أركان علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي

 

ستار الزهيري[1]

من خلال قراءتي  للمرة الثانية لكتاب: (مقدمة في علم الكلام الجديد) للدكتور عبد الجبار الرفاعي في طبعته المزيدة، بعد قراءة طبعته الأولى، لا أستبعد صدور طبعة ثالثة ورابعة له،كما يصرح المؤلف في تقديمه لهذه الطبعة بقوله: “يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة،كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه”، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23).

يشارك الرفاعي معاصريه همومهم، وإن كان يختلف عن غيره في طريقة التفكير وطريقة الحل، اختلافا يحفظ له كيانه المتميز؛ الذي نجده يتمثل في:

أولا: اقتراحه ان يبدأ التجديد في علوم الدين بعلم الكلام، لأنه الأساس الذي يقوم عليه علم أصول الفقه، والفقه، وغير ذلك من معارف الدين. علمُ الكلام يحتلُ مكانةً مركزية في المعارف الدينية في رأي عبدالجبار الرفاعي، حسب قوله: “علم الكلام في رأيي يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، لأنه هو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يحدد طريقة التفكير ونوع مقدماته ونتائجه. وذلك يعني أن أية بداية لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام ومسلماته المعرفية ومقدماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات. تجديد الفقه مثلا يبتني على تجديد علم أصول الفقه، وتجديد أصول الفقه يبتني على تجديد علم الكلام، ذلك أن الأسس التي يقوم عليها علم الأصول ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ولعلم الكلام مسلماته المعرفية ومقدماته المرتكزة على المنطق الأرسطي. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية الحرفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصر، ما لم نعد النظر بالبنية  التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، ونتخط آليات النظر والفهم المتوارثة”، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 97).

ثانيًا: يبدأ الرفاعي من التراث بدراسته واستيعابه، ثم يتخطي ما هو مندثر منه.

ثالثًا: توظيفه للفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

رابعًا: لغته الخاصة، بكل ما يميز تلك اللغة من اسلوبه وبيانه الخاص في الكتابة.

هكذا يساير الدكتور الرفاعي عصره، وهو يصغي له ويحاوره، وهكذا يتخذ لنفسه موقفًا فريدًا، إذ يختلف عن غيره، بما يحفظ له شخصيته وكيانه. وأنت تقرأ هذا الكتاب لا تمنع نفسك وصف تلك القراءة بالسياحة والتجول في ميادين وأزقة الفكر الإنساني. يصحبك الرفاعي معه في هذا السياحة، يعُرّفُك على كانط وهيجل وبرجسون وكيركغارد وهايدغر، ويجلسك مع ابن سينا والمحقق الداماد وملا صدرا الشيرازي، ويدعوك لمساجلة القاضي عبد الجبار والفخر الرازي والعلامة الحلي، ولا ينسى ان يضع أمامك آراء محيي الدين بن عربي وأمثاله، وينصحك بمسك القلم وتدوين الملاحظات عليهم أجمعين، لمناقشتها بعد الرحلة، فإذا ما انتهت الرحلة يطالبك؛ بـ “التخلية”، أي التخلي عن القبليات الذهنية والاعتقادية قدر امكانك. ثم يطالبك بـ “التحلية”، أي تقديم قراءة جديدة للرحلة ومدونة الملاحظات لديك التي أمرك بالاحتفاظ بها.

لفت انتباهي رأي للدكتور أديب صعب في معرض التعريف بـ “علم الكلام الجديد” في كتابه “دراسات نقدية في فلسفة الدين”، حيث يقول: (هو إعادة صياغة لعلم الكلام القديم  في ضوء الدراسات الدينية). هذا الكلام جعلني أقف مذهولًا، فأين علم الكلام الجديد من ذلك! ما الجديد في هذه القراءة الجديدة لعلم الكلام الجديد التي يقترحها الدكتور صعب؟ ألم يتعرف د. أديب صعب على آراء المتكلمين الجدد، ورؤية عبدالجبار الرفاعي ومنهجيته المعرفية في بيان المهمة الكبيرة التي تقع على عاتق علم الكلام الجديد. يلخص الرفاعي رؤيته بقوله: (رؤية تبتني على أنه مادام هناك إنسان فهناك أسئلة ٌميتافيزيقية كبرى، وهذا النوع من الاسئلة لا جواب نهائي له)، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23). ويرسم الرفاعي موقفًا واضحًا يتحدد في ضوئه علم الكلام، ويتميز القديم منه عن الجديد، عندما يكتب: ” أساسُ علم كلام هو الإيمانُ بالمصدر الإلهي للوحي. الاختلافُ بين علم الكلام القديم والجديد في كيفية فهم الوحي وتفسيره. الكلامُ الجديد يفسـره تفسيرًا لا يستأنفُ ما قاله الكلامُ القديم. في ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادّي لا يؤمن بالله، أو يرى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشـر، أو هو نوع من الإيحاء النفسـي، أو هو محصلة ارتياض صبور يتمرس فيه بعضُ الأشخاص، وينفي صلته بالغيب. إذًا لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلام جديد”، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 150).

فأين هذا القول من رأي د. أديب صعب، الذي يرى علم الكلام الجديد مجرد إعادة صياغة لعلم الكلام لقديم!

رؤية الرفاعي يرسمها في سبعة أركان يتأسس عليها علم الكلام الجديد، وتكشف ما يرمي إليه المتكلم الجديد، وتتمثل حسب ما يراه في:

أولًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي. وهذا هو الركن الذي تتفرع عليه كل الأركان التالية، حسب نظر الرفاعي.

ثانيًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يعيد بناء صورة مضيئة لله مستوحاة من القرآن الكريم.

ثالثًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يبني صلة بالله تتأسس على المحبّة المتبادلَة:”يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”.

رابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يوقظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين.

خامسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم فهمًا للقرآن الكريم والنصوص الدينية يستجيب لما يحتاجه المسلم من معنى ديني.

سادسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ ينفتح على الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة ويوظفها في بناء الكلام الجديد.

سابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يؤمن بتعدّدِ قراءات القرآن الكريم، وإعادةِ تفسير كلام الله، وتنوع فهم النصوص الدينية تبعًا لتنوع الأزمان وتعدّد الأحوال، وإعادةِ تفسير آيات القرآن في ضوء حاجة الإنسان للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتطلبه العيش في عالَم يتسارع فيه إيقاعُ المتغيرات، وتتفاقم فيه كلُّ يوم مختلف المشكلات. (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 177-180).

لعل من الأهمية التي يمكن ان يتميز بها كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد، أن  ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، لا بل إن كل الاجوبة مفتوحة عل التحري الدائم، وخاضعة للقبول أو التعديل أو التبديل، في ضوء العقل والتجربة، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء الا لأن اسمًا كبيرًا اقترحه أو اعتنقه.

كم هي المساحة في تراثنا الكلامي للكتب والآراء التي تروى نقلًا عن الآخرين، بلا إعمال للعقل اللاحق فيها، تارة تختار، وتارة تؤرخ، وطورًا تصنف، فكأنما الطهاة الذين أعدوا الطعام قلة لا تتجاوز الأصابع العشرة، او قل العشرين، ثم تكاثرت حول المائدة ألوف تتسقط الفتات المتناثر، كل يأخذ من هذا الفتات ما وسعت حفنتاه؟ ماذا لو استغينينا عن عشرة أسماء من علم الكلام الأشعري، وعشرة من علم الكلام الشيعي، والتي تعتبر مصنفاتهم نصوصا تأسيسية،كما تسمى؟ ماذا يتبقى، ما الذي سيحصل لو استغينينا عن مصنفات فلان وفلان وفلان من المجتهدين في علم الكلام، وفتحنا باب الاجتهاد في علم الكلام اليوم، ما الذي يبقى من التراث الكلامي؟ هل نمكث مقلدين لاجتهادات القدماء لو اجتهدنا اليوم، مع ان المعروف لدي المجتهدين ان التقليد في علم الكلام والمعتقدات باطل؟

قلت لنفسي وأنا أقلب النظر في منوعات من التراث؛ لماذا لا تفحص مجلدًا أو مجلدين من هذه القمم، لترى ماذا كان يكتب المتكلمون، الذين تعنون لهم هذه القمم التي لا تكاد تقع تحت الحصر… واخذت استعرض ضروب المؤلفات وصنوف الأعمال التي جعلت من اصحابها متكلمين، استحقوا ان تفرد لهم هذه العناوين كلها، فلم أخرج إلا بما يؤيد فكرة سابقة كنت قد حصلتها من انطباعات متناثرة على مر الزمن، وهي انه – بأستثناء أصول قليلة جدًا، فيها أصالة وابتكار- هناك كمية من المجلدات، التي لا تضيف حرفًا واحدًا جديدًا، فهي شروح، وشروح للشروح، وتعليق، وتعليق على التعليق!

ذلك كله واقع لا سبيل الى نكرانه، وان الخروج عليه إنما يجيئان بعد مغالبة الإنسان لنفسه ولطبيعته، وهذه المغالبة لأهواء النفوس وميول الطبيعة هي ما نحن بحاجة اليه، حين يتبين أن تقويم القديم بأكثر من قيمته النفعية لا يقتصر على إشباعه لرغبة رومانسية – نوستاليجيا – في نفوسنا، بل يقف في سبيل سيرنا عقبة تحول دون التقدم نحو ما نريد ان نتقدم نحوه من تغيير للفكر وتبديل لأوضاع الحياة.

لو قارنا كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد مع أحد الكتب التراثية لا نجد تشابهًا، لا في الآليات، ولا في المرتكزات، ولا في القراءة للموضوعات، ولا في طبيعة النتائج التي يصل اليها.

علم الكلام الجديد لا تربطه بعلم الكلام القديم سوى الألفاظ، وان كانت راهنية الكلام الجديد في الألفاظ أكثر مرونة وانفتاحًا واستيعابًا، لما يوفر من إحاطة بالمصطلحات التي هي اكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر.

أن تقدم فهمًا جديدًا شيىء، وأن تقدم قراءة جديدة شيء آخر، أن تقدم شرحًا جديدًا شيىء، وان تقدم نصًا جديد شيء آخر، ثمة ما يقلق الذهن الديني في انشغالاته، فهل هو معني بهذه ومعفي من تلك، ام تراه يراهن على شيء آخر لايمكن لعقل الماضي استيعابه، ولا أن يضعه في خانة همومه. العقل الذي يبتغيه المؤلف في هذه المقدمة لعلم الكلام الجديد، هو عقل متسائل في كل المساحات الخاضعة للذهن البشري، لا يعرف حدودًا  للاستفهام، ولا يدعي بابًا موصدة أمام الطرق.

ذلك ما تقدمه رؤية عبدالجبار الرفاعي لعلم الكلام الجديد، ورسمه لخارطة أركانه الأساسية، وما تهدف إليه دعوته للاجتهاد في علم الكلام، من اكتشاف للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين اليوم.

[1] كاتب عراقي متخصص في علوم الدين.

 

رابط النشر

 إعادة بناء مفاهيم: “الإنسان، الدين، الكرامة”

في كتاب الدين والكرامة الإنسانية 

ستار الزهيري[1]

لا أعرف ما الذي دفعي الى استحضار عدة استفهامات وأنا اقرأ كتاب (الدين والكرامة الإنسانية) للدكتور عبد الجبار الرفاعي. تساءلت عن عنوان هذا الكتاب: هل ثمة ما يقلق في هذا الشأن؟ أو ما المساحة التي تشغلها الكرامةُ من الدين؟ هل من حدود لتلك الكرامة؟ وتكرّرت (هل) معي وأنا أقرأ الكتاب لأجد إجابات لبعض استفهاماتي، وأجد تعميقًا لبعضها الآخر ينفتح على أسئلة أخرى؟

يجعل الرفاعي الكرامةَ القيمةَ المركزية التي تتفرع عنها كلُّ القيم، مثل: المساواة والحرية واحترام المختلف في الدين والمعتقد، كل ذلك في ضوء تفسيره لآيات القرآن الكريم، يقول الرفاعي: (الكرامة هي القيمة المركزية في حياة الكائن البشري، الإنسان الأصيل يضحي بحياته من أجل ان تُخلِّد ذاكرةُ الوجود كرامتَه، الكرامة مكوّن لهوية الإنسان الوجودية، عنوان تكريم خلق الإنسان هو كرامته لا شئ آخر سواها. انتهاك الكرامة يفضي الى انتهاك كل حريات الإنسان وحقوقه). لا نقرأ هذا الكلام في مدونات تجاهلت أشكالَ الاستعباد المفضوحة، وباتت مدعاة للاستثمارات الايديولوجية ومقاولات الجحيم باسم الدين.

عوّدنا الرفاعي في كتاباته أنه يثير الأسئلةَ عن بديهياتنا عن الإنسان والدين ومنشئها، إذ يتساءل عن طبيعة الإيمان، ومنشأ الحاجة إلى الدين، وكيف يفسّر فهمُنا العميق للتضادّ في طبيعة الإنسان حاجتَنا إلى الدين، يقول: (لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ أولًا، وحاجتَه لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة والمساوة والحرية. إعادةُ تعريف الإنسان هي المدخلُ الصحيح لإعادةِ تعريف الدين وكيفيةِ فهمه وتفسيرِ نصوصه، بالشكل الذي يصيرُ الدينُ فيه مُلهِمًا للعيش في أفق المعنى).

إذا فهمنا شيئًا عن الإنسان، ففي ضوء هذا الفهم للإنسان يمكن أن نتحدث عن حاجته العميقة للدين الذي يفرض حضورَه في كلّ عصر مهما اشتدّت مناهضتُه ورفضُه.

يتمحور كتابُ الدين والكرامة الانسانية حول إعادة بناء ثلاثة مفاهيم مركزية، هي:

  1. الإنسان.
  2. الدين.
  3. الكرامة.

يحتلّ الحديثُ عن الإنسان المساحةَ الأوسع في هذا الكتاب، ففي الفصل الثاني والرابع والساس كان الإنسانُ محور الحديث، بدأ الرفاعي الحديثَ عن الإنسان في الفقرة الأولى من مقدمة كتابه. وبموازاة الحديث عن الإنسان ظل يلازمه حديثُه عن الدين، وأفرد للحديث عنه الفصل الرابع، ببحث الحاجة للدين وأشكال التدين بتفصيل منتزع من الواقع، لم أجده في مؤلفات اسلامية أخرى. يرى الرفاعي الحاجةَ الى الدين مستودعةً في أعماق الكينونة الوجودية للكائن البشري، إذ يقول: “لا يصنع الإنسانُ حاجتَه للدين، الحاجةُ للدين مستودعةٌ في أعماق الكينونة الوجودية للكائن البشري. ما يصنعه الإنسانُ هو أنماطُ تدينه. كان الدينُ مع آدم الأول وسيبقى مع آدم الأخير في الأرض، الدينُ كائنٌ حي لن يموت مادام هناك إنسان يعيش على الأرض، كلُّ الظنون والتوقعات والآراء بأفول الدين وانسحابه من الحياة بتقدم العلم وتطور معارف الإنسان يكذّبها الواقع. ما يموت هو نمط معرفة بالدين تنتمي للماضي. والدليل على حضور الدين بقوة هو الازدياد المتواصل لعدد أتباع الأديان الذي ينمو كلَّ يوم في العالم”.

وخصص الرفاعي الفصلين الثالث والأخير من كتابه للحديث عن الكرامة الإنسانية، جاء الفصل الثالث بعنوان: “الكرامة جوهر إنسانية الدين” وهو بحث اعتمد فيه على القرآن الكريم. والفصل السادس تناول: “الكرامة الإنسانية والاستعباد”.

يدرس عنوان الكتاب: الكرامة _ الإنسان، وعلاقة الدين بهما، في مستويين، يحاول فيهما أن يعيد بناء مفهوم الكرامة قرآنيًا:

المستوى الاول: يعيد النظر في فهمنا للكرامة، فيكشف الرفاعي أن منشأ الكرامة مرتبط بوجود الانسان، وليس بالمعتقد الذي يعتنقه، الكرامة ذات أصل يلازم الكينونة الوجودية له لأنه المستخلَف في الأرض، لذلك أوجد الله الكرامة ملازمة لوجوده، بغض النظر عن معتقده وعرقه وثقافته وبلده. يكتب الرفاعي: (ينفرد الإنسان في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق كما جاء في الآية: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وفَضَّلنَاهُم عَلى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلَا”. التكريمُ هنا تكريمٌ عامٌّ يتسع لكلِّ بني آدم، وهو مقامٌ وجودي، أي إنه مكوّنٌ ذاتيّ للكينونة الوجودية للإنسان مطلقًا، بغضّ النظر عن جنسه ولونه ومعتقده، وغيرِ ذلك مما هو خارج كينونته الوجودية. وهو غيرُ التكريم العرضيّ المُضاف الذي هو استحقاقٌ يناله الإنسانُ بعملهِ وسعيهِ للكمال، وجهودهِ الخيرة من أجل إسعاد الناس، والمساهمةِ في اثراء القيم وترسيخها، وخلقِ عالَم أجمل للعيش).

المستوى الثاني: مادامت الكرامة ملازمة للكينونة الوجودية للإنسان، وهي مشترك جوهري بين كل البشر، فهي قيمة كونية عابرة للزمان والمكان. الكرامة تنفي مفهوم العبودية بمختلف أشكاله ومراتبه، يقول المؤلف: (لم يتنبه أكثر المتكلمين الى أن القران بوصفه كتابًا مقدسًا، يؤسس قيمًا انسانية كونية عابرة للزمان والمكان، تنظر للكينونة الوجودية للإنسان). ويبين الرفاعي في معرض تناول مفهوم الحرية، فشلَ المنظومة الكلامية القديمة في تقديم فهمٍ صحيح للحرية، إذ يقول: (نرى هذه المراتب الوجودية السامية للانسان على الضد من مفهوم العبودية، بالمعنى الذي أنتجه المتكلمون المسلمون بمختلف فرقهم وما إنتهى إليه ذلك المفهوم من سلب حرية الانسان ومصادرة حقوقه التي كانت استحقاقًا ربانيًا لوجوده من حيث هو إنسان).

أدركتُ حينها أنه لا يمكن أن يفصح كتابٌ واحد عن فهم الآلية التي يشتغل فيها مبضع التشريح لدى الرفاعي، بل لا بدّ من استحضار المنهج الذي يشتغل عليه الرفاعي برمته،كي تتسنى للباحث معرفةُ الأهداف المتوخاة لإي كتاب يصدر عنه، وتتكامل معه معالُم رؤيته لتجديد الدين.

الكرامة هدف الفكر الإنساني بكلّ محطاته، فلو تتبعنا مؤلفات العظماء لوجدنا (الكرامة) مرافقًا حميمًا لمسيرة الكلمات والأفكار لديهم، كما نقرأ ذلك لدى فولتير وتسامحه، وليسنج وتربيته، وروسو وعقده الاجتماعي، وكانط وسلامه الدائم… والقائمة تطول.

أراد عبد الجبار الرفاعي وضعَ بصمته في قائمة أولئك الذين يشيدون أسس الكرامة ويعملون على بناء عمارتها، جعل الرفاعي الكرامةَ القيمةَ المركزية كما نراها لدى الفلاسفة والمفكرين الذين أشادوا بنيانَ الحريات والحقوق في العصر الحديث.

الأطروحة المركزية التي يحاول المؤلف شرحَها وبيانها في كتابه مهمة جدًا، وهي ضرورية لأنها تهدف إلى إكمال بناء سلسلة المفاهيم المحورية في “علم الكلام الجديد” الذي مازال مصرّا على مواصلة الطريق رفقةَ مفكرين آخرين في بنائه. الفكرة الأساسية في هذا الكتاب وغيره من كتابات الرفاعي التي تمثّل أحدَ أسس الكلام الجديد عنده، يلخصها بقوله إنه: “يعيد بناء القيم المركزية في حياة الإنسان مثل الكرامة قرآنيًا، بوصف الكرامة مكونًا للكينونة الوجودية للإنسان، أعيد بناءها خارج علم الكلام والمعتقد والفقه الموروث، بمعنى تفكيك الكرامة والقيم الكونية عن علم الكلام والمعتقد والفقه، بعد تحرير فهم القرآن من سلطة المقولات الكلامية القديمة يستطيع المسلم الاعتراف بالمختلف في المعتقد واحترامه وتكريمه”.

قد يلجأ المتتبع لأفكار الرفاعي الى التدوين، وكتابة الملاحظات، لا لحفظها بل لدمجها مع بعض، وذلك لكي يفهم طبيعةَ المركب المعرفي، والمنهج الذي يختطّه لنفسه في كلّ مدوناته. لا يمكن أن يفصح كتابٌ واحد عن فهم الآلية التي تعدّ المنهجَ والمحرّكَ لكلّ مؤلَف لدى الرفاعي، بل لابدّ من استحضار المنهج الذي يشتغل عليه الرفاعي برمته، كي تتسنى للباحث معرفةُ الأهداف المتوخاة لأيّ كتاب يصدر عنه.

الرفاعي يرفض أدلجة الدين، لكن تجريد الإنسان من الأدلجة عملية في غاية الصعوبة، من حيث إنها تحُدث تغييرًا جذريًا في المتبنيات، وتجرّد التفكيرَ مما التصق به من موروثه الاجتماعي، وقد تسالمت عليه بنيتُه الذهنية، فالواقع والمعيشة متقدّمة على الفكرة لا العكس، والناس يسعون الى تطبيق أذهانهم على الواقع الخارجي لا تطبيق الواقع على أذهانهم، فيرون حياتَهم ومعيشتَهم بعيون عقولهم، وهذا التزيين والتبرير العقلاني هو الذي يسمى أيديولوجيا.

السرّ في قبول الناس للايديولوجيا والمفاهيم اللاعقلانية يكمن في أن الكثيرَ من الناس لا يرغبون أساسًا في تحريك عقولهم والاستفادة منها، إعمالُ العقل والاستفادة منه يثيران فيهم الوحشةَ والخوف، والسرّ في هذه الوحشة هو أننا لم نستثمر عقولَنا بشكل كامل، والحقيقة إذا تحركت من موقع العقلانية المحضة، ودخلت الميدان، واتبعت أحكام العقل فقط، فإن ذلك التحرك ربما يسوقك إلى وادٍ مخيف. الاستفادة من العقل تثقل كاهلَ الإنسان لأنها تجعله مسؤولا، ذلك ما قام به المفكرون العظام فهؤلاء قاموا بعمل عظيم يتلخص في تركيزهم الجادّ على استعمال عقولهم، والتواصل في هذا الميدان أثقل وأشدّ من ميدان القتال. يقول إيمانويل كانت: “تجرّأ على استعمال فهمك الخاص”، هذه خلاصة دعوة التنوير، أكثر الناس لا يستعملون فهمهم الخاص. هنا تكمن المشكلة والأهمية في الوقت نفسه،كيف يتجرأ المرءُ على اللجوء إلى عقله واستعمال فهمه الخاص، وكيف نجرّد المرءَ من تراكمات التاريخ، وإنقاذ كرامته المنتهَكة تاريخيًا وحاضرًا، ونحن أمام ذاكرة جمعية لا تقول الا مزيدًا من محاصرته، وقد عملت ذاكرتُه، وهو حبيس الايديولوجيا، على تزييف الأمور. من دون ذاكرة، ومن دون هذا التفسير الذي يبقى على الدوام مختلفًا جوهريًا عن الحياة اليوم المعبَّر عنها بسذاجة، ما كان لذلك الماضي أن يبقى محفوظًا لنا،كان من شأنه أن يحررنا من الحبس المؤبد. الذاكرة الايديولوجية هي التي حفظت لنا الماضي، ذلك الماضي الذي رسم لنا صورةً للإنسان ليست إنسانية، صورة تحطّ من كرامته ومقامه الذي وضعه الله فيه، وكأن الإنسان بالنسبة إليها إنسانًا مفبركًا. وقد تمّ التعاملُ مع الدين والكرامة والإنسانية على أساس معادلة: إن الدين يساوي الشريعة، والشريعة تساوي الأحكام فقهية، والكرامة تدور مدار هذه الأحكام، والإنسان هو المسؤول عن تطبيق كلّ ما ورد في هذه الأحكام الفقهية، بعنوان أنه مكلَّف، لا بعنوان أنه إنسان مكرم! لابد من التميز بين الإنسان بما هو إنسان، والإنسان التاريخي (المكلَّف) بما هو مادة للدرس الفقهي، كما شرح ذلك الرفاعي في كتابه هذا. يتحدث الرفاعي عن صورة للإنسان في ضوء تفسيره للقرآن الكريم، فيكشف (عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعد منهما يُتخَذ موضوعًا لنوع من أحكامه: الأول: الإنسانُ الذي يعبر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والانثربولوجي المتحول بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحولات الظروف والأحوال وأنماط العيش. والثاني: الإنسانُ من حيث هو إنسان أبدي لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغض النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً وجودية كونية لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقع). ويرى الرفاعي بأن الإنسانَ بالمعنى الذي يعبر عن هوياته المتغيرة هو (الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش ومختلف المعطيات السائدة في الواقع). والإنسان (بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًا أو جغرافيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا أو دينيًا… هو موضوعُ الكرامة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم). هذا هو المفتاح الأساسي في منهج الرفاعي الذي يعتمده في تفسير القرآن الكريم، وتقديم فهم لآياته يظل يتحدث للإنسان كل يوم.

وهنا ينبغي أن نشير إلى هذه النقطة المهمة، وهي أنه لا شيء من المعرفة أكثر ضررًا وألمًا من أن يتبدّل البحثُ الفكري الى بحثٍ لفظي لا حاصل له، وذلك باستخدام ألفاظ واصطلاحات فضفاضة، أو بشكل مبهم وغامض بحيث تحتمل كلَّ معنى. اتباعَ مثل هذا المنهج في التعامل مع الدين والأنسان، ينتج صورةً لشبح الإنسان وليس حقيقة الانسان. يكتب المؤلف: (في لاهوت المتكلمين يغترب الانسان وجوديًا عن الله، لأن ذلك اللاهوت يبرع في نحت صورة لله تحاكي علاقة السيد بالعبد المكرسة في مجتمعات الأمس، الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدين، نمط علاقته بالانسان كانها علاقة مالك برقيقه، فهو يمتلك الناس كما يمتلك الأسياد الرقيق، ويمتلك أقدارهم، ويمتلك التصرف بكل شي في حياتهم، وقد وُلدت عقيدة الجبر في أفق هذه الرؤية مبكرًا، وأصبحت منبعًا لشرعنة الاشكال المتنوعة للاستبداد في تاريخ الاسلام).

وقد أشاح الفقهُ بوجهيه القديم والحديث، عن أيّ مسعىً يستهدف قراءةَ النصّ الديني قراءة انثروبولوجية وهرمنيوطيقية تراعي السياقَ التاريخي السوسيولوجي والانثربولوجي والقيمي بحيث يأتي تفسيرُ تلك الآية (محايثاً) وليس (مفارقاً) لطبيعة الواقع الاجتماعي المعيش ذلك الوقت، ولم تقرأ بما ينسجم ومنهجية القراءة التاريخية لحضور الدين في الحياة الإسلامية.

غاب الإنسانُ وكرامتُه على وفق هذا الفهم في مدونات الفقه والكلام، لم يراجع أحدٌ ذلك، وأعادت المؤلفاتُ اللاحقة شرحَ المؤلفات السابقة، وكان الإنسانُ وكرامته ضحيةَ ذلك.

من هنا تكمن أهميةُ عمل المؤلف في استنقاذِ مفاهيم الدين والكرامة والانسان في ضوء ما تقوله آياتُ القرآن الكريم، وتحريرِ فهمها مما طالها من تفسير يتحدث عن التاريخ، لا عن الواقع الذي يعيش فيه الإنسان اليوم زمن الحقوق والحريات.

اكتفي بهذا القدر من التعبير عن أهمية كتاب عبد الجبار الرفاعي الجديد، وان كان المؤلفُ بحاجة الى دراسة مستفيضة، تأخذ في اعتبارها المشروعَ الكامل لكلّ مؤلفاته للتعريف بالمنهج الذي يسير عليه، وقد ذكرتُ في مقال سابق أن مشروعَ الدكتور الرفاعي كُتب عليه ألا ينتهي، ولا يتوفر على إجابات نهائية، ذلك ما أخذه على نفسه، وهي ميزة تقرّ بها العلومُ الحديثة، اذ لا توجد أجوبة نهائية في حياتنا، وهو المنهج الذي يترجم احترامَ العقل وإمكانياته، بأن لا تفرض عليه إجابةٌ تغلقه، وتغلق عليه أبواب المعرفة الرحبة.

على وفق هذا الاستنتاج لا يمكن معرفةُ هذه المفاهيم باعتماد القراءات القديمة والتي لا تميز بين الإنسان بما هو إنسان، والإنسان التاريخي بما هو مادة للدرس الفقهي.

هذا الإنسان الذي أرّق الراحل د. حسن حنفي في تساؤله عن غياب الإنسان في تاريخنا الإسلامي، وهو ما جعل الرفاعي منزعجا مما تمّ تعريفُه وبيانه لماهية الانسان في منظومتنا الفقهية والكلامية، وهو ما دفعه الى تأليف هذا السِفر المهم الذي نأمل أن تهتمّ بموضوعاته معاهدُ التعليم الديني في الأزهر والزيتونة والقرويين والحوزات وكليات الدراسات الإسلامية.

 

 [1] ستار الزهيري، كاتب عراقي متخصص في علوم الدين.

رابط نشر المقال