معارك السلطات على اللغة والتأويل

  د. عبد الجبار الرفاعي

تؤلف اللغة سرديات توزع الأدوار بين بطل وخصم، ومؤمن وكافر، ومصلح ومفسد، ووطني وخائن، وثائر ومتمرد، ومحرر ومحتل، ومظلوم وجلاد. تنتقي هذه السرديات من الذاكرة ما يخدم غاياتها، وتصمت عما يربك تماسكها. لا تستمد السردية نفوذها من صدقها دائمًا؛ وإنما تكتسبه من كثافة تداولها، ومن المؤسسات والمنابر التي تتبناها وتضفي عليها الشرعية. حين تستقر سرديات السلطة في الثقافة، وتكرسها مؤسسات التربية والتعليم ووسائل الإعلام والمنابر الدينية، تحدد للمجتمع ما يتذكره وما ينساه، ومَن ينتمي إليه ومَن يقصى منه، وما يستحق التقديس وما يستوجب الإدانة. عندئذ تتحول السيطرة على اللغة إلى سيطرة على الذاكرة والهوية والخيال، فيدافع الإنسان عن تلك السرديات كأنها حقائق مطلقة؛ لأن مساءلتها تهدد نظام إنتاج المعنى الذي يمنح الأمان، وتمس موقعه داخل الجماعة. بذلك تنتقل المعركة من الحدث إلى تسميته، ومن الواقعة إلى تأويلها، ومن الحقيقة إلى صورتها المستقرة في الوعي الجمعي. وتتحول وسائل الإعلام والخطابات والرموز إلى أدوات تنتقي من الواقع ما تظهره وتخفي ما تحجبه، وتصوغ صورته بما يخدم مصالح السلطة.

تتمثل كثير من المعارك بين السلطات في التنازع على المعاجم اللغوية وأنظمة إنتاج المعنى، سعيًا إلى تفسير الواقع وتوجيه إدراك المجتمع له. لا تتصارع السلطات على القوة والثروة والمؤسسات وحدها؛ بل تتصارع أيضًا على امتلاك اللغة والتأويل والذاكرة، والتحكم في منظومة إنتاج المعنى، وتحديد الكلمات المستعملة في وصف المجتمع ذاته وغيره، والمفاهيم التي يفهم في ضوئها الحقيقة والعدالة والحرية والمساواة والحقوق والأمن والوطن والهوية. مَن يمتلك سلطة التسمية ويتحكم في إنتاج المعنى يكتسب قدرة واسعة على توجيه الوعي؛ فالاسم لا يكتفي بالإشارة إلى الواقع، بل يضعه في سياق دلالي يحدد صورته وموقعه وأثره في الوعي. هكذا يتحول النزاع على العالم إلى نزاع على تأويله ورسم صورته في الأذهان، وقد يفوق أثر الكلمة أثر القوة؛ لأن القوة ترغم الإنسان من الخارج، في حين تتسلل الكلمة إلى داخله، وتعمل على تحديد نظرته إلى ذاته والآخرين والحياة.

تتمثل أغلب المعارك بين السلطات في تنازع أنظمة لغوية على تفسير الواقع والتاريخ؛ إذ يسعى كل طرف إلى فرض معجمه وتسمياته وصوره الرمزية، كي يجعل رؤيته للعالم أرسخ حضورًا في الوعي واللاوعي. لا تصل الوقائع إلى الإنسان عارية من اللغة؛ اللغة تعيد تشكيلها داخل شبكة من الألفاظ والمفاهيم والاستعارات، تنتقي عناصرها، وتحدد سياقها، وتمنحها معنى مخصوصًا. تتحول التسمية عندئذ إلى فعل سلطوي يعيد بناء صورة الواقع ويوجه إدراك الإنسان له؛ فكل تسمية تستبطن موقفًا، وتتضمن حكمًا، وتستدعي ذاكرة وصورة وشحنة عاطفية. حين يسمى فعل ما “تحريرًا”، تفتح الكلمة في المخيلة أفق البطولة والخلاص واسترداد الحق، وحين يسمى الفعل نفسه “احتلالًا”، تستدعي صور العدوان والقهر وانتهاك السيادة. وما يقدم تحت اسم “الحماية” قد يكون ستارًا للاستعمار والوصاية، وما يسمى “إصلاحًا” قد يخفي تحجرًا، وما يعلن “حفاظًا على الأمن” قد يستر قمعًا للحريات، وما يوصف بأنه “دفاع عن الهوية” قد يتحول إلى تسويغ للتمييز والتعصب.

لا تعكس اللغة الواقع كما تعكسه مرآة صامتة؛ اللغة تسهم في تشكيل صورته وتنظيم عناصره وحضورها في الوعي. تتركز المعركة في الاسم وما يحمله من معنى؛ لأن الاستحواذ عليه يمهد لتحديد الموقف من المسمى. حين تنجح سلطة في فرض تسميتها لحدث أو جماعة أو فكرة، تفرض تأويلها للواقع، وتقدمه في صورة الحقيقة العامة. يرسم الاسم الحدود بين المقبول والمرفوض، والوطني والخائن، والمؤمن وغيره، وبين مَن يستحق الاعتراف ومَن تهدر كرامته. يبدأ العنف الرمزي حين تختزل السلطة الإنسان في تسمية تمحو فرديته وتعقيد تجربته، وتحوله إلى صورة نمطية مغلقة؛ فتصبح الكلمة تمهيدًا للإقصاء، وغطاءً يسوغ الإهانة والاضطهاد والعنف. قبل أن تستباح حياة الإنسان، تستباح صورته في اللغة، وقبل أن ينفى من المكان، ينفى من فضاء الاعتراف والاحترام في الخطاب.

يتعلم المجتمع معجم السلطة في المدرسة والإعلام والمنابر والمؤسسات الرسمية والاحتفالات العامة، ثم يعيد استعماله في حياته اليومية من دون أن ينتبه إلى ما يختزنه من مصالح وأحكام. ينتقل خطاب السلطة من المؤسسات إلى اللاوعي؛ فيراقب الإنسان لغته وأفكاره، ويخشى تسمية الأشياء كما يراها، ويردد الكلمات المفروضة عليه كأنها صوته الخاص. الإعلام ليس وسيلة محايدة لنقل الحقيقة؛ الإعلام يشارك في صناعة صورتها وترسيخها في الوعي الجمعي. لا تكمن قوته في نقل ما حدث وحده؛ بل تتجلى أيضًا في اختيار ما يعرضه وما يهمله، وترتيب الأخبار، وانتقاء الصور، وصياغة العناوين، وتحديد الأصوات التي يمنحها حق الكلام، وتلك التي يفرض عليها الصمت.

ربما لا تحتاج السلطة إلى إنكار الواقعة؛ إذ يكفي أن تعيد تسميتها، أو تنتزعها من سياقها، أو تغمرها بسيل من الأحداث الثانوية، أو تقرنها بصور عاطفية تحجب دلالتها. تستمد اللغة الإعلامية قوتها أحيانًا من كثافة تكرارها واتساع انتشارها، لا من مقدار مطابقتها للواقع. كلما تكررت الصورة وترسخت التسمية، بدا التأويل كأنه الواقعة ذاتها، وتلاشى الحد الفاصل بين ما حدث وطريقة تقديمه. الصراع اللغوي صراع على التأويل والذاكرة والهوية؛ لأن مَن يفرض روايته للماضي يوجه فهم الحاضر ويرسم أفق المستقبل.

تعيد كل سلطة كتابة الماضي بما يخدم شرعيتها؛ فتنتقي من التاريخ أبطالًا وضحايا، وتحتفي بأحداث وتتجاهل أخرى، وتمنح الأماكن والأعياد والمراحل السياسية أسماء جديدة. لا تستدعي الماضي لمعرفة ما وقع فحسب؛ وإنما توظفه في تفسير الحاضر ورسم صورة المستقبل. مَن يستأثر بسردية الماضي يستطيع أن يقدم وجوده الراهن امتدادًا طبيعيًا للتاريخ، وأن يصور خصومه خارجين على الهوية أو مهددين لها. تتحول الذاكرة إلى ميدان للصراع، ويصبح تعدد الروايات ضرورة تصون المجتمع من احتكار سلطة واحدة لمعنى تاريخه.

لا تكتمل مقاومة الهيمنة بالاعتراض على نتائجها ما لم تمتد إلى تفكيك معجمها، وكشف المصالح الكامنة في مفرداتها، والأحكام المضمرة في تسمياتها، والإقصاء الذي تنطوي عليه صورها الرمزية. قد يرفض الإنسان سلطة ما، وهو يفكر بلغتها ويقاومها بأدواتها ومفاهيمها وشعاراتها، فيعيد إنتاج سلطتها من حيث لا يدري. يقتضي التحرر استعادة الحق في التسمية، والتمييز بين الواقعة والخطاب الذي يصوغ صورتها، وفتح اللغة على تعدد الأصوات والتأويلات. لا تكتمل حرية الإنسان بقدرته على الكلام وحدها؛ إذ يحتاج الإنسان إلى لغة تعبر عن تجربته، وتصون كرامته، وتمكنه من رؤية الواقع خارج الصور التي تفرضها السلطة. حين تتحرر اللغة من احتكار المعنى تصير أفقًا للسؤال، وطاقة لكشف الهيمنة ومقاومتها، ومجالًا للاعتراف بالاختلاف.

نقد اللغة ضرب من نقد الذات والمجتمع والسلطة؛ لأنه يحرر الوعي من الأحكام الجاهزة، ويفتح أمام الإنسان إمكان تسمية عالمه بصوته، ورؤية الآخر خارج قوالب الإدانة والإقصاء. يبدأ التحرر بكشف المسافة بين الواقع وتمثلاته اللغوية، ومراجعة السرديات الموروثة، والإنصات إلى الأصوات المحجوبة بخطابات السلطة والعنف. لا يتحرر الإنسان ما لم يتحرر معجمه من كلمات الضغائن، ويسترد حقه في التعبير عن ذاته كما يراها، ورؤية غيره كما هو، لا كما تصوره خطابات نفي المختلف.

https://alsabaah.iq/138340-.html

 

 

 

اللغة فضاء لتشكّل السلطة

د. عبد الجبار الرفاعي

تسهم اللغة، بما تمتلكه من تأثير وحضور واسع، في ترسيخ المعتقدات والأنظمة والسلطات، وتوجيه الوعي، وإدارة المشاعر، وتشكيل اللاشعور الجمعي، من دون أن تلفت الانتباه إلى فعلها الخفي. تنسج اللغة في الحياة اليومية شبكات دقيقة من التأثير، وتبني السلطة في مؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة، وتنتج البنى الرمزية التي تمنحها معناها، وتسوّغ مشروعيتها، وتصوغ صورتها في المتخيل، وترسخ شرعيتها في الوعي.

اللغة من أعمق أدوات السلطة وأبرعها في بناء الهيمنة وترسيخ النفوذ وتغلغله. السلطة، سياسية كانت أم روحية، قديمة أم حديثة، تتخفى في كلمات اللغة وأساليبها وبياناتها المراوغة، وتحكم بها وعي الأتباع ولاوعيهم، وتوجه أفكارهم ومشاعرهم، حتى يغدو الخضوع استجابة طوعية لا إكراهًا ظاهرًا فيها. تتسلل السلطة إلى الوعي عبر المفردات والشعارات التي تكررها، والتأويلات التي تحتكرها، والمعاني التي تصوغها. حين تستأثر بتعريف المفاهيم، وتمنح الكلمات دلالات تخدم مصالحها، تعيد تشكيل الإدراك، وتصوغ صورتها في المتخيل، وتنتج الانقياد عن اقتناع.

أخطر أشكال السلطة ما يتخفى في اللغة، ويتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات وقيم ومفاهيم تبدو محايدة. حين تستوطن لغة السلطة لاشعور الإنسان، يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي؛ فيخشى أسئلته، ويقمع اختلافه، ويرى العالم بعينيها، ويتكلم بلسانها، وهو يتوهم أنه يعبر عن ذاته. لا تنهض المجتمعات ما لم تسترد اللغة حيويتها، وتتحرر من احتكار المعنى، وتنفتح على السؤال والنقد وتعدد الأصوات. اللغة الحية لا تغلق الوعي على معنى نهائي، ولا تمنح أحدًا حق الاستئثار بالحقيقة؛ إنها تكشف ما تحجبه اللغة المهيمنة، وتمكن الإنسان من تسمية الأشياء بصوته، واكتشاف المعنى وبناء ذاته.

تبدأ مقاومة الهيمنة بنقد لغتها، وكشف المصالح المستترة في مفرداتها، وأنماط الإخضاع المضمرة في مفاهيمها، وتحرير الأسماء من احتكار السلطة. تتحرر اللغة حين تسترد قدرتها على تسمية الأشياء كما هي، وتفضح الأقنعة اللفظية التي تمنح القمع شرعية، والإقصاء قبولًا، والخضوع مظهر الطاعة. لا تتحقق حرية الإنسان ما لم تتحرر لغته من الخوف وادعاء امتلاك الحقيقة، وتعترف بحقه في السؤال والاعتراض وفي أن يكون مختلفًا. تحرير اللغة تحرير للوعي، وتحرير الوعي بداية استرداد الإنسان حريته وكرامته.

لا تعمل السلطة بالقوة وحدها، بل تتغلغل لغتها في حياة الناس، وتشدهم إلى منظومة من المفاهيم والمعاني والقيم التي ترسخ حضورها، وتجعل رؤيتها للعالم تبدو محايدة. اللغة فضاء تتشكل فيه السلطة، وتعيد من خلاله إنتاج ذاتها، وتوجه طرائق التفكير والإحساس، وتحدد ما يجوز قوله وما ينبغي الصمت عنه. لكل سلطة معجمها الخاص وتسمياتها التي تعيد بها رسم الواقع وفقًا لمصالحها؛ لأن احتكار اللغة يفضي إلى احتكار نظام إنتاج المعنى، مَن يحتكر نظام إنتاج المعنى يمتلك سلطة خفية على الوعي.

في اللغة تتخلق البنى الرمزية التي تمنح السلطة معناها، وتسوغ وجودها، وترسخ شرعيتها. لا تفرض السلطة حضورها بالقوة وحدها، إذ تحتاج إلى معجم يعيد تسمية أفعالها، وصور رمزية تكسبها القبول، وسرديات تقنع الناس بأن حكومتها ضرورية للأمن والتنمية، وأن الخضوع لها يضمن الاستقرار والحماية مما يهدد حياة المواطنين وعيشهم. تتغلغل لغة السلطة في التعليم والإعلام والقانون والخطابين السياسي والديني، فتشد الأفراد إلى منظومة من المعايير والشعارات التي تكرس هيمنتها، وتجعلهم يرون الواقع من خلال مفاهيمها وتسمياتها، ويحكمون على الأشياء وفقًا لمعاييرها.

اللغة بهذا المعنى فضاء تتولد فيه السلطة، وأداة تعيد بها إنتاج ذاتها وتشكيل الوعي وترسيخ اللاوعي بما يحفظ مصالحها. تبلغ الهيمنة ذروتها حين تتحول لغة السلطة إلى لغة المجتمع؛ فيتكلم الناس بمفرداتها، ويفكرون بمقولاتها، ويتبنون معاييرها وأحكامها، ويدافعون عن مصالحها، من دون أن يدركوا أنها استوطنت وعيهم، وصاغت إدراكهم، ورسمت حدود ما يحق لهم التفكير فيه والتعبير عنه. عندئذ لا تحتاج السلطة إلى إعلان حضورها في كل مرة؛ لأنها تغدو صوتًا داخليًا يتكلم في الإنسان، ويوجه نظرته إلى ذاته والآخر والعالم.

حين تتشكل العلاقات بين البشر وفق منطق السلطة، تتحول اللغة إلى أداة لتوجيه السلوك وضبط الأفعال. لا تستقر لغة السلطة في صورة واحدة؛ فقد تظهر في صيغة أمر صارم، أو في نبرة استعطاف ولطف، أو تمزج بينهما في خطاب يتخفى فيه القسر وراء لطف يستدرج القبول، وتتوارى فيه إرادة الإخضاع خلف عاطفة مصطنعة. تستعمل السلطات والمؤسسات والجماعات اللغة لفرض معايير تخدم مصالحها، فتمنح نفسها حق تعريف الحقيقة واحتكار تفسيرها، وتحدد للناس كيف يفهمون الواقع، وتحاصر كل رؤية لا تتطابق مع رؤيتها. تعيد اللغة تشكيل الوعي، وتغرس في الإنسان صورًا وتمثلات تتراكم بمرور الزمن، حتى يتلقاها كأنها حقائق نهائية لا تقبل السؤال أو الاختلاف. تبلغ الهيمنة مداها حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين صوته وصوت السلطة المستوطن في داخله، فيظن أنه يفكر بحرية، فيما تعيد أفكاره إنتاج معاييرها وأحكامها ومصالحها.

كما تعمل السلطة السياسية على بناء سلطتها باللغة، تعمل السلطة الروحية على ترسيخ المعتقدات في العبادات والطقوس والمواعظ والحكايات والأدعية والأمثال، وربطها بالمقدس، وإضفاء الهيبة على مفرداتها ورموزها. بالتكرار تستقر هذه المعتقدات في الوعي وتتكرس في اللاوعي، وتكتسب حصانة رمزية تجعل مساءلتها عسيرة، فيغدو الاعتراض عليها اعتراضًا على المقدس ذاته. لا يقتصر دور اللغة على حفظ المعتقدات ونقلها، وإنما تصوغ مفاهيمها وصورها، وتحدد طرائق تلقيها، وترسم الحدود بين المقدس والمدنس، والإيمان والضلال، والطاعة والعصيان. يستمد المعتقد حضوره من اقترانه بالأماكن والأزمنة والمناسبات الدينية والشعائر الجماعية، فينتقل من فكرة يتلقاها العقل إلى معنى تعيشه الذات في مشاعرها، ويصير جزءًا من ذاكرتها وخيالها ونظرتها إلى نفسها والعالم. حين يقترن المعتقد بالخوف والرجاء، والثواب والعقاب، والقبول والنبذ، يزداد رسوخًا في أعماق الإنسان، وتصير مساءلته تهديدًا لأمنه النفسي ومكانته الاجتماعية وانتمائه إلى الجماعة، لا مراجعة لفكرة.

يتكرس أثر السلطة الروحية حين تتحدث باسم الله، وتمنح تفسيرها صفة القداسة، وتخلع على أحكامها حصانة تعلو على النقد؛ فتغدو طاعتها مرادفة لطاعة الله، ويغدو الاعتراض عليها خروجًا على الإيمان. تستمد هذه السلطة نفوذها من قدرتها على إدارة الخوف والأمل، وتوزيع الاعتراف والحرمان، وتحديد من ينتمي ومن يقصى، ومن يستحق الخلاص ومن يستوجب العقاب. عندئذ تتحول اللغة إلى حارس للمعتقد، يعيد إنتاجه في الضمير والذاكرة، ويمنحه القدرة على البقاء والانتقال بين الأجيال.

خلافًا للمعتقد المغلق الذي يحتكر النجاة، يكون الإيمان الحر منبعًا للمعنى والرحمة والسكينة، وطاقة لتحرير الإنسان من الخوف والاستعباد. يبدأ الانحراف حين تستثمر السلطة الروحية حاجة الإنسان للصلة بالله، وتقدم اجتهادها النسبي كأنه حكم إلهي نهائي. ينشأ عن ذلك تدين يخشى السؤال، ويرى النقد اعتداء على الدين، والاختلاف خروجًا على الجماعة. الإيمان المُحرِّر لا يصادر العقل، ولا يطفئ صوت الإنسان، ولا يحول صلته بالله إلى خضوع لوسيط يتحدث باسمه. تتحرر لغة الإيمان حين تميز بين النص المقدس وقراءاته البشرية، وتعترف بمحدودية المعرفة الدينية وتاريخية فهمها، وتستعيد وظيفتها الروحية والأخلاقية في إيقاظ الضمير، وتغذية الأمل، وصيانة الكرامة، واكتشاف معنى وجود الإنسان وحياته.

https://alsabaah.iq/137915-.html