إيمان الحُبّ يُطهِّر الأرضَ من الكراهية

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ بإيمان الحُبّ والرحمة والجمال يسترد الدين شيئًا من الضوء الذي أطفأه التشدّد والتطرف والعنف، وينقذ الإيمانُ الإنسانَ من القبح الذي ‏يتفشى في تديّن متوحش يثير الاكتئاب في الحياة. الحُبُّ بوصلةُ القلوب المتلهفة للارتواء من كلِّ معنى جميل ‏في الوجود، الحُبُّ أعذب لغة يتحدثها الإنسانُ مع الله، وأجمل معنى لتكريس علاقات ثمينة داخل العائلة والجماعة والمجتمع، لكن الحُبَّ عصيّ على أكثر الناس، ومتعذّر على بعضهم الآخر. ‏عندما يتحدثُ الإنسان بحُبّ، ويقرأ بحُبّ، ويكتبُ بحُبّ، ويبني صلاتِه بكلّ شيء حوله بحُبّ؛ تشرقُ أنوارُ الأبد على قلبه. لا يضيء ‏القلبَ إلا إيمانُ الحُبّ، إيمان الحُبّ يبعث سكينة الروح وطمأنينة القلب، ويُطهِّر الأرض من الكراهية والعنف. لا ينتج الإيمانُ السكينةَ مالم يكن تجربةً وجودية يضيؤها الحُبّ الإلهي. الحُبّ الإلهي مقامٌ لا يتكاملُ فيه الإنسانُ إلا بارتياضٍ روحي وتسامٍ أخلاقي لا يطيقه إلا الأفذاذ.

مَن يريد أن يعيش في أفق المعنى، ويحقّق لقلبه الطمأنينةَ ولروحه السكينة، عليه أن يبدأ باكتشاف ذاته، يبدأ بهذا الاكتشاف أولًا ويواصل رحلة اكتشافه بلا نهاية، ويتعرّف بمختبر الذات على نفسه. من خلال التعرّف على ذاته يعمل على اكتشاف الكينونة الوجودية للإنسان بما هو إنسان، ويتعرّف أكثر على الطبيعة الإنسانية المشتركة، ويروّض نفسَه على احترام معتقدات الإنسان المختلِف وتكريمه، وذلك يتطلب كدحًا شاقًا، وممارساتٍ تربوية روحية وأخلاقية متواصلة. ويعمل باستمرار على تدريب نفسه على التراحم والشفقة على الخلق، ويسعى لمحبّتهم إن أمكنه ذلك، ‏بغضّ النظر عن أديانهم أو معتقداتهم ومذاهبهم وأعراقهم وثقافاتهم، وتلك بدايةٌ ثانية ليس لها نهايةٌ أيضًا. هذا هو الطريقُ الذي يبدأ فيه الإنسانُ أسفاره إلى الله، وهو طريق تتواصل فيه الرحلةُ الأبدية. كلّما واصل الإنسانُ هذه الأسفارَ تكرّست صلتُه بالله وتكامل وجودُه، إذ ينتقل من طورٍ وجودي أدنى إلى طورٍ وجودي أسمى، في رحلةِ تكاملٍ وجودي لا تنتهي ولا تقف عند حدّ. هذا هو الطريق، طريق أسفار الإنسان إلى الله عبر اكتشافِ الذات، واكتشافِ الإنسان المختلِف واحترامِه وتكريمِه ومحبّته. هكذا تبدأ وتتواصل أسفار الذات في رحلة إيمان المحبّة والتراحم.

يبدأ ‏كلُّ ما هو جميل في هذا العالم بالإنسان، ‏يبدأ حُبّ الله بحُبّ الإنسان، ويبدأ حُبّ الإنسان بحُبّ الذات. ‏الإنسان هو جسر العبور إلى الله، مَن لا يحُبّ الإنسان لا يحُبّ الله. ‏لا حُبّ لله يتحقّق خارجَ حُبّ الإنسان. نمط الحضور  الحقيقي للإنسان في الوجود يتحقّق بنمط صِلاته بالآخر، ويستمدّ قوة حضوره أو هشاشتها تبعًا لكيفية صِلاته الأخلاقية بالآخر. محبّة الإنسان الجدير بالمحبة هي الطريق إلى حُبّ الله، وحُبّ الله هو النور الذي لا ينطفئ أبدًا. مَن يدعو إلى حُبّ الله بدون حُبّ الإنسان، أو قبل حُبّ الإنسان، لا يدلنا على الطريق إلى الله. حُبّ الله طريقه الوحيد هو حُبّ الإنسان الجدير بالمحبّة والإكرام. فضاء إيمان الحُبّ ضيق في التديّن الكلامي والسياسي، وأوضح وأوسع حضورًا في التديّن الشعبي تديّن الأمهات والآباء. القلب مرآة الأنوار الإلهية، ‏إن كان صاحُبّ القلب تسعده سعادة الآخرين، ويروّض ذاتَه على رحمة الخلق ومحبّتهم. النداء الإلهي يصغي إليه كلّ قلب يسكنه الحُبّ والرحمة والشفقة في الأرض.‏ عندما يتوطن حُبّ الله قلبَ إنسانٍ يجعله مرآةً تعكس الأنوارَ الإلهية البهيجة.

لا تنبض الحياة بالإيمان إلا أن يكون صلةً متدفقة تغذّيها محبّة الله. الإيمان والحُبّ كلاهما يتكلمان لغة واحدة. الحُبّ بلا إيمان فقير، الإيمان بلا حُبّ عنيف. وحده الإيمان يثري ‏وجودنا ويكرّسه، إن كان الإيمان يتكلم لغة المحبّة والرحمة والسلام. المعنى الكامن في الحُبّ لا يوازيه إلا المعنى الكامن في الإيمان العميق بالله. حُبُّ الله والإيمانُ كلاهما تجليان لحقيقةٍ واحدة. أجمل ما تتجلى فيه روحُ الإنسان أن يكون إيمانها بالله حُبًّا، وحُبّها لله إيمانًا. الإيمان والحُبّ كلاهما يتكلمان لغة واحدة. الإيمان حالة وجودية تُلهمنا سكينةَ الروح، الحُبّ طاقة تُلهمنا تذوقَ أجمل ما في الحياة وتحسّس جماليات الوجود. وحده الإيمان يثري ‏وجود الإنسان ويكرّسه، إن كان الإيمان يتكلم لغة المحبّة والرحمة والسلام. حُبّ الإنسان الجدير بالمحبّة هو الطريق إلى حُبّ الله والإيمانُ به. حُبّ الله والإيمانُ به نورٌ لا ينطفئ، يطهِّر القلبَ من الأغلال والإحَن، ويجعل حياةَ الإنسان الشخصية مشبعة بالسكينة والسلام. مَن يدعو إلى حُبّ الله بدون حُبّ الإنسان، أو قبل حُبّ الإنسان، لا يدلنا على الطريق إلى الله. قلب الإنسان الذي يفيض الحُبّ على غيره أجمل مرآة تتجلي فيها صورةُ الله في الأرض. الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود، وتجلي النور الإلهي في الإنسان. تذوق المحبّة الأصيلة يوقظه الإيمان، ويثريه شهود الأنوار الإلهية. أسمى حُبّ أن يرى الإنسان مَن يُحبّه بوصفه مظهرًا يتجلى فيه جمال الله في الوجود. لا يتجلى الله في قلب إنسان كما يتجلى في حالة الفزع، في هذه الحالة وأمثالها تُسعِف المحبّة والإيمان والرحمة النفوسَ الفزعة وتسهم في تضميد جراحها. يتجلّى اللهُ كأجملِ ما يتجلّى في الإنسانِ الذي ينبضُ قلبُه بالمحبةِ والرحمةِ، ويتمسّك بالحقِّ والعدلِ، ويهتمُّ بإكرامِ الإنسانِ واحترامِه، بغضِّ النّظرِ عن دِينِه ومعتقدِه. المحبة بلا شروطٍ ولا حدودٍ نعمةٌ إلهيةٌ، لا يظفرُ بها إلا الأخلاقيون النبلاءُ.

حُبّ الله لا ينتهي ولا يقف عند حد، لا ينطفئ، لا يموت، ولفرط عذوبته يجد مَن يتذوقه الحاجةَ إليه لا تُشبَع ولا تنتهي. أفق التكامل في ‏الحُبّ الإلهي مفتوح، إذ يتسامى هذا الحُبّ ويصفو ويشتدّ إشراقُه إن كرّس الإنسانُ حياتَه لمن يحتاج إسعافًا ورعاية وعطفًا من خلق الله، الحُبّ الإلهي هو الغاية النبيلة لكل حُبّ أصيل. حُبّ الإنسان مالم تكن ضمانتُه حُبَّ الله ‏لا يحمي الإنسانَ في مراحل حياته المختلفة من القلق الوجودي، وأحيانًا تكون مآلاتُ هذا الحُبّ جرحًا نازفًا أو رمادًا تذروه الرياح.

الخطأ بحق الإنسان غير الذنب والمعصية بحق الله. الاعتراف بخطأ الإنسان تجاه نفسه أو الناس، غير الاعتراف بالذنب والمعصية أمام الله. الاعتراف بالذنب والاعتذار لله، سواء كان تعديا على حق الله أو حق الناس أو النفس، غير الاعتراف والاعتذار وطلب العفو من الناس، وتربية النفس على شجاعة الاعتراف. لا حقوقَ لله بلا حقوق للإنسان، لا تتحقّقُ الأولى إلا أن تتحقّقَ الثانية، مَن لا يكترث بحقوق الإنسان لا يكترث بحقوقِ الله، ومن يخطئ بالتعدي على حق الله غير من يخطئ بالتعدي على حق الإنسان. علمُ الكلام التقليدي ينطلق من رؤية تتقدم فيها حقوقُ الله على حقوقِ الإنسان، خلافًا لعلم الكلام الجديد الذي يرى حقوق الإنسان هي الطريق لأداء حقوق الله. الدينُ في ضوء التعريف الذي وضعته له ينشد إيقاظ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية وتكريسها، وينطلقُ من رؤية تكون فيها حقوقُ الإنسان سُلّمًا يرتقى فيه الإنسان لحقوق الله. الكرامةُ والمساواةُ والحرية والعدالة وغيرها من حقوق الإنسان، هي ما يُعبَد بها الله، وهي ما ينشدُ دينُه في ضوء هذا الفهم للدين حمايتَها. كلُّ إنسانٍ يريدُ أن يصلَ إلى الله ويؤدِّي حقوقَه عليه أن يبدأ بتأدية حقوق الإنسان أولًا. حقوقُ الإنسان هي حقوقُ اللهِ في الأرض، مَنْ لا يكترثُ بحقِّ الإنسان ولا يهتم به يفشل في الوفاء بحقِّ الله. يتنازل الله عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو، لكن سلب حقّ الغير يتطلب تنازل الإنسان المُستلَب حقه عنها.

https://alsabaah.iq/107022-.html

 

 

الاستثمارُ في الحُبّ صعب

د. عبد الجبار الرفاعي

حضورُ الإنسانِ الأخلاقي المبادِر بالعطاء المعنوي والمادي قليلٌ في حياتنا. الإنسانُ كائنٌ من الصعب أن نحبه لو اطلعنا على شيءٍ مما هو غاطسٌ في باطنه.‏ كثيرٌ من الناس قساةٌ قليلٌ من الناس رحماء، كثيرٌ من الناس بخلاء قليلٌ من الناس كرماء، كثيرٌ من الناس جافون قليلٌ من الناس دافئون، الكرماء بكلمات المحبة الصادقة استثناء. الحُبّ مصدر الطاقة الخلاقة للعيش، مَن يعجز عن الحُبّ يعجز عن العيش السعيد، ويعجز عن إنتاج معنى ثمين لحياته. أسعد إنسان هو مَن كانت مهنته صناعة الحُبّ والاستثمار فيه، كما يستثمر رجال الأعمال الناجحون في البورصة. المحبة الصادقة رصيد العلاقات الإنسانية، والسعي المتواصل لاكتشاف المشتركات العاطفية والأخلاقية معه، وغضّ النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والثقافية وأشباهها، وعدم التدخل في الخصوصيات الشخصية، إلا أن يبادر الآخرُ بإخبارك بشيء من حياته الشخصية، ويطلب التدخل والدعم بشأن خاص به أو علاج مشكلاته.‏

صارت كلماتُ الحُبّ ‏المتداولة أغلبها مبتذلة لكثرة استعمالها مفرغة من معناها، بل تستعمل هذه الكلمة الجميلة ومرادفاتها أحيانًا قناعًا يخفي خلفه معنى مضادًا. أسوأ استعمال لكلمة الحُبّ حينما تستعمل مصائدًا للمغفلات وللمغفلين. الحُبّ الذي يضمّد جراحَ القلوب هو ما يكون نمطَ وجود يعيش فيه الإنسانُ ويتحقّق. يعيد الحُبّ بناءَ الإنسان مثلما يعيد الإنسانُ بناء الحُبّ، فيستثمر الحُبَّ في حياته وحياة غيره. الاستثمارُ في الحُبّ مهارةٌ حاذقة؛ لا تجيدها إلا القلوبُ الحيّة، بالرغم من أنها ضرورةٌ تفرضها حاجةُ الإنسان للعيشِ بأقل ما يستطيع من الآلام في هذا العالم. معرفةُ كيفيةِ استثمار الحُبّ، وطريقةِ إدارته وتوظيفه وتنميته، والاحتفاظِ فيه بوصفه كنزًا، تتطلب مهارةً مضاعفة، وعقلا حكيمًا، ووعيًا واقعيًا بطرائق العيش والحياة الجيدة.

للأسف الحديث عن المحبة شحيح، بل مَن يتحدث عن المحبة يصفه أكثر الناس بأنه غير واقعي، لأن لا محبةَ صافية في الحياة اليوم، وربما يتهمه البعض بتضليل الناس بأوهام. الاستثمارُ في الحُبّ أصعبُ أشكال الاستثمار في مجتمعنا. ما يدعو في حياتنا للعنفِ وكراهيةِ الآخر أكثرُ وأشدّ مما يدعو للمحبة. ذلك ما يفرض علينا تنمية المحبة وتكريسها. صوتُ المحبة الصادقُ في مثل هذا المجتمع نشاز، إنه كمن ينفخ في رماد، الكلامُ والكتابةُ عن الحُب ليست شائعة، وأحيانًا مستهجَنة. قلّما نعثرُ على معلّمين للحُب في مدارسنا وجامعاتنا، الدينية منها والمدنية. لدينا فائضٌ كبيرٌ من معلّمي إنتاجِ الكلام وتكديسِه، واستنزافِ العقل في مغالطات، وتعطيلِ التفكير في جدلٍ عقيم.

لا كمية للحُبّ لأنه من الكيفيات المجردة وهي لا تتحدد بكمية. الحُبّ أمر مجرد، وكل ما هو مجرد غير مقيد بزمان أو مكان أو كمية أو حجم أو كيفية مادية، الحُبّ ليس نسخة واحدة تصدق على كلِّ النسخ المتماثلة، الأمر المجرد يتسع باتساع ما يثريه ويكرسه. الحُبّ من أسرار القلب، هذه الأسرار لا تخضع للقوانين الطبيعية. لكل حُبّ كيفية يتجلى فيها تشاكل شخصية المحب وشخصية المحبوب. ثمرات الحُبّ وفاعلياته مختلفة، تختلف وتتنوع بتنوع مَن نحب، ودرجة الحساسية العاطفية للإنسان، وانفعاله بالحُبّ. الحالاتُ الوجودية كالحُبّ والإيمان والسكينة والسعادة والألم والقلق يصعبُ تعريفها، يمكن أن تنكشفَ بوضوح لحظةَ الشعور بها. تذوقُ الحُبّ غير معرفة ‏حقيقته واكتشاف كنهه والعيش فيه. لا يمكن أن نفلسفَ كلَّ شيء نريد أن نتذوقه ونتعرف على ماهيته، تذوق الحُبّ لا يتطلب التفلسف واكتشاف جوهره. ‏حقيقة الحُبّ والإيمان وكلّ شيء آسر من أمثالهما في الحياة سرٌّ. لو حاولت أن تفهم ‏الحُبّ وتفلسفه كما يفعل الفيلسوف يمكنك ذلك، لكنك لن تتذوقه مالم تعشه كطفل، وتتحقّق به كأم، مثلما تعيش الحُبّ وتتحقّق به الأم، والفلاح والعامل والراعي الأميون. الحُبّ يخفي عِلَله، وربما لا يُعلَّل، وإن كنا نكثر الحديث عن آثاره وعطاياه وأحواله وحالاته وشؤونه وشجونه ومواجعه.

‏ أن تفهم الحُبّ وكيفية ولادته وصيرورته شيء، وأن تعيش الحُبّ وتتحقّق به كطور وجودي تسمو وتتكامل فيه شيء آخر. ‏‏ما لا يمكن تفسيره في الحُبّ، نشأة وصيرورة وقوة وضعفًا، أكثر مما يمكن تفسيره. يكمن سحر الحُبّ فيما لا يمكن تفسيره. الحُبّ يمحو الشعور بوطأة الزمن ومرارات الأيام. عطايا الحُبّ في حياة الإنسان باذخة، إذ يتحقّق الإنسان بالحُبّ بطور وجودي أسمى. قوة الحُبّ توقد طاقة الحياة وتفجرها، لا تظهر قوة الحُبّ كطاقة ملهمة في الحياة إلا بكيفية استثماره وتوظيفه بذكاء.

احتكار الحُبّ كاحتكار الخلاص يوم القيامة لدى الأديان. الحُبّ حالة وجودية نسبية، إن تحقّق فيها إنسان بمرتبة عاطفية وروحية وأخلاقية عالية يتسامى إلى طور وجودي في سلَّم تكامُله. يصير مثل هذا الإنسان محبًا ومحبوبًا، مأزق هذا الإنسان أن آباءه وأولاده وزوجته وإخوانه كلهم يطالبونه أن يحبهم أكثر من غيرهم، أو يحبهم لا غير، بعضهم يتهمه بالكذب، وآخر يظل يعتب ويلوم، ولسان الجميع: أنت تدعي أنك تحبني فلماذا تحب فلانًا أكثر مني، وكل مرة يأخذ منه العهود والمواثيق أن يحبه أكثر من أي إنسان، بل يتمادى بعضهم فيطلب منه أن يحبه لا سواه. هؤلاء يتجاهلون أن مراتب الحُبّ تختلف شدة وضعفًا وتتنوع كيفياته.

إن أحسنَّا استثمار الحُبّ يطيب عيشنا، وإن أسأنا استثماره يتكدر عيشنا. الحُبّ إن ‏استطعنا أن نجعل من شعورنا فيه وعيشنا به بمثابة الرسم، سيرسم لنا أجمل صورة للحياة. ولو توهمنا فجعلنا من شعورنا بالحُبّ وعيشنا فيه أوهامًا، نتطلع فيها لحصاد كلّ شيء، ولو كان يعاند طبيعتنا ويفوق طاقتنا وواقعنا المعيش، ونظل ندين ونشكو ونتذمر ونضجر ونسأم من المحبوب، بلا امتنان ولا تثمين لمن منح حياتنا هذا المعنى الجميل، وأغناها بمعانقة روح محبة سخية تعطينا بصدق ما يرفد حياتنا بالأمل والتفاؤل والبهجة، وقتئذ يصير الحب مقبرة أحلامنا ومأساة حياتنا. بقدر ما يعمل الحُبّ على توحيد قلبي الحبيبين، ينبغي ألا ننسى تنوع وإثنينية الحبيبين، ولا نتجاهل فرادة ذات كل إنسان واستقلال كينونته الوجودية، وألا يغيب عنا أن كل ذات لا تطابق تمامًا إلا ذاتها. القاعدة الوحيدة في الحُبّ هي اللاقاعدة، كل منا يحب على شاكلته.

‏الباطنيّة والغموض وتحوّل كلّ شيء في الحياة إلى سر يبدد المحبة. المحبة بوح ووضوح وانكشاف، وإظهار المشتركات، الأعمق في تجذير المحبة هو تحويل الاختلافات إلى مزايا، يتكامل فيها ما لدى الحبيبين من نقص، والتعبير بلطف ورقة عن هذه المزايا. تلك منابع أساسية لبناء الثقة وترسيخها، وتبعًا لذلك ترسيخ المحبة وتكريس أركان المودة. انهارت علاقات وثيقة بسبب غموض أحد الشخصين وباطنيته. تشكو بعض الزوجات من غموض مواقف وسلوك وحياة الأزواج. أعرف بعض حالات الطلاق حدثت إثر ذلك.

أخطر أنماط الحُبّ عندما يصير استعبادًا، وأعذب أنماطه عندما يصير محرِّرًا. الحُبّ مرآةُ الذات، كلُّ إنسان يحب على شاكلته، إن كان الحُبّ بمعنى الحرية يكون مُلهِمًا ومحرّرًا، وإن كان الحُبّ بمعنى الامتلاك يكون استعبادًا مميتًا. الحُبّ وإن كان يمحو الصفات المذمومة، أو يخفض فاعليةَ وتأثيرَ بعضها، إلا أنه أحيانًا يمحو الذاتَ تمامًا ويستلبها ويمسخها. إن اشتدّ عشقُ القلب يعطّل العقلَ والإرادة، وحتى الذوق أحيانًا. العقل يمكن أن يتحكم بسلطةِ القلب، إن كان عقلًا نقديًّا، وأسعفته إرادةٌ صلبة شجاعة. العقل شيء، والقلب شيء آخر، والإرادة شيء ثالث. يحدث الصراعُ داخل الإنسان بين ما يعرفه العقل ويرى ضرورة الامتناع عنه، وبين فائض اشتياق قلب يشاكس المعرفة وقرار العقل، وإرادة تخذل العقل. طالما عجز العقلُ عن إكراه القلب، أو قهر الإرادة على الفعل أو الترك، مهما كانت حجج العقل منطقية.

الإنسان النكدي يحسب الحُبّ ممارسةَ استعبادٍ للمحبوب، واستئثارٍ بكلِّ شيء في حياته، والظفرِ بكلِّ شيء لديه، وانتهاكِ حرياته وحقوقه الخاصة، فيضيّع الحُبّ عندما يترقب منه ما هو خارج حدوده، ويضيع هو في متاهات الحياة بضياع هذا الكنز النفيس، الذي كان مؤنسًا لحياته وملهِمًا لأجمل معانيها، إذ أخفق في صيانته وتكريسه. الحُبّ توأم الحرية، الحُبّ تكرسه الحربة وتمسخه العبودية. الإنسان غير الواقعي يعمل بمعادلةٍ صفرية، إما أن يكون الحُبّ استحواذًا واستملاكًا لكلِّ شيء في حياة المحبوب، أو خسارةً للمحُبوب ولكلّ شيء. هذا الإنسان يعجز عن أن يجعل من الحُبّ محرِّرًا للذات ومبهِجًا للقلب.

حين يصير الحُبّ مكوِّنًا عميقًا للقلب، لن يموت أبدًا مادام المرءُ حيًّا. الحُبّ لا ينهزم، العقل مهما كان حاذقًا لا يهزم الحُبّ، حتى الإرادة يخذلها الحُبّ أحيانًا، قوة الحُبّ تعطّل العقلَ والإرادةَ وحتى الذوقَ أحيانًا. مَن يحاول قهرَ قوانين الطبيعة كقانون الجاذبية تقهره وتحطمه، ومَن يتنكر لطبيعته الإنسانية ويصرّ على قهرها تقهره وتحطمه في خاتمة المطاف. القوانين البايلوجية كالقوانين الطبيعية، تحدّيها يدفع ضريبتَه الجسدُ ويفتك به. القوانين السيكولوجية وإن كانت لا يتعذر تحدّيها، إذ تستجيب النفسُ لها ابتداء مرغمة، لكنها تعاندها في مرحلةٍ لاحقة وترفضها بعد إنهاكها، وأحيانًا تكون الضريبةُ كبتها وتمزقها.

من أعنف معاندات الإنسان لطبيعته، وتنكيله العبثي باحتياجاته العاطفية، أن يعاند نفسَه ويقهرها بإرغامها على هجران مَن يحب، إن كان محبوبُه أخلاقيًّا نبيلًا. عندما يعمل الإنسانُ على قهر الحُبّ وتناسيه يتعذَّر عليه انتزاعَه من قلبه، حتى لو غطس بعد مضيّ مدةٍ طويلة من المعاناة المريرة، فإنه يترسّب في اللاوعي جروحًا منقوعةً بسموم قاتلة، تتفجّر بصورةٍ مباغتة على شكل اكتئابٍ مظلم مجهول الأسباب.

يمكن أن يتنكر الإنسانُ للاحتياجات الأساسية في حياته، ويكبتها بعنفٍ لسنوات، إلا أن هذا التنكرَ يتحول إلى سموم بمرور الأيام تستزفه وتحطمه من الداخل. تستجيب الذاتُ لإكراه الإنسان لها ابتداء، غير أن الإكراهَ المتواصل للذات على ما لا تطيقه يستنزفها ويصيّرها رميمًا. التصوف الطرقي والرهبنة في الأديان غالبًا ما تستنزف الجسد، وتنهك القلب، وتبلّد العقل. أكثرُ تمارين الارتياض تقهر طبيعةَ الانسان، وتفتك بجسده واحتياجاته الغريزية العميقة، ولا تكرس المحبة.

 

https://altanweeri.net/12418/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ab%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8f-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8f%d8%a8%d9%91-%d8%b5%d8%b9%d8%a8/