حُبّ الله يجعل الدين دواء وشفاء

د. عبد الجبار الرفاعي

تقول طبيبة إنها كانت تقرأ كتبًا تتحدث عن مشاهد عذاب القبر، تزعم هذه الكتب بأن القبر مملوء بالأفاعي والعقارب والعفاريت والنيران المتقدة، وأن الميت في الليلة الأولى لدفنه يجد نفسه مقيمًا بمعية هذه الكائنات المريعة المتوطنة في قبره إلى ساعة البعث والنشور، وهو لا يقوى على حماية روحه من عذابها المهول. حدثتني هذه السيدة عن حالات روع واضطراب وكوابيس سوداء تطاردها في نومها كلَّ ليلة، فهي بعد مدة قليلة من النوم تفرّ فزعة مرتعشة، ولو كانت متعبة جدًا. تلبث في فراشها ترتجف، وكأنها تشاهد جسدها ممددًا في القبر وتنهشه الأفاعي والعقارب، وهو منبوذ ذليل في قعر هذه الأهوال والنيران.

سألتها: كيف تمكنتِ من الخلاص؟ وكيف أضحت حالتك النفسية اليوم؟ أجابت: أنقذتُ نفسي حين تركت قراءةَ تلك الكتب، وانتقلت إلى قراءة كتب أرى صورةَ الله فيها بوصفه إلهًا للرحمة، كما يصف ذاته: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ”، الأعراف 156، وإلهًا للمحبة، كما يصرح لنا: “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”، المائدة، 54، وإلهًا هو: “نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”، و”نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ”، النور، 35. قراءةُ هذا النوع من الكتب النورانية دعتني لإعادة قراءة القرآن الكريم بعينين مضيئتين، وجدت نفسي كأني أقرأه لأول مرة في حياتي، رأيت في هذه القراءة صورة كانت محجوبة عني، حجبتها كتبٌ رسمت في ذهني صورة كئيبة لله. حيت قرأت كتابه المجيد بعينين مضيئتين اكتشفت الحضور المبهج لأنواره الأبدية، وكثافة رحمته واتساعها وشمولها لكلِّ شيء. شهود الأنوار الإلهية حرّر قلبي من الهلع، ومكّنني من أن أرى تجليات جماله واشراقاته في الوجود، وشُفيت بهذه الرؤية للوجود من التشاؤم والفزع، وامتلأت روحي سكينة وقلبي طمأنينة، وتخلصت من الكوابيس المريعة في منامي، وصرت أنام لحظة أضع رأسي على الوسادة. أدركت أن صورة الله بوصفه إلهًا للرحمة والمحبة منبع سلام الذات وسكينتها، خلافًا لصورة الله المظلمة التي تثير الوجل والقلق والفزع في نفس الإنسان، وتنفّره من الله. صورة الله النورانية مبهجة، تتلهف القلوب إلى جمالها كتلهَّف المحبّ لرؤية محبوبه. الجميل لا يفزع منه أيُّ إنسان، الجميل لا يصدر عنه إلا ما هو جميل.

الخوف هو الأداة الشائعة لاستعباد الإنسان وإذلاله، الخوف يطفئ كلَّ ضوء في داخل الإنسان. بالتخويف والاكراه والقهر تستعبد السلطة السياسية الإنسان، ويخضع الإنسان طوعًا للسلطة الروحية. تفشّت القراءة التي تثير الخوف والهلع لبعض النصوص الدينية، وتضخمت صور ومشاهد العذاب والرعب في المتخيّل الديني بمرور الزمان، وغرقت المكتبة بكثير من الكتب المملؤة بمشاهد مريعة للعذاب. لم يخلق الله الإنسان ليجعله عدوه، ولم يخلقه ليخوض معركة معه، ولا بهدف التلذذ بأذاه والتنكيل به وتعذيبه. الإنسان كائن رفعه الله لمقام لا يرقى إليه موجود غيره، خلق الله الإنسانَ مكرمًا منذ ولادته، وأنزله بمقام وجودي لا يرقى إليه أي مخلوق آخر في الأرض وفي أي كوكب في الكون، ومقتضى التكريم الإلهي أن تنبثق صلة الله بالإنسان من المحبّة لا غير.كلمات الحُبّ الصادقة تداوي جروح الروح، جربت الحُبّ فرأيته أنجع دواء للقلوب والأرواح. صناعة الحُبّ أسمى غاية في حياة الإنسان، المعنى الذي يضفيه الحُبّ لا يضفيه أيُّ شيء في الحياة. حاجة الإنسان للحُبّ من أعذب هبات الله إليه، الحُبّ هو الحالة المبهجة الوحيدة التي لا بديل يكافؤها أبدًا، حتى الإيمان عندما يفتقر للحُبّ يصير حالة منطفئة بلا شعلة حيّة.

إن كانت “الطرقُ إلى الله بعدد أنفاس الخلائق”، كما هو مأثورٌ عند العرفاء، فإن أعذبَ هذه الطرق وأقصرها وأيسرها هو الطريقُ الذي ينبض فيه قلبُ الإنسان بحب الله. الحُبّ الإلهي ينقذ الإنسان أولًا والدين ثانيًا من الخوف والرعب والهلع، ويوقد النور ويبعث السلام في داخل الإنسان. محيي الدين بن عربي يجعل مقام المحبّة شريفًا، ويراها أصل الوجود، إذ يقول: “المحبّة مقامها شريف، وهي أصل الوجود”[1]. المحبّة هي الطاقة المحركة للموجودات، والجسر الوجودي الرابط بين الله وعباده. كلُّ موجود يسعى عبر الحُبّ للعودة إلى أصله، وأصل المخلوقات هو الله،كلما ازداد الإنسان حُبًّا ازداد من الله قربًا. يقول ابن عربي: “عَيْن محبّته لعباده عَيْن مبدأ كونهم، متقدميهم ومتأخريهم إلى ما لا نهاية له، ونسبة حُبّ الله لهم نسبة كينونته معهم أينما كانوا… فكما أنه لا أول لوجوده سبحانه، فلا أول لمحبّته عباده سبحانه، وذكر المحبّة يحدث عند المحبوب عند التعريف الإلهي لا نفس المحبّة، ومن وجه آخر إذا قلنا: إنّ للحُبّ الإلهي بدءًا، فبدؤه النفس الإلهيّ عن رؤية المحبوب، فصِف الحُبّ بما شئتَ من حادث وغيره، ليس الحُبّ سوى عين المحبّ، فما في الوجود إلا محبّ ومحبوب”[2].‏

الايمان الناتج عن البرهان العقلي متخشب، لا تنبض الحياة بالإيمان إلا أن يكون صلة متدفقة تغذيها المحبّة. معرفة الله غير حُبّ الله، معرفة الله أعني بها الادراك العقلي وليس الشهود القلبي. حُبّ الله سير القلب وسفره إلى الله، في رحلة يسعى فيها القلب أن يصير مرآة تنعكس عليها الأنوار الإلهية. معرفة الله هي تدبر العقل وتأمله وتفكيره في خلق الله وآياته واعتقاده بوجوده. الفلاسفة واللاهوتيون المتكلمون يعرفوننا على أدلة وجود الله وصفاته، لكن لا يوصلنا إلى الله إلا البصيرة الروحية، ولا تتكشف البصيرة وتنجلي من دون حُبّ الله. لا يرتوي الظمأ الأنطولوجي بمعرفة الله، بل يرتوي هذا الظمأ بحُبّ الله ووصاله. مثلما لا يتكرّس الإيمان بمعرفة الله، بل يتكرس بحُبّ الله. سفينة السفر إلى الله هي حُبّ الله، لا معرفة الله بمعناها العقلي. حُبّ الله يجعل الدين دواء وشفاء للروح والقلب، بل لا يكون الدين دواء وشفاء إلا بحُبّ الله، ولا تكفي لذلك معرفة الله. القلب الذي خطت عليه أسرار الحُبّ الإلهي قلبٌ لا يكفّ عن إنشاد ترانيم حُبّ الله والإنسان والعالم.

خلق الله الإنسانَ وجعله محتاجًا لصلة وجودية به، وجود الإنسان هشّ فقير، لا يثري وجوده ويحرّره من اغترابه إلا الصلة الوجودية بالله المكتفي بذاته الغني عن العالمين. لا أظن هناك انسان يستغني عن الله، وإن تنكّر لذلك يحاول الارتباط بمطلق موهوم سواه. الجيل الجديد يريد أن يرى صورة بهيجة مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد أنوارها. لا جيل الآباء ولا الجيل الجديد ضدّ الله بوصفه نورًا، وإلهًا للرحمة والمحبة. تفشي اللادينية لدى الجيل الجديد نشأ من تسلط الصورة المظلمة الكئيبة لله التي رسمتها تفسيرات عنيفة، حجبت أنواره المشرقة في آيات القرآن عن هؤلاء الذي يقرأونه بعيون بعض المفسّرين، وحجبتها مواقفُ وممارسات رجال سلطة ينطقون باسم الله في أحاديثهم زورًا، وهم أبعد العباد عن الله. رجال ينفّرون العباد من الله في مواقفهم وسلوكهم، ويقطعون الطرق إليه.

الحُبّ والرحمة والحقّ والعدالة والسلام ضمانة أساسية لحضور الدين المؤثر الفاعل في الحياة الفردية والمجتمعية. كلُّ ديانة تحرص على إنتاج الحُبّ والرحمة وتسعى لتحقيق الحقّ والعدالة والسلام، وتعلنها بوصفها الهدفَ الذي تسعى لتحقيقه في الحياة، ويجسّده أتباعها في سلوكهم، تتلهّف القلوب للانتماء إليها، ويتأبّد حضورها في الحياة، وكلُّ ديانة تحرص على إنتاج الحرب والانشغال بصراعات السلطة والثروة، تنفر القلوبُ منها ومن أتباعها. ما يربحه كلُّ دين رسالتُه الحُبّ والرحمة والعدالة والسلام يخسره كلُّ دين رسالته الحرب والغلبة على السلطة، واكتناز المال والاستيلاء على الثروة، واستعباد الإنسان.

بعد نصف قرن من تعلّم وتعليم علوم الدين كثّفت كتاباتي على رسم صورة نورانية لله، في ضوء ما رسمها الله لذاته في آيات القرآن الصريحة. حاولت أن تكون كتاباتي رسائلَ إيمانٍ ومحبّة وتراحم ومعرفة، باقتباس صورته النورانية، والكتابة عنها بتنويعات يتكشف فيها شيءٌ من أبعادها في كتابه المجيد، والإشارة إلى تجلياتها الساطعة في الوجود. رأيت هذا النوع من الكتابات يوقظ صوت الله في الأرواح الكئيبة، ويسعف الضائعين في وديان التيه ليدلهم على الله، ويريهم إشراقاته الأبدية، ويمكّنهم من تذوق محبته وشهود أنواره. لا أعرف هدية أقدمها لأحد أثمن من المحبّة، ولا أتقن مهنة في الحياة أفضل من صناعة المحبّة. المحبّة دواء لكلِّ داء أخلاقي، المحُبّة بلسم يسعف القلوب الجريحة بأوجاع الحياة المريرة، ذلك ما انتهيت إليه بعد مخاضات مضنية وتجارب مؤذية بتجرع ما تضج به الحياة من شرور تنهش الأرواح.

 

[1] محمود محمود الغراب “جمع وتأليف”، الحُبّ والمحبّة الإلهية: من كلام الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، دمشق، مطبعة نضر، ط2، 1992، ص 13.

[2] المرجع السابق، ص 17.

https://al-aalem.com/%D8%AD%D9%8F%D8%A8%D9%91-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%8A%D8%AC%D8%B9%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%B4%D9%81%D8%A7%D8%A1/

 

إيمان الحُبّ يُطهِّر الأرضَ من الكراهية

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ بإيمان الحُبّ والرحمة والجمال يسترد الدين شيئًا من الضوء الذي أطفأه التشدّد والتطرف والعنف، وينقذ الإيمانُ الإنسانَ من القبح الذي ‏يتفشى في تديّن متوحش يثير الاكتئاب في الحياة. الحُبُّ بوصلةُ القلوب المتلهفة للارتواء من كلِّ معنى جميل ‏في الوجود، الحُبُّ أعذب لغة يتحدثها الإنسانُ مع الله، وأجمل معنى لتكريس علاقات ثمينة داخل العائلة والجماعة والمجتمع، لكن الحُبَّ عصيّ على أكثر الناس، ومتعذّر على بعضهم الآخر. ‏عندما يتحدثُ الإنسان بحُبّ، ويقرأ بحُبّ، ويكتبُ بحُبّ، ويبني صلاتِه بكلّ شيء حوله بحُبّ؛ تشرقُ أنوارُ الأبد على قلبه. لا يضيء ‏القلبَ إلا إيمانُ الحُبّ، إيمان الحُبّ يبعث سكينة الروح وطمأنينة القلب، ويُطهِّر الأرض من الكراهية والعنف. لا ينتج الإيمانُ السكينةَ مالم يكن تجربةً وجودية يضيؤها الحُبّ الإلهي. الحُبّ الإلهي مقامٌ لا يتكاملُ فيه الإنسانُ إلا بارتياضٍ روحي وتسامٍ أخلاقي لا يطيقه إلا الأفذاذ.

مَن يريد أن يعيش في أفق المعنى، ويحقّق لقلبه الطمأنينةَ ولروحه السكينة، عليه أن يبدأ باكتشاف ذاته، يبدأ بهذا الاكتشاف أولًا ويواصل رحلة اكتشافه بلا نهاية، ويتعرّف بمختبر الذات على نفسه. من خلال التعرّف على ذاته يعمل على اكتشاف الكينونة الوجودية للإنسان بما هو إنسان، ويتعرّف أكثر على الطبيعة الإنسانية المشتركة، ويروّض نفسَه على احترام معتقدات الإنسان المختلِف وتكريمه، وذلك يتطلب كدحًا شاقًا، وممارساتٍ تربوية روحية وأخلاقية متواصلة. ويعمل باستمرار على تدريب نفسه على التراحم والشفقة على الخلق، ويسعى لمحبّتهم إن أمكنه ذلك، ‏بغضّ النظر عن أديانهم أو معتقداتهم ومذاهبهم وأعراقهم وثقافاتهم، وتلك بدايةٌ ثانية ليس لها نهايةٌ أيضًا. هذا هو الطريقُ الذي يبدأ فيه الإنسانُ أسفاره إلى الله، وهو طريق تتواصل فيه الرحلةُ الأبدية. كلّما واصل الإنسانُ هذه الأسفارَ تكرّست صلتُه بالله وتكامل وجودُه، إذ ينتقل من طورٍ وجودي أدنى إلى طورٍ وجودي أسمى، في رحلةِ تكاملٍ وجودي لا تنتهي ولا تقف عند حدّ. هذا هو الطريق، طريق أسفار الإنسان إلى الله عبر اكتشافِ الذات، واكتشافِ الإنسان المختلِف واحترامِه وتكريمِه ومحبّته. هكذا تبدأ وتتواصل أسفار الذات في رحلة إيمان المحبّة والتراحم.

يبدأ ‏كلُّ ما هو جميل في هذا العالم بالإنسان، ‏يبدأ حُبّ الله بحُبّ الإنسان، ويبدأ حُبّ الإنسان بحُبّ الذات. ‏الإنسان هو جسر العبور إلى الله، مَن لا يحُبّ الإنسان لا يحُبّ الله. ‏لا حُبّ لله يتحقّق خارجَ حُبّ الإنسان. نمط الحضور  الحقيقي للإنسان في الوجود يتحقّق بنمط صِلاته بالآخر، ويستمدّ قوة حضوره أو هشاشتها تبعًا لكيفية صِلاته الأخلاقية بالآخر. محبّة الإنسان الجدير بالمحبة هي الطريق إلى حُبّ الله، وحُبّ الله هو النور الذي لا ينطفئ أبدًا. مَن يدعو إلى حُبّ الله بدون حُبّ الإنسان، أو قبل حُبّ الإنسان، لا يدلنا على الطريق إلى الله. حُبّ الله طريقه الوحيد هو حُبّ الإنسان الجدير بالمحبّة والإكرام. فضاء إيمان الحُبّ ضيق في التديّن الكلامي والسياسي، وأوضح وأوسع حضورًا في التديّن الشعبي تديّن الأمهات والآباء. القلب مرآة الأنوار الإلهية، ‏إن كان صاحُبّ القلب تسعده سعادة الآخرين، ويروّض ذاتَه على رحمة الخلق ومحبّتهم. النداء الإلهي يصغي إليه كلّ قلب يسكنه الحُبّ والرحمة والشفقة في الأرض.‏ عندما يتوطن حُبّ الله قلبَ إنسانٍ يجعله مرآةً تعكس الأنوارَ الإلهية البهيجة.

لا تنبض الحياة بالإيمان إلا أن يكون صلةً متدفقة تغذّيها محبّة الله. الإيمان والحُبّ كلاهما يتكلمان لغة واحدة. الحُبّ بلا إيمان فقير، الإيمان بلا حُبّ عنيف. وحده الإيمان يثري ‏وجودنا ويكرّسه، إن كان الإيمان يتكلم لغة المحبّة والرحمة والسلام. المعنى الكامن في الحُبّ لا يوازيه إلا المعنى الكامن في الإيمان العميق بالله. حُبُّ الله والإيمانُ كلاهما تجليان لحقيقةٍ واحدة. أجمل ما تتجلى فيه روحُ الإنسان أن يكون إيمانها بالله حُبًّا، وحُبّها لله إيمانًا. الإيمان والحُبّ كلاهما يتكلمان لغة واحدة. الإيمان حالة وجودية تُلهمنا سكينةَ الروح، الحُبّ طاقة تُلهمنا تذوقَ أجمل ما في الحياة وتحسّس جماليات الوجود. وحده الإيمان يثري ‏وجود الإنسان ويكرّسه، إن كان الإيمان يتكلم لغة المحبّة والرحمة والسلام. حُبّ الإنسان الجدير بالمحبّة هو الطريق إلى حُبّ الله والإيمانُ به. حُبّ الله والإيمانُ به نورٌ لا ينطفئ، يطهِّر القلبَ من الأغلال والإحَن، ويجعل حياةَ الإنسان الشخصية مشبعة بالسكينة والسلام. مَن يدعو إلى حُبّ الله بدون حُبّ الإنسان، أو قبل حُبّ الإنسان، لا يدلنا على الطريق إلى الله. قلب الإنسان الذي يفيض الحُبّ على غيره أجمل مرآة تتجلي فيها صورةُ الله في الأرض. الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود، وتجلي النور الإلهي في الإنسان. تذوق المحبّة الأصيلة يوقظه الإيمان، ويثريه شهود الأنوار الإلهية. أسمى حُبّ أن يرى الإنسان مَن يُحبّه بوصفه مظهرًا يتجلى فيه جمال الله في الوجود. لا يتجلى الله في قلب إنسان كما يتجلى في حالة الفزع، في هذه الحالة وأمثالها تُسعِف المحبّة والإيمان والرحمة النفوسَ الفزعة وتسهم في تضميد جراحها. يتجلّى اللهُ كأجملِ ما يتجلّى في الإنسانِ الذي ينبضُ قلبُه بالمحبةِ والرحمةِ، ويتمسّك بالحقِّ والعدلِ، ويهتمُّ بإكرامِ الإنسانِ واحترامِه، بغضِّ النّظرِ عن دِينِه ومعتقدِه. المحبة بلا شروطٍ ولا حدودٍ نعمةٌ إلهيةٌ، لا يظفرُ بها إلا الأخلاقيون النبلاءُ.

حُبّ الله لا ينتهي ولا يقف عند حد، لا ينطفئ، لا يموت، ولفرط عذوبته يجد مَن يتذوقه الحاجةَ إليه لا تُشبَع ولا تنتهي. أفق التكامل في ‏الحُبّ الإلهي مفتوح، إذ يتسامى هذا الحُبّ ويصفو ويشتدّ إشراقُه إن كرّس الإنسانُ حياتَه لمن يحتاج إسعافًا ورعاية وعطفًا من خلق الله، الحُبّ الإلهي هو الغاية النبيلة لكل حُبّ أصيل. حُبّ الإنسان مالم تكن ضمانتُه حُبَّ الله ‏لا يحمي الإنسانَ في مراحل حياته المختلفة من القلق الوجودي، وأحيانًا تكون مآلاتُ هذا الحُبّ جرحًا نازفًا أو رمادًا تذروه الرياح.

الخطأ بحق الإنسان غير الذنب والمعصية بحق الله. الاعتراف بخطأ الإنسان تجاه نفسه أو الناس، غير الاعتراف بالذنب والمعصية أمام الله. الاعتراف بالذنب والاعتذار لله، سواء كان تعديا على حق الله أو حق الناس أو النفس، غير الاعتراف والاعتذار وطلب العفو من الناس، وتربية النفس على شجاعة الاعتراف. لا حقوقَ لله بلا حقوق للإنسان، لا تتحقّقُ الأولى إلا أن تتحقّقَ الثانية، مَن لا يكترث بحقوق الإنسان لا يكترث بحقوقِ الله، ومن يخطئ بالتعدي على حق الله غير من يخطئ بالتعدي على حق الإنسان. علمُ الكلام التقليدي ينطلق من رؤية تتقدم فيها حقوقُ الله على حقوقِ الإنسان، خلافًا لعلم الكلام الجديد الذي يرى حقوق الإنسان هي الطريق لأداء حقوق الله. الدينُ في ضوء التعريف الذي وضعته له ينشد إيقاظ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية وتكريسها، وينطلقُ من رؤية تكون فيها حقوقُ الإنسان سُلّمًا يرتقى فيه الإنسان لحقوق الله. الكرامةُ والمساواةُ والحرية والعدالة وغيرها من حقوق الإنسان، هي ما يُعبَد بها الله، وهي ما ينشدُ دينُه في ضوء هذا الفهم للدين حمايتَها. كلُّ إنسانٍ يريدُ أن يصلَ إلى الله ويؤدِّي حقوقَه عليه أن يبدأ بتأدية حقوق الإنسان أولًا. حقوقُ الإنسان هي حقوقُ اللهِ في الأرض، مَنْ لا يكترثُ بحقِّ الإنسان ولا يهتم به يفشل في الوفاء بحقِّ الله. يتنازل الله عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو، لكن سلب حقّ الغير يتطلب تنازل الإنسان المُستلَب حقه عنها.

https://alsabaah.iq/107022-.html

 

 

حُبُّ الإنسان طريقٌ لحُبّ الله

د. عبد الجبار الرفاعي

إن صار ‏الحُبّ نمطًا لوجود الإنسان يغيّره، ويمنحه قدراتٍ إضافية لتذوق أجمل ما في الوجود، وينعكس ذلك التغييرُ على مَن يحُبّه، مادام أحدُ المحبّيَن يتغيّر يتغيّر أيضًا مَن يحبّه. ‏الحُبّ الذي يحميه ضميرٌ أخلاقي حالةٌ وجودية، لها تأثيرٌ سحري متبادَل في السلامة النفسية وتكريس الأمن العاطفي. يغدو العيشُ مريرًا من دون تذوق هذا النمط للحياة.كلُّ إنسان يحتاج ‏الحُبّ، لو اكتشف الإنسانُ طريقَ ‏الحُبّ في الوصول إلى الله لتشبّعت حياتُه بالسكينة، وتوطّن السلامُ حياتَه وحياةَ مَن حوله. مَن يتذوق ‏الحُبّ بوصفه نمطَ وجود يكتشفُ أقربَ الطرق إلى الله. يكتشفُ الطريقَ إلى حُبّ الله مَن يكتشفُ الطريقَ إلى حُبّ الإنسان. حُبّ الله ليس كلمة نكرّرها، الحُبّ سلوك ومواقف وأفعال وعطاء، الحُبّ لا يتحقّق إلا برعايةِ حقوق الإنسان واحترامِ حرياته، وإسعافِ جروح قلبه، وتدريبِ النفس على العطاء المعنوي والعطاء المادي.

هناك سرٌّ يختبئ في ‏الحُبّ والرحمة والإيمان والجمال. يتحدث محيي الدين بن عربي عن الجمال فيقول: “فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحُبّ الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالم على صورة جماله، ونظر إليه فأحبّه حُبّ من قيده النظر، فما خلق الله العالم إلا على صورته، فالعالم كله جميل، وهو سبحانه يحُبّ الجمال”[1]، ويقول أيضًا: “فمن أحبّ العالم لجماله فإنه أحبّ الله، فإنه ليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالم، فإنه أوجده على صورته، فالعالم كله جماله ذاتي، وحسنه عين نفسه، إذ صنعه صانعه عليه”[2]. لا ينكشف من الله إلا تجلياتُ جماله وجلاله في الوجود، وإشراقاتُه في قلب المؤمن، لا يتجلى كلُّ ما هو مودَع في الجميل من أسرار الجمال، تأسر الرحمةُ القلبَ مهما كان قاسيًا، ويظلّ ‏الحُبّ عصيًا على أن يستحوذ على سرّه الإنسانُ مهما كان. يتمنّع كلٌّ من الإيمان و‏الحُبّ والجمال من البوح بكلِّ أسراره،كلٌّ منها يتلفّع بسرّ، وكلُّ ما هو متلفّع بسرّ لا حدودَ لشغف الإنسان باستكناه حقيقته، لذلك يلبث الإنسانُ في ظمأ أبدي إليه، لا يرتوي منه ما دام حيًا. في الإيمان يشعر المؤمنُ أن اللهَ يتحدثُ إليه شخصيًا، في ‏الحُبّ يشعر المحُبّ أن المحبّوبَ يتحدث إليه بلغةٍ لا يتذوقها إلا قلبُه، مثلما يشعر متذوقُ الجمال وكأن الجميلَ يبوح إليه بسرِّه.

الرؤية لله في الكلام القديم قلما تراه بوصفه نورًا. الرؤية لله في علم الكلام الجديد تتمحور حول صورة الله بوصفها نورًا، كما صوّرها الله في القرآن الكريم. تراه نورًا بذاته: “نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ” (النور 40، وتراه نورَ السموات والأرض: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور 40)، وترى نورَه يتجلى بكل شيء في الأرض: “وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا” (الزمر 69). وردت كلمة النور في القرآن 49 مرة، بوصفها إشارة للهداية: “يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ” (النور 35)، أو توصيفًا للكتاب: “قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” (المائدة 15)، “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا” (النساء 174)، أو توصيفًا للإنجيل: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (٤٦ المائدة)، أو بوصفها حالةَ لانشراح الصدر بالإسلام: “فَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ” (الزمر 22)، ووردة الكلمة دلالة على النور بوصفه ظاهرة فيزيائية، كضوء القمر: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا” (يونس 5). وغير ذلك من الآيات الواردة فيها كلمةُ النور.

تتحدثُ الآيةُ 54 من سورة المائدة عن بناءِ صلةٍ بالله تتأسّس على المحبّة المُتبادلَة: “يُحُبّهُمْ وَيُحُبّونَهُ”. ترسمُ الآيةُ صورةً تفاعلية للصلة بالله، ثنائيةُ الاتجاه لا أُحادية، من الله إلى الإنسان ومن الإنسان إلى الله. يبدأ اللهُ الإنسانَ بالحُبّ، فيتفاعل معه ويبادله الإنسانُ ‏الحُبّ. الصلةُ في الآية ليست عموديةً تسلُّطية استعبادية باتجاهٍ واحد. ‏الحُبّ فيها مُتبادَل، لا تتحدثُ الآيةُ عن الله بوصفه فاعلاً، وعن الإنسان بوصفه منفعلًا سلبيًّا في ‏الحُبّ. عندما يفيض اللهُ ‏الحُبّ على عباده يتَّخذ ‏الحُبّ قلوبَهم موطنًا له، يهدأ قلقُهم الوجوديُّ، ويعيشون سلامًا باطنيًّا، وتنشـرح صدورُهم بالاستنارة الروحية. الاستنارةُ الروحية أجملُ ما منحته الأديانُ لحياة الإنسان، في الإسلام كانت الاستنارةُ الروحيَّة منبعًا مُلِهمًا لتحويل الصلة بالله من علاقةٍ مسكونة بالخوف والرعب إلى صلةٍ مشبَعة بسكينة الروح وطمأنينة القلب.

الحُبّ ضد الإستعباد، حتى حُبّ الله إن تحوّلَ إلى استعبادٍ تام فإنه يمسخ شخصية الإنسان. منطق الحُبّ الحرية، ومنطق الاستعباد الاسترقاق، وهما متضادان. الاسترقاق هوانٌ وذلّ وشقاء وهتك للكرامة، الحُبّ ارتواء وحرية وتكريم. الله لا يحتاج رقيقًا، الله لا يريد إهانةَ الإنسان، بل يريد تكريمَه وإرواءَ ظمئه الأنطولوجي.

الإنسان بطبيعته كائن يصعب أن يحُبّه الإنسانُ الخبير بأعماق النفس البشرية، وحده حُبّ الله يجعلنا نرى الإنسانَ بنور الله. حُبّ الله نحتاجه لتوجيه نمط الصلة بالله ولحياتنا الإيمانية ولبناء علاقات اجتماعية راسخة. يبدأ الإنسانُ الحُبَّ لله بحُبّ الذات وقبولها، وحُبّ الإنسان الآخر، من دون حُبّ الله وتذوق بؤر الضوء في الإنسان تنضب الطاقةُ على حُبّه. ‏الحُبّ لا يطيقه قلبُ كلِّ إنسان، من أعذب تجليات الجمال الإلهي على قلب الإنسان أن يفيض عليه القدرةَ على حُبّ الإنسان. ‏الإنسان الذي يمنح ‏الحُبّ لغيره من الكائنات يصبح قلبُه كمرآةٍ ساطعة تشهد تجلياتِ الأنوار الإلهية. المحبّة من أثرى وأجمل النعم الإلهية. الله يفيض محبّتَه على خلقه بلا حدود وشروط وقيود،كالضوء يضيء كلَّ شيء بنوره. حُبّ الله لا يمكن أن يصل إليه إلا إنسان يبرع بترويض نفسه على حُبّ الإنسان، حُبّ الله لن نصل إليه إلا من خلال تدريب النفس على تحمل الإنسان المختلِف في معتقداته وأفكاره ورؤيته للعالم. وإكرم الإنسان جريح القلب، الذي يتطلع إلى أن نسعفه ولو بكلمة محبّة صادقة. لو أحبّ الإنسانُ اللهَ ينزله منازلَ خاصته المقربين، ويجعل الحُبّ حالةً وجودية يتحقّق بها الإنسان، وتصير مكوّنًا للكينونته الذاتية، بنحوٍ يغتسل فيه قلبُ الإنسان فيه بالحُبّ كلَّ يوم، متطهّرًا من الكراهيات والضغائن والأحقاد. القلوبُ المضيئة بحُبّ الله يهتدي بنورها ذوو البصائر إلى منبع النور الأبدي.

لا تنخفض وتيرةُ الألم وصراع الأقطاب المتضادّة داخل الإنسان إلا أن يتذوق الإنسانُ الحُبَّ والإيمانَ والجمال، ويعيشها بوصفها نمطًا لوجوده، وقتئذٍ يكتشف مفتاحَ الأسرار الإلهية المودَعة في الروح. الحُبّ الإلهي يفيض علينا نورًا نرى فيه مكامنَ النور الذي يمكن أن ينبثق من داخلنا وداخل كلّ إنسان.

الحُبّ ليس حاجةً ثانوية، الحُبّ إن كان صادقًا محميًا بضمير أخلاقي يقظ؛ يعني الاعتراف، والثقةَ بالذات، وتذوقَ جماليات العالم، والقدرةَ على مقاومة ما يفرضه علينا الواقعُ من قسوة وإنهاك نعجز عن تحمله. ‏الحُبّ يجدّد حياةَ الإنسان ويوقد كلَّ طاقاته الخلّاقة. الحُبّ كنز الحياة، وأثمن الممتلكات، لا يضيّع الحكيمُ كنزًا أفاضه الله على قلبه، يعيش فيه أبهجَ حالاته وأعذبها. التفريط بالحُبّ الأصيل سفاهة، مهما كانت الأسبابُ ينبغي ألا يفعل الحكيمُ ذلك. الحُبّ أنفس كنوز الحياة، العبث بالحُبّ يقود الإنسانَ إلى ضربٍ من الانتحارِ العاطفي والروحي، وتمزيقِ القلب، وتعاسةِ العيش.

ليس كلُّ شيءٍ يحدث في حياتنا يمكن تفسيره، أحيانًا تحدث للإنسان حالاتٌ غامضة يعجز عن اكتشاف أسبابها، سواء أكانت هذه الحالات مريحة أو مزعجة. الحُبّ عصيّ على التفسير، منطق ‏الحُبّ الأصيل هو اللامنطق، قانونه خارج القانون، لغته خارج اللغات. الإيمان والحُبّ والسكينة والسلام الباطني حالات وجودية يعيشها الإنسان، ويعرفها جيدًا بتذوقها، ويتعذّر عليه تعريفُها بوضوح ٍكما يعيشها ويتذوقها غيره. الحالات الوجودية لا يمكن الحديثُ عنها بلغةٍ مباشرة، إلا بالكنايات والمجازات والتشبيهات والإشارات.

عندما أكتب عن الحُبّ أو الإيمان، لا أدعي بناء رؤية علمية أو فلسفية تفسّر مضمون هذه الحالات الوجودية وتكتشف أسرارها. أحاول أكتب عن الخبرة الذاتية بتذوقها وعيشها والتحقّق لها، تذوق الحالات الوجودية غير معرفتها فلسفيًا أو علميًا. عشت مغتربُا عن وطني سنوات طويلة، بعد عودتي وجدتُ نفسي مغتربًا في وطني. أعيش مشاعرًا متضادّة في الوطن، أشعر أحيانًا كأني انتقلتُ من منفىً إلى منفى، وأشعر أحيانًا ألا سماءَ كسماء وطني في كلّ سماوات العالم. في المنفى والوطن أعيش الإيمانَ والحُبَّ بوصفهما وطنًا حيث لا يجد الإنسانُ وطنًا يأويه. بالحُبّ المؤطر بضميرٍ أخلاقي ينتصر الإنسانُ على الأنانية والقلق والخوف واليأس والضجر. الحُبّ الذي يكرّسه الإيمانُ يثري الروحَ بالسكينة والقلبَ بالطمأنينة.

[1] ابن عربي، محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ح ٢ / ٣٤٥ – ح ٤ / ٢٦٩.

[2] ابن عربي، محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ح ٣ / ٤٥٠.

 

https://alsabaah.iq/96987-.html