بكثافة، وأحيانًا تأثيرها أبلغ من الكلمات، ويفوق عددُ المشتركين فيه ملياري إنسان. تطبيقات الذكاءُ الاصطناعي تعدنا بإضافات مبتكرة، تتغير فيها وسائلُ تلقي المعرفة، ولا ندري ماذا وكيف تكون غدًا. مفهوم القراءة يواكب تلك التطبيقات، ويتكيف وفقًا لها ولكيفية استعمال القراء لها في تلقي المعرفة بصريًا وسمعيًا،كلُّ قارئ يختار طريقتَه المتناغمة واحتياجاتِه ورغباتِه وما ينجذب إليه ويتذوقه. مَن يستعمل هذه التطبيقات يمكن أن يتخذ النمطَ الذي يتوافق معه في القراءة، مَن يرى الكلمات يقرأها، مَن يستمع للنصوص والكتب المسجلة صوتيًا يمارس نمطًا ثانيًا من القراءة، مَن يشاهد الصورَ ويتأملها يمارس نمطًا ثالثًا من القراءة، مَن يرى مقاطعَ الفيديو وينصت إليها يمارس نمطًا رابعًا من القراءة. أعدادُ القراء اليوم كبيرة جدًا، الأطفال يبدأون باستعمال الأجهزة اللوحية وتطبيقات وسائل التواصل قبل أن يتعلموا القراءةَ والكتابةَ في المدرسة. يقرأون بطريقة تتناسب ومرحلتَهم العمرية، كثيرٌ منهم يستعمل هذه الأجهزةَ بعمر لا يتجاوز السنتين، ويدمن أغلبُهم عليها بشكلٍ مدهش، رأيتُهم لحظة يستفيقون صباحًا إلى أن ينامون ليلًا لا يغادرونها.

كلّما اتسع مجالُ القراءة اتسعتْ بموازاته الكتابةُ بأنماطها وأوعيتها الجديدة. إذا ازداد علمُ الإنسان أدرك أن مجهولاته لا حصرَ لها، وتوالدت تبعًا لذلك أسئلتُه المتنوعة، وتنوعت وتعمقت إجاباتُه. لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّمِ واكتسابِ المعرفة، وإنتاجِ معنى لحياته، وحاجة إلى التسلية. ما كتبه الإنسانُ منذ اكتشاف الكتابة بكلِّ مراحل تاريخه ليس كثيرًا، ما لم يكتبه الإنسانُ ولم تخطّه حروفُه وتستوعبه كلماتُه لا حدود له. لم يتمكن أبرعُ الكتّاب من التعبير عن حالاتٍ تختنق في معانيها الكلمات. لا أتمكن من التعبير عن كلِّ ما تختزنه ذاكرتي، ولا يطيق وعاءُ اللغة جمرةَ ألمي لحظة يبكي قلبي. لا أستطيع البكاءَ أحيانًا على الرغم مما أصطلي فيه كالنار في داخلي. تخرس الكلماتُ لو أرادت النفسُ التعبيرَ عن كلِّ شيء في أعماقها. مثلما تعجز الكلماتُ عن القبض على معاني آلامنا تعجز عن تصوير حالاتِ ابتهاجنا وفرحِ قلوبنا.

لا يتحقق التفكيرُ والمعرفة بكلِّ قراءة. القراءة الجادّة من بواعث التفكير الخلّاق وإنتاج المعرفة، القراءة المحرِّضة على التساؤل والتفكير العميق تمكّن الذهنَ من التعرّف على حدود الأشياء والمفاهيم، وتوقظ قدراتِه على اكتشاف ما تشترك وما تختلف فيه عن غيرها. هذا النوع من القراءة يثير التساؤلَ، ويزحزح المسلّمات في الذهن، وينقله من الركون إلى بداهاتٍ ليست بديهية، ويقينياتٍ غير مبرَهنة، وقناعاتٍ جزافية، إلى إعادةِ النظر فيها وإخضاعِها للمراجعة ومساءلتها، وتقصي بواعث القول فيها وشيوعِها، وعوامل رسوخِها.

كلماتُ هذا الكتاب تدفقت كسيل، بلا توقفٍ وبلا معاندة. أرسلتُ الكتابَ للنشر بعد الفراغ منه، اكتمل الإخراج، فكتبتُ هذه المقدمة فورًا، بعد كتابتها سرعان ما انهزمت ثقتي بكلماتي، ضجرتُ فتركتُ الكتابَ عدة أيام، تريثتُ اسبوعين كي أعود للتحرير النهائي للمقدمة، لم أعد إلا بعد أن شعرتُ بالحرج من الناشر لتأخر الكتاب.

 

‏                                                                      

تقديم لكتابي: “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب”، صدر الكتاب هذا الأسبوع عن منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت.

https://alsabaah.iq/84281-.html?fbclid=IwAR3y59r593oToAb946vu8kxuiTYogNpdl_WqX-lE1-hKG_aaW873-lA-k9k

كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم

كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

غامرت بالفرار إلى الكويت في متاهات الصحراء ليلًا، رغم وضعي الأمني الطارئ ببلد دخلته بلا جواز سفر، حرصت على اقتناء الكتاب أكثر من حرصي على أي شيء آخر أول وصولي،كثيرٌ من الممنوعات ذلك الوقت في العراق مسموح ببيعها في المكتبات هنا. متعةُ الظفر بكتاب ممنوع بعد سنواتٍ من البحث عنه لا يعرفها إلا هواةُ الكتب. في زمن غياب المنع ووفرة الكتب الورقية والإلكترونية، يخسر القارئ هذا النوع من الشوق الغريب للممنوع، ولا يبتهجُ بمتعة الظفر بكتاب بعد سنواتٍ مديدة من البحث عنه. بعد أيام من وصولي بدأت تتشكل مكتبة في مقر إقامتي الجديد، تضاعفت أعداد الكتب وتنوعت بمدة قليلة، ولأول مرة تتغلب كتب الفلسفة والعلوم الإنسانية على الكتب الدينية في مقتنيات المكتبة. أرتاد مكتبات البيع باستمرار، أحاول التعرّفَ على جغرافيا توزيعها في مدينة الكويت. في مكتبة دار البحوث العلمية تعرّفت على مجلة المسلم المعاصر، ومحيي الدين عطية شقيق رئيس تحرير المجلة مدير الدار، ومؤسّسِها جمال الدين عطية. نشأت صداقة مع الأخوين، الأول عبر اللقاء عند زيارة دار البحوث العلمية، والثاني عبر المراسلة. من العدد الأول كنت أقرأ أعدادَ المسلم المعاصر بتمامها غالبًا، كانت أعدادُ السنوات الأولى تناقش موضوعاتٍ تتّصل بواقع حياةِ المسلم اليوم وشؤونه، يتّسع هامشُ الحرية لنقاش أصواتٍ متعارضة على صفحاتها، قبل أن يضيق أفقُ هذه المجلة بعد سنواتٍ من صدورها، ويحتكرها صوتٌ واحدٌ ينطق بكلماتٍ متشابهة وألفاظٍ مكرَّرة. نشرتُ فيها سلسلةَ موضوعات، لم أظفر بأعدادها الجديدة بعد مغادرة الكويت، بعد سنواتٍ نسيت ما نشرته فيها،كان المحرّرُ نبيلًا، إذ تلقّيت شيكًا بقيمة 800 دولار مكافأة لم أتوقّعها، وأنا في ضائقةٍ مادية حرجة نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

تضاعف عددُ مقتنياتِ مكتبتي في الكويت بمدة محدودة، تجاوز عدد عناوينها 1000 كتاب، لم أبخل بشراء أي َّكتابٍ أحتاجه أو أتوقّع احتياجَه غدًا. ساعات اليوم تمضي في العمل، والمهام المتنوعة والعلاقات، لم أستطع تخصيصَ وقتي بتمامه للقراءة، تراجع نصيب الكتاب من ميزانية الوقت، لم يختص إلا بساعاتٍ قليلة ليلًا. باغتتنا حوادثُ طارئة، لا أعرف من يقف وراءها، اضطررت لمغادرة الكويت فجأة. كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم،كان مصير هذه المكتبة مشؤومًا، لفرط خوفه مما تتضمّنُه محتوياتُها أرسلها صاحبُ البيت الذي استأجرته عاجلًا إلى المحرقة فاستحالت رمادًا. ليس في كتبي كتابٌ واحدٌ ممنوع، تفهّمت ظروفَ الرجل وما تعرّض له من إكراهٍ يفوق طاقتَه فعذرته. كان لا يقرأ ولا يكتب، ظلت تقلقه نشاطاتي ورفاقي ضد نظام صدام، هو إنسان طيب يمقت العملَ السياسي.

أعاد لي حدثُ احراق مكتبتي المرير شريطَ صور مجازر المكتبات وحرائقها الانتقامية في مختلف العصور. أكاد أتحسس ابادةَ مكتبات بغداد المريعة، بعد سقوطها بيد هولاكو وجيشه المتوحش سنة 656 ه/1258م، وحرائقَ مكتبات الأندلس بعد سقوط غرناطة، فمثلًا أصدر الكاردينال سيسنيروس أمرًا سنة 1501 بحرق مكتبة “مدينة الزهراء” التي تضم كثير من الكتب بغرناطة، وسلسلةَ حرائق المكتبات في مدن الأرض المنكوبة على مر التاريخ[1]. عندما أراجع المصنفات القديمة المختصة بالمصنفين وآثارهم،ككتاب الفهرست لابن النديم، أقرأ مئات العناوين البائدة، والمبادة بدوافع سياسية واعتقادية وانتقامية، تارة بالحرق، وأخرى بغسل كتابتها بالماء، وثالثة بالإغراق، وبمختلف أفعال التدمير الأخرى. فقد تعرض تراث أديان وفرق ومذاهب للتدمير المريع،كما حدث مع المعتزلة وتضييع جواهر مؤلفاتهم. أحيانًا يلجأ المدون الرسمي للعقيدة لطمس مؤلفات علماء لديهم آراء تتعارض ورأيه، وإن كانوا من مجتهدي الفرقة ذاتها. الأقسى من ذلك أن يعمد أحدُ العلماء إلى ابادة مؤلفاته، كما فعل أبو حيان التوحيدي وغيره احتجاجًا على نكد الأيام. يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء: “وكان أبو حيّان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلّة جدواها، وضنّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته. وكتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمّد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه. فكتب إليه أبو حيّان يعتذر من ذلك… وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء”. وأضاف أبو حيّان التوحيدي، وهو يسوق أسباب ذلك الفعل الموجع: “وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدًا وفقهًا وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار”[2].

[1] ذكر ناصر الحزيمي في كتابه “حرق الكتب في التراث العربي”، المكتبات التي تم حرقها وتدميرها في مدن الإسلام. صدر الكتاب عن دار الجمل ببيروت.

[2] ياقوت الحموي، كتاب معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، ترجمة أبو حيان التوحيدي، ط1، ١٤١٤ – ١٩٩٣، دار الغرب الإسلامي، بيروت. النص منقول من نسخة المكتبة الشاملة.

https://alsabaah.iq/82454-.html

الكتابة في عصر الإنترنت

الكتابة في عصر الإنترنت

د. عبد الجبار الرفاعي

في الماضي كنت أستهلك بالكتابة كميات ليست قليلة من الأقلام والأحبار والأوراق، غير أني غادرت القلم والورق منذ سنوات. وجدت قبل فترة أن مجموعة الأقلام المهجورة في مكتبتي قد تحجرت أحبارها، فألقيتها في مكب النفايات. ينحاز جيلي للورق والكتاب، ففي كل مرةٍ يجري الحديث عن المعطيات بالغة الأهمية للنشر الالكتروني، وقنواته، وأشكاله، ووفرته حد التخمة، نُصرُّ على أن الكتابَ الورقي لن يزول اليوم أو في الغد، وأن النشر الإلكتروني لا يمكن بأية حال أن يزيح ما كان ورقيًّا. منطق الواقع أشد قسوة من منطقنا الرومانسي، ومن حنيننا ووفائنا لذاكرتنا، وما ترسّب فيها من ألوان الحبر وأضواء الكتابة بالقلم الباركر وأشباهه، ونكهة الورق، وجمال المكتبات، وتناسق رفوف الكتب، والإيقاع الهادئ لحضور الكتب في فضاء المنزل. لا شيءَ يحمينا من زحف الكتابة والكتاب الإلكتروني، وليس باستطاعتنا إيقاف شلال الإنترنيت الكاسح الذي يتسلط على كلِّ شيء في حياتنا. في منازل الكتّاب، غالبًا تتبعثر الكتب بشكل فوضوي في غرف وباحات بيوتهم، المولعون بالورق كأنهم يستمعون إلى سمفونية تفيض على مشاعرهم رقّةً وهدوءًا. للكتاب بوصفه كائنًا نعيش معه ايحاء مهدّئ لا يتحسّسه إلا أولئك المغرمون بالورق، يتعاطون معه كأنه صديق حميم، يبدّد وحشة عزلتهم، ويخفّض شيئًا من اكتئابهم، ورفيق عاطفة يبوح لهم بما لا يبوحه أقرب الخلان، ومصباح يضيء عقولهم بما لا يرونه بأي ضوء غيره، ومحطة استراحة تبدّد شعورَهم بالقرف والملل، وتكسر نمطية حياتهم ورتابة التكرار فيها. لحظة ينخرطون في حوار مع الكتاب: يحدثهم فيحدثونه، يصغون إليه فيُصغي إليهم، يناقشونه فيناقشهم، يشاكسونه فلا يمتعض منهم، يبقى على الدوام يهبهم ما يتوقعونه وما لا يتوقعونه منه، بلا أي ثمن.

أعرف جيداً أننا كائنات مشدودة بحبل وثيق لما ترسب في أعماق الذاكرة، مَن يصاحب الورق والكتاب عدة عقود من حياته، ليس بوسعه الافلات من شراك ذاكرته، غير أن ذلك كله لن يوقف صيرورة التاريخ، ولن يعطّل ما تفرضه أقدار زماننا، ولن يسمح لنا أن نلبث طويلًا مسجونين في نمط ثقافتنا المألوفة، والإصرار على سلّة أحكامنا القيمية ومعاييرنا المحلية. نحن في تحدّ يحكي انتقالًا إلى طور وجودي بديل، نشهد ارهاصاته في سياق التطورات المتسارعة للحياة. بالضرورة، سيفضي ذلك إلى تبدل أنماط حياتنا الثقافية، ووسائل تعاطينا المعارف، وعوامل إنتاج المعرفة، وانتشارها كونيًا، وليس بالضرورة أن يفضي إلى المزيد من الضياع والتيه.

المنطق العصي على التغيير للكتابة، يشدّد على محو كتابات البشر الرديئة كافة بمرور الزمان، إذ سرعان ما تختفي، مهما واكبها من إملاءات السلطة وقهرها، ومهما صاحبها من دعاية، وإنفاق رؤوس أموال لترويجها، ومساعي جماعات لإشهارها، وما تعمله من تهريج وضوضاء. مآلات الكتابة، ومعايير اصطفاء ما هو نوعي ونموذجي من نصوص، في عصر فوضى الكتابة، وممارسة كلٍّ الكتابةِ لكلّ، ربما تبدو للوهلة الأولى مستحيلة، إلا أني أظن أن تميز واصطفاء النصوص الثمينة لا يُعجِز القارئ المحترف. لا يمكن أن يحجب الظلامُ الضوءَ، ضوءُ شمعة بسيطة يفضح الظلامَ مهما كان شديد الحلكة. الشمعةُ في ركام الظلام تسفر بوضوح أشد عن شعاع نورها مما لو كانت وسط كتلة نور متوهجة.

إن كانت الكتابة تتوالد من المطالعة والتفكير، فبماذا نفسّر تدفق كلّ هذا الكم الهائل من النصوص. بعد شيوع قنوات النشر المجاني، وإتاحتها الفرصة لكلِّ مَن تغويه الكتابة والنشر، أضحى عدد الكتّاب بعدد صفحات الفيس بوك وتويتر والإنستغرام والصحف الإلكترونية والمواقع العامة والشخصية على الإنترنت. معظم هؤلاء لا علاقة له بالقراءة والكتابة بالمفهوم الاحترافي. هذه الظاهرة تعبّر عن منعطف بالغ الدلالة، يؤشر إلى انتقال البشرية كلها إلى عصرٍ ثقافيٍّ جديد. منعطف كأنه قدر ثقافي، لا يمتلك المرء حياله خيار الرفض والمقاطعة، لأنه يحيطنا من كل جانب، ويغطي كلَّ فضاءٍ في حياتنا.

حتى أولئك القلائل الذين يتعاطون معه بريبة وخوف، ويرونه ضيفًا غير مرحب به، يعرفون ألا أحد اليوم يستغني عن الإنترنت وما يقدّمه من خدمات، وما يؤمّنه من شتى احتياجات الفرد والمجتمع، وما يموج به من بحار المعارف والعلوم والفنون، مما لم يجتمع في حيز واحد، بهذا الشكل المجاني الميسر للاستخدام، مذ عرفت البشرية تداول المعارف والعلوم. إنها المرة الأولى في تاريخ الحضارة التي يخترع الانسان فيها فضاءً افتراضياً موازياً للواقعي، ويومًا بعد يوم يحتجب وراءه الواقع. فضاء يعمل على تأمين المتطلبات البشرية، بحذف كثير من الكلف والمشقة والمعاناة والجهود المرهقة.

مثلما وفّرَ ظهورُ الكتابة بداية العصور التاريخية أرشيفًا للذاكرة البشرية، ومنعطفًا بالغ الأهمية، وهكذا كان ظهور الورق، ثم الطباعة في القرن الخامس عشر، وأضحى الإنترنت اليوم أرشيفًا هو الأثرى والأوسع للإنسان، إنه فضاء هائل لا يغادر كبيرة أو صغيرة الا أحصاها وأثبتها وحفظها بلا أن يمحوها. الإنترنت ذاكرة بديلة للذاكرة البشرية، وبوسعنا القول إنه ذاكرةٌ تمحو كلَّ ذاكرة لا تنصاع إليها، أو هو ذاكرة لا تشبه ذاكرتنا الفردية والمجتمعية. الذاكرة مقابل النسيان، الإنترنت يمحو النسيان،كلُّ شيء في حياة جيل الإنترنت يُسجَّل في ركام معلومات بلا حدود.كثيرٌ من الأطفال اليوم يبدأون في مرحلة مبكرة بمشاهدة الألعاب والأفلام وغيرها في تطبيقات اليوتيوب وغيره، أغلبهم يتعلّم نشرَ صوره ومعلوماتٍ عن حياته اليومية، وأحيانًا حياة أبويه وعائلته ومدرسته وزملائه. لا يتقيد الطفلُ بنشر أي شيء يريد، لا يفكِّر بمصير هذه الصور والمعلومات، ولا يخطر له أين تذهب بعد أن يكبرَ ويفرض عليه الواقعُ أن يتعاملَ بطريقة تضمن له العيش بلا متاعب. تختزن ذاكرةُ الإنترنت صوره، وما أودعه فيها لحظاتِ اللهو والعبث دون تفكير في العواقب. هذا الأرشيف يمكن أن يوظّف ضده في أية مرحلة عمرية، ويمسي بعض ما أودعه فيه ذلك الزمن مادةً لإدانته في مراحل حياته اللاحقة.

الذكاء الاصطناعي يضع الإنسانَ في مستقبل يحاول أن يتفلت من خرائط مستقبل البشر، إذ يخلق عالمًا بديلًا، يحجب الماضي ويتغلب على الحاضر، وبالتدريج يسعى أن يقودنا معه، ويقحمنا في آفاقه غير الواضحة حدودها ومدياتها، وهو يعمل على محو عالمنا المألوف، واستبداله بعالم لا يشبه عالم الأمس، وأخشى ألا يشبهنا. لا شك أن الماضي عزيز على قلوبنا، وإنه يصر على فرض حضوره، لكن حضوره أمسى هشًّا في وجوده، لا يزاحم الواقع الذي يفرض حضوره المتعجل، ربما لن يلبث الماضي طويلاً. غالباً ما يحضر الماضي في ذاكرتنا جميلاً، حتى لو كان شقيًا لحظة وقوعه. هذا هو عمل الذاكرة، تشطب ما لا نحب بعد غيابه، لتحتفظ بما نحب. الحاضر الموجع ليس موجعًا إلا لحظة حضوره، لكنه طالما بزغ جميلاً لحظة غروبه.

من سمات العصر الثقافي الجديد كسر احتكار الكتابة، وتعميمها لكل أحد، وهو تحوّل بالغ الأثر في الحاضر والمستقبل. لست حانقًا أو متشائمًا أو قلقًا من هذا المنعطف المذهل، من تبدّل أنماط التعبير والإشهار والنشر، ذلك أن هذا الفضاء البديل في التمرين على الكتابة والنشر، قدر ما يتضمن من ثرثرة وهذيان وفوضى وضياع، فهو يضعنا للمرة الأولى في تحدٍّ مختلف، يختبر الكتابة الحقيقية في الرهان على تميّز حضورها، ومقدرتها على ممارسة وظيفتها في الابداع، وإعادة خلق وبناء تفكير وفكر مختلف. بموازاة ذلك ستبتكر هذه القنوات البديلة للانتشار أنماطَها المشابهة لها من النصوص، وهكذا أنماطها الخاصة من القرّاء، مثلما تُرسّخ تقاليدَ أخرى للقراءة، وأساليبَ جديدة لتلقّي المعرفة، بل لعلها تصوغ لنا مفهومها الخاص للثقافة والمثقف.

لعل الغد يفاجئنا بنحو تصبح فيه معايير الجودة والانتشار مغايرة تمامًا لما نعرفه، مَن ينتمي إلى تقاليد الكتابة والنشر الورقي من أمثالي، يصعب عليه استيعاب ما تباغتنا به تحديات الثقافة والتثقيف والمثقف الآتية. أرى ذلك وأنا أعيش تجربة أقحمتني فيها الأجهزة اللوحية الجديدة، وهكذا استحوذت على اهتمامي الهواتف مثل “الآيفون”، وأغوتني بساطتها وفاعليتها الآنية المباشرة، وكأنها استدرجتني بما هو مودع بوجودها من تسيد نزعة رأسمالية لا تفكر إلا بالمزيد من الثراء، تفرض عليّ نفسيًا أن أهرول لألتحق بكل جيل جديد منها، وأجيالها تتوالد باضطراد مدهش. هكذا تبدلت طريقتي مع هذه الأجهزة في تلقي المعلومات وتداولها وترويجها، لأول مرة في حياتي أجد ذاتي منقادة رغمًا عني، الغريب عجزي حتى اليوم عن التحرر من هذا الضرب من الانقياد. منحتني هذه الأجهزة إمكانات مغرية للسياحة والترحال في عوالم لا يوحّدها إلا أنها تتضمن كل ما بحثتُ عنه من كتب نادرة لسنوات طويلة، ولم أعثر عليه، وآفاق فسيحة للمعرفة وبحر بمختلف المعلومات، وكل ما أود معرفته بغرض التعلّم، أو الخروج من الرتابة والملل، بحثاً عن الاستراحة والمتعة، في حالات العزلة والغياب عن المجتمع.

قبل ربع قرن تقريبًا بدأت استعمل الإنترنيت خارج العراق، وفي العراق واصلت استعماله. بالتدريح تحولت كل كتاباتي ومراسلاتي، وأغلب مطالعاتي على الإنترنت.كثير من الزملاء في جيلي لم يسرقهم هذا العالم مثلما سرقني، إذ اضمحلت مطالعاتي للصحافة الورقية، ذلك أن الصحف كافة متاحة لي صباح كل يوم عبر الإنترنت.كذلك تراجعت لدي حالات العودة لمطالعة الكتاب الورقي، بعد توفّر أعداد لا حصر لها من العناوين، وما أبحث عنه في مختلف المعارف والفنون والآداب. ولم أعد أستخدم القواميس والمعاجم والموسوعات، بعد وجود نسخها الالكترونية محمولة معي حيثما أكون، ففي كل مرة أكتب لا أحتاج إلا وقتًا ضئيلاً لمراجعة مصادر المعلومات لحظة الكتابة، للتثبت من معلومات أدرجها في سياق النص، بينما كان التثبت من معلومة فيما مضى يتطلب مني أحيانًا ساعات عديدة، وربما أيامًا من التفتيش في صفحات المراجع. أتذكر قبل سنوات كنت أحياناً أراجع كتبًا بتمامها، مثل: فهرست ابن النديم، وكشف الظنون، ومعجم المؤلفين لكحالة، والأعلام للزركلي، والذريعة للطهراني… وغيرها، بغية معرفة كتاب أو مؤلف أو معلومة معينة. عادة لا تضم مكتبتي كل ما أحتاجه في كتاباتي، فأضطر لمراجعة المكتبات العامة، أو ما تضمه خزانة كتب الأصدقاء. الظفر بكل ذلك اليوم لا يكلفني سوى استعمال مفاتيح الكمبيوتر أثناء الكتابة، ليكشف لي عاجلاً عن منجم معلومات، يقدم خيارات متعددة لكل ما أبحث عنه.

محطات القراءة المبكرة

محطات القراءة المبكرة

  د. عبد الجبار الرفاعي

لم أرَ في المرحلة الابتدائية كتابًا غير الكتب المدرسية، ولا أتذكرُ أني رأيتُ كتابًا في بيتِ أحدٍ في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون. عندما كان أخي الكبير يذهب لزيارة العتبات المقدّسة، يجلب معه كراساتٍ لقصص تُباع في أروقة العتبات، وكراساتِ الدعاء والزيارة. قرأتُ قصصَ: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وغزوة بئر ذات العلم، وعنترة بن شداد… وغيرها. أول قصة قرأتُها أشعرتني بسحرٍ غريب للقراءة يتغلغل في كياني، وأغرقتْ ذهني برحلةٍ خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. منذ ذلك الحين هيمنت القراءةُ على مشاعري، بشكلٍ لا أقوى معه على التخلصِ منه والانصرافِ إلى شؤون حياتي المتنوعة. المطالعة سياحةٌ مؤنِسة،كلّما قرأتُ كراسةً من هذه القصص يتضاعف ولعي بالقراءة، بنحوٍ صار هذا الولعُ يتعاظم إلى درجة عطّل معه ولادةَ الاستعدادات المتنوعة الكامنة بداخلي. بدأ احتياجي للكتابِ يتنامى، وصرتُ أشعر بأنه يحميني من الوحدةِ ووحشةِ الحياة واكتئابِ غياب الأحبة. هذا النوعُ من تغلّب الكتاب على كيانك يجعل امتلاكَه أحدَ الأماني وأمضاها أثرًا في حياتك. نشأت مكتبتي بهذه الكراساتِ وأشباهِها، أصبحتُ أكرّر مطالعتَها، وأضيف لها ببطءٍ وعلى فترات متباعدة ما أظفر به. ما يُضاف لمجموعتي الفقيرة من كراساتٍ أطالعها، استظهر شيئًا من عباراته وفقراته. أكرّر التحدّثَ بهذه القصص لأمي وأهلي وزملائي التلامذة،كأني تلبستُ حرفةً حكواتي القرية. لم تكن توجد في ستينيات القرن الماضي مكتبةٌ لبيع الكتب في مدينتَي: قلعة سكر أو الرفاعي حيث يكون تسوّقنا. فالتسوق متباعد الفترات، لا يحدث إلا بضعةَ مرات في السنة، لا مالَ لدى الفلاحين، لا طريقَ مواصلات يربط القريةَ بالمدينة، لا وسائلَ نقلٍ غير الخيل، ولا يصطحب الآباءُ الأبناءَ للمدينة إلا في حالات الضرورة القصوى.

في الشطرة بدأتُ المطالعةَ الجادة، وفيها ولدتُ ثقافيًا، وتشكلت النواةُ الجنينية للوعي في هذه المدينة المعروفة منذ منتصف القرن الماضي بفاعليتها السياسية والثقافية. اكتسبتُ بفضل العيش فيها شيئًا من تقاليد المدن وتحضرها، وتذوقتُ بهجةَ ألقها تلك الأيام. وفّر لي السكنُ المخصّص للتلامذة، وتأمينُ متطلبات الطعام والاحتياجات الأساسية بشكل مناسب، نمطًا بديلًا لعيش الكفاف الذي لازمني وأنهكني منذ بداية حياتي. وجدتُ نفسي وسط فضاءٍ شبابي حيوي، تثريه مواهبُ متنوعة لتلامذةٍ وفدوا من مختلف أقضية ونواحي وقرى محافظة ذي قار جنوب العراق. ثانوية زراعة أكَد في الشطرة هي الثانوية المهنية الوحيدة في المحافظة ذلك الوقت. تتفاعل الحياةُ الثقافية في سكن طلابها بدينامية خلّاقة، تتنافس فيها اهتماماتٌ أدبية وفنية وثقافية بهامش حرية رحب، فتحفّز من لديه شغفٌ بالمعرفة وحرصٌ على القراءة للاندماج في إطار هذه الدينامية. عفوية هذه الحركة جذابة، لا التزامات غير الدراسة، لا اجتماعات، لا حلقات منظمة تفرض واجباتِها الرتيبة، لا أحزاب معلنة تحتكر المواهبَ وتعطلها، وتسكب التفكيرَ وتجمده في أدبياتها المغلقة وقوالبها الأيديولوجية، قلّما كان أحدٌ من الطلاب بدايةَ المرحلة الثانوية ينتمي لحزبٍ سياسي ذلك الزمان. القراءة حرّة، الصداقات تولد بعفوية، وتترسّخ بمزيدٍ من الشوق والعطاء، تحرسها المودة، ولا يهدّدها فهمٌ عميق لتناقضات الإنسان والواقع. يكرّسها الصدقُ والوفاء، ويرسّخها الفهمُ المبسّط لكلِّ شيء. أظن أن هذا النوعَ من الفهم أحدُ ضمانات الصداقة الصادقة، وأظن أن الفطنةَ والفهم العميق لتناقضات الإنسان والواقع، بقدر ما يجعلا الإنسانَ أكثرَ معرفة بالحياة، يمكن أن يفسدا عليه الصداقةَ أحيانًا. الذكاء الفائق يمحو البراءة، عندما يجعل الإنسانَ يتأمل بدقةٍ أبسطَ المواقف والكلمات العفوية، ويحاول أن يفتش عن بواعثها العميقة، وما يمكن أن تضمره من دوافع خفية ونوايا شريرة. الأخلاق الفطرية من عطايا بيئة طلاب الريف التقليدية، كانت هذه الأخلاقُ تحرس الصداقاتِ من العواصف الطائشة والمواقف النزقة، وضمنت حتى اليوم استمرارَ بعضها، وصمودَها أكثر من نصف قرن في مختلف الأحوال والتقلبات والعواصف. ما يربحه الإنسانُ من صداقات المراحل الدراسية الأولية وأيام الشباب أنها الأطول عمرًا؛ فأكثر الصداقات اللاحقة تمحوها الأيامُ بنرجسياتِ بعض الأشخاص المتضخمة، وانفعالاتِهم الطائشة، والتوقعاتِ المبالغ فيها بقدرة الآخر على العطاء العاطفي والمادي اللامحدود مجانًا.

فوجئتُ بداية المرحلة الثانوية سنة 1971 بوجود مكتبةٍ عامة في مدينة الشطرة جنوب العراق، تقع في أقرب محلة لمدرستنا. فرحتُ بالعثور عليها بدايةَ السنة الأولى من إقامتي في السكن الطلابي. الكتبُ الجديدة الواردة للمكتبة، قبل إيداعها ووضعها على الرفوف، تلبث مدةً معروضة ليتعرّف عليها القراء، تناولتُ كتابًا لمحتُه على رفوف عرض الجديد الوارد للمكتبة. قرأتُ عنوانَه على الغلاف: “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث”، الجزء الأول، تأليف: د. علي الوردي. لم أسمع بهذا المؤلف من قبل، جلستُ أطالع هذا الكتاب، بهرتني لغةُ الكاتب الواضحة المباشرة،كأنه حكواتي، وشجاعةُ عقله، وتحليلُه للظواهر الاجتماعية المختلفة، وتفسيرُها بطريقة علمية أتعرّف عليها أول مرة في حياتي. آفاق هذا التفسير تتوكأ على عقلانيةٍ نقدية، وجرأةِ تسمية الأشياء بأسمائها، تحاول اختراقَ سطح الظاهرة واكتشافَ ما هو خفيّ من عوامل توليدها. لم يكن في المكتبة العامة غيرُ الجزء الأول تلك الأيام، عندما أكملتُه تنقلتُ بين كتب عديدة. ‏أبلغني أحدُ الأصدقاء أن هذه المكتبة تمت تسويتها بالأرض،كي يشاد على أطلالها مستشفى، تألمت كثيرًا لمصيرها. هذه المكتبة أحد مكونات ذاكرة الثقافة والمثقفين، شخصيًا تقترن الصورةُ الآسرة للشطرة في ضميري بهذه المكتبة. الأرضُ واسعةٌ في هذه المدينة،كان ينبغي أن يُشادَ المستشفى في مكان آخر، وتمكث هذه المكتبة بوصفها مرآة الذاكرة المضيئة للشطرة.كنت أتمنى زيارتها لأجدد نكهة أيامي الجميلة في مدينة حيّة يتدفق فيها الإبداعُ والثقافة والسياسة.

لا أتذكر كتابًا فرضَ حضورَه بعد قراءة الجزء الأول، من “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث”، غيرَ كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب، الذي قرأتُه بعد سنةٍ من قراءة كتاب الوردي، كنتُ أقرأ أيَّ كتابٍ أراه أو يدلني شخصٌ عليه، أدركتُ متأخرًا أن “معالم في الطريق” كان نفقًا مظلمًا ومتاهة خطيرة، ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيالٌ في متاهاتٍ مخيفة، لم يستطع بعضُهم الخروجَ منها كلّ حياته. بعضُهم استدرجه الافتتانُ بمقولات هذا الكتاب وشعاراته وأشباهه فانخراط بجماعات قاتلة.

في الشطرة مكتبةٌ صغيرة لبيع الصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية صاحبها حميد ناصر المكنى “حميد أبو الجرايد”، لا تعرض هذه المكتبةُ إلا قليلًا من الكتب للبيع.كثيرٌ من زملائي في الثانوية يهتمون بقراءة المجلات، وقليلٌ منهم يهتمون بالكتب،كأنها موضةُ شباب ذلك الزمن. في هذا الفضاء شاهدتُ مجلاتٍ لم أسمع بها من قبل، لا أزهد بأية ورقة مطبوعة، يدعوني فضولُ المعرفة لقراءة ما يقع بيدي، لا أتريث بإعلان رغبتي لزملائي باستعارة ما لديهم، ولو لبضعة ساعات. اكتشفتُ مجلات فنية كـ “الشبكة” و”الموعد” و”الصياد” وأشباهها، فلم يصطدني شيء منها، فما انجذبتُ يومًا لموضوعاتها أو أغوتني اهتماماتُها بحياة نجوم الفن وتقلبات حياتهم وأحوالهم الخاصة، أدركتُ مبكرًا أن حياةَ الفنان ككلِّ إنسان شأنٌ شخصي. يزعجني التلصّصُ على الحياة الخاصة لأيِّ إنسانٍ واقتحامُ شؤونه الشخصية، مع أن هذا السلوك يتفشى في علاقاتنا الاجتماعية بأساليب مؤذية أحيانًا. وما كان يعنيني الدورُ الفني الذي يقوم فيه اليوم أو غدًا أيُّ فنان أو فنانة، ذلك ما نأى بي بعيدًا عن أن أكون أحدَ مدمني قراءة الأسبوعيات الفنية،كما هي عادةُ أقراني ممن غرقوا فيها، وعجز أغلبُهم عن الخروج منها لاحقًا إلى عالم الكتاب المتنوع الجميل.

أفتّش عن الكتب لكن لا كلّ كتاب، أقع في فتنة بعضها، ولا أنجذب لبعضها الآخر، لا أعرف البواعثَ الخفية لقبول هذا الكتاب والإعراض عن كتابٍ غيره. لا أعرف من أين يأتي الصبر على قراءة كتبٍ لا أتفاعل معها. كنتُ أحيانا أقرأ كتابًا من أوله لآخره ولا أفهم أكثرَ مضمونه، والأغرب من ذلك أن بعضَ هذه الكتب، وهي قليلة جدًا، جربتُ العودةَ إلى مطالعته في مراحل لاحقة من حياتي، فلم أتفاعل معها، فتنبهتُ إلى أن عدمَ التفاعل ينشأ من لغتِها الملتبسة، ومضامينِها المضطربة، وتشوشِ رؤية ومرامي كتابها.

بالتدريج أضحتْ تتراكم لدي مبالغُ بسيطة تمكنني من شراء بعض المطبوعات. العدد الأول الذي اشتريتُه من مجلة “العربي” كتب افتتاحيتَه د. أحمد زكي في رثاء الزعيم جمال عبد الناصر، مازلتُ أحفظ بعضَ عباراته، والفقرات المرسومة بخط مميز، أتذكر منها مثلًا: “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”. أصبحتُ أحدَ المثابرين على متابعة العربي، أقرأ كلمةَ التحرير، والاستطلاعات، ومقالات كتّاب أترقب نصوصَهم، وأشهد بالفضل لهؤلاء الكتّاب عليّ وعلى جيلي من الشباب. مؤسِّس مجلة العربي يستحقّ التبجيل، وهكذا رؤساء التحرير الذين خلفوه، لحماية هذه المطبوعة من السقوط بفخّ التشدّد والانغلاق، في زمن تضامن أيديولوجيا الإخوان المصريين والسلفيين في الخليج والسعودية. ذلك الزمن الذي تسلطوا فيه على وزارات التربية والتعليم، وأسّسوا البنيةَ التربوية التحتية العميقة لها، عبر توجيه المقررات والمناهج في مدارس وجامعات معظم هذه الدول في سياق رؤيتهم المغلقة ومقولاتهم المتشدّدة، فسقطت المدارسُ بعد منتصف القرن الماضي في قبضتهم، وكان أغلبُ المعلمين والمدرسين دعاةً لمقولاتهم.

في الوقت الذي يدين قراءُ مجلة العربي بالفضل لمؤسّسها، إلا أنه أغلقها لحظةَ انطلاقها واحتكرها لأقلامٍ اختارها بشروطه. لا أشكّك بمواهب وبراعة تلك الأقلام، إلا أن المحرّرَ أرسى تقليدًا في النشر مازالت هذه المطبوعةُ مكبلةً به منذ تأسيسها قبل 65 سنة. مللتُ من الأبواب الثابتة المحتكرة لأقلام تتناوب على الكتابة بإيقاعٍ منتظم في أعداد العربي الشهرية المتوالية لعشرات السنين، قلّما يحضر كاتبٌ غيرهم، مهما كانت موهبتُه وإبداعُه الأدبي ومقامُه الفكري،كأن لا كاتب ولا أديب ولا مفكراً عربياً سواهم. وهذا تقليدٌ استبدَّ بصحف ومجلات بلدان أخرى في الخليج خاصة ذلك الزمان. مجلة العربي مازالت حتى اليوم أسيرةَ هذا التقليد الرتيب الذي بدأ بولادتها، فمازالت مغلقةً بنحوٍ يضجر القارئَ من الحضور المزمِن لكتابٍ لا تجذبه نغمةُ أصواتهم الأبدية المتشابهة.

 

رابط النشر:

تفسيرُ كلِّ شيء بشيءٍ واحد

تفسيرُ كلِّ شيء بشيءٍ واحد

د. عبد الجبار الرفاعي

ذهبتُ إلى مكتبة في الكويت بمعية الصديق العزيز د. حسين الفضلي سنة 1980، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت سابقًا، فنبهنا صاحبُ المكتبة، وهو رجلٌ كهلٌ يعتنق عقيدةَ جماعة دينية مغالية، إلى كراس بعنوان: “مذكرات مستر همفر”، مدحه كثيرًا، وقال إنه مترجم عن الإنجليزية. اشترينا نسختين، أول ما لفت نظرَنا عدمُ ذكر اسم المترجِم، ولا الأصل الإنجليزي المترجَم عنه النصُّ العربي، ولم نعرف من قبل رحالةً ومستشرقًا انجليزيًا باسم “مستر همفر”. فور العودة لمقرّ إقامتي قرأتُه في ساعةٍ واحدة، وجدتُ هذا الكراس كلَّه أكاذيب، سطرها شخصٌ مسكون بالتآمر إطارًا للتفسير، بلغةٍ بليدة مبتذلة. تذكرتُ عدةَ كتب كنا نتداولها في مراهقتنا السياسية في المضمون ذاته، تتفاوت في الدرجة، وتتطابق في الكيفية والغرض الذي تنشده، مثل كتابات أنور الجندي وأمثاله. ضاعت أيامٌ ثمينة من عمري بقراءة كتبٍ تعتمد التآمر إطارًا لتفسير كل واقعة.كلُّ شيءٍ في السياسة وغيرها يحدث في بلادنا تخضعه تلك الكتبُ لهذا النوع من التفسير الأُحادي.كان لتفشي هذه الكتابات أثرٌ فتاك في تزييفِ وعي الشباب، وتخريبِ التفكير السليم.

الإنسان الذي لا يفكر بهدوء وتأمل يلجأ دائمًا للإجابات والتفسيرات الجاهزة المبسطة لأعقد المشكلات. التفسيرُ الأُحادي الذي يفسّر كلَّ شيء بشيءٍ واحد، ويختزل كلَّ الأسباب بسببٍ واحد، جاهزٌ ومُشاعٌ لمن لا يطيق التفكير. إنه تفسيرٌ عاجل لا يتطلب أيَّ تأمل، يشجع كلَّ إنسان، مهما كان مستوى وعيه، للتشبث فيه واعتماده في الجواب لما يسمع ويرى من وقائع. ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله وتوظيفه في الفهم، العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، يلجأ بسهولة لاستعارة التفسير الأُحادي المتداول بشكل واسع. التفسير الأُحادي لا يتطلب يقظةً للعقل وتأملًا صبورًا، ولا يدعوه للتقصي عن نسيج العوامل المتشعبة المتنوعة لإنتاج الواقعة. تداولُ أيّ تفسير بشكل واسع يرسخه، ويرتقي به إلى بداهات العقل الجمعي، ويصيّره حقيقةً نهائية لا تقبل النقاشَ لدى أكثر الناس. التفكيرُ الهادئ لا تطيقه إلا العقولُ الحاذقة، ولا يلجأ إليه إلا إنسانٌ ذكي قادرٌ على إيقاظ عقله وتوظيفه في فهم الأشياء والظواهر والأحداث. التفكيرُ الهادئ الصبور يتوغل في البنية العميقة للأشياء، ويكتشفُ العواملَ المستترة للواقعة، ويقدّم تفسيرًا لمختلف الأشياء والظواهر والوقائع في ضوء حفر وتنقيب يسعى لبلوغ المديات القصوى، وهو يحاول التعرفَ على العوامل الظاهرة والخفية لها. هذا التفكيرُ لا يطيقه كثيرٌ من الناس لأنه مرهِقٌ للذهن، وطالما شغل الإنسانَ عن متع الحياة الحسية، وعكّر مزاجَه الشخصي.

التآمرُ بوصفة إطارًا لتفسير الأحداث والمواقف الفردية والمجتمعية قديمٌ في التاريخ قدم الإنسان، وخبرته بحماية ذاته والإعلاء منها، وتبريره المتواصل لأخطائه، وعجزه عن الاعتراف بضعفه وهشاشته، والتنكر لكونه كائنًا مطبوعًا على النقص والخطأ. الإنسان بارع في حماية نفسه وتنزيهها والإعلاء منها، دائمًا يبحث عن مشجب يعلّق عليه عجزَه وفشلَه. لا يختصّ هذا التفسيرُ بفرد أو مجتمع أو ثقافة أو ديانة أو معتقد أو حقل معرفي، يوجد حيثما وجدت أحداثٌ مثيرة ومواقفُ غريبة، ويتغول باستمرار في السياسة. ازدادت فاعليتُه هذا التفسير بشكلٍ لافت، وصار أحدَ الظواهر المتفشية في المعرفة العاميّة غير العلمية، والأدبيات الشعبوية للجماعات الراديكالية اليسارية أممية وقومية، وانتقلت عدوى هذا التفسير للجماعات الأصولية، وهي الأكثر دراية بمخزونٍ لا ينضب في اللاوعي الجمعي يمدّ التآمرَ بوصفة إطارًا للتفسير ويجذّره. تمرست هذه الجماعاتُ بابتكارِ صيغٍ جديدة للتفسير التآمري لأكثر ما يجري من تحولات وأحداث ومواقف، وغرسِها واستنباتها وتعميمها بسهولة. أمسى إنتاجُ كتابات تعتمد هذا التفسير حرفةً تتخصص بها دوائرُ تمتلك خبرةً مهنية في الحرب النفسية، وبثِّ الشائعات، وصناعةِ الرأي العام، تحترفها أجهزةُ مخابرات الأنظمة الشمولية، ومختلف الحركات اليسارية والقومية والأصولية في بلادنا.

لا أنكر وجودَ مؤامرات، بمعنى أنه كلّما كان الإنسانُ أذكى كان أكثرَ دهاء، وأكثرَ قدرةً على ابتكار مختلف الخطط والأساليب والوسائل للتمويه والخداع لبلوغ أهدافه، ما يخفيه مثلُ هذا الإنسان أكثر مما يظهره، يسعى لتحقيق غاياته عبر مختلف الوسائل.كلّما كانت غاياتُه أعظمَ وأكثرَ عرضةً للرفض والإجهاض كان تخطيطُه لها أدقَّ وأخفى. يحاول دائمًا أن يسلك سبلًا مراوِغة، أكثر من المباشرة، ومكتومةً أكثر من المعلنة من أجل بلوغ غاياته، وأحيانا يلجأ لاستخدام وسائل غير مشروعة أخلاقيًا.

لا أريد التنكرَ للأشكالِ القديمة والحديثة للغزو، وكيفيةِ اجتياح الإسكندر المقدوني العدواني للعالم القديم، وكيف اجتاحت الحروبُ والفتوحات العالمَ القديم، وما راكمته من أموال وممتلكات وأراضي ورقيق. التقدمُ الذي وصلته العلومُ والمعارف والفنون والآداب والتطور في الغرب لم تصله البشريةُ من قبل في كلِّ تاريخها، غير أن هذا الغربَ الحديث صنع الاستعمارَ، وهو ظاهرةٌ مقيتة لم تتردّد في استعبادِ مجتمعات بأسرها، والسطوِ على ثرواتها، واستنزافِ مواردها وكلِّ ما تمتلكه. الغزاة يقتلون ويسترقون الإنسانَ وينهبون كنوزَ البلاد المنكوبة وثرواتها ومواطنها، غير أن الغزو الإسباني سنة 1492 ثم الأوروبي للأمريكتين تمادى في التوحش فأباد الحضاراتِ وسكانَها واستولى على ديارها. هذه الحضاراتُ مازالت شواهدُها وأطلالها ترثي أهلَها، مثل: حضارة نورتي شيكو، حضارة أولمك، حضارة المايا، حضارة الإنكا، حضارة الزابوتيك، حضارة نازكا، حضارة إمبراطورية تيواناكو، حضارة واري، حضارة المسيسيبي، حضارة الأزتك. الاحتلال والاستعمار ضربٌ من التواطؤ الفردي والمجتمعي اللاأخلاقي لاستعبادِ الغير وتسخيرِهم لخدمة المُستعمِر والمحتل. المفارقة أن الغربَ الحديث ذاته ابتكر أحدثَ صيغةٍ للتداولِ السلمي للسلطة، وفصلِ السلطات، وبناءِ الحكم والإدارة ونظم الدولة المتنوعة الحديثة، وتأسيسِ الدولة الديمقراطية، وضمانِ حقوق مواطنيه وحرياتهم، داخل حدود دولته خاصة.

الكلام عن التآمر بوصفه إطارًا للتفسير ليس دفاعًا أو تبريرًا للاستعمار، لا أثق بالاحتلال مهما كانت الأسماءُ التي يتخفى خلفها، أنا ضدّ كلّ شكل من أشكال انتهاك الإنسان واستعباده واستلاب حرياته وحقوقه تحت أيّ شعار وتسمية، سواء كانت تلك الانتهاكاتُ تحت راية الرأسمالية أو الليبرالية أو القومية أو الاشتراكية أو الأصولية. الكفاحُ الذي خاضته البشرية منذ فجر التاريخ حتى هذه اللحظة ‏كان وما زال من أجل استرداد الكرامة والحريات والحقوق الإنسانية، الغزو والاستعمار والاحتلال وكلّ أشكال الاستغلال والعنصرية لا يمكن الشفاءُ منها بشكلٍ تام في كلّ المجتمعات والدول والحضارات أمس واليوم.

التنكرُ للأخطاء أحدُ أهم عوامل العجز العربي والإسلامي المزمن، وهو أحدُ بواعث تسيّد التآمرُ بوصفة إطارًا لتفسير الأحداث. الإنسانُ كائن مسكون بإعلاء ذاته، وحماية صورته أمام نفسه وغيره بمختلف الوسائل، هذا الضرب من التفسير يمثل حيلةً لحماية الهوية المغلقة للجماعات من أن تتصدع أو تنثلم أو تتهشم. نرى هذا التفسيرَ ماثلًا في تفسير الصراعات والمعارك المريرة بين الفرق والمذاهب في الماضي، بعض الكتّاب يحيل نشوءَ أكثر الفرق والمذاهب والفلسفة والتصوف في تاريخنا إلى مؤامرات أعداء الإسلام، ويفسِّر كلَّ ما حدث في تاريخنا البعيد والقريب إلى عدو خارجي يخطّط وينفذ بخفاء ويزجّنا في معارك مفتوحة،كما نرى هذا التفسيرَ ماثلًا اليوم في تبرير ما نعيشه من انقساماتٍ تتوالد منها نزاعاتٌ وصداماتٌ متواصلة، تستقي من إكراهات التاريخ وتراث تكفير المختلِف في المعتقَد. يتسيّد يقينٌ راسخ في أذهان بعض الكتّاب بأن كلَّ شيء في الماضي مؤامرة،كلّ شيء في الحاضر مؤامرة، كلّ شيء في المستقبل محكومٌ مسبقًا بأنه مؤامرة. يصعب جدًا على الأفراد والمجتمعات قبولُ إخفاقاتها وأخطائها وفشلها، تخاف دائمًا من فضح عوامل عجزها الداخلية، ودراسة الأسباب الماضية والحاضرة الكامنة لفشلها. يلجأ الإنسانُ لصناعة العدو والتفنن في تصويره ورسم مهاراته وقدراته الاستثنائية على اختراق وإفساد كلِّ شيء مهما اتخذنا حياله من حصون.

“ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة”[1]، هذا شعار ضجّت به شوارعُ العراق سنة 1959، بعد الإعلان عن انقلاب في الموصل بسبب الصراع على السلطة والثروة داخل جماعة الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة. العراق من أكثر البلدان حديثًا عن المؤامرة، منذ ثورة 14 تموز 1958 وتسلم الجنرالات للسلطة إلى 9 نيسان 2003 يوم احتلال بغداد وسقوط صدام حسين ونظامه. تورطت الأنظمةُ المتعاقبة والأحزاب السياسية والإعلام والثقافة والتربية والتعليم في هذا البلد بتبني التآمر بوصفه إطارًا للتفسير. ذبح صدام رفاقَه في مجزرة قاعة الخلد، بذريعة التآمر عليه، في 22 تموز 1979 بعد 6 أيام من وصوله الى الرئاسة، وبدأ بتصفية رفاقه بالتدريج منذ انقلاب 17 تموز 1968، واعدام الأحرار في العراق بوحشية بتهمة التآمر على الحزب والثورة، ولم تنشر أجهزتُه الأمنية والمخابراتية أيةَ وثيقة يُطمئَن إليها تفضح ذلك التآمرَ المزعوم.

عملت التعبئةُ الأيديولوجية وخطاباتُ صدام حسين وأمثاله على ترسيخ التفسير التآمري، بنحوٍ صار مكونًا غاطسًا في اللاوعي الفردي والجمعي، يتحدث فيه الناسُ بحماس بلا تدبر، ويصعب جدًا وربما يتعذر معه حضورُ التفسير الواقعي.كتّابٌ شعبويون كانوا ومازالوا مسكونين باتخاذ التآمر إطارًا للتفسير، سيئو الظن بالمواطن الذي ينتمي لحزبٍ غير أحزابهم، وأيديولوجيا غير الأيديولوجيا التي يعتنقونها، ومعتقَدٍ غير معتقَدهم، وهويةٍ غير هويتهم. هؤلاء المولعون بهذا التفسير يعجزون عن رؤية أيّ عامل يساهم في إنتاج الواقع، ما هو مكشوفٌ أمامهم يغمضون عيونهم ويصمون آذانهم عنه، يتجاهلون العواملَ الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية الداخلية المنتِجة للواقع الذي يعيشه المواطن. التفسيرُ السياسي متهمٌ في بلادنا، إن لم يعتمد التآمر إطارًا للتفسير، ولو حاول اكتشاف العوامل المحلية للفشل والإخفاق والتخلف، مهما كانت تلك العواملُ مكشوفةً وتعلن عن حضورها بكثافة وقوة. أظن هذه المقالة يضعها بعضُ هؤلاء في خانة التآمر.

 

[1] “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة” باللهجة العراقية، تعني: ليس من مؤامرة إلا وحبال المشنقة معدة لها.

 

https://alsabaah.iq/77495-.html?fbclid=IwAR3oboYb1QxhHXZyep0A3FNUMZw73WNVu_l-SMJOz20BLfr_H1wd_Ir3DJE

القراءة العشوائية

القراءة العشوائية

د. عبد الجبار الرفاعي

أعرف أشخاصاً يقرؤون كلَّ شيء يقع بأيديهم منذ عشرات السنين، لكنهم مصابون بسوء هضم. مطالعاتهم لا تعمل إلا على تكديس المزيد من المعلومات العشوائية، بلا أن تلهمهم أسئلةً جديدة، أو تضيء عقولَهم رؤيةٌ أعمق وأدق للعالم، أو تضعهم تلك المطالعاتُ في الأفق الراهن لزمانهم. ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان، المهم نوعية ما يقرأ، وكيفية تلقيه لما يقرأه، وقدرة عقله على تمثله وتوظيفه، وتجلي أثرِه في نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه. بعضُ القراء ليس له من قراءته إلا المزيد من التيه والتخبط وتشوه الوعي. إنه كمن يأكل الكثيرَ من الطعام بشراهة، إلا أنه مصابٌ بسوء هضم، فمعدته تعجز عن هضم معظم ما يأكله، ما تهضمه من الطعام يعجز جسدُه عن استثماره في عملية التمثيل الغذائي وبناء الجسد. أعرف رجلًا في العقد التاسع من عمره، بدأ يقرأ منذ بداية حياته، يقرأ حيثما يكون، يقرأ كلَّ كتاب يقع بيده مهما كان، ‏إلا أن وعيَه لم يتطور أبدًا، لبث قابعًا في بيئته الأولى، لم تمنحه القراءةُ القدرةَ على اكتشاف آفاق رحبة في الحياة، ولم تلهمه أيةَ أسئلة. لا يمكن أن يصدق على أمثال هذا الإنسان عنوانُ قارئ، على الرغم من غزارة قراءاته وتنوعها. قراءاته كانت ومازالت حتى اليوم تتخبط بشكلٍ عشوائي بين عشرات الكتب الرثة، وهذا الصنف من الكتب رائج في أسواق الكتاب. القراءةُ العشوائية عاجزةٌ عن التمييز والفرز والتمحيص، تفتقر للقدرة على الإنصات لأيّ صوتٍ ينبعث من الكتب،كأن كلَّ الكتب في هذه القراءة لغتُها ومضمونُها وأفكارُها متشابهة. الكتبُ الجيدة يتطلب اكتشافُها خبرةَ قارئٍ ذكي، ويتطلب التعلّمُ منها عقلًا شجاعًا، والتفاعلُ معها استعدادًا نفسيًا. أعرف مدرسًا للتراث، يقرأ الفلسفةَ والأدب والفن والسينما والمسرح والرياضة والعلوم، يشتري الكتبَ مهما كان ثمنُها، يمتلك مكتبةً تزدحم فيها أصنافٌ لا تأتلف من الكتب والدوريات، يمضي كلَّ أوقات فراغه في المطالعة، يسهر الليلَ غالبًا أيام العطل إلى الفجر، يلتهم بشغفٍ كلَّ شيء تحت يده من رواياتٍ عالمية، وأعمال فلاسفة ومفكرين كبار، ذهنُه مخزنٌ واسع مكتظّ بمعلومات مكدّسة،كأنها مطموراتٌ تحت ركامٍ معتم، لا تنتظم بسياقٍ منطقي، ولا ينبثق منها ضوءٌ يبدّد عتمتَها. رأيتُه كلّما قرأ أكثر ازداد انغلاقًا وتشدّدًا ومعاندة لأية رؤيةٍ مضادة لما يتبناه. يمتلك قدرةً على إماتةِ بذرة أيِّ سؤال، وإسكاتِ أيّ صوتٍ غير مألوف في قراءاته، وإغلاقِ النوافذ أمام كلِّ ما يمكن أن يزلزل شيئًا من أحكامة النهائية وقناعاته الصارمة.كأن ذهنَه تشكله قوالبُ خرسانية غير قابلة للاختراق أبدًا، مهما كان إبداعُ ما يقرأه من روايات مشاهير، وعقلانية وعمق نصوص فلاسفة أمثال كانط، وحفريات أعمال مفكرين في الشرق والغرب. أظنّ البنيةَ اللاوعية لتفكيره، وأفقَ انتظاره وتمنياته وأحلامه ورغباته، تجعل ذهنَه يتحصن بأسوار منيعة، ذهنُه قادر على إجهاض أية محاولة لإيقاظه، وإطفاء شعلة أي تساؤل غريب يمكن أن يخترقه. أراه يشعر بأمان وهو يتشبث بهذه اليقينيات، يظل يحرسها بطريقة لا تسمح لأية فكرةٍ مهما كانت عقلانيةً أن تتسلل إلى حصونها.

بعد مدة من السياحة في عالم الكتب ينبغي على القارئ أن ينتقي ما يقرأه بنباهة ويقظة. العناوين الجذابة كثيرة، غير أن مضمونَ معظمها رديء.كلُّ يوم تضيف دورُ النشر أكداسًا من الكتب في مختلف الآداب والفنون وحقول المعرفة، لا يكفي العمر مهما امتدّ حتى لمطالعة ما هو جيد منها، فكيف يضيّع الإنسانُ العمرَ بكتب بائسة.كما يعمل الإنسانُ على انتقاء أحسن الأشياء من كلِّ شيء، عليه أن ينتقي الكتابَ الذي هو منبعٌ أساسي في بناء وعيه بمهارة. القراءةُ العشوائية إن كانت بدايةً لقراءة تنشد الاكتشافَ واتساعَ آفاق ثقافة الإنسان فهي ضرورية، غير أن من الضروري عبورَها عاجلًا، قبل ضياع سنوات بتخبط فيها الإنسانُ بين الكتب، ربما تقوده إلى متاهات مظلمة يغرق فيها ويعجز عن انقاذ نفسه منها إلى اليوم الأخير من حياته. أتحدثُ عن العشوائية بوصفها حالةً ملازمة للقراءة، تأكل عمرَ القارئ، وتستنزف وقتَه، ولا يجني منها ثمارًا تنعكس على وعيه وثقافته، ولا تترك أثرًا ملموسًا في حياته. إن كانت القراءةُ لغرض التسلية فهي ضروريةٌ أحيانًا مهما كان نوعُ الكتب المقروءة، ضروريةٌ للترويحِ عن النفس، وكسرِ الرتابة الصارمة، وربما للخلاصِ من الملل والسأم والضجر.

ما يخدع القراء من الكتب ويزيّف وعيَهم ليس قليلًا، مثل هذه الكتب ينبغي الفرار من شراكها. لا يعكس تعدّدُ عناوين الكتب ‏واختلافُها تنوع مضمونها، أحيانًا التعدّد تكرارٌ مملّ لكلمات خاوية، لا تجيد رسمَ صورة ما تنشده بلغةٍ صافية، قلّما نقرأ مَن يمتلك موهبةَ إعادة بناء الكلمات ورصفها بتشكيلةٍ معمارية فاتنة. تسود مجتمعنَا حالةُ شغفٍ بالكلام، وطالما تحول الكلامُ إلى ركام كتبٍ مبتذلة لا تقول شيئًا مفيدًا، يضيع فيها عمرُ القراء ويزيف وعيُهم. أعرف رجالَ دين لا يعرفون الكتابة، يتحدثون كثيرًا بثقة عن كلِّ شيء يعرفونه ولا يعرفونه، تتراكم تحتَ أيديهم أموالًا لم يبذلوا جهدًا في اكتسابها، يجندون طلابَ العلم المحتاجين إلى قوتِ يومهم، لينتجوا لهم كتبًا من ركام كلماتهم، بعد سنوات قليلة يباغتون القراء بنشر عشرات المجلدات بأسمائهم.

‏  ‏القارئ المتمرّس مولعٌ بالاكتشاف، يحاول عبر مطالعة ‏الكتب ممارسةَ هواية ممتعة، يسعى أن يعثر على الكتاب بنفسه، دون أن يدلّه عليه أحد. لا أبحث كثيرًا عن أفكار جديدة في مطالعاتي، أهتمّ بلغة الكتابة غالبًا، لا أواصل قراءةَ الكتاب لو لم أتذوق كلماته. أحاول رصدَ أسئلةٍ جديدة لم تولد بذهني، شغفي الكتاب الذي يحرّض أسئلتي على توليد أسئلة أكبر منها. لا تثير مخاوفي الأسئلةُ الحائرة، مثل هذه الأسئلة تضع الذهنَ في مواجهة مباشرة مع قناعاته، وتقوده لإعادة النظر في وثوقياته وتمحيصها كلّ مرة. ‏أكثر من مرة طالعتُ كتبًا يمتدحها قراء غير أني عجزتُ عن إكمال مطالعتها، ‏بعضُها أتركها بعد مطالعة المقدّمة، وبعضُها أقرأ بضعَ صفحات منها، فأتركها الى الأبد، ‏ذلك ما دعاني لأن أمارس طريقتي الممتعة في اكتشاف الكتب التافهة والثرية بنفسي. القراءةُ ضربٌ من الدهشة، القارئ الحاذق مكتشِف، القراءةُ متعةُ الاكتشاف. عندما يقاد القارئ كأعمى يخسر بهجةَ الدهشة، ويخسر متعةَ الاكتشاف.كلٌّ منا يقرأ على شاكلته، إن قرأ الكتبَ الجادة. ليس بالضرورة أن تكون كلُّ الكتب مناسبةً للكل، لأن مسارَ حياتي يختلف عن مسار حياة غيري، وجيلي يختلف عن الأجيال الأخرى، ‏احتياجاتهم العقلية والعاطفية ليست بالضرورة تتطابق مع احتياجاتي كلها في محطات زمنية متوالية من صيرورة حياتي.

لكلّ مرحلة من مراحل العمر عند أكثر القراء المتمرسين كتبُها وكتّابُها. بعضُ الكتب تدهش القارئَ لأول مرة، وحين يكرّر مطالعتَها في مراحل لاحقة بعد سنوات يفتقد دهشتَه. الوعي يتطور، التجارب تعلّم الإنسان، الجروح توقظ الإنسان، العالم يتغيّر، والإنسان يتغيّر. ربما يصبح القارئ المتمرس مصابًا بالملل وسريعَ الضجر من تشابه الكتب الجديدة الرتيب في اللغة والمضمون مع ما قرأه من قبل، وربما يكتشفُ في رحلة القراءة فجأة كتبًا ثمينة كان غافلًا عنها تفضح انتحالَ كتب كان يعتز بها مما قرأ، فلا تعود الكتبُ الصديقة أمس صديقتَه اليوم. بعضُ الكتب يظلّ يحتاجها الإنسان ولا يستغني عنها في مختلف محطات حياته، مثل الكتب المقدسة، وأعمال الفلاسفة الكبار، والمؤلفات الخالدة في الأدب، يقال إن كارل ماركس كان يعيد قراءةَ شكسبير كلَّ سنة في حياته. ليس هناك وصفةٌ جاهزة كالوصفات الطبية تنطبق على كلِّ إنسان في القراءة أو الكتابة أو غيرها. القراءة تختلف باختلافِ الناس وشخصياتهم ونوع احتياجاتهم المتنوعة، وطبيعةِ الظروف التي يعيشونها.

أفرح بهدية الكتب الثمينة مثلما يفرح الأطفالُ الفقراء بالهدايا النادرة. ‏قليلٌ من الكتب لا تحذفها ذاكرةُ المكتبة، ولا يمحو بصمتَها النسيان. عندما أقرأ مثلَ هذه الكتب أحيانًا أحزن في فقرة، وأفرح في فقرة أخرى، أبتهج في فقرة، وأكتئب في فقرة أخرى. المبدع يبتكر موضوعاتِه الفريدة، وطريقتَه الخاصة في التأليف، ولغتَه الصافية بالكتابة. نادرًا ما أعثرُ على كتابٍ يعلِّمني صنعةَ الكتابة، كتابٌ يختصر مكتبة،كلّما كرّرتُ مطالعتَه أكثر تعلّمتُ أكثر. وأندرُ منه أن أكتشفَ كتابًا بقدر ما يدهشني يبهجني، لا ‏أكتفي بقرائته مرةً واحدة، لا أعرف، ربما لفرط دهشتي لا أستطيع تصنيفَه أو توصيفَه،كلّما أردتُ أن أعرّفه يعاند تعريفي، أستمع فيه إلى: ألحان عازف، أغاني شاعر، مكاشفات عارف، وتأملات ‏فيلسوف، أراه كلوحةٍ فنية تتناغم ألوانُها، وتتحدّث رموزُها لغةً لا يفكّ أسرارَها إلا مَنْ يتذوقها.

 

رابط النشر:

 

مواجع الكتابة

مواجع الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

يقول الجاحظ: “وينبغي لمن كتب كتابًا ألا يكتبه إلا على أنّ الناسَ كلهم له أعداء وكلهم عالم بالأمور وكلهم متفرغ له، ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غُفلاً ولا يرضى بالرأي الفطير فإن لابتداء الكتاب فتنة وعُجبًا فإذا سكنت الطبيعة وهدأت الحركة وتراجعت الأخلاط وعادت النفس وافرة أعاد النظر فيه، فيتوقف عند فصوله توقّفَ من يكون وزن طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب”[1]. تردني بين حينٍ وآخر تعليقاتٌ لاذعة، لا تخلو من سخرية، يكتبها قراءٌ على هامش نصوصي. اتألم وأغضب مما يُقال أو يُكتب إن كان افتراء، لا أردّ على ما يكتب. هاتفني قبل سنوات صديقٌ فقال لي: عثرتُ على عددٍ من المجلة الفلانية صادر قبل ثلاثة أعوام، خصّص كلمةَ التحرير ضد افتتاحيتك في مجلة قضايا إسلامية معاصرة. قلتُ له: نعم أعلم، قرأتُه لحظةَ صدور المجلة، وقرأتُ افتتاحيةً بمجلة أخرى خصّصها كاتبُها للتحريض ضد قضايا إسلامية معاصرة، وتصلني على الدوام رسائل على الخاص تتضمن كلامًا جارحًا، من أشخاص يختفون خلف أسماء شبحية. اندهش، وهو الشجاع الذي خاض بكتاباته معارك مفتوحة، فتسائل مستنكرًا: ماذا فعلت؟ أجبتُه: لن أكتب حرفًا واحدًا، على أي اتهام وتحريض مغرِض. ازدادت دهشته وتسائل: لماذا؟ أجبتُه: لا أجد عقابًا أقسى من الإهمال لمن يخرج على أدب النقد العلمي ويسرف بالهجاء، وأقسى من الإهمال ألا تكترث بالاتهام والتحريض، وتواصل عملَك وتثابر عليه، ويتحدث المزيدُ من إنتاجك نيابة عنك للقراء. واصلتُ عملي وأخلصتُ له وثابرتُ عليه أشدّ من السابق، أعمالنا إن كانت ذاتَ قيمة تفرض حضورَها، ولم تحتج لمن يتحدث ويدافع عنها. تعلمتُ من تجارب غيري أن الزمانَ يتكفل بمحو كلِّ الاتهامات والافتراءات والازدراء، لن يبقى إلا المنجزُ إن كان قادرًا على البقاء.‏ لستُ أولَ أو آخر كاتب يتعرض للهجاء، كلُّ كتابةٍ مشغولة ببناء معرفة علمية تخرج على المعرفة العامية لن يهادنها مَن يدركون تأثيرها، ويهرول إليهم أبواقٌ ممَن لا يقرأون ولا يكتبون، يُستدرجون في معارك ليست معاركهم. المنجز النوعي مزودٌ بإمكانات ذاتية للدفاع ومقاومة أية ضربات موجِعة، وامتصاص آثارها ولو كانت جارحة. الكاتب الذي يترقب أن تمكثَ أعمالُه في الذاكرة عليه أن يستعدّ للاتهامات في زمانه من كتّاب حانقين يستفزهم إنتاجُه. الافتراءاتُ ضريبةٌ باهضةٌ يدفعها مَن يثابر على الكتابة المغايرة للمألوف شاء أم أبى. تصدر على الكتابة المغايرة للمألوف أقوالٌ تتضمن اتهاماتٍ وأحكامًا باطلة، لن تتوقف مثل هذه الشائعات مادمتَ تصغي لنداء عقلك، وتنفرد بصوتك الخاص. لو انشغلتَ بملاحقة الافتراءات يتوقف عملُك، ولن يكفَّ هؤلاء عن ملاحقتك مهما كتبتَ ونشرتَ لفضح أكاذيبهم.لا أتحدث عن النقد العلمي، الذي أتعلم منه، ويرشدني إلى شيءٍ من وهن كلماتي وثغرات أفكاري. أتحدث عن الذي يتهكم ويتكلم بسخرية مبتذلة، لا شك أنه يزعجني ويؤذيني، لكنه يعمل على ترويج ما أكتب. الكلامُ المتواصل عن أيِّ كاتبٍ وإن كان هجاءً يؤشر إلى قوةِ حضوره واشتدادِ تأثير كتاباته. يخرس هؤلاء عندما يفرض منجزُك حضورَه ولو بعد حين، وتتردّد أصداؤه لدى القراء الأذكياء، ويهتمّ به الخبراء.

‏لم يألف ذهنُ القارئ كتابةً تعتمد العقلَ مرجعية، ولا تنسى متطلبات الروح والقلب والعاطفة، ولا يعرف أن الكتابةَ العقلانية تتطلب الوعيَ بالاحتياجات العميقة المتنوعة الأخرى للإنسان بكليته. عقلُ الجمهور أقربُ لقبول الأضداد في كلّ ما يسمعه، يصعب عليه جدًا تصورُ حالة خارج الثنائيات المتعاندة. ذهنُ القارئ أُحاديٌ مبرمجٌ على النفي والإثبات، لا يرى شيئًا خارجها، مَن يرى العقلَ لا يرى القلبَ والعاطفة والخيال، مَن يرى القلب لا يرى العقل، وهكذا. في تطور الفكر البشري كلُّ فكرة لا تكرّر المألوفَ تحدث ضجةً لحظةَ اطلاع القراء عليها، وتتعرض للكثير من الهجاء والتهكم والازدراء. على مَن يعتنقها أو يكتبها أو يتحدث بها أن يدفع ضريبةً باهضة. بعد أن تصبح مألوفةً، يزعم بعضُهم أنه تبناها، ويدعي آخرون أنهم قالوا بها من قبل، وبعد زمن يمسي أتباعُها كثيرون، ومَن يرفضها يعدّ متخلفًا.

واحدةٌ من ضرائب الكتابة الموجعة أنها تضعك في مواجهة أقرب الأصدقاء ممن يظهرون أحيانًا مودةً مفتعلة، وتخلق لك نماذجَ من الأعداء، بعضهم شبحيون يتقنون فنونَ المراوغة والاختباء. أكثر الناس يفرحون بما يصيب غيرَهم من أذى، هذه طبيعة البشر لن نستطيع تبديلَها مهما فعلنا، وإن تظاهر كثيرٌ منهم مجاملةً بالاحتفاء بمنجزك. ما عدا الأبوين، وبعض الاخوان، وقليل جداً من الأقرباء والأصدقاء، فإن أكثرَ الناس بطبيعتهم يستفزّهم أيُّ مُنجَز يقدّمه غيرُهم، وتؤذيهم نجاحاتُهم، خاصة مَن يمتهنون مهنتَهم، ومَن هم أقرب إليهم.

بدأتْ ردودُ أفعالي حيالَ الشرِّ الأخلاقي الصادر عن الإنسان أخفّ وطأة، ‏منذ أدركتُ سببَ مثل هذا السلوك الذي كان يصدمني سابقًا. القراءةُ المزمنة المتأملة الصبورة، ومعاشرةُ الناس،كشفتْ لي شيئًا مما هو مختبئ داخل النفس الإنسانية، وأرتني ما يثير الذعرَ أحيانًا من صراعٍ للخير والشرّ في أعماق الإنسان.كنتُ أجهل تركيبَ الإنسان جهلًا تامًا، بعد دراسةِ الفلسفة ومواصلة مطالعةِ علوم النفس والمجتمع الحديثة، والعيشِ في بلدان ومجتمعات متنوعة، أمسيتُ أعرف شيئًا عن هذه الطبيعة المركبة الغاطسة.كانت حياتي توجعها أحيانًا كلماتٌ عنيفة أتجرعها بمرارة، ومواقفُ لئيمة يجرحني فيها صديقٌ أحسبه مخلصًا، ولم أدرك آنذاك أن مثل هذا الإنسان تتحكم في مواقفه غيرةٌ مضاعفة، وعقدٌ تربوية، وأمراضٌ أخلاقية مزمنة، تسوقه كرهًا للحطّ من أيِّ منجز لأيِّ إنسان قريب أو بعيد منه. رأيتُ بعضَ الناس كأنه مدرّبٌ على العنف اللفظي، محترفٌ لجرح القلوب بكلمات كسهام. ‏لفرط الحياء الموروث من بيئة القرية البريئة، وجهلي بنزعة الشرّ الأخلاقي العميقة داخل الإنسان،كنتُ سابقًا أبتلع كلماتِ أمثال هؤلاء كمن يبتلع السمّ وأصمت وهي تأكلني من الداخل.

أحاول إكراهَ نفسي على المواقف الأخلاقية مع هؤلاء، على الرغم من أن النفسَ تنفر بشدّةٍ ممن يواصل الإساءةَ إليها باستمرار، وهي تواصل الإحسانَ إليه. يحتاج الإنسانُ الإحسانَ لتكريس تربية الذات أخلاقيًا، مع أن ذلك شديدٌ على النفس. الإحسانُ إلى المُحسِن لا تسامي فيه، الإحسانُ إلى المسيء، والإصرارُ على العفو والغفران في التعامل معه، هو ما تسمو فيه الذاتُ وتتكامل.

بمشقةٍ بالغة، وبعدَ مخاضِ علاقات واسعة مع الناس المختلفين في أديانهم ومذاهبهم وهوياتهم، والعيشِ في مجتمعات متنوعة، تراكمتْ لدي خبراتٌ مكنتني من ممارسة أقل الطرق كلفةً لإدارة العلاقات الاجتماعية بالأخلاقيين والمزعجين. الأخلاقيون قليلون في الحياة، المزعجون تركوا جروحًا عميقة في داخلي، تجاوزتها بصعوبةٍ شديدة واستطعتُ أن أتعامل معهم بإحسانٍ ورفق، وتعلمتُ كيفيةَ العيش وإدارةَ العلاقات بأقلّ ما يمكن من وجع. يبتهج مَن يعيشُ الرحمةَ بوصفها حالةً يتذوقها، والإحسانَ بوصفه مواقفَ نبيلة تصنعها أرواحٌ تجيد التغافلَ والصمتَ وكتمانَ الغضب. الإنسانُ تسعده الرحمةُ ومواقفُ الرفق والإحسان، بغضِّ النظر عن شخصية مَن يرفق به ويرحمه ويحسن إليه. وجدتُ لهذا النمط من السمو الأخلاقي تأثيرًا سحريًا في بناءِ الضمير وإيقاظه، واكتشافِ أن الأخلاق تحمي الإنسانَ من طيش نفسه ونزقها، مثلما تحميه من شرورِ غيره. رأيتُ المواقفَ الشريرة تنقلب على فاعلها فتعاقبه.

تأتي آلامُنا الموجِعة غالبًا ممن نحسن إليهم وهم يسيئون إلينا، إثر التوهم بخيرية كلّ إنسان، والجهل الشامل بطبيعة البشر. تصير الحياة أكثرَ سكينة وأقلَّ ألمًا، حين نكتشف التركيبَ المعقد لشخصية كل إنسان وإن كان يبدو ذلك الإنسانُ لنا بسيطًا. شخصيةُ كلّ إنسان يتجاور فيها الخيرُ والشرّ، ويتغلّب فيها الشرُّ على الخير لحظةَ ينامُ الضميرُ الأخلاقي. شخصيةُ الإنسان الذكي أعمق وأشدّ تركيبًا من غيرها، العقلُ كلّما كان أعمق يكون أقدرَ على المكر وأكثرَ قدرة على حجب دوافعه وممارسة الأذى بمكر واحتيال، لا يحمي الناسَ من الإنسان الذكي إلا يقظةُ ضميره الأخلاقي. مازالتْ رحلتي في اكتشاف طبيعة الإنسان المذهلة مستمرّة، أعرف أن هذه الرحلةَ لن تصل مدياتِها القصوى حتى اليوم الأخير لحياتي.كلّما عرفتُ الإنسانَ أكثر عرفتُ اللهَ أكثر، وأدركتُ الحاجةَ الأبدية إليه مادمتُ حيًّا، وأدركتُ الحاجةَ لحضور القيم الأخلاقية السامية، والقوانين العادلة وضرورة التطبيق الصارم لها على الجميع مهما كانت مواقعُهم الطبقية ومقاماتُهم الاجتماعية.

اتخذتُ قرارًا منذ سنوات طويلة، كان اتخاذُه شديدًا على نفسي، أن أمزّق رسائل الأذى وكتابات الازدراء والهجاء الورقية لحظة تصلني، وأمحو كلَّ ما يزعجني من رسائل الكترونية.كلُّ شيء يمكن أن يورث كراهيةً أتخلص منه عاجلًا، كي أحمي قلبي وأطهّره من الضغائن، القلبُ حسّاسٌ جدًا تمرضه الضغائنُ والأحقاد. رسائل الكلام القبيح والافتراء وسوء الأدب أمزقها لئلا تمزّق قلبي. أتحدث عن ضرورة حماية القلب من الكراهية، لا أدعو هنا إلى محبةٍ جزافية غير واقعية، لا يطيق الإنسانُ محبة مَن يعتدي عليه ويطعنه ويغدر به مرات متوالية. يتمكن الإنسانُ من أن يتغاضى ويقطع صلتَه بمثل هؤلاء، غير أنه لا يطيق أن يحبّ شخصًا مؤذيًا يتمادى ويواصل الاعتداءَ عليه. لا يطيق ذلك إلا إن كان إنسانًا استثنائيًا أو قديسًا، وأنا لم أكن يومًا ما إنسانًا استثنائيًا أو قديسًا.

 

دار الكتب العلمية، بيروت.‌  الجاحظ، الحيوان، ج1: ص 60-61،[1]

تبذير العمر بكتابات تُفقِر العقل

تبذير العمر بكتابات تُفقِر العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الكتّاب ضائع لا يدري ما يريد، فيضيِّع القارئَ غير المتمرّس معه.كنتُ أجرّب التعرّف على الكتب بداية مطالعاتي، أقرأ أحيانًا كتابًا من الغلاف إلى الغلاف بصبرٍ مرهق على الرغم من نفوري منه، وعدم قدرتي على فهم ما يريده الكاتب، وكأن امتحانًا مفروضٌ عليّ بهذا الكتاب. وقعتُ ضحيةَ ذلك قبل أن تتراكم تجاربي، وأكتشف أن المطالعة تعني ضرورةَ تذوّق القارئ للنصّ، التذوق حالة للذات لا تنوب عنها أيةُ ذات أخرى. اكتشفتُ أن ما يُفقِر العقلَ ويشيع الجهلَ من الكتب أكثر بكثيرٍ مما يوقظ العقلَ ويبعث الوعي. ربما تقرأ كتابًا واحدًا يوقظ عقلَك ويجعله يفكّر منطقيًا بعمق، وربما تقرأ مكتبةً كاملة من الكتب الرديئة، لا تفقر عقلَك فقط بل تنوّمه، وتجعلك عاجزًا عن التفكير العقلاني بأيّ شيء، إن استسلمتَ لما ورد فيها من أكاذيب وأوهام وخرافات. يتناسب انتشارُ هذه الكتب تناسبًا طرديًا مع تفشي الجهل وانحطاطِ الوعي، الجهل بيئة خصبة لتفشي هذا النوع من الكتابات. الكتب الرديئة تطرد الكتبَ الجيدة، كما يقال: “النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق”[1]. كشفتْ لي تجربةٌ في المطالعة بدأتْ منذ الخامس الابتدائي أن أكثرَ الكتب المعروضة للبيع يضيع فيها العمر ويُهدَر فيها المال، مضافًا إلى أن بعضَها يتشوش معه التفكير، وأحيانا يتعطل العقل، وتفسد الذائقةُ اللغوية. بين حين وآخر ألجأ إلى استبعاد كتب أخطأتُ في شرائها.

ما يبلِّد العقلَ ويشيع الجهلَ هو الأكثر مبيعًا وانتشارًا، على الرغم من أنه لا قيمةَ له. أشعر بالضجر عند قراءة أكثر كتابات ما يسمى بـ : “التنمية البشرية”، أو “تطوير الذات”، أو “علم الطاقة”، لما تتضمنه من مفاهيم غير علمية، وعباراتٍ متعجّلة، وشعاراتٍ مبسّطة مكرّرة، تتلاعب بمشاعر الناس. أضحى ركامُ هذه الكتابات مبتذلًا، يأكلُ وقتَ القراءِ غيرِ الخبراء، وتستنزفُ توصياتُها الواهنة تفكيرَهم، ولغتُها الرثة بيانَهم. تفشّت هذه الكتاباتُ الساذجة التي تجهل الطبيعةَ الإنسانيةَ كالوباء بين القراء في السنوات الأخيرة، وأوهمت عددًا منهم بأنها تعالج كلَّ متاعبهم النفسية. أكثرُ هذه الكتابات هزيلٌ، لا يقع في فتنتها إلا الناسُ المغفلون، الذين لا يفكّرون بتأملٍ ورويةٍ وتدقيق، ولا يمكن أبدًا أن تغوي العقولَ الحكيمة اليقظة. هذه الكتابات والتوصيات تجهل التناقضاتِ الذاتية في الإنسان، وتتعاطى معه كأنه كائنٌ آلي. يشبه هذه الكتاباتِ في الجهل بحقيقة الطبيعة الإنسانية أكثرُ التوصياتِ الجاهزة والعبارات المتداوَلة بين الناس. لا يكترث علمُ النفس وعلومُ الإنسان والمجتمع الحديثة وعلمُ الأعصاب كثيرًا بهذه التوصيات الزائفة لكتابات تشدّد على نصائح وإرشادات، من قبيل: “لا تحزن”، “لا تكتئب”، “لا تقلق”، “لا تتشائم”، “لا تتألم”، “لا تنزعج”، “لا تغتم”، “لا تتأرق في نومك”، “كن حازمًا وجادًا”، “تأقلم مع الظروف بدلًا من تضييع الوقت بالتفكيرِ الزائد”، “استمتع باللحظة الحالية”، وأمثالِها من وصفات كوصفات جاهزة لشخصٍ يمارس الطبَّ من دون أن يتعلمه. أكثر هذه التوصيات والوصفات ضدّ التفكير العقلاني العميق، وضدّ علم النفس وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة وعلم الأعصاب. هذه كتابات تجهل الطبيعةَ الإنسانية المركبة المعقدة العميقة، ولا تدرك تناقضاتِها، والعقدَ التربوية والأمراض النفسية المتنوعة والمختلفة المتفشية بين الناس، وتجهل ضرورةَ مراجعة المصابين بالأمراض النفسية والعصبية للعيادات والمصحات النفسية والعصبية لمعالجة هذه الأمراض،كي تشفي أو يسكن هؤلاء المرضى ويتخلّص الناسُ من حولهم من الآثار الموجِعة لإصابات بعضهم المؤذية للغير.

يزعم أكثرُ كتابات ما يسمى بـ : “التنمية البشرية”، وأشباهها أنه يعالج الأزماتِ الروحية للإنسانِ اليوم الغارقِ بالاستهلاك المادي حدّ التخمة والابتذال، وتشحّ في حياته كثافةُ المعنى الروحي وقوتُه الخلاقة، غير أن هذا النوع من الكتب يشيع وعيًا زائفًا بظمأ الروح وغربتها في ظلام المادة، ولا يعرف شيئًا عن روافد الأمن الروحي الذي تنشده. هو مزيج لخلطة غريبة مستقاة من دياناتٍ وارتياضات هندية وآسيوية، وشيءٍ من تمارين هجينة، تعبث بالروح وتشوه الوعي. يوهم الكاتبُ القراءَ البسطاء بأنه يوقد طاقةَ المعنى في حياتهم، مع أنه ليس سوى مسكنات خادعة. المؤسف أن بعضَ الناس عندما يعثر على هذه الكتابات يسكن إليها، لظنِّه بأنها تروي الظمأَ الروحي، وتستجيب لاحتياجاته للمعنى الذي يبحث عنه. لا قيمةَ لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الإنسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات.

الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان. المعنى الروحي يمكّن الإنسانَ من تجاوزِ ضيق المادة، والخلاصِ من الاختناق بفضائها الحسّي المظلم المملّ، ويطلق روحَه المكبّلة بأثقالها للتسامي في فضاء الأنوار الإلهية اللامتناهي. الكتابة المشبَعة بالمعنى الروحي الذي لا يغيب عنه العقل، يفتّش عنها الإنسانُ الذي يهتدي بالعقل ويتخذه أساسًا لأحكامه بالنفي أو الاثبات، ولرسم خارطة طريق حياته. عندما يعثر الإنسانُ على مثل هذه الكتابة يسكن إليها، بوصفها تحميه من الاغتراب الوجودي، وتعتق روحَه من استعباد المادة المُضجِر. العقلُ يحمي الإنسانَ من الضياع، عندما يمارس وظيفتَه الفاعلة يمنع انزلاقَ الروح في متاهات وكوابيس الخرافات والأوهام. أعرف أن إنتاجَ معادلة كهذه، تضبط التوازن العقلي والروحي، صعبة جدًا. هذا التوازن يستعصي على عدد كبير من الناس، وأحيانًا يتعذّر على بعضهم الآخر[2].

‏  ربّ قارئ ليس له من قراءته إلا النصب والتعب، القراءة بتأمل صبور من شأنها أن تنقل القارئَ من يقينياتِ الأجوبة الجاهزة إلى قلقِ الأسئلة الحائرة. قيمة كلّ قراءة تعكسها قدرتُها على أن تكون منتجة، بمعنى أنها تثير الأسئلةَ في ذهن القارئ، ويرحل معها عقلُه إلى ما لم يألفه في فضاء مسكوت عنه في التفكير. ليس المهمّ كمية ما تقرأه، المهم نوع ما تقرأ، وكيفية التلقي، وأثر ما تقرأ في بناء عقلك وروحك وقلبك وسلوكك. ليس هناك كتابٌ يختصر كلَّ الكتب، وليس هناك كاتبٌ مستوعب لكلّ العلوم والمعارف والآداب والفنون. لا يكفي عنوانُ أيّ كتاب للحكم على محتواه، أحيانًا يوقِع لمعانُ العنوان القارئَ بإغواء شراء الكتاب والمسارعة بمطالعته، بعد قراءة المقدّمة يدرك أنه كان ضحيةَ عنوان مخادع.كثيرٌ من الكتب المنشورة تسرق عمرَك، من دون أن تضيف لك شيئًا، لا تضيف لمعرفتك بنفسك وغيرك شيئًا، ولا تضيء وعيك بالعالم، لا تثري لغتَك ولا تعزّز رصيدَ معجم بيانك. ربما يتبلّد عقلُك وتندثر لغتُك الطرية وتتخشّب بسبب إدمانك على مطالعة هذا النوع من الكتب. خلافًا لكتب نوعية منتقاة بخبرتك كقارئٍ متمرّس، هذه الكتب توقظ عقلَك، وتحيي روحَك، وتبهج قلبَك، وتثري لغتَك، وتمنح حياتَك شيئًا من المعنى الذي تفتّش عنه.

لا يمكن تذوقُ كثير مما يُنشَر، أقرأ نصوصًا متخشّبة فأشعر كأني أُكسِّر حجارةً قاسية بأسناني، وأقرأ نصوصًا طرية مضيئة تنبض بالحياة لكتّاب آخرين فأتلذذ بكلماتهم العذبة.كم أشعر بالغثيان عندما أقرأ أحيانًا كتابات، لا تبهجني أو توقظ عقلي أو تضيف شيئًا مفيدًا لثقافتي وتثري لغتي فحسب، بل أخشى أن تشوّه ذائقتي اللغوية، وتُفقِر ثقافتي، وتشعرني باليأس من يقظة العقل، وأحيانًا تعكر مزاجي. لا أتفاعل مع أسماء معروفة أحيانًا، لحظة أجد لغتَهم غيرَ جذّابة، كلماتِهم لا تنبض بالمعنى، طريقةَ تفكيرهم ضبابية. أتذوق النصوصَ العذبة كما أتذوق الطعامَ الشهي بغضّ النظر عن كاتبها، أحيانًا يكون النصُّ لذيذًا فألتهمه كما ألتهم الطعامَ وأنا جائع، وأحيانًا يكون بلا طعم فأتجرعه، وأحيانًا يكون مرًا لا أستسيغه، وأحيانًا يكون متعفنًا لا أطيقه. بعضُ الكتّاب كأنهم يكتبون لأنفسهم،كتابتُهم مشغولة بتكديس كلمات مضجِرة، نثرهم مصنوع، لا نسيجَ طري ينتظم فيه، ولا تتدفق كلماتُه بسلاسة.كقارئ أتلذّذ بكلِّ كتابة ثمينة أتعلّم منها، أو تثير في ذهني أسئلةً جديدة، أو تدعوني لإعادة النظر بواحدةٍ من قناعاتي، وتقوّض شيئًا من وثوقياتي، وأتذوق نكهة كلماتها كما أتذوق الأشياء العذبة.

لم أهتم بداية حياتي بالفلسفة الحديثة، وأكثرِ أشكال الأدب والفن، وكنت أحسب الأعمال الخالدة لشكسبير ودوستويفسكي وتولستوي وماركيز ونجيب محفوظ وأمثالها مجرد ترهات. بعد أن طالعت بعضَ هذه الأعمال وأمثالها من النصوص الثمينة، أدركت خطأ عدم اهتمامي فيها من قبل، وتضييع سنوات ثمينة من عمري بكتب بعضها لا قيمةَ لها. أضاءت لي أعمالُ الفلاسفة العميقة، وكتبُ علوم النفس والمجتمع، ونصوصُ الأدباء الكبار والرواياتُ الخالدة، شيئًا من أعماق النفس الإنسانية، والاحتياجاتِ المتنوعة لحياة الإنسان الفردية والمجتمعية، والأنماطَ المختلفة لعيشه، وكشفت لي التصنيفَ الذي يولد بولادته، ويورثه هويته الإثنية والدينية والطبقية والجغرافية.

[1] منسوب هذا القانون إلى توماس جريشام “1519- 1579م”، ويسمى بقانون “جريشام”. وهو يشير إلى كيفية طرد النقود المزوّرة للنقود الصحيحة من السوق.

[2] راجع فقرة: “الروح والعقل” في الفصل الثاني من كتابنا: الدين والكرامة الإنسانية، ص 74-76، ط2، 2022، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

رابط النشر:

أنا مدين لكلِّ مَن يقرأ كتاباتي

أنا مدين لكلِّ مَن يقرأ كتاباتي

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الكتّاب يريد من الكلِّ التصفيق له، بلا أن يعترف أو يحترم أو يحتفي بمنجز أحد. أعرف كتّابًا يغارون غيرةً عنيفة من الشباب الموهوبين. عندما يطلب كاتبٌ ناشئ منهم رأيًا بنصوصه، يتعاملون معه بغطرسة وازدراء، وأحيانًا يسمعونه كلماتٍ مميتة، ربما تقتل موهبتَه في مهدها. لا أتحدث عن النقد بمعناه الأدبي والثقافي والعلمي، ولا أتحدث عن خداع مَن لا يعرف الكتابة، ويصرّ على إقحام نفسه في هذه المهمة الوعرة، بلا موهبة، ولا صبر طويل، ولا تمارين مرهقة، ولا تكوين في الحقل الذي يكتب فيه، ولا ثقافة غنية. أتحدث عن الغيرة المرضية، والاستهزاء والازدراء والعنف اللفظي الذي يصدر من كتّاب يراهم مَن يطلب رأيَهم خبراء. قلّما تعرفت على كتّاب في مجتمعنا يمتلكون روحًا أبوية حانية، يبادرون بالعطاء والرعاية لذوي المواهب من الجيل الجديد. الإنسانُ بطبيعته يطلبُ الاعترافَ والدعمَ الذي يحفّزه على العمل والإنجاز. الشبابُ خاصة بحاجة شديدة للدعم العاطفي والرعاية والتحفيز. الاستثمارُ في إيقاظ عقول الشباب ورعايتهم عاطفيًا استثمارٌ في إيقاد طاقة الإبداع والتجديد الخلّاقة، وهو أثمنُ استثمارٍ للحاضر والمستقبل.

مِن دون قارئ يفتقر النصُ لانبعاث الحياة فيه، القراءة بقدر ما تحيي النصَ تجدده عبر الحوار النقدي للقارئ مع النص. القارئ مرآة توقظ معاني الكلمات، وتضيء ما هو مستتر من دلالاتها. الكاتب الحقيقي يستمدّ طاقتَه في الإبداع والمثابرة والاستمرار من القراء الأذكياء ذوي البصيرة المضيئة، ‏أجمل مكافأة للكاتب أن يرى صورتَه في هؤلاء القراء. طاقتي تتجدّد لحظة يتحدث لي قراء يتذوقون طعمَ الكلمات. القارئ يكرم الكاتبَ ويحفّزه ويوقد طاقتَه عندما يعلن ما يعيشه بتذوق ما تقوله وما تلمح إليه وما تضمره كلماتُه. الكاتب المخلص لصنعته يحاول أن يتعلّمَ من الكلّ، وفي الوقت ذاته يسعى أن يكون مختلفًا يمتلك صوتَه الخاص، لا أن يكون صدىً لغيره. يتعلّمُ من القراء المتسائلين وحتى المشاكسين أكثر مما يتعلّمُ من القراء المنحازين مسبقًا لكتابته. أقرأ تعليقات متنوعة بعد نشر ما أكتب، مَن يمتدح كتابتي يفرحني ويعزّز ثقتي بجهدي، خاصة وأنا قبل غيري لا أثق دائمًا فيها، إلا أنه لا يضيف لي ولا أتعلّم منه شيئًا، ولا يدعوني للتريّث وتمحيص ما أكتب. أحيانًا تكون تلك التعليقات نقدًا لاذعًا، وربما تضمن شيءٌ منها كلماتِ احتجاج منفعلة قاسية تخرج على النقد العلمي، ولا تخلو من تجريح أو تحريض ضدي. أعترف أني تعلّمت من هؤلاء النقّاد القساة ما لم أتعلمه ممن مدحوا كتاباتي. وإن كانت تعليقاتُهم تزعجني، إلا أنها كانت ومازالت حوافزَ تستفزني وتوقظني لأن أكون أشدَّ حرصًا ومثابرة على غربلة نصوصي وتدقيقها والتأمل فيها أكثر من مرة قبل نشرها. هذا الصنف من القراء يسهمون بإنضاجِ كتاباتك عبر تحديها، وحتى التحريض عليها. التحدي يرسخ كفاءةَ دفاعات الإنسان، ويستحثّه على مراكمةِ جهوده وتكثيفِها، والعملِ على ابتكار أدواته وتعزيزها.

أشعر بمسؤولية أخلاقية حيال القراء الكرام، أنا مدين لكلِّ مَن يقرأ كتاباتي، لا أستطيع وفاءَ هذه المديونية الكبيرة إلا بإنفاقِ كلِّ طاقتي، والإخلاصِ لهؤلاء القراء وأمثالهم في كلِّ كلمة أكتبها. لستُ مستعدّا للتنازل عن ضميري الأخلاقي، يقظةُ ضمير الكاتب تحميه من خيانةِ نفسه والقراء، والجنايةِ على عقله وعقولهم. تنازل الكاتب عن أخلاقه على مراتب، الحدُّ الأدنى يتمثل في إدمان المراوغة والتمويه في اللغة لتضليل القراء. الإخلاص للقارئ يعني إثارةَ عقله النقدي، ومحاولةَ استنطاق ما هو صامت في تفكيره، وتدريبَه على طرح أسئلة كبرى، والابتعادَ عن ‏تلقينه كلَّ شيء كالببغاء. يراسلني ‏بعضُ طلاب الماجستير والدكتوراه يطلبون أن أقترحَ عليهم عنوانًا، وبعد اقتراح العنوان يطلب بعضُهم أن أدّله على كلِّ شيء، وأفعل َكلَّ شيء نيابةً عنه، أكثرُهم يريد وضعَ الخطة نيابة عنه، وإعدادَ لائحة المراجع، وتحريرَ ما يكتب، وتتمادى طلبات جماعة منهم فيريد الكتابة نيابة عنه. أرفض حتى وضع الخطة لطلابي فضلًا عن غيرهم. بعضُ الناس يريدُك أن تقودَه كالأعمى، وأنا أرفض التقليد الأعمى، تتلخص مهمتي بالعملِ على تقويض الأغلال الراسخة في الذهن، وتحريرِ العقل من أصنامه ما أمكنني ذلك.

الإخلاص للقراء في الكتابة يعني طرحَ ما يستحثُّ العقلَ على التفكيرِ بموازاة الكتابة وضدّها، والانتقالَ بالتفكير خارج الأسوار المغلقة. لا تتجلى قيمةُ الكتابة فقط بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا بما تكرّره من كلمات جاهزة. قيمةُ الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والنظر غير المتعجِّل. لا يجد القارئ الذكي عقلَه في بعضِ إجابات المؤلِّفين وآرائهم، يجده غالبًا فيما يحرضه على التفكيرِ المختلف، ويستحثّه على توليدِ أسئلةٍ موازية لأسئلةٍ كانت تشغله زمنًا طويلًا.

الكتابة لا تنتهي وتبلغ مدياتِها القصوى في أيِّ حقل يفكر فيه الإنسانُ ويتأمل بدقة وعمق، الكتابة يغذّيها القراء الأذكياء مثلما تغذّيهم. لا أظن الفهمَ المبسط للقول الشائع: بعض العلوم “نضج واحترق” دقيقًا. يمكن أن يكون القصدُ استنفادَ البحث على وفق منهجٍ معين وطريقةٍ محدّدة ونوعٍ خاص من الفهم في أحد العلوم، وإلا فكلّ علم ينفتح على إمكانات بحٍث متجدّد تبعا لتجدّدِ نوعِ المناهج وطرائقِ التفكير في قضاياه، وانبثاقِ أسئلة لم تكن حاضرةً في الذهن، واستثمارِ ما هو مسكوت عنه ومنسيّ أو ممنوع في عقل المشتغِل بهذا العلم. لا يتطور العلمُ ولا تحدث فيه منعطفاتٌ إن كان المشتغِل بالعلم يظن أن من سبقه أدرك الحقيقة، وتعرّف على كل وجوهها، واكتشف كلَّ الطرق المؤدية إليها، لا جديد يقوله هو أو غيره في أية مسألة. العلم تراكمي يتطور بتصويبِ أخطائه على الدوام، واختبارِ معطياته الموروثة، وتجديدِ أسئلته، وانفتاحِه وتفاعله مع العلوم الأخرى، وتوظيفِ ما يمكن توظيفه من أدواتها ومناهجها ومفاهيمها في إطار مباحثه.

رأيت أحدَ المتحدثين على التلفزيون يطلق أحكامًا نهائية فيقول: “إن كلَّ النظريات في علم اللغة الحديث قالها ابنُ جني، وهي معروفة في آثاره”. يتكرّر مثلُ هذا الكلام في الحديث عن الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة وغيرها، ويُعبّر عن هذه القناعات بأساليب متنوعة كلُّ أولئك الذين لا يستطيعون التفكيرَ خارج فضاء الهوية وأحلامها وأمانيها ورغباتها. لا يمكن إنكارُ كون ‏ابن جني رائدًا سبق عصرَه في هذا الحقل، إلا أن هذا الرجل الفذّ وأمثاله حلقةٌ في رحلة اكتشاف أبدية تضيف وتحذف، لا تتوقف عند نهايات مغلقة، ولا تمتلك القولَ الأخير في هذا العلم أو غيره.كلُّ علم بشري غير مكتمل، العلمُ مهما كان مرآةٌ لنقص الإنسان. لم تكتمل الفيزياء الحديثة عند نيوتن، ولا علم النفس عند فرويد أو يونغ أو ادلر أو لاكان، ولا الفلسفة عند بيكون أو ديكارت أو كانط أو هيغل. لم يبدأ علم اللغة مع ابن جني، ولم يتعطل عند زمن ابن جني أو غيره مهما كان عبقريًا. ليس هناك فيلسوف أو مفكر أو كاتب، مهما كان مقامه يبدأ وينتهي معه أيُّ علم أو معرفة بشرية. علم اللغة من العلوم الحيّة،كلُّ علم حيّ باب البحث فيه مفتوح لا ينغلق. في العصر الحديث انفتحت اللغة على مداخل متنوعة، وتفاعلت مع مختلف معطيات العلوم والمعارف. بحوث علم اللغة اليوم تتفاعل وتؤثر وتتأثر بـالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا وعلم الأعصاب وعلم الجينات، والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك.

القراءة النقدية للقارئ الذكي رافد أساسي يثري الكاتبَ، ويفرض عليه الإخلاصَ للقراء، ويضيء للكاتب ما هو معتم من تفكيره، ويكشف له الواهنَ من آرائه، ويمدّ الكاتبَ وتفكيرَه بشيء من إكسير الحياة، بعد أن يكرّس حضورَ كتابته وفاعليتها.كلُّ كتاب خارج القراءة والمراجعة والنقد تحذفه ذاكرةُ الكتابة بالتدريج. لا قيمةَ لكتابٍ يكرّر ما هو مكرّر في لغته وأفكاره، ولا ينتج أسئلةً وجدلًا. لا قيمةَ لأفكار تنسخ الموروثَ والمتداولَ والمألوف وتمجده. كما لا أثر لكلمةٍ ولدت بعد فوات أوانها، لا فاعلية لكلمةٍ تولد قبل وقتها. الكاتبُ الحاذق يعرف أن لكلِّ كتابة أجلًا لحضورها وفاعليتها.كلُّ كلمة تولد قبل وقتها تختنق بما يحيط صاحبَها بضجيج مَن يستهجنها، وربما لا تجد من ينصت إليها. إلا أن ذلك لا يعفي الكاتبَ من إعلانها بلغة عقلانية غير مستفزّة، لعله يرى وهو حيّ لحظةَ فاعليتها، وتسابقَ الناس للإعلان عنها، وادعاء السبق بقولها.

الحجر الذي يكسر صمتَ البركة يحدث ضجيجاً، الكتابُ الحقيقي يكتبُ تاريخَه الخاص، امتلاكُ المؤلف للكتاب ينتهي لحظةَ انتقاله للقراء، ولا يعود باستطاعته التحكمُ بمصائره التي تفرضها سياقاتُ تلقي القراء، ومواقفُهم المضادّة أو المتفقة معه. يحكي لنا تاريخُ الكتابة أن المواقفَ المضادّة لأيّ كتاب تكرّس حضورَه وتمنحه عمراً طويلاً، وربما تخلّده، في حين ليس للمواقف المتفقة مع الكتاب مثلُ هذا الأثر. ثمة كتب محظوظة يتلقاها الناشرون والقراء باحتفاء أكبر من قيمتها الحقيقية، وثمة كتب على الرغم من أهميتها الفائقة تظل مجهولة، فتلبث سنوات خارج التداول.كلُّ كتابٍ يكتبُ تاريخَه الخاص بعد نشره، يبدأ تاريخُه منذ قراءة القارئ الأول له. أكثرُ الكتاباتِ تحتمي بهالة اسم كاتبها وضجيج القراء غير الخبراء من حوله، لحظة يموت الكاتبُ تنكشفُ أعماله للقراء، فيختبر القراء قدرتها لتدافع عن نفسها في حلبة الصراع، وطالما فضح الناقدُ الخبير مواطنَ وهنها وقوتها، وثغراتِها ورصانتِها، وقدرةَ كلماتها وأفكارها على البقاء برغم ما تتلقاه من نقد، وأحيانًا مواقف انتقام لئيمة من كاتبها وهو في قبره. للكتب الجادّة حياةٌ يتحكمُ في مآلاتها القرّاءُ والنقّادُ، وتحدّد أعمارَها ومصيرَها مواقفُهم وانطباعاتُهم، ونوعُ تلقيهم لمضمونها، وكيفيةُ قراءتهم لنصوصها. القارئ المحترف تقوده متعة الدهشة للظفر بالكتب الثمينة، هو مَنْ ينبغي أن يكتشفَ لا أن يقوده غيرُهُ كأعمى. يمتلك القرّاءُ مصائر الكتب بعد قراءتها، ربما تدخلُ بعضُ الكتب كهوفَ النسيان بعد صدورها مباشرةً على الرغم من أهميتها، ثم يأتي مَنْ يُخرِجها من الظلام ويسلّط الضوءَ عليها بعدَ مدة، وربما يتلقى القراءُ كتبًا أخرى لحظةَ صدورها بثقةٍ واهتمام، مع أنها ليست ذاتَ قيمة علمية. لا يمكث من الكلمات إلا ما يتواصل تأثيرُه في القراء، ويمتلك إمكانات مقاومة وتحدٍ في غياب كاتبه.

 

 

أن نكتب يعني أن نختلف

أن نكتب يعني أن نختلف

د. عبد الجبار الرفاعي

انزعج قراءٌ كرام من التعبير المكشوف عن الذات، خاصة في المقالة السابقة المنشورة الأربعاء الماضي بتاريخ 29-3-2023، بعنوان: “الرهان على الكتابة”. ما ورد في ذلك المقال وما هو أسبق منه مما نشرتُه في صحيفة الصباح جاء استجابةً لطلبات متكرّرة من قراء محترمين يرغبون بتعلم الكتابة وكيفية القراءة، لم أجد جوابًا سوى التحدّث عن تجربتي الشخصية في هذا المجال. لم أتدرب على أحدٍ لتعلّم هذه الصنعة، ولا أتقن تدريبَ أحد. قرأتُ تجاربَ بعض المشاهير، جرّبت تقليدَهم ففشلت، عجزتُ عن أن أكون نسخةً لأحد، لم أجد ذاتي في طريقة أيٍّ منهم، فحاولتُ أن أشتقَّ لغتي وأسلوبي. رأيتُ ذاتي تنفر من تكرار غيري، لا أستطيع أن أكون إلا أنا. حاولتُ في سلسلة هذه المقالات التحدّثَ عن سيرتي ككاتب، وليس سيرة أيّ شخص مهما كان مقامُه. أتحدّث عن خبرتي ككاتب وقارئ بغضِّ النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون، لا يمكنني إلا توخي الصدق في كل ما أكتب. حقُّ الاختلاف يعكس الطبيعةَ الإنسانية، وهو ضرورةٌ في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وكلّ ما يريد الإنسانُ أن يحقّقَ ذاتَه به بوصفه إنسانًا.

أتذكر بهذه المناسبة موقفًا حدث معي، عندما كنتُ حاضرًا أحد المؤتمرات ببغداد قبل نحو عشر سنوات، أثناء الاستراحة جاء شاب يتدفق حماسة، عرّف نفَسه بأنه في مرحلة دكتوراه العلوم السياسية، بدأ حديثَه بسؤالٍ إنكاري: لماذا لا تكتب للجماهير، لماذا لا تخطب في المساجد والحسينيات كما كان يفعل علي شريعتي. أجبتُه: أنا إنسان آخر، أعبّر عن ذاتي كما هي، وليس عن أي كاتب غيري أيًا كان مقامُه وتفكيره وتأثيره. أحترم قناعاتِ ونضالَ شريعتي، هو يختلف عني وأختلف عنه، لا أقلّده ولا أقلّد أحدًا غيرَه، لا أستطيع أن أكون صورةً مزورة لشريعتي، عجزتُ عن محاكاة أيّ إنسان آخر مهما كان عظيمًا، دائمًا لا أحقّق ذاتي إلا حين أعبّر عن فهمي ورؤيتي وقناعاتي. شريعتي أيديولوجي كان يرى نفسَه كأنه مبعوثٌ من السماء، أفتقر لحماسه، اكتويتُ بشعلة هذا الضرب من الحماس العاصف بدايةَ شبابي في سبعينيات القرن الماضي، بعد سنوات قليلة انطفأتْ شعلتُه في داخلي إلى الأبد، عندما نضج عقلي، واتسع أفقُ فهمي لذاتي والإنسان والواقع الذي أعيش فيه، وأدركتُ أن للحقيقة وجوهًا متعددة وطرقًا متنوعة، طالما أخطأ الإنسانُ في اكتشاف أحد وجوهها، وسلك طريقًا لا يوصله إليها. تضيّع الإنسانَ متاهاتُ العقل الوثوقي واليقين المسبق، وتكذّب الأيامُ أحلامَ هذا العقل وأوهامَه.

الأيديولوجيا غير الدين، مصطلحُ الأيديولوجيا كان يعني في أول ظهوره واستعماله علمَ الأفكار، ثم استعمل معناه لاحقًا في النسق الفكري المغلق، الذي يرفض كلَّ أشكال الاختلاف ‏في التفكير والتعبير، ويعطل العقلانبةَ النقدية والمعرفةَ العلمية. ‏ليس كلُّ مَنْ يعتقد بدين إنسان أيديولوجي، أن يكون الإنسانُ بوذيًّا أو هندوسيًّا أو مسيحيًّا أو مسلمًّا في دينه لا يعني أنه أيديولوجي. وفقًا للتعريف الذي اقترحتُه “للدينَ بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” يكون الدينُ غير الأيديولوجيا. يمكن تحويل الدين أو أي معتقد أو أي فكرة إلى أيديولوجيا. أعني بالأيديولوجيا نظامًا لانتاج المعنى السياسي، يحوكُ نسيجَ سلطة متشعبة، وفقًا لصورة متخيلة حاكتها أحلامٌ مسكونة بعالم طوباوي. الأيديولوجيا تزييفٌ للحقيقة، وطمسٌ لمعناها عبر حجب الواقع، واحتكارٌ لنظام إنتاج المعنى، وتعطيلٌ للحق في الإختلاف. لا يعني ذلك رفض تغيير الواقع، تفسيرُ ونقد الواقع يسبقُ تغييره، عندما لا نفهمُ شيئًا نعجزُ عن تغييره،كلُّ عملية تغيير تسبقها عمليةُ تفسير ونقد عقلاني.

كثيرًا ما تصلني رغباتٌ وطلباتٌ من شباب أعتزُّ بهم، يفكرون بتوجيه الكتابات على وفق احتياجاتهم الأيديولوجية، وما يظنون أن الواقعَ الذي نعيش فيه يتطلبها. أحيانًا يظلّ بعضُهم يلحّ، وهو يشدّد على ضرورة أن أكتب ما تنشده أيديولوجيا يعتنقها وأجيب عن أسئلتها. أعرف أن هذه الطلبات تعكس احتفاءَ وثقة هؤلاء القراء الكرام بما أكتب، وتعلن عن شهادة اعتراف أعتزّ بها. يتكرّر هذا السؤالُ الإنكاري من هؤلاء القراء: لماذا لا تقومون بدوركم أيّها الكتاب، كأن هؤلاء يفترضون الكاتبَ سوبرمانًا أو مقاتلًا أو فدائيًا. الكاتب خارج الأيديولوجيا غير مستعدّ أن يموت من أجل ما يكتبه، يعرف أن كتابتَه وحتى مقتَله لن يغيّر المجتمع، ويعرف مسبقًا أن بعض قناعاته الأساسية قد تتغير غدًا بعد أن يكتشف خطأها. الأيديولوجيا تستعبد الإنسان، تغيّبه عن ذاته، تنسيه أن تغييرَ العالَم يبدأ بتفسيره، وأن تغييرَ العالَم ينطلق من قدرة الإنسان على تغيير ذاته أولًا. يعجز الإنسانُ عن تغيير عالَم لا يفهمه، مثلما يعجز إن كان لا يقدر على تغيير ذاته. الكاتب إنسانٌ يحتاج أن يشعرَ بالأمان، ويوفّر احتياجاته الأساسية، ويعيش كما يعيش كلُّ الناس. الأيديولوجيا تفسد الكتابة، يكرّر بعضُهم بطريقة مملّة عبارات للمفكر اليساري الايطالي غرامشي وكأنها نصوص مقدّسة، بوصفه مثالًا للمناضل الذي يجب أن يتخذه نموذجًا كلُّ مَن يكتب. الطريف أن هؤلاء يتحدثون عن حقِّ الاختلاف، وضرورةِ تعبير كلّ كاتب عن تفكيره هو، في الوقت الذي يريدون منه أن يكون صورةً مشوّهة لغيره، من دون وعي لموطن غرامشي وموهبته ونمط شخصيته وحساسياته وعواطفه وانفعالاته، والزمان والمجتمع والواقع الذي كان يعيشه، ونوع أيديولوجيته، وكيفية نضاله واضطهاده ومعاناته وعذاباته في السجن.

اعتاد هؤلاء الشباب على تلبية بعض الكتّاب لطلباتهم المتنوعة والاستجابة لما يريدون. أكثر مَن يستجيب لهذه الطلبات ممن يكتب بكلّ شيء من دون أن يقرأ أيَّ شيء قبل أن يكتب، ويجيب عن كلِّ سؤال من دون بحث وتقصٍّ، ويتحدث بكلّ تخصص، وإن كان خارج تخصصه. بعضُهم يكتب وينشر في مختلف الحقول بلا تكوينٍ معرفي عميق، ولا تكوين أكاديمي متخصص، ويفتقر إلى اللغة المناسبة لموضوع الكتابة.

كذلك تردني مناشداتٌ ملحة من قراء ومعجبين تدعوني لكتابةِ الموضوع كذا، والعملِ على تأليف كذا، وحاجة المجتمع لمطالعة كذا. احترم كلَّ الرغبات والطلبات، أعترف أن المشكلةَ تخصّني، أحذر الكتابةَ جدًا، أعجز عن الكتابة بكلّ شيء، أنأى بنفسي عن كلِّ شيء لا أعرفه، أدرك حدودَ علمي الضئيل جدًا مقارنةً بما أجهله، كلّما تعرّفتُ على محدودية معرفتي أذهلني جهلي. لا أمتلكُ تهورَ الكتابة أو التحدّث بغير تخصصي وخارج مطالعاتي، أشعر بضجر لحظة تفرض عليَّ مناسباتٌ اجتماعية الاستماعَ لمتحدث يتكلمُ خارجَ تخصصه، أراه لفرط جهله يتسابقُ مع أهل التخصص ويسكت مَن يبدي رأيًا، وهو يتكلم بحماس بموضوعات لا يعرف عنها شيئًا.

أحاول أكتب ما يعتمل بداخلي، ‏أعجز عن الكتابة استجابةً لطلبات لا أجد حافزًا بداخلي لكتابتها، وإن كانت في إطار تخصصي وكتاباتي في الشأن الديني والتراثي. فشلتُ عدة مرات بالاستجابة لطلبات عزيزة لإجراء حوارات شفاهية أو مدونة مع محاورين أذكياء أحترم تخصصَهم وفهمَهم وثقافتَهم، أحيانًا أتهرب بالتأجيل لأشهر، وأخيرًا أعجز عن إكراه نفسي على ذلك. مشكلة هذه المناشدات أن أصحابَها ينسون أني كغيري من البشر كائنٌ غارق بسجون ذاتي وهشاشتها وأحزانها ومخاوفها وعجزها ومواجعها، الكتابة عندي لا تولد بقرار مفروض، لا أقدر على ممارستها بشكلٍ يومي رتيب. لكلٍّ منا آلامُه ومزعجاته ومثيراته وحساسياته ومشاعره الخاصة،كتاباتاتي وحياتي تتذبذب كما يتذبذب المنحنى النفسي لذاتي صعوداً وهبوطاً. ذاتي كإنسان لا تخلو من حساسياتها وقلقها وتناقضاتها ومخاوفها. يقول كارل غوستاف يونغ: “الإنسان الذي تخلّص من مخاوفه هو إنسان على حافة الهاوية”[1].

يتعاطى الآخرون معك أحيانًا وكأنك ماكنةٌ تشتغل بانتظام رتيب، أو قالبٌ صناعي ينتج نسخًا متماثلة، وهم لا يعلمون أنك تعجز أحيانا عن تنفيذ قراراتك والتحكم بنفسك، عندما تخذلك ذاتُك لأسباب خفية أنت تجهلها عن نفسك. لا تخلو شخصيةُ الإنسان من تناقضات حادّة، أحيانًا يتعذّر عليه هو التحكم بها، لذلك لا يستجيب طوعًا إلا لما يتسق مع طبيعته ومزاجه ويتناغم وأحلامه ورغباته وقناعاته. الكتابةُ ليست عمليةً آلية، إن أراد الكاتبُ أن يكون مبدعًا ينبغي ألا يشاكس طبيعتيه، وأن يكون مختلفًا يعبر عن ذاته كما هي. الحقُّ في الاختلاف بالكتابة شرطُ الإبداع، الإنسانُ إن كان مبدعًا في حالة هبوطٍ وصعود، “قبضٍ وبسط” كما يصطلح العرفاء، شخصيتُه في حالة تذبذب، لا يستقرّ على برنامج مكرّر متواصل، يحتاج باستمرار أن يكسر الرتابة، ويتحرّر من كوابيس المواقيتِ المُعدَّة سلفًا، والخططِ المفروضة قسرًا.

أن نكتبَ يعني أن نختلف، المختلفُ غيرُ مألوف وغيرُ معروف، لذلك يثيرُ الناسَ وربما يتسببُ في خوفهم واستفزازهم. أكثرُ الناسِ يثيرهم الاختلاف، الاختلافُ أحيانًا يشعرهم بتغيير أحوالهم، وربما بتهديد استقرارهم، وسلب الأمان من حياتهم، فيحتاجون إلى الشعور بأن يلبثَ كلُّ ما كان على ما كان.

 

[1] هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ، ترجمها وعلق على نصوصها: أحمد الزناتي، 162، 2022، الكويت. عن: (كارل غ. يونغ، الرسائل، الجزء الأول، صفحة 399).