نقد التراث وتجديد الفكر الديني .. محمد عابد الجابري وعبد الجبار الرفاعي نموذجًا

بهاء سوادي[1]

منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، تتوالى دعوات إصلاح الفكر الديني وإحيائه وتجديده، وتتباين مناهجها وأدواتها في النقد والمراجعة. ويكشف تتبع مساراتها عن محاولات تستثمر هذه الدعوات في استمالة عواطف الناس، وتوظف المراوغات اللفظية لإزاحة أيديولوجيا وإحلال أخرى محلها، من دون مراجعة جادة للأسس التي تنتج الانغلاق والجمود.

نستبعد من نقاشنا هذا النوع من المشاريع، ونركز على المشاريع التي تمنح النظر العقلي والحجاج النقدي موقعًا أساسيًا في مقاربتها للفكر الديني. ويمكن تصنيف هذه المشاريع، بحسب طبيعة النقد وأهدافه، إلى اتجاه يغلب عليه التفكيك والتقويض، وينشغل بكشف تناقضات الموروث ومساءلة مرجعياته، واتجاه يتجه نحو التركيب والبناء، ويسعى إلى تقديم فهم متجدد للدين وعلاقته بالإنسان والحياة. ويتداخل الاتجاهان في بعض المشاريع، إذ يمهد التفكيك لإعادة البناء، ويستند البناء إلى مراجعة نقدية لما سبقه.

برز في الفكر العربي المعاصر مشروعان اهتما بمساءلة التراث ومرجعياته المعرفية، مع اختلاف مجال اشتغالهما وأولوياتهما: مشروع المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري، ومشروع المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي. انشغل الجابري بنقد العقل العربي وتحليل النظم المعرفية التي أسهمت في تكوينه، فيما ركز الرفاعي على تجديد الفكر الديني وإعادة النظر في أسس علم الكلام ومقولاته. وقد أخضع كلاهما الموروث للمساءلة والنقد، واختلفا في طبيعة المعالجة والأهداف التي توخاها كل مشروع. يغلب على مشروع الجابري تحليل البنى المعرفية ونقدها، في سياق سعيه إلى إعادة بناء العقل العربي على أسس عقلانية؛ لذلك يصعب اختزاله في التفكيك والتقويض. أما الرفاعي، فيتداخل في مشروعه نقد المنظومة الكلامية التقليدية مع بناء رؤية للدين تنطلق من إعادة تعريف الإنسان وحاجاته الوجودية، وتتخذ من المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي أفقًا لتجديد الفكر الديني.

لكي يتضح المقصود بهذه المشاريع، ينبغي تحديد دلالات مصطلحات التقويض والتفكيك، والتركيب والبناء، كما نستعملها في هذا السياق. يشير التقويض إلى زعزعة الأسس والمسلمات والبداهات الراسخة، عبر مساءلة مشروعيتها والكشف عن مواطن الضعف والتناقض فيها. أما التفكيك، فيشير إلى قراءة نقدية لبنية الأفكار والأنظمة المعرفية، تكشف العلاقات التي تنتظم فيها، والافتراضات التي تستند إليها، وما تنطوي عليه من توترات وتناقضات. ويتداخل التفكيك والتقويض، مع اختلاف التركيز في كل منهما؛ إذ ينصب التفكيك على كيفية تشكل البنية واشتغالها، فيما يتجه التقويض إلى زعزعة الأسس التي تمنحها تماسكها وسلطتها. يتمثل التركيب في إعادة تنظيم العناصر والأفكار وربطها ضمن علاقات جديدة، بينما يتسع البناء ليشمل صياغة المفاهيم وتأسيس المرجعيات والمناهج التي ينهض عليها تصور معرفي جديد. ولا تقتضي هذه العمليات تعاقبًا ثابتًا، فقد يتداخل النقد مع البناء في المشروع الواحد، وقد تقود المراجعة إلى تجاوز بعض عناصر الموروث والاحتفاظ بعناصر أخرى بعد إعادة فهمها وصياغتها.

اتخذ الجابري من نقد العقل العربي محورًا لمشروعه، فتجاوز نطاق الفكر الديني إلى مساءلة النظم المعرفية التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية الإسلامية. وسعى إلى تحرير العلاقة بالتراث من التسليم بسلطته، والدعوة إلى قراءته قراءة نقدية تستوعب شروط تشكله التاريخية، وتستثمر إمكاناته في التفكير والتجديد. وميز في تحليله بين ثلاثة أنظمة معرفية: البيان والعرفان والبرهان.

يرتكز البيان، في تصنيفه، على اللغة والنص وآليات الاستدلال، ومنها القياس، ويتجلى في علوم اللغة والفقه وأصوله والكلام. ويستند العرفان إلى الكشف والإلهام والتأويل الباطني، بينما يقوم البرهان على الاستدلال العقلي المنضبط بقواعد المنطق، ولا سيما في صورته الأرسطية. درس الجابري علاقات التداخل والصراع بين هذه الأنظمة، وما أدته العوامل السياسية والأيديولوجية من أدوار في توجيهها.

لا يستقيم القول إنه رأى العرفان والبرهان معًا ضحيتين للتهميش والإقصاء؛ فقد انتقد العرفان بشدة، وربط جانبًا من حضوره بما سماه “استقالة العقل”، في حين منح البرهان مكانة أساسية في مشروعه، واحتفى بمحاولات إعادة تأسيس العلاقة بين البيان والبرهان على أسس عقلانية، خاصة لدى ابن حزم وابن رشد والشاطبي. لذلك يحتل البناء موقعًا في مشروعه، ويتجلى في سعيه إلى تجديد أدوات التفكير وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث.

ومع ذلك، تختلف أولويات هذا المشروع عن أولويات مشروع الرفاعي؛ فبينما يتركز عمل الجابري على نقد النظم المعرفية وآليات إنتاج المعرفة، يتجه الرفاعي بصورة أوضح إلى إعادة تعريف الدين ووظيفته في حياة الإنسان، وتجديد المفاهيم الكلامية في ضوء حاجاته الوجودية والروحية والأخلاقية والجمالية. وتكشف هذه المقارنة عن اختلاف في مركز الاهتمام وطبيعة البناء، مع اشتراك المشروعين في ممارسة النقد والسعي إلى التجديد.

يجمع مشروع الرفاعي بين نقد الأسس المعرفية لعلم الكلام التقليدي، والعمل على بناء رؤية كلامية جديدة، ويتداخل هذان المساران في كتاباته؛ إذ يواكب نقد المفاهيم الموروثة اقتراح مفاهيم بديلة وإعادة تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان. ينصب نقده على المقولات والتفسيرات التي أنتجها المتكلمون في سياقات تاريخية محددة، ثم اكتسبت لدى أتباعهم سلطة جعلتها تتجاوز المساءلة والمراجعة. لذلك يميز بين الدين وطرائق فهمه، ويدعو إلى التعامل مع التراث الكلامي باعتباره معرفة بشرية تعكس أسئلة عصرها وحدود علومه وثقافته، وتحتاج إلى نقد علمي متجدد كلما تطورت معارف الإنسان وتغيرت ظروف حياته.

ويتجه الجانب البنائي في مشروعه إلى تأسيس “علم كلام جديد” ينطلق من إعادة تعريف الإنسان، والتعرف إلى أبعاد شخصيته وحاجاته المتنوعة، والاستفادة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم حياته الدينية. وإعادة تعريف الدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. في هذا السياق، يعيد الرفاعي النظر في وظيفة علم الكلام، ويوسع اهتمامه ليشمل أسئلة المعنى، والقلق الوجودي، والظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، وعلاقة الإيمان بالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.

ويكثف تعريفه للدين الوجهة التي ينتظم فيها هذا البناء، إذ يقول: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية”. يضع هذا التعريف حاجة الإنسان إلى المعنى في صميم فهم الدين، ويربط حضوره بما يمنحه للحياة من عمق روحي، وما يلهمه من مسؤولية أخلاقية، وما يوقظه من إحساس بالجمال. يتجلى المعنى الروحي في تنمية صلة الإنسان بالله، وإثراء حياته الباطنية، وتغذية الأمل والسكينة في مواجهة الألم والفناء؛ ويتجلى المعنى الأخلاقي في حماية كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وتنمية الرحمة والمحبة والمسؤولية تجاه الآخرين؛ أما المعنى الجمالي فيتصل بقدرة الإيمان على تهذيب الذوق، وتنمية الإحساس بتجليات الجمال في الوجود والحياة والعلاقات الإنسانية.

على هذا الأساس، تتضح دعوته إلى تدين روحي أخلاقي جمالي تتجسد آثاره في سلوك الإنسان وكيفية تعامله مع نفسه وغيره والعالم. ويغدو نقد الموروث في مشروعه جزءًا من جهد بنائي يعيد وصل المعرفة الدينية بحاجات الإنسان، ويختبر أثرها في إثراء حياته وحماية كرامته وحريته.

كتبت سابقًا عن مشروع الرفاعي، ووصفت جهده بأنه استثنائي، لا سيما في سعيه إلى تأسيس علم كلام جديد. وتتضح خصوصية هذا الجهد في جمعه بين الاشتغال بفلسفة الدين وتجديد التفكير الكلامي؛ إذ يستثمر الأسئلة والمناهج الفلسفية والعلوم الإنسانية في مراجعة المقولات الكلامية، ثم يقدم رؤيته. لذلك تبدو العلاقة بين فيلسوف الدين والمتكلم الجديد في مشروعه علاقة تداخل وتكامل، ويصعب اختزالها في انتقال من موقع إلى آخر أو تعاقب مرحلتين منفصلتين. تمنحه فلسفة الدين أدوات لفهم الظاهرة الدينية وتحليل تمثلاتها ولغتها وطرائق إنتاج المعنى فيها، فيما يتجه اجتهاده الكلامي إلى إعادة بناء فهم الدين ومقولاته في ضوء معارف الإنسان وأسئلته المعاصرة.

في هذا المسار، يسائل الرفاعي عددًا من المسلمات والبداهات الراسخة في المنظومة الكلامية التقليدية، ويفكك بنيتها المفاهيمية، ويكشف صلتها بالتصورات الفلسفية والمعرفية والظروف التاريخية التي نشأت فيها. ويواكب هذا النقد العقلاني عمل على إعادة النظر في المفاهيم الدينية الأساسية، وفي مقدمتها الوحي والنبوة، وما يتصل بهما من فهم الشريعة والتكليف، وحدود الوظيفة الدينية في حياة الإنسان. تحتل إعادة تعريف الوحي موقعًا تأسيسيًا في تصوره لعلم الكلام الجديد؛ لأن فهم الوحي يوجه فهم النبوة والنص الديني وطبيعة لغته ودلالاته، ويؤثر في تحديد مجال الدين وعلاقته بالعقل والخبرة البشرية. فكل تصور للوحي ينطوي على تصور لطبيعة الصلة بين الإلهي والبشري، ولموقع النبي في تلقي الوحي وإبلاغه، ولعلاقة النص باللغة والثقافة والتاريخ. وتمتد آثار مراجعة هذا المفهوم إلى طرائق قراءة النصوص وتأويلها، وإلى فهم الأحكام ومدى ارتباطها بسياقاتها، وتحديد ما يندرج في الهداية الروحية والأخلاقية، وما يتصل بتدبير الإنسان لشؤون حياته اعتمادًا على عقله وعلومه وخبراته المتراكمة. وبهذا المعنى، تمثل إعادة تعريف الوحي مدخلًا لإعادة بناء شبكة مترابطة من المفاهيم، ضمن رؤية تسعى إلى الاستجابة لحاجة الإنسان إلى الدين، وإلى حماية كرامته وحريته وحقه في التفكير والاختلاف.

أسهم المشروعان إسهامًا مهمًا في تجديد الفكر العربي والإسلامي، مع اختلاف منطلقاتهما ومجالات اشتغالهما وأولوياتهما. انشغل الجابري بتحليل بنية العقل العربي، والكشف عن نظمه المعرفية وآليات إنتاج المعرفة فيه، ومساءلة سلطة المرجعيات الموروثة حين تتحول إلى عائق أمام التفكير والتجديد. واقترن هذا النقد بتوجه بنائي يسعى إلى ترسيخ العقلانية وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث، عبر قراءة تستوعب شروط تشكله التاريخية وتستثمر إمكاناته في الحاضر.

أما الرفاعي، فيتركز مشروعه على تجديد الفكر الديني، لا سيما تأسيس علم كلام جديد يعيد النظر في المفاهيم الاعتقادية ومرجعياتها المعرفية، وينفتح على الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. يتداخل في هذا المشروع نقد المقولات التقليدية مع إعادة بناء فهم الدين ووظيفته، انطلاقًا من معرفة الإنسان وحاجاته الوجودية، وما ينشده من معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته.

يتضح الاختلاف بين المشروعين في طبيعة الأسئلة التي يمنحها كل منهما الأولوية، وفي المجال الذي يتجه إليه جهده البنائي؛ إذ يسعى الجابري إلى تجديد أدوات التفكير وتأسيس علاقة نقدية عقلانية بالتراث، بينما يتجه الرفاعي إلى تجديد الفهم الكلامي للدين، وإعادة وصل الإيمان بحياة الإنسان وكرامته وحريته. ويتيح هذا التمييز تقدير إسهام كل مشروع، مع الانتباه إلى أن النقد والبناء يحضران فيهما معًا، وإن اختلفت صورهما وحدودهما وغاياتهما.

[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

https://almothaqaf.com/aqlam-3/990495

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة، اللغة ليست أداة محايدة للتعبير، بل هي الأفق الذي يرى الإنسان من خلاله ذاته والعالم. تنبثق اللغة من عمق التجربة الإنسانية، وتتشكل في تفاعل الوعي مع الواقع، وتغتني بما يختزنه الإنسان من خبرات ومعانٍ. لا تهبط اللغة من عوالم الغيب، ولا تأتي من خارج مدار الوجود البشري. لا لغة أسمى من أخرى، ولا لغة أدنى من أخرى، ولا تنقسم اللغات إلى مقدسة ومدنسة. تتجلى قيمة اللغة بقدر ما تحتضن حاجات الإنسان، وتعكس وعيه، وتترجم نمط عيشه. اللغة الحية تتحرك مع نبض الزمن، وتنفتح على تحولات الواقع، وتتحرر من جمود القوالب الجاهزة، لأنها كائن اجتماعي يخضع لقوانين النمو والتطور والتحول التي تسري في الكائنات الحية. الكائن الذي ينغلق على ذاته، ولا يتغذى، يتخلف عن إيقاع الحياة، ويفقد القدرة على التجدد، ثم ينكمش ويتحجر ويفنى. اللغة التي تتجدد وتتناغم مع إيقاع العصر تفتح للإنسان أفقًا أرحب لرؤية العالم وفهمه وإعادة بنائه.

بما أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، والفضاء الذي تتكوّن فيه رؤية الإنسان للعالم، فإن أي تجديد في هذه الرؤية يمر عبر تجديد اللغة، وإعادة بناء معجمها، وتحريرها من القوالب المغلقة، لتستعيد قدرتها على إغناء الشعور، وتحفيز الفكر، وإيقاظ الوعي. اللغة التي تنغلق على ذاتها، ولا تستجيب لتحولات الواقع، ولا ترتوي من ينابيع التجربة الإنسانية الحية، تفقد صلتها بالإنسان، وتتحول إلى كائن مشلول عاجز عن مواكبة ايقاع الحياة.

لا يمكننا تجديد رؤيتنا للعالم مالم نعمل على تجديد لغتنا، فكل كلمة في لغتنا تعكس منظورنا الذي نرى فيه العالم، ومفاهيمنا ليست إلا نتيجة لهذه المنظورات،كما يقول توشيهيكو إيزوتسو. في هذا السياق خصّص محمد عابد الجابري الفصل الرابع من كتابه “تكوين العقل العربي” لدراسة رؤية الأعرابي للعالم، وكيف كان: “الأعرابي صانع العالم العربي”، يكتب الجابري: “لقد جمعت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو ما دامت اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين… أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اتخذت أصلا، ففرضت على العقل العربي طريقة معينة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم”[1].

تمتلك العربية بنية اشتقاقية ثرية تمنح الجذر الواحد طيفًا واسعًا من المفردات، وتتيح للكلمة أن تغدو ريشة ترسم الصور الموقظة للشعور، والمحفزة للبصيرة. نشأت العربية وترعرت في بيئة مشبعة بمجازات الشعر وكناياته وصوره، وارتقت بفضل القرآن الكريم إلى أفق رمزي رحب تتعدد دلالاته، وينفتح على التأويل، ويتسع للتجربة الذوقية التي تغذي الروح وتعمق الوعي. احتضنت العربية تنويعات الميثيولوجيا والحكاية، وتغذت على عوالم السرد في “ألف ليلة وليلة”، وانفتحت على الشذرات المتدفقة من الحياة الروحية للمتصوفة، ومقامات شهودهم للأنوار الإلهية، وتجاربهم في الإشراق والمكاشفة، فاستوعبت رموز الغيب، وتلألأت كلماتها بالتعبير عن الحياة العاطفية والروحية. تنوع مفردات العربية، وغزارة تراكيبها، يعززان قابليتها على احتضان أعمق الخبرات الروحية، والانفعالات النفسية، والأحاسيس الشعورية. وبفضل شفاهيتها الأولى، وبنيتها الإعرابية، وتوالدها الاشتقاقي، اتسع مجالها لغزارة طرائق التأويل، وأسست لتقاليد راسخة في فهم النصوص، ومراكمة معانيها. هكذا حافظت العربية على مكانتها بوصفها وعاء حيًا للدين، والخيال، والأسطورة، والشعر، والسرد، وأفقًا رحبًا للمعنى. تتجدد اللغة بقدر ما يتجدد الوعي الذي تتكلمه، وتتسع بقدر اتساع رؤيتها للعالم.

بما تمتلكه العربية من طاقة مجازية عالية، وتعدد في الدلالات، وتكاثر في الاشتقاق، وتوسع في المعجم، ووفرة في المرادفات، وغزارة وتنوع في الألفاظ، فإنها قادرة على احتضان أعمق الخبرات الشعورية، وأدق الحالات الروحية، وتجليات الغيب. وبما تمتاز به من قدرة على بناء الصور الشعرية المتنوعة، وثرائها في التعبير عن أشواق العاطفة العميقة، وغنى معجمها في سرد الأساطير والملاحم والمرويات الكبرى، بما تختزنه من طاقة رمزية، وقدرة على التلميح والمجاز والإشارة والتأويل. يغتني معجم العربية في تصوير العالم اللامرئي، وتجسيد معاني الغيب، ومخاطبة العاطفة، والتعبير عن خلجات النفس وانفعالاتها. تعزز هذا الغنى بتأثير القرآن الكريم في إعادة تشكيل الذوق والخيال، حتى غدت العربية لغة تتسع للتعبير عن الغيب، وتوظيف الرموز. ورافقتها خبرة تجلت في تصوير ما يبتكره الخيال والأساطير والحكايات، وأمثال القبائل، وأناشيد الجماعة، وتنوعت تعبيراتها. وأسهم انفتاحها التاريخي على حضارات متعددة، وتفاعلها مع لغات وثقافات أخرى، ومرورها بعصور ازدهار نثري وتأويلي وفلسفي وكلامي وأصولي وفقهي، في توسيع طاقتها الدلالية، وإثراء مخيالها، وتغذية منابعها في الفنون الأدبية المتنوعة، حتى غدت اللغة لا تنقل التجربة فحسب، بل تجسدها، وتفتحها على أفق يتسع لتأويل لا نهائي.

تواجه اللغة العربية اليوم جملة من التحديات التي تحد من قدرتها على التجديد، وتبطئ قابليتها على التكيف مع الحاجات اللغوية والثقافية والمعرفية للإنسان العربي. من هذه التحديات تغلغل الرؤية الكلامية في بنية اللغة الدينية، وما تركته من أثر عميق في مفاهيمها وتصوراتها لرؤية العالم، حتى غدت أسيرة لعلم الكلام القديم، ومقيدة بسياقات تعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة في الحياة الحديثة. هذه الرؤية هيمنت على تفسير النصوص التشريعية، وبسطت سلطانها على لغة القوانين، فتعطلت إمكانية إنتاج لغة قانونية أكثر حيادية ودقة ووضوح، قادرة على تحديد المعاني من دون تعدد في الخيارات أو التفسيرات. كما أن الأثر العاطفي العميق لحضور لغة القرآن، وفاعلية التراث في الوعي واللاوعي الجمعي، ووفرة المجازات والكنايات والمرادفات، أسهمت أحيانًا في غموض التعبير، وأثرت في لغة المصطلحات والأحكام القانونية، فغاب الوضوح، وتراجع التحديد الصريح للمراد في بعض السياقات. ومع تراكم القرون، تشبعت العربية بالمقدس، فاكتسبت شيئًا من هالته وسطوته، بوصفها لغة القرآن والنصوص الدينية والتراث الإسلامي. وحين استحوذت معاهد التعليم الديني على تعليم العربية في الماضي، واحتكارها تدريجيًا، تولى رجال الدين حمايتها، وفرضوا سلطتهم عليها، حتى غدت كل دعوة لإعادة النظر في قواعدها، أو تطوير أساليبها في التعبير، أو تحديث معجمها، تعد في نظرهم عدوانًا على المقدّس[2].

من التحديات التي تواجه العربية اليوم تفشي الازدواجية بين الفصحى والعامية، واتساع اللهجات المحلية وعمق حضورها في الوعي واللاوعي لدى الناطقين بها، حتى غدت عامية البلد الذي ينتمي إليه المتحدث هي اللغة التي يفكر بها ويعبر من خلالها الإنسان عن مفاهيمه ومشاعره، بينما تراجع حضور الفصحى في الحياة اليومية، وانحصر مجالها في الإعلام وبعض المجالات الرسمية. وبمرور الزمن، ضعف التواصل بين أبناء الضاد أنفسهم، حتى صار المتحدث بلهجة أهل المغرب لا يكاد يُفهم لدى المتحدث بلهجة أهل المشرق، فتقلص الفضاء المشترك للغة العربية، وتعرضت وحدتها الثقافية والشعورية لتهديد حقيقي.

ضعف تواصل الإنسان العربي مع العربية التي يفترض أن تعبّر عن هويته، وانصرافه إلى لهجة بلده التي أخذت بمرور الزمن تبتعد عن الفصحى وتفقد صلتها بها.كل ذلك جرى خارج أروقة المجامع اللغوية، وأسوار تصوراتها التقليدية، وانشغالها بإعادة صياغة مفردات مستقاة من التراث، وإغلاق أبوابها أمام كل دعوة لتحديث قواعد اللغة، وأساليب التعبير، وتيسير النطق بها. استكانت هذه المجامع لدور الوصي على لغة توقفت عند ما أنجزه المتقدمون من منجزات ثمينة، من دون أن تصغي لما يفرضه الواقع من حاجات جديدة في التفكير والثقافة والكتابة والتواصل ورؤية العالم، فلبثت بعيدة عن مواكبة نبض الحياة، وعن الإسهام في صياغة أفق لغوي يجدد الصلة بين الإنسان العربي ولغته.

على الرغم من أن الحداثة الشعرية والأدبية في اللغة العربية تمتد لأكثر من قرن، فإنها لم تجد ما يواكبها من تحديث بنية اللغة وقواعدها ومعجمها، ولم تنهض المجامع اللغوية بمهمة شجاعة تلامس إيقاع التحولات الشعرية والأدبية والثقافية والمعرفية، وتستجيب لمتطلبات التجديد في أساليب التعبير وبناء المعجم. منذ بدايات القرن العشرين شهد الشعر العربي تحولات زلزلت البنية التقليدية للقصيدة، وأدخلت معاني جديدة، وابتكرت صورًا واستعارات لم تألفها لغة التراث، وغيرت إيقاع التعبير، وحررت القصيدة من سلطة البحور القديمة.كان الرواد الأوائل لهذا التحول أمثال: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، وسعدي يوسف، ومحمود درويش، وبلند الحيدري، وغيرهم، ممن اشتقوا قاموسًا شعريًا جديدًا، وأغنوه بمفردات استحضرت بعض الأساطير اليونانية والرافدينية والفينيقية والفرعونية وغيرها، وبنوا تراكيب تحمل شحنة شعورية ومعرفية تعكس قلق الإنسان المعاصر واغترابه وأسئلته الوجودية. كما انعكس هذا التجديد في البنية الموسيقية للقصيدة، وفي توظيف الرموز، والانفتاح على موضوعات بديلة، تحولت فيها الشعر إلى دعوة للإصلاح التربوي والتعليمي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي، ومطالبة بمنح الشعوب حرياتها، واسترداد الحقوق الضائعة للمرأة، ومعالجة الفقر والمرض والجهل والتخلف، والالتفات إلى الطبقات المهمشة، ورصد آلام الإنسان الفرد واغترابه، وما يعتمل في داخله من أسئلة كبرى لمعنى وجوده وحياته ومصيره.

كما أن السرد العربي الحديث أعاد تشكيل أساليب التعبير، ووسع آفاق اللغة، وأدخلها في فضاءات جديدة تكشف البنية النفسية العميقة للذات، بما يداهمها من عبث واضطراب واغتراب وقلق واكتئاب وأسى، وتلامس في الوقت نفسه التحديات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والأخلاقية والثقافية التي تواجه المجتمعات. تجلى السرد العربي الحديث بأغنى أشكاله في أعمال: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن منيف، والطيب صالح، وغائب طعمة فرمان، ويوسف إدريس، وذو النون أيوب، وحنا مينه، وإدوار الخراط، وفؤاد التكرلي، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وغسان كنفاني، والمئات من الأدباء غيرهم، ممن فتحوا للسرد العربي فضاءات جديدة، وجعلوه أداة لكشف تحولات المجتمع، وتحليل أزماته، ورصد تحولات الإنسان في عمق تجربته الوجودية.

جرى التجديد الأدبي خارج سلطة المؤسسات ومجامع اللغة ومعاهد التعليم الديني، بينما ظلت لغة التراث وكثير من أنصارها تعيد إنتاج معجمها القديم، متجاهلة للتحولات العميقة في وعي الإنسان ومعارفه وثقافته ولغته، غافلة عما يعيشه الفرد والمجتمع من آلام وهموم، من دون أن تدرك الحاجة إلى تحديث أساليب التعبير، وتحرير اللغة من القوالب المتصلبة. كما لبثت لغة الفكر الديني أسيرة لسلطة التراث، فافتقرت إلى الجرأة في مراجعة أساليبها وقواعدها، وتعثرت فيها إمكانات التحديث في التعبير اللغوي، وانكمشت عن مواكبة الحياة، وعن احتضان ما يمنحه العصر من آفاق جديدة للمعنى.

[1] الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص 78، ط13، 2017، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 61 – 63، 2024، منشورات تكوين – الكويت، دار الرافدين – بيروت.

 

https://alsabaah.iq/119217-.html