عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه: دراسة مقارنة للاختلافات الأساسية بين مشروعيهما

 عبد الحفيظ المدني[1]

تبدو المقارنة بين الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي والمفكر السوداني محمود محمد طه (1909–1985) ممكنة للوهلة الأولى؛ فكلاهما اشتغل على تجديد الفكر الديني، ونقد الفهم الموروث للدين، والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة، ومواجهة توظيف الدين في الاستبداد والعنف. غير أن التشابه في هذه العناوين العامة قد يحجب اختلافًا عميقًا في طبيعة المشروعين ومرجعياتهما ومناهجهما وغاياتهما.

مشروع محمود محمد طه مشروع تأويلي تشريعي عرفاني، يسعى إلى استنباط شريعة جديدة من داخل القرآن، في حين أن مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروع فلسفي كلامي إنساني، يعيد بناء المعرفة الدينية، ويحرر الدين من الأيديولوجيا، ويعيد تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان.

 

  1. نقطة الانطلاق

انطلق محمود محمد طه من سؤال تشريعي سياسي: كيف يمكن للإسلام أن يقدم نظامًا صالحًا للإنسان الحديث، يستوعب الديمقراطية والاشتراكية والمساواة والحرية الفردية؟ قادته الإجابة إلى التمييز بين مستويين للرسالة الإسلامية: “الرسالة الأولى” التي تجسدت في تشريعات القرآن المدني، و”الرسالة الثانية” التي تمثلها أصول القرآن المكي. رأى أن التشريع المدني كان ملائمًا لطاقة مجتمع القرن السابع، فيما تمثل الآيات المكية المستوى الأصيل والنهائي للإسلام، الذي صار الإنسان الحديث مؤهلًا لتلقيه.

أما عبد الجبار الرفاعي فانطلق من سؤال معرفي وجودي: لماذا عجز علم الكلام القديم عن فهم الإنسان وأسئلته، وكيف يمكن للدين أن يستعيد وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية؟ لم يبحث الرفاعي عن شريعة ثانية، ولم يقسم القرآن إلى رسالة أولى ورسالة ثانية، واتجه إلى نقد البنية المعرفية التي أنتجت الفهم الديني الموروث. يبدأ التجديد عنده بإعادة بناء علم الكلام، فهو يمثل نظرية المعرفة الدينية والأساس الذي تتوالد منه علوم الدين.

يتجه طه من النص إلى التشريع والمجتمع والدولة، في حين يتجه الرفاعي من الإنسان وحاجته الوجودية إلى الدين، ثم يعيد في ضوء ذلك النظر في علم الكلام وفهم النص ووظيفة الدين.

  1. طبيعة المشروع

مشروع محمود محمد طه ذو بنية رسالية دعوية واضحة. لم يقدم نفسه مؤرخًا للأفكار أو باحثًا أكاديميًا في تجديد التشريع، وإنما صاحب دعوة دينية مجتمعية، يعتقد أن البشرية دخلت طورًا جديدًا يؤهلها للانتقال من شريعة الرسالة الأولى إلى شريعة الرسالة الثانية. اقترن فكره بحركة منظمة هي “الإخوان الجمهوريون”، وتحول المشروع إلى جماعة ذات تربية روحية وممارسة اجتماعية وموقف سياسي.

مشروع الرفاعي فلسفي معرفي، لا يؤسس دعوة دينية، ولا يبني جماعة أو طريقة أو حركة سياسية. يتحقق مشروعه في الكتابة والتعليم وإنتاج المفاهيم وتأسيس فضاء فكري للحوار، خاصة عبر مؤلفاته ومجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. الرفاعي ليس داعية، لذلك لا يدعو إلى الانتساب إليه أو التتلمذ الروحي عليه، ولا يقدم مشروعه باعتباره الصيغة النهائية للدين. إنه يدعو إلى التفكير النقدي، وتعدد القراءات، والانفتاح على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.

طه صاحب رسالة إصلاحية ذات أفق جماعي، والرفاعي مجدد صاحب فلسفة في الدين والمعنى والإنسان.

  1. المرجعية المعرفية

تتشكل مرجعية محمود محمد طه من القرآن، والسنة، والتصوف، وتجربته الروحية الخاصة. يحتل القرآن مركز مشروعه كله، فيما يستمد منه رؤيته للحرية والاشتراكية والديمقراطية وتطور التشريع. يتعامل مع التاريخ الإنساني من خلال تصور ارتقائي يرى أن البشرية تنتقل من طور الوصاية إلى طور الحرية والمسؤولية الفردية.

تتعدد مرجعيات الرفاعي وتتنوع، فتضم علم الكلام والفلسفة الإسلامية والعرفان، إلى جانب الفلسفة الحديثة، وفلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والألسنيات وعلوم اللغة. لا يستخرج الرفاعي مفاهيم الدولة والمواطنة وحقوق الإنسان من النصوص الدينية، وإنما يرى أنها منجزات تراكمت في التجربة التاريخية للعقل البشري.

يميل طه إلى رد القيم الحديثة إلى المستوى الأصيل للقرآن، في حين يعترف الرفاعي بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية.

  1. فهم الوحي والقرآن

يقيم طه تمييزًا حاسمًا بين القرآن المكي والقرآن المدني. الآيات المكية عنده آيات أصول، تقوم على الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، أما آيات المدينة فهي آيات فروع، تنزلت إلى مستوى المجتمع التاريخي الذي لم يكن مؤهلًا لتطبيق الأصول. التجديد يعني الانتقال من فروع القرآن المدني إلى أصول القرآن المكي، وتطوير التشريع على هذا الأساس. وقد صرح بأن النبي شرح الرسالة الأولى تفصيلًا، ووضع الخطوط العامة للرسالة الثانية، وأن شرحها في العصر الحديث يتطلب فهمًا جديدًا للقرآن.

لا يتبنى الرفاعي هذه الثنائية، ولا يقبل تفسير محمود طه للوحي، ولا يمنح ترتيب النزول سلطة تحديد ما هو نهائي وما هو مرحلي. الوحي في فهم الرفاعي كما يقول: “فهمي للوحي يتلخص في أنه حالة وجودية، إلهية بشرية/ بشرية إلهية؛ حالة ينكشف فيها الإلهي للبشري عندما يتجلى فيه، ولا تتحقق فيها هذه الدرجة من الانكشاف لغير النبي. حالة يصير فيها البشري مرآة يتجلى فيها الإلهي بأجلى وأجمل ما يتجلى في الوجود. حالة تمثل طورًا وجوديًا يختص به النبي، وتحظى فيها روحه بمنزلة وجودية لا تدركها غيرها؛ إذ تسمو الروح في هذه المنزلة لتصير نورًا لا يشوبه ظلام”. في ضوء تفسيره الوجودي يرى الرفاعي: “الوحي حالةً أنطولوجية، وليس مشاعر نفسية، الوحي طور وجودي يتسع فيه وجود النبي ويتسامى ويتكامل. ليس الوحي استنارة ذاتية لا صلة لها بالغيب، أو صورًا ذهنية، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرة بيولوجية تنشأ عن اضطرابات هرمونية … في ضوء هذا الفهم يكون للقرآن الكريم وجه إلهي ووجه بشري؛ فهو من حيث اتصاله بالغيب إلهي، ومن حيث تلقي النبي له وتعبيره عنه بلغته وثقافته والواقع الذي كان يعيش فيه بشري، أي تظهر فيه حدود لغة النبي وقيودها ومدياتها، وطبيعة حياته الشخصية، وملامح عصره ومجتمعه وثقافته”. راجع: عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الفصل الثالث: “علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي”، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2024.

لا يتطلب التجديد عند الرفاعي إعلان نسخ تشريعي جديد داخل القرآن، وإنما يبدأ بتحديد وظيفة الدين، وتجديد أدوات قراءة النصوص الدينية، وقراءة النص في أفق الكرامة والحرية والقيم الأخلاقية.

طه يطور التشريع عبر إعادة ترتيب السلطة داخل النص، والرفاعي يجدد فهم النص عبر إعادة بناء نظرية المعرفة الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

  1. مفهوم الدين ووظيفته

يرى طه الإسلام منهاجًا شاملًا لتحرير الإنسان، يبدأ من العبادة وتهذيب النفس، ويمتد إلى الإقتصاد والاجتماع والسياسة والتشريع. الدين لديه طريق فردي وجماعي يقود إلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة. لهذا ظل مشروعه مشغولًا بتقديم نظام إسلامي حديث للحياة العامة.

يعرّف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. لا يعني الرفاعي بالوظيفة الاجتماعية للدين في تعريفه أن الدين يدير الحياة الاجتماعية ومجالاتها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها؛ مقصوده أن الإنسان، حين تمتلئ حياته بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، يغدو حضوره الإنساني مؤثرا في ترسيخ بنية القيم في المجتمع.

من هنا تتمثل الوظيفة الأصلية للدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء الحياة بالمعنى. يفقر الدين الحياة ويفسد الأخلاق حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية أو نظام شامل لإدارة الدولة والمجتمع. يتسع الدين عند طه ليشمل بناء النظام السياسي والاقتصادي، بينما يحرص الرفاعي على حماية المجال الديني من التمدد الذي يحوله إلى أيديولوجيا تستولي على الدولة.

  1. الإنسان والحرية

يمثل الإنسان محورًا مشتركًا بين المشروعين، غير أن كل مشروع يبني مركزيته بطريقة مختلفة. يعتقد طه أن الغاية النهائية للإسلام هي الحرية. الإنسان ينتقل بالتربية والعبادة وتحمل المسؤولية من الخضوع للقانون الخارجي إلى الانضباط الداخلي. الحرية عنده حق يقابله واجب حسن التصرف فيها، وتتسع كلما ارتقى الفرد أخلاقيًا وروحيًا. وقد قرأ قوله تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر” بوصفه أصلًا للديمقراطية، ونفي الوصاية على حرية الإنسان.

يضع الرفاعي الكرامة الإنسانية في مركز فلسفته الإنسانية. الكرامة قيمة أصيلة سابقة على الدين والمعتقد والجنس والعرق والهوية، الكرامة تولد مع الإنسان. يستحقها الإنسان لكونه إنسانًا، ولا تتوقف على إيمانه أو سلوكه أو درجة نضجه الروحي. الحرية شرط لتحقق الكرامة، والتدين الأخلاقي يحمي الكرامة. الإيمان بالإكراه لا يصنع إنسانًا مؤمنًا، والدين الذي يهدر الحرية يهدر المعنى الأخلاقي للإيمان.

الحرية عند طه غاية في مسار ارتقاء روحي وتشريعي، أما الكرامة والحرية عند الرفاعي فهما حقان غير مشروطين ببلوغ الإنسان مرتبة روحية أو أخلاقية خاصة.

  1. مفهوم الكمال الإنساني

يستلهم طه بوضوح التصوف بلا رؤية نقدية، خاصة فكرة الإنسان الكامل. الإنسان في تصوره مشروع تطور لا ينتهي، وتتيح له العبادة وتقليد النبي والرياضة الروحية أن يرتقي من الانقسام الداخلي إلى الوحدة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الإرادة المحدودة إلى التوافق مع الإرادة الإلهية. تتداخل في لغته مفاهيم الشريعة والطريقة والحقيقة، ويكتسب السلوك الفردي منزلة مركزية في المعرفة.

يعترف الرفاعي بالحاجة إلى الحياة الروحية، ويمنح التصوف المعرفي مكانة في اكتشاف الأبعاد العميقة للدين، بالرغم من أن الرفاعي ناقد شديد للتصوف، فهو لا يتبنى نظرية الإنسان الكامل، ولا يجعل الرياضة الروحية مصدرًا للمعرفة العامة. يميز الرفاعي بين التجربة الدينية الشخصية، والمعرفة التي يمكن مناقشتها واختبارها في المجال العام. التجربة الروحية تمنح صاحبها معنى، لكنها لا تمنحه سلطة على الآخرين.

النزعة الروحية عند طه طريق إلى كمال الإنسان وتطوير التشريع، وعند الرفاعي استجابة للظمأ الأنطولوجي وحماية للإنسان من القلق الوجودي والاغتراب.

  1. الشريعة والتشريع

يحتل التشريع قلب مشروع طه. يرى أن أحكامًا مثل الرق، والجهاد القتالي، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وتعدد الزوجات، والطلاق بصورته الموروثة، والحجاب والفصل بين الجنسين، ليست أصولًا نهائية في الإسلام. كانت حلولًا انتقالية فرضتها ظروف المجتمع القديم. حين تطورت البشرية صار من الضروري الانتقال إلى آيات الأصول المؤسسة للحرية والمساواة.

لا يقترح الرفاعي نظرية متكاملة لتطوير الشريعة على غرار طه. ينصب اهتمامه على الأسس الكلامية والأنثروبولوجية والأخلاقية التي ينبغي أن توجه فهم الأحكام. يقرر أن كل تفسير يهدر كرامة الإنسان يحتاج إلى مراجعة، وأن القيم الأخلاقية الكونية يحكم بها العقل العملي وليس النصوص الدينية، لذلك لا تخضع هذه القيم لإرادة الفقيه أو المتكلم. ويميز الرفاعي بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولا يطالب باشتقاق القوانين الحديثة من القرآن.

طه يريد الانتقال من شريعة تاريخية إلى شريعة إسلامية أرفع، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين، ويفتح المجال أمام العقل البشري لإنتاج الدولة ونظمها القوانين والمؤسسات المناسبة للعصر.

  1. الدولة والسياسة

كان طه فاعلًا سياسيًا منذ تأسيس الحزب الجمهوري سنة 1945، ودعا إلى جمهورية ديمقراطية اشتراكية فيدرالية. لم يفصل مشروعه الديني عن تصوره للنظام السياسي والاقتصادي، وعمل على اشتقاقهما من “الرسالة الثانية”. هاجم قوانين سبتمبر 1983 التي فرضها نظام جعفر النميري باسم الشريعة، ودفع حياته ثمنًا لموقفه، إذ أعدم في 18 يناير 1985.

مر الرفاعي بتجربة العمل الحزبي الديني، ثم غادرها نهائيًا سنة 1984، بعد أن اكتشف أن الأيديولوجيا تستلب الفرد وتحول الدين إلى أداة للصراع على السلطة والثروة. الرفاعي فيلسوف دين يعترف بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية. ويرى أن الإنسان هو من يضع هذه النظم بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته ومعارفه. فإذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية. يدافع الرفاعي عن الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية وأولوية الهوية الوطنية، ويرفض الدولة الدينية التي تحتكر تفسير المقدس، ولا يرى القرآن كتاب دولة، ولا يبحث في النص الديني عن نموذج جاهز للحكم.

يعمل طه على تأسيس نظام ديمقراطي اشتراكي مستمد من “الرسالة الثانية”، في حين يفصل الرفاعي بين الدين والدولة، من دون أن يفصل الدين عن حياة الإنسان وقيم المجتمع. طه يؤصل نظام الدولة في فهمه الخاص للدين.

أما الرفاعي فيرد بناء الدولة ونظمها إلى العقل والخبرة الإنسانية، ويحصر وظيفة الدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. يرى الرفاعي أن اشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية وتراكم الخبرة الإنسانية، لا من القرآن والنصوص الدينية.

  1. الديمقراطية والاشتراكية

يعد طه الديمقراطية والاشتراكية مكونين أصيلين في الرسالة الثانية. الديمقراطية عنده ليست الشورى؛ الشورى مرحلة وصاية يقود فيها الفرد الرشيد في الجماعة، أما الديمقراطية فتقوم على الحرية الفردية والمسؤولية. والاشتراكية تعبير عن العدالة الاجتماعية والمشاركة في الثروة. جمع طه بين الحرية الفردية المطلقة والمساواة الاقتصادية، وعد هذا الجمع الغاية السياسية للإسلام في مرحلته المقبلة.

يتعامل الرفاعي مع الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها مكاسب أنتجها العقل البشري، وراكمتها تجارب المجتمعات وخبراتها التاريخية، ولا يرى حاجة إلى إثبات أن القرآن سبق إلى صياغتها. ويؤكد أن بناء الدولة ومؤسساتها، ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية، مهمة بشرية ينهض بها العقل في ضوء تطور المعرفة وتراكم التجارب، وتظل هذه النظم خاضعة للنقد والمراجعة والتعديل. ويطالب الرفاعي باشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية، لا من القرآن. الدين برأي الرفاعي لا يقدم نظامًا للدولة، ولا برنامجًا لإدارة السلطة والاقتصاد والقانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وحماية الكرامة الإنسانية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. تستطيع القيم الدينية أن تغذي الضمير الأخلاقي للإنسان في النظام الديمقراطي، من دون أن تتحول إلى تشريعات تفرضها الدولة أو إلى أيديولوجيا تستولي على مؤسساتها. إذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية.

يؤصل محمود محمد طه الحداثة السياسية دينيًا، ويشتق الديمقراطية والاشتراكية والمساواة من “الرسالة الثانية”، في حين يعترف الرفاعي بالمصدر الإنساني للدولة الحديثة ونظمها، ويحدد صلة الدين بها في إلهام الضمير بالأخلاق، لا في إنتاج مؤسساتها وقوانينها وإدارة سلطاتها.

  1. المرأة والمساواة

دافع محمود محمد طه عن مساواة الرجال والنساء، ورأى أن التفاوت بينهما في بعض أحكام الميراث والشهادة والزواج والطلاق والحجاب ينتمي إلى شريعة مرحلية، استجابت لأوضاع المجتمع في عصر الرسالة، ولم تمثل المستوى النهائي للإسلام. ودعا إلى الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، التي رأى أنها تؤسس للمساواة الكاملة. شاركت “الأخوات الجمهوريات” بفاعلية في حركته، وكان حضور المرأة في مشروعه متقدمًا قياسًا إلى البيئة السودانية المحافظة آنذاك.

ينطلق الرفاعي من أصالة الكرامة الإنسانية وشمولها، فالمرأة والرجل متساويان في الإنسانية والكرامة والحقوق والحريات، ولا يجوز تحويل الاختلاف البيولوجي بينهما إلى تراتبية وجودية أو أخلاقية أو حقوقية. ويرفض كل تفسير ديني ينتقص من إنسانية المرأة، أو يكرس تبعيتها، أو يسلبها حقها في تقرير مصيرها. لا يبني الرفاعي المساواة على الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، ولا يستخرجها من إعادة ترتيب مراتب الآيات، وإنما يؤسسها على مركزية الإنسان، وتاريخية المعرفة الدينية، واستقلال القيم الأخلاقية الكونية التي يحكم فيها العقل العملي، بالكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والعدل، وما انتهت إليه الخبرة الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمنظومات الحقوقية والقانونية الحديثة.

ينتهي المشروعان إلى الدفاع عن مساواة المرأة بالرجل، غير أن الطريق إلى هذه المساواة يختلف بينهما؛ إذ يسلك طه طريق تطوير التشريع من داخل القرآن، فيما يسلك الرفاعي طريق الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة ونقد المعرفة الدينية، ويستند إلى تطور الوعي الأخلاقي والحقوقي للبشرية. طه يبحث عن الأصل القرآني الذي يشرعن المساواة، أما الرفاعي فيرى المساواة حقًا إنسانيًا أصيلًا، يحكم به العقل العملي، ولا تتوقف مشروعيته على العثور على سند له في النص الديني.

  1. الموقف من التصوف

التصوف مكون تأسيسي في مشروع محمود محمد طه؛ فخلوته وتجربته التعبدية وتفسيره الباطني للقرآن ليست عناصر هامشية في فكره، والمعرفة الدينية لديه ثمرة مجاهدة وروحية، لا تنفصل فيها النظرية عن السلوك. لهذا اكتسبت شخصيته منزلة روحية خاصة لدى تلامذته، وغدا المعلم الروحي محورًا في تلقي مشروعه وفهم رسالته.

أما الرفاعي فيتعامل مع التصوف والعرفان برؤية نقدية، ويميز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”. تصوف الحرية يحرر الإنسان من عبودية الأهواء والأشياء والأشخاص، ويوقظ روحه، ويثري حياته بالحب والرحمة والجمال، ويحمي فرديته وكرامته واستقلاله. أما تصوف الاستعباد فيسلب المريد إرادته، ويذيب شخصيته في شخصية الشيخ، ويمنح الشيخ وصاية مطلقة على عقله وضميره وحياته، ويحول التربية الروحية إلى طاعة عمياء، والطريقة إلى جماعة مغلقة تحتكر الحقيقة والنجاة. ينتقد الرفاعي كل تصوف يعطل العقل، ويمحو الذات، ويكرس الخضوع، ويستبدل عبادة الله بالعبودية للشيخ، مثلما ينتقد الشطح حين يتحول إلى معرفة ملزمة للآخرين، والكشف حين يقدم نفسه مصدرًا للحقيقة لا يقبل النقاش والمراجعة. ويفرق الرفاعي بين التجربة الروحية الشخصية والحجة المعرفية المشتركة؛ فالإلهام والكشف يمنحان صاحبهما يقينًا ذاتيًا ومعنى روحيًا، لكنهما لا ينتجان برهانًا ملزمًا لغيره، ولا يمنحان صاحبهما سلطة دينية أو أخلاقية على الناس.

يستفيد الرفاعي من التصوف المعرفي في بناء رؤيته للحب والرحمة والحضور الإلهي، وفي تأكيد تعدد الطرق إلى الله، وتنوع سبل النجاة والخلاص، ورفض احتكار الحقيقة الدينية والرحمة الإلهية في دين أو مذهب أو فرقة. يرى الرفاعي أن طرق الوصول إلى الله تتعدد بتعدد تجارب البشر الروحية واستعداداتهم وصورهم عن الله، وأن رحمة الله أوسع من الحدود التي ترسمها العقائد المغلقة. غير أن هذه الاستفادة لا تعني تبني المنظومة الصوفية، إذ يعيد الرفاعي قراءة ميراثها في ضوء العقل النقدي والكرامة الإنسانية وحرية الضمير والمساواة.

روحانية طه طريق للمعرفة والتشريع والارتقاء نحو الحرية الفردية، في حين تمثل الروحانية عند الرفاعي أفقًا للمعنى، ومصدرًا للحب والرحمة وتعدد طرق النجاة، من دون أن تستغني عن العقل أو تهدر فردية الإنسان وحريته وكرامته.

  1. الموقف من الحداثة

يحاول محمود محمد طه إثبات أن أسمى قيم الحداثة كامنة في أصل الإسلام، وأن الحرية والمساواة والديمقراطية والاشتراكية تمثل المضامين المؤجلة للرسالة الثانية. ويعتمد تصورًا تطوريًا للتاريخ، يرى أن ما تعذر تطبيقه في القرن السابع، بسبب محدودية طاقة المجتمع آنذاك، أصبح ممكنًا بعد تطور وعي الإنسان الحديث واستعداده لتحمل مسؤولية الحرية. هكذا يستوعب طه الحداثة داخل تأويله للقرآن، ويمنح قيمها مشروعية دينية من خلال الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية.

أما الرفاعي فلا يرد الحداثة إلى أصل ديني سابق، ولا يبحث في القرآن والنصوص الدينية عن الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان ومناهج العلم الحديث، ولا يرى حاجة إلى أسلمة المكاسب التي أنتجها العقل البشري. يعترف الرفاعي باستقلال الحداثة ومصدرها الإنساني، ويتعامل معها بوصفها مسارًا تاريخيًا متنوعًا وغير مكتمل، لا كتلة مغلقة تقبل كلها أو ترفض كلها. يتعلم الرفاعي من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان ومناهج التأويل والنقد، ويستثمر مكاسب الحداثة في مراجعة علم الكلام ونقد المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها. في الوقت نفسه ينقد النزعات المادية والعدمية في الحداثة، وما تفضي إليه من اختزال الإنسان في حاجاته المادية، وافقار حياته الروحية، وتعميق اغترابه الميتافيزيقي. يقيم الرفاعي حوارًا نقديًا متبادلًا بين الدين والحداثة؛ يستعين بمكاسب الحداثة لتحرير فهم الدين من الوثوقيات والوصايات، ويستدعي المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين لمعالجة فقر المعنى والقلق الوجودي في العالم الحديث.

يدمج طه الحداثة في تأويله للقرآن ويشتق مشروعيتها من الرسالة الثانية، في حين يعترف الرفاعي باستقلال منجزها الإنساني، ويتفاعل معها نقديًا، فيتعلم من مكاسبها من دون أن يغفل تناقضاتها وحدودها.

  1. منهج إنتاج المعرفة

يعتمد محمود محمد طه التأويل الإشاري، والتمييز بين الظاهر والباطن، والأصل والفرع، والشريعة والحقيقة، ومستويات الخطاب تبعًا لتطور المتلقي واستعداده الروحي. ويتعامل مع القرآن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، تتكشف معانيه العليا كلما ارتقى الإنسان في المعرفة والسلوك، ويجعل التجربة الروحية والمجاهدة مدخلًا إلى اكتشاف هذه المعاني. تتسم منظومته بقدر كبير من الاتساق الداخلي، غير أنها تقوم على مقدمات عرفانية وتأويلية تستمد مشروعيتها من تجربته الروحية وقراءته الخاصة للقرآن، ويصعب إخضاعها للبرهنة العقلية المشتركة خارج تجربته ومدرسته.

أما الرفاعي فيعتمد فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وتحليل المفاهيم، والنقد التاريخي، ويستفيد من معطيات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والألسنيات وعلوم اللغة الحديثة في دراسة الدين وتفسير أنماط حضوره في حياة الإنسان. المعرفة الدينية بشرية، ينتجها الإنسان في أفق لغته وثقافته وذاكرته وأسئلته ومصالحه وأحكامه المسبقة. لهذا لا يطابق الرفاعي بين الوحي وفهم الإنسان للوحي، ولا يمنح أي تفسير حصانة من النقد والمراجعة. لا يدعي الوصول إلى تفسير أخير للنص، ويرى أن فهم الدين يتجدد بتجدد الإنسان ومعارفه وأسئلته وتحول نمط معيشته وعلومه ومعارفه وثقافته. يحافظ الرفاعي على التمييز بين الإيمان والمعرفة؛ فالإيمان تجربة وجودية وروحية تمنح حياة المؤمن معنى، أما المعرفة الدينية فهي فهم بشري قابل للفحص والنقد والتصويب.

يقوم منهج طه على اكتشاف المستوى الأعلى الكامن في النص من خلال الارتقاء الروحي والانتقال من الفروع إلى الأصول، فيما يقوم منهج الرفاعي على كشف تاريخية الفهم، وحدود القارئ، وأثر قبلياته في إنتاج المعنى، وتعدد آفاق القراءة. يبحث طه عن المعنى النهائي الذي تنطوي عليه “الرسالة الثانية”، بينما يفتح الرفاعي النص على تعدد الفهوم، ويرفض احتكار تفسيره أو تحويل قراءة بشرية إلى حقيقة مقدسة ملزمة لكل إنسان.

  1. اللغة وبناء المفاهيم

لغة محمود محمد طه قرآنية صوفية، تستمد مفرداتها وصورها وبنيتها الحجاجية من القرآن وميراث التصوف، وتتحرك داخل نسق من الثنائيات: الأصول والفروع، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، الإسلام والإيمان، الشريعة والحقيقة، الظاهر والباطن، الحرية المقيدة والحرية الفردية المطلقة. تمنح هذه الثنائيات مشروعه تماسكًا داخليًا، وتتيح له بناء رؤية كلية تنتظم فيها العبادة والأخلاق والتشريع والسياسة والاقتصاد ضمن مسار واحد لارتقاء الفرد والمجتمع. تخاطب لغته القارئ بلهجة المعلم الروحي وصاحب الدعوة الواثق من اكتشافه، وتميل إلى الحسم والتقرير، ولا تترك مسافة واضحة بين تجربته الروحية الخاصة والحقيقة التي يقدمها إلى أتباعه.

أما لغة الرفاعي ففلسفية تأويلية إنسانية، تنفتح على لغة فلسفة الدين والهرمنيوطيقا وعلوم الإنسان، وتعيد بناء مفرداتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. لا تكتفي لغته بشرح المفاهيم الموروثة، وإنما تنتج مفاهيمها الخاصة، مثل: “الظمأ الأنطولوجي”، و”الاغتراب الميتافيزيقي”، و”النزعة الإنسانية في الدين”، و”التدين الرحماني”، و”التدين الشعبي”، و”التدين الشعبوي”، وغيرها. تنبع هذه المفاهيم من تجربته المعرفية والروحية والأخلاقية وسيرته الذاتية، غير أنها لا تقدم التجربة الشخصية مصدرًا لحقيقة ملزمة للآخرين، وتخضع نفسها للمراجعة والنقد وإعادة النظر. لغة الرفاعي لا تنغلق على لغة الوعظ أو الدفاع العقائدي، وتستفيد من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان، من دون أن تذوب في لغتها أو تستنسخ مقولاتها. لا تعلن امتلاك تفسير أخير للدين، ولا تقدم مشروعها باعتباره منظومة، وإنما تسعى إلى إيقاظ الأسئلة وفتح آفاق جديدة لفهم الدين والإنسان.

يبني طه بلغة تقريرية منظومة مترابطة ومكتملة نسبيًا، بينما يكتب الرفاعي بلغة تساؤلية مفتوحة، ترى التفكير مسارًا لا يتوقف، وتدرك أن كل فهم بشري يظل محدودًا وقابلًا للمراجعة والتجاوز.

  1. موقع المؤلف في مشروعه

يحتل محمود محمد طه موقع المعلم الروحي وصاحب “الرسالة الثانية”، وقد ارتبطت مشروعية المشروع لدى أتباعه بمكانته الروحية وتجربته التعبدية وقراءته الخاصة للقرآن. لم يكن في نظر تلامذته مفكرًا يقدم اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد فقط، بل كان معلمًا يكشف مستوى جديدًا من الرسالة الإسلامية، ويقود أتباعه في طريق التربية والتحقق الروحي. أنتج هذا الموقع طاقة أخلاقية كبيرة، ومنح طه شجاعة استثنائية في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية، وجعله نموذجًا حيًا لوحدة الفكر والموقف والسلوك، لكنه ربط المشروع بشخص المؤسس، وجعل كثيرًا من مقدماته الروحية والتأويلية تستمد قوتها من الثقة بمقامه أكثر مما تستمدها من برهنة عقلية مشتركة.

أما الرفاعي فلا يمنح نفسه سلطة دينية أو مقامًا روحيًا، ولا يقدم مشروعه في صورة رسالة جديدة، ولا يؤسس جماعة أو طريقة أو تنظيمًا يطالب أتباعه بالطاعة والامتثال. تحضر ذاته في كتاباته من خلال السيرة الفكرية والاعتراف والتحولات والمراجعات ونقد تجاربه السابقة. يتحدث الرفاعي عن ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة، تكشف مسار تعلمها وأخطاءها وتحولاتها ومراجعاتها، لا ذاتًا تؤسس للطاعة أو تحتكر الحقيقة. يكتب الرفاعي من داخل تجربة إيمانية وفكرية شخصية، لكنه لا يحول تجربته إلى معيار ملزم للآخرين، ولا يجعل منزلته أو سيرته مصدرًا لمشروعية أفكاره. تستمد الفكرة قيمتها لديه من قدرتها على التفسير والحوار والإقناع، وما تفتحه من أفق للفهم، وما توقظه من أسئلة، وتظل خاضعة للنقد والمراجعة بصرف النظر عن مكانة قائلها.

يتمحور مشروع طه حول شخصية المعلم الذي يكشف الرسالة الثانية ويجسدها في حياته، فيما يتمحور مشروع الرفاعي حول الإنسان المفكر الحر، الذي لا يحتاج إلى شيخ أو وصي كي يفهم ذاته ويتلقى ايمانه ويصوغ معنى حياته. ولهذا ظل مشروع طه وثيق الصلة بمؤسسه وجماعته، في حين يسعى مشروع الرفاعي إلى إنتاج فضاء فكري مفتوح، لا يتطلب الانتماء إلى جماعة، ولا يقوم على التلقي والطاعة، ويترك للقارئ حرية الحوار معه والاختلاف عنه وتجاوز أفكاره.

  1. أعمق نقطة افتراق

محمود محمد طه مصلح ديني وصاحب دعوة، أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد. ويتجلى أعمق اختلاف بين المشروعين في السؤال الآتي: هل يتطلب التجديد اكتشاف المستوى الأعلى من الشريعة الكامن في القرآن، أم يتطلب إعادة النظر في طبيعة الدين ووظيفته وحدود المعرفة الدينية؟

يجيب طه بأن الإسلام ينطوي على مستوى نهائي لم تطبقه المجتمعات الإسلامية تاريخيًا، وأن البشرية بلغت من التطور ما يؤهلها لبعثه في صورة “الرسالة الثانية”. يقوم التجديد لديه على الانتقال من آيات الفروع المدنية، التي استجابت لطاقة مجتمع القرن الأول الهجري، إلى آيات الأصول المكية المؤسسة للحرية والمساواة.

أما الرفاعي فيرى أن الدين ليس برنامجًا شاملًا للدولة والتشريع والاقتصاد والإدارة، ولا يستبطن نظمًا سياسية وحقوقية وقانونية جاهزة تنتظر من يستنبطها من النص. تتمثل مهمة الدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من اغترابه الميتافيزيقي، وحماية كرامته، وإيقاظ ضميره الأخلاقي، وإغناء حياته بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. أما بناء الدولة ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية، فهي مهمة ينهض بها الإنسان بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته وتطور وعيه الحقوقي.

يجدد طه الإسلام من داخل بنية الشريعة، ويبحث في القرآن عن شريعة المستقبل، في حين يجدد الرفاعي التفكير الديني عبر نقد الأسس الكلامية والمعرفية التي حولت الدين إلى شريعة شاملة وأيديولوجيا سياسية. يريد طه توسيع الإسلام ليقدم نظامًا حديثًا للحياة والدولة، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين لحماية وظيفته الوجودية، ويحرر الدولة من سلطة المقدس، ويحرر الدين من استحواذ الدولة والجماعات السياسية.

خاتمة

يشترك عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه في الانحياز إلى الإنسان، والدفاع عن الحرية والمساواة، ونقد التدين القسري، ومقاومة توظيف الشريعة في الاستبداد وإهدار الكرامة. يرى كلاهما أن الفهم الديني الموروث لا يستجيب لتحولات عالم الإنسان الحديث، وأن الدين يفقد رسالته حين يتحول إلى خوف وعنف ووصاية. غير أن هذا الاشتراك في الغايات الإنسانية لا يعني وحدة المنطلقات والمناهج والنتائج، فلا يمثل مشروع الرفاعي امتدادًا لمشروع طه، ولا يمكن إدراجهما في اتجاه فكري واحد. محمود محمد طه مصلح ديني متصوف، وصاحب دعوة ونظرية في تطوير التشريع، أراد تأسيس مجتمع ديمقراطي اشتراكي عادل يستمد نظامه السياسي والاقتصادي والقانوني من “الرسالة الثانية في الإسلام”.

أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد، يعمل على تحرير الدين من الأيديولوجيا، وإعادة بناء علم الكلام ليشبع حاجته الإنسان الوجودية إلى المعنى. وتفسير مركزية الإنسان في الأرض بوصفها امتدادًا لمركزية الله في الوجود، بمعنى استخلاف الله للإنسان ونيابته الشاملة عنه في الأرض. يبحث طه عن شريعة المستقبل داخل القرآن، فيما يبحث الرفاعي عن معنى الدين ووظيفته في الحاضر والمستقبل. يريد طه نقل المجتمع من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، ويريد الرفاعي نقل التفكير الديني من نسيان الإنسان إلى مركزية الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تعدد الفهم، ومن لاهوت الخوف والطاعة إلى إيمان الحب والرحمة والحرية والكرامة.

يدمج طه الروحي والتشريعي والسياسي والاقتصادي داخل رسالة دينية شاملة، في حين يميز الرفاعي بين هذه المجالات حماية للدين والإنسان والدولة؛ فالدين لديه لا ينتج نظام الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو القانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية.

يقدم طه تصورًا مكتملًا نسبيًا لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام، ويمنح تجربته الروحية وقراءته للقرآن موقعًا مركزيًا في هذا التصور، أما الرفاعي فيقدم أفقًا نقديًا مفتوحًا لتجديد فهم الدين، ولا يدعي امتلاك تفسير نهائي أو حقيقة تلزم الآخرين. يؤصل طه الديمقراطية والاشتراكية والمساواة دينيًا، بينما يعترف الرفاعي باستقلال العقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة الحديثة ونظمها وحقوقها وقوانينها.

هنا تتجلى فرادة كل مشروع: شجاعة محمود محمد طه في إعادة بناء التشريع من داخل القرآن، ودفاعه عن الحرية والمساواة في مواجهة سلطة انتهت إلى إعدامه، وفرادة عبد الجبار الرفاعي في إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والنبوة وتنوع الطرق إلى الله والشريعة والتكليف، انطلاقًا من حاجة الإنسان إلى المعنى، وتحريره من احتكار الدولة والجماعة والأيديولوجيا، مع ترك بناء الدولة ونظمها وقوانينها وبرامجها وإدارة شؤونها للعقل البشري وتراكم تجاربه وخبراته.

 [1] كاتب من السودان، ود مدني.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=926112

التربية على الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الصمتُ موقفٌ حِيال الصَّخب الذي يملأ العالمَ اليوم. ضجيجُ السيارات والمكائن والمصانع الحديثة، والحروب، وإحراق الغابات واستنزاف الطبيعة، يُجهِدُ السمعَ، ويرهق الذهنَ، ويُشعِر المتلقي بضراوةِ الواقع وشراسته. مضافًا إلى استعمال كلماتٍ ذات دلالاتٍ عنيفة في اللغة المتداولة في الإعلام والثقافة وتطبيقات وسائل التواصل والتخاطب بين البشر، حتى نبرة الأصوات المرتفعة في الحديث بين الناس لا تخلو من الغلظة والشدة.

نمطان للصمت: صمت اللسان، وصمت الباطن.كفُّ اللسان عن الكلام موقفٌ ينشد سكينةَ الباطن، لا يمكن أن يسكنَ الباطنُ مالم يكفّ اللسانُ عن فائض الكلام. لا قيمة لصمت اللسان لو لبث القلبُ يحترق بسموم الكراهيات والضغائن والأحقاد. تدريب الباطن على الصمت يتطلب أن يروّض الإنسانُ نفسَه على الهدوء، ويتخلَّص من الانغمار في المجالس الصاخبة، ويطهّر لسانَه من الكلمات البلهاء، ويقتصد في استعمال الكلمة، ويبتعد ما أمكنه عن الكلام في كلِّ شيء، ويكتفي بما هو نافعٌ وضروري من الكلام، عندما يفرض عليه الموقفُ ولادةَ الكلمة. وقبل تهذيب لسانه وبعده عليه أن يُطهِّر قلبَه من الكراهية، ولا يُطهِّر القلبَ إلا اغتسالُه بالحُبّ.

لا يمكن أن نضع تعريفًا مانعًا جامعًا للصَّمت، مادام صمتُ الباطن حالةً وجودية، والحالات من هذا النوع عصيَّةٌ على استكناه ماهيتِها، وإن كان يمكن توصيفُها، والحديثُ عن نتائجها وآثارها. ذلك ما يجعل الكلامَ حول الصمت أشبه بتوصيف ما يتذوقه العرفاءُ وذوو التجارب الدينية لحظةَ إشراق وتجلي الروح وصفائها، اللغةُ تضيق عن التصور الواضح لكيفياتِ التجلي والتعبيرِ عنها كما هي.

من أثمن ثمرات صمت الباطن قوةُ الإرادة وشحذُ فاعليتها، وقدرتها على جعل الإنسان يتسامي ليحمي ذاتَه من الأنماط المتعدّدة للاستعباد، وإنتاجُ طاقةٍ خلّاقة تمكّن إرادةَ الإنسان من التحرّر من كلّ حاجةٍ ورغبة تمتلكه، وتجعله قادرًا على التحكُّم بكلِّ شيءٍ، من دون أن يتحكم به أيُّ شيء، مهما كان بريقُه وإغواؤه. العرفان في الأديان، خاصة الآسيوية منها، ‏يهتم اهتمامًا ملحوظًا بالصَّمت، ويبتكر رياضاتٍ متنوعة تستقي من الصمت وتستلهم منه طاقتَها. الإرادة تتجذّر وتتصلّب حيثما يكون الصمتُ تمرينًا متواصلًا يفرضه ارتياضٌ روحي، ولا سيّما لو التزم المرتاضُ بالصمت يوميًّا بشكلٍ منتظم.

‏ أن تعيش الحالةَ غير أن تفكر فيها، الصمتُ يمكّن الإنسانَ من أن يعيشَ حالةَ الإيمان والحُبّ والسلام الداخلي ويتذوقها. لا ينشغل مَن يتذوق الحالاتِ بالنظر والتفكير والكلام عنها، كثرة الكلام تفسد التذوق. صمت الباطن حالةٌ يعيشها الإنسانُ في أعماقِه، وهو لا يتحقّق بلا ارتياضٍ متواصل، وتدريبٍ لتحرير النفس وخفض حساسياتها وانفعالاتها وغضبها وأغلالها إلى أدنى مستوىً ممكن، وتطهيرِ القلب من الضغائن والأحقاد. ‏أما صمت اللسان فهو فعلٌ إراديّ تستطيع اتخاذَه الشخصياتُ الصارمة.

‏ صمتُ الباطن يمكن ‏أن يخلِّصَ الإنسانَ من عبوديتِه للمادة، واللهاثِ وراء المتع الرخيصة، والتهافتِ على سرابٍ سرعان ما يتلاشى. عندما يصير الصَّمتُ نافذةً للتأمل الصّبور، يمكن أن يعمل على انبثاق النور في روح الإنسان، ويجعله قادرًا على الإنصاتِ لصوت اللهِ في الوُجود.

الصمتُ الباطنيُّ حالةٌ تكرّس كينونةَ الإنسان وتثريها بالمعنى. هذا النوعُ من الصمت كان الرصيدَ الذي لن ينضب لشخصياتٍ ملهِمة مؤثرة جدًّا في الحياة. من يكتسي هذا الصمتَ يخلع على ذاته هالةً، خاصة إن كان ذا مقامٍ ديني أو علمي أو اجتماعي، فيشعر مَن يتعامل معه بسحرٍ خاص في شخصيته، ويطغى حضورُه حيثما يحضر، وتؤثر شخصيتُه الوقورة فيمن حوله، وإن كان لا يتحدث.

وحده صمتُ الباطن ‏يمكّن الإنسانَ من التوغلِ في الذات واكتشافِ طبقاتها العميقة، والتخفيفِ مما يثقل كاهلَها من أعباء تفوق طاقتَها. إنه صمتٌ تأملي يقظ، يحاور الذاتَ ويستبطنها في مونولغ داخلي تتحدث فيه الذاتُ لذاتِها. ‏وينبعث فيه الذهنُ، ويصفو الباطنُ، وتجد فيه الحياةُ حضورَها الحيويَّ وتتجدّد قدراتُها. ويصيّر شخصيةَ الإنسان عصيَّةً على الإغواء، والتهافتِ على الغرق في المتع الحسية الآنية، والتهافتِ على العلاقات الاجتماعية العشوائية. بالصمت التأملي اليقظ أنجز الإنسانُ كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الأدبية والفنية الثمينة.

من مكاسب صمت الباطن صناعةُ الشخصيات الاستثنائية المتفرّدة الفذّة، القادرة على تحمل الوحدة والتكيّف معها، من دون شعورٍ بحاجةٍ للجري وراء شخص أو أشخاص يحتمي بهم الإنسانُ من الشعور المخيف بوحشة الوجود. يمنح هذا الصمتُ الإنسانَ قدرةً خلّاقةً، ففي الوقت الذي يكون فيه وحدَه، ‏يشعر بصلةٍ حيّة بما حوله، وكأنه واحدٌ من حيث أنه متعدّد، ومتعدّد من حيث أنه واحد.

صمتُ الباطن منبعُ النّور والحِكمة والسلام، إنه جذوةٌ تنتج طاقةً متّقدة تتيح للإنسان السفرَ في رحلة يتوغل فيها للتعرّف على الطبقات الغاطسة لنفسه وما هو مختبئٌ فيها، ومنها ينطلق لاكتشاف الإنسانَ والعالمَ من حوله. مَن يعجز عَن التوغُّل في أعماق نفسه، ومعرفة ما يغوص بداخله، يعجز عن اكتشافِ العالَم، والتعّرفِ على الإنسان المختلِف من حوله. الصمت نافذةُ ضوءٍ للتأمُّلِ والنظرِ بعيد الغور والتدبرِ في الذات، وانبثاقِ الأسئلة الوجودية الكبرى، وكما تنبثق هذه الأسئلةُ في فضاء الصمت يتوالد شيءٌ من إجاباتها في فضائه. هكذا يصير الصمتُ ملهِمًا للمعنى، ولبعض الإجابات المتناغمة مع الواقع لهذه الأسئلة.

‏‏‏‏ تكسر وسائلُ الاتصال الحديثة والتطبيقاتُ المختلفةُ الصَّمتَ. أينما تذهب اليوم تلاحقُك الفضائياتُ، وتطبيقاتُ وسائل التواصل المختلف، وهي تقصفك، بسيلٍ هادر ليلَ نهار، بكلامٍ مكرَّر، مشوبٍ بدعاية مبتذلة. أكثر الأخبار السياسية مريرة، وكثيرٌ ممن يقدمون التحليلات مهنتُهم تكديسُ الكلام على الكلام. بعضهم يتكلَّم بكلماتٍ بلهاء، وكأنَّ مهنتَه أن يحكي، بغضّ النظر عن مضمون ما يقول وقيمته ومصداقيته. ‏تطبيقات وسائل التواصل أتاحت للجميع التحدثَ للجميع، ‏فعندما يحضر إنسانٌ جاهل ثرثار على منصة تطبيقات تضمّ مليارات البشر، يظل يهذي بطريقةٍ تتسبّب بصداع رأس المتلقي. إن كنتَ تقرأ كلماته، أو تستمع إلى أحاديثه، أو ترى ما ينشره من صور وأشكال تعبيرية، تشعر بالقرف.كان مثلُ هذا الإنسان يتحدَّث لعدد محدود ممن حوله في مقهى أو مجلس أو مناسبة اجتماعية، أما اليوم فهو يؤذي مَن يتابعه على منصة هذه التطبيقات. ‏الصمت كان أكثرَ من الكلام في حياة الإنسان، تضخّمُ الديموغرافيا اليوم وازدحامُ الأرض بالبشر، وتراكمُ فضلات المنشئات الصناعية المتنوعة، وهستيريا الحروب، والتغييرُ المناخي، مزّقتْ صمتَ الطبيعة، وقدّمت الكائنات الحيَّة المتوطِّنة في الأرض منذ مليارات السنين قربانًا لعبثِ الإنسان واستهلاكِه الفاحش للموارد الطبيعية، واستئثارِه بكلِّ شيء، وإبادتِه المتوحشة للأنواع الحيّة، بمختلف الوسائل الفتَّاكة. بقايا هذه الأنواع تستغيث فلا تُغاث، فَزَعًا من قهر الإنسان وإبادتِه لما تبقى منها في الأرض. أمست آهاتُ الأرض تستغيث من فَتْكِ الإنسان، وصار إنسانُ اليوم كثيرَ الهذر، وغارقًا في استعمال مختلف الآلات، ومعظمها تصدر أصواتًا، وأغلب تلك الأصوات غريبةٌ على ما يألفه سمعُه. قلّما يجد إنسانٌ اليومَ محطةَ استراحةٍ يحتمي فيها بصمتٍ مُتَأمّل من الضجيج والضوضاء والكلمات الخرقاء.كلُّ ذلك لا يسرق العمرَ فقط، بل يسرق أثمنَ شيء في حياة الإنسان وهو سلامُه الداخلي.

واحدة من خطايا الأيديولوجيات المتفشِّية في بلادنا تجاهلُ التربية على الصمت والتأمل والتفكير والتساؤل، بل تعمل بالعكس على تحريض مَن ينخرط فيها وحثُّه على التحدث في كلِّ شيء وعن كلِّ شيء، بلغةٍ مشبَعة بالوثوقيات والجزميات النهائية. يحفّز الحثُّ على التحدث شهوةَ الكلام بمختلف القضايا، بلا تكوينٍ فكري يوفر غطاءً مناسبًا للحديث.

المؤسسات التربوية والتعليمية، والثقافية والإعلامية، والاجتماعية، والدينية، والحركات السياسية في بلادنا، تنهمك في بناءِ كياناتها بتكرارِ شعارات وكلمات رعناء، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات تعبوية واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من فائضٍ لفظي لعباراتٍ وكلمات جوفاء، من دون أن ترى فيما تقدّمه منجزاتٍ حقيقية على الأرض لصالح الشعب، ودون أن تكثّف جهودَها لبناءِ الوطن، وحمايتِه من الأخطار.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=380564

 

 

 

ايقاظ النزعة الإنسانية في الدين

د. عبد الجبار الرفاعي

الإنسانُ بوصفه خليفةً لله نورُ الله في العالَم، لو اختفى الإنسانُ الخليفةُ يحتجبُ نورُ الله ويختنقُ العالَمُ بالظلام. النزعةُ الإنسانية في الدين في كتاباتي هي “الإنسانيةُ الإيمانية”، مفهومُ الدين فيها غيرُ الدين المستلَبةُ فيه إنسانيةُ الإنسان. الإيمانُ في الإنسانيةِ الإيمانية هو الإيمانُ الذي يقترنُ دائمًا بالحرية، يكونُ الإيمانُ حيث تكونُ الحرية. الصلةُ بالله في الإنسانيةِ الإيمانية صلةٌ حيّةٌ يقظة، لا تتأسّسُ على الرضوخِ والاستعباد والانسحاق وإهدار الكرامة، بل تتأسّسُ على الحرياتِ والحقوق. الصلةُ باللهِ لا تأخذُ نصابَها في تشييدِ حياةٍ روحية وأخلاقية إلا إن كانت مبنيةً على حريةٍ واختيار، لا على اكراهٍ وتخويف واستعباد واسترقاق وامتهان واذلال. الدفاعُ عن الله في الإنسانيةِ الإيمانية يبدأ بالدفاعِ عن كرامةِ الإنسان، وصيانةِ حقوقه، وحمايةِ حرياته، إذ لا يمرّ الطريقُ إلى الله إلا من خلال احترامِ الإنسانِ ورعايتِه وتكريمه. لا ترادف “الإنسانيةُ الإيمانية” المصطلحَ الذي ظهر في العصر الحديث تمامًا، وإن كانت تلتقي معه في أكثر دلالاته؛ كالتشديدِ على مرجعيَّةِ العقل، وإعادةِ الاعتبار للآدابِ والفنون والعلومِ والمعارفِ البشرية ومُهِمَّتِها العُظْمَى في بناء الحياةِ وتطوُّرها، واحترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه.

كان مصطلحُ «الإنسانية» قد نشأ في العصر الحديث إثر احتكارِ الكنيسة للعلوم والمعارف ورفضِها للعقل ودوره في اكتشاف الطبيعة والتعرّف على العالم، وموقفِها السلبيّ من توظيف الخبرةِ التي راكمتْها البشريةُ في مختلف مجالاتِ الحياة. فدعا ذلك بعضَ الأدباء والمفكرين الغربيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر للعودة إلى تعلُّمِ لغات المجتمعات القديمة والإفادةِ منها في التنقيبِ عن آداب وثقافات تلك المجتمعات، وكسرِ احتكارِ الكنيسة والخروجِ على موقفها المُتَمَثِّل في رفضِ الاعتراف بكلِّ عِلْمٍ ومعرفة يُنْتِجُهَا الإنسانُ خارج إطار النّصوص الدينية وتفكيرِ رجال الكنيسة ورؤيتِهم المُغْلَقَة. لم تنشغل موضوعاتُ كتاب “النزعة الإنسانية في الدين” بدراسة مصطلحِ «الإنسانية» وتاريخِه وتطورِ دلالته وما واكبها من تحوُّلات حتى اليوم، لأنَّ كثيرًا من الكتابات درستْه في أبعادِه المتنوِّعة، بل حاول الكتابُ أنْ يتناوَلَ الدّينَ ومدياتِ تأثيره في المجال الشخصيّ والمُجتمعيّ، والإفصاحَ عن القِيَمِ الإنسانيَّة التي يمكن أن يمنحها لحياةِ الكائن البشري، ونوعِ الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجماليَّة التي يلبِّيها لهذا الكائن.

اهتمَّتْ موضوعاتُ هذا الكتاب بالتدليل على أنَّ الدِّينَ لا يمثِّل مرحلةً من مراحلِ تطوُّر الوعي البشري، لأنَّه كان موجودًا بوجود الإنسان الأول وسيلبث حتى الإنسان الأخير. وشدّد الكتابُ، على وفق المفهوم الذي شرحه لإنسانية الدين، على ضرورةِ العمل بالعقل واعتمادِه مرجعيةً في كلّ شيء، واستعمالِه في تفسير مختلف الظواهر الدينية والدنيوية، والبرهنةِ على كلِّ قضية مهما كانتْ إثباتًا أو نفيًا، والثقةِ بالعقل في فهم الدين ورسم خارطةٍ تحدِّد المجالَ الذي يشغله في الحياة ويحقِّق فيه وعودَه، والكيفيةَ التي يتجلّى فيه أثرُ الدين الفاعلُ في بناءِ الحياة الروحية وإثراءِ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة وإيقاظِ العقل وترسيخ الإرادة، والكشفِ عن أنَّ تجاوُزَ الدِّين لحدودِه لا يُفْقِدُه وظيفتَه البنّاءةَ فقط، بل يُمسي معها أداةً لتعطيلِ العقل، وإغراقِ حياة الفرد والمجتمع بمشكلات تتوالدُ عنها على الدوام مشكلاتٌ لا حصر لها.

وشرحتْ موضوعاتُ الكتاب المتنوّعةُ كيف تمكَّنَ الإنسانُ من تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديدِ أدوات تفسير نصوصِه، والأهميةَ الكبيرةَ لتوظيف تلك المناهج والأدوات في الدراسات الدينية اليوم. وحثّتْ على ضرورة التمسُّك بالتفكير النَّقدي لاختبار قيمة كلِّ فكرةٍ سواء كانتْ تَتَّصِلُ بفهمِ الدين وتفسيرِ نصوصه أو غير ذلك، والكشفِ عمّا هو حقيقي وتمييزه عمّا هو زائف. وأوضحتْ موضوعاتُ الكتاب أنَّ النقدَ ضربٌ من الاختلاف وليس المحاكاة، وأنَّ النقدَ العلمي للأفكار احتفاءٌ بها وتكريمٌ لكاتبها. وأنَّ النقدَ ضرورةٌ يفرضها تجديدُ حياة الدين وإثراءُ حضوره الحيويّ في الحياة الروحيَّة والأخلاقية والجماليَّة. وأنَّ النَّقْدَ هو الأداةُ العقليَّةُ الوحيدةُ لتصويبِ الأفكار وإنضاجِها. وأنَّ الفِكْرَ الدينيَّ الذي لا يُنقَد يُنسى ويخرج أخيرًا عن التَّدَاوُل.

الدعوةُ إلى إنقاذِ النزعةِ الإنسانية في الدين تعنى بناءَ فهمٍ آخرَ للدين، وتفسيرًا مضيئًا مواكبًا للواقعِ للنصوصِ الدينية، تفسيرًا لا يبوحُ به إلا عبورُ المنظومةِ المغلقةِ للفهمِ السلفي، وتوظيفُ منهجياتِ وأدواتِ ومعطياتِ المعرفةِ الحديثة والعلومِ الإنسانية. إنه تفسيرٌ لا يختزُل الدينَ في المدونةِ الكلاميةِ والفقهية، ولا يقومُ بترحيلِه من حقلِه الروحي والأخلاقي والجمالي إلى حقلٍ يتغلّبُ فيه القانونُ على القيم، ولا يتحوّلُ الدينُ فيه إلى أيديولوجيا صراعية، أيديولوجيا تهدرُ المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي. يسعى هذا التفسيرُ إلى اكتشافِ وظيفةِ الدين الأصيلة في إنتاجِ معنىً لحياةِ الإنسان. وهي وظيفةٌ عجزت معظمُ الجماعاتِ الدينية اليومَ عن إدراكِها، وأغرقت نفسَها ومجتمعاتِها في نزاعاتٍ ومعارك، يمكن أن ترى فيها كلَّ شيء إلا الأخلاقَ وقيمَ التراحمِ والمحبة والسلام والسّكينة.

يتساءلُ بعضُ قُرَّاءِ هذا الكتاب عن الإحالات المتكرّرة على نصوص التصوّف المعرفي في مواضع متنوعة فيه وفي بعض كتاباتي، ولتوضيح ذلك أودُّ التذكير بأني باحثٌ حرٌّ أتوكَّأ على العقلِ النقدي. أنا لستُ متصوِّفًا، وإن كنتُ أتفاعلُ مع شيء من مقولات التصوُّف المعرفي، وأوظِّفُ في كتاباتي بعضَ الآراءِ الحيَّة للمتصوّفة. أنا ناقدٌ لتراثِ المتصوّفة كما أنقد غيره من حقول التراث، وقد أعلنتُ موقفي بصراحة أكثر من مرة في سلوك المتصوّفة، وشرحتُ رأيي بقيمة آثارِهم، وشدَّدْتُ على أنَّها تعبّرُ عن اجتهادات بشرية وليست نصوصًا مقدَّسة، لكن يمكننا الإفادةُ مما هو حيٌّ ويتطلبُه زمانُنا منها.

وأشير هنا بإيجاز إلى أني ضدّ كلّ أشكال توثين المعتقدات، والأفكار، والأشخاص مهما كانوا، سواء فعل ذلك التوثينَ المتصوّفةُ أو غيرُهم، فأيَّةُ فكرة تستمدُّ قيمتَها من تعبيرها عن الحقيقة، وأيَّةُ شخصية تستمدُّ مكانتَها من تمسُّكِها بالحقّ، وانحيازِها للإنسان ودفاعها عن كرامته وحقوقه وحريَّاته وقضاياه العادلة. إنَّ المتصوّفةَ بشرٌ تورّطَ أكثرُهم في توثين شيوخهم وأقطابهم، وتمادَى «المريدُ» منهم في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيَّةٍ لشيخِه، وتعالَتْ تعاليمُ الشيخ في وجدانهم فصارتْ مُقَدَّسَةً يرضخُ لها الأتباعُ حدَّ الاستعباد، بنحوٍ تكبّلهم وتشلّ حركتَهم.

بموازاة ذلك وجدتُ بعضَ آثارِ التصوّف المعرفي تغتني بما هو شحيحٌ في آثار علم الكلام وغيره. فقد أعادَ هذا النمطُ من تراث التصوّف بناءَ الصلة بالله فجعلها تتكلمُ لغةَ المحبَّة وتبتهجُ بالوصال مع معشوق جميل. وفاضتْ مدوَّنتُه بمعاني الرحمة والشفقة والرأفة والعطف والتضامُن مع البؤساء والمنكوبين، ويُعلي بعضُ المتصوّفةِ من هذه المعاني بالشكل الذي تصبح فيه مقصدًا محوريًّا للدين برأيهم. مضافًا إلى أنَّ أعلامًا للتصوّفَ المعرفي لا يرفضون العقل، بل يعتمدونه ويتمسَّكون ببراهينه في بناءِ نظامهم المعرفي ورسمِ رؤيتهم للعالَم. وهذا ما نجده في أعمال محيي الدين بن عربي وبعض العرفاء الذين يبتكرون طريقتَهم العقليَّة في الاستدلالِ على مقولاتهم ونقضِ حجج خصومهم.

كما يسودُ آثارَ بعض أعلام التصوّف كجلال الدين الرومي تبجيلٌ للعشق الإلهيّ، ونظرةٌ متفائلةٌ للحياة، واحتفاءٌ بالفن، وكشفٌ عن تجلِّيات جمال الوجود، ودعوةٌ للفرح، وجعلُ المحبَّة مادَّةً الدين، بحيث صار تطهيرُ القلب من الحقد مفتاحًا لطهارة الإنسان، كما ينص على ذلك جلالُ الدين الرومي بقوله: «توضَّأ بالمحبَّة قبل الماء، فإنَّ الصلاةَ بقلبٍ حاقد لا تجوز». وتمكّن بعضُهم من صياغة سلسلة مفاهيم تعمل على تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي، وإرشادِه لتعاليم تحثُّه على التَّصالُح مع العالَم الذي يعيش فيه. ونعثر في آثارهم على فهمٍ للدين وتفسيرٍ لنصوصه يذهب للتَّعامل مع المختلف بوصفه إنسانًا بغضِّ النَّظر عن معتقده. وتخلو أكثرُ آثار المتصوِّفة من الأحكامِ السلبية حيال المختلف في الدين التي نجدها في آثارٍ أخرى، ولا نجد لدى أعلامهم مفاهيمَ تغرسُ كراهيةَ الأديان الأخرى، وتحظر التعاملَ مع أتباعها، وترسِّخ النفورَ منهم. وبعضُ أعلامهم ينفردون في مقولاتٍ تكسر احتكارَ الرَّحمة الإلهية وتوسّع دائرةَ الخلاص، وتصوغ فهمًا للنجاة في الآخرة لا يجعلها حقًّا حصريًّا لمن يعتنق معتقدًا خاصًّا.

قبلَ أكثر من عشر سنوات صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب بعنوان: “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ رابعة مزيدة ومنقحة. عند كلِّ نشرة جديدة لأعمالي تفرضُ عليّ المسؤولية الأخلاقية أمام القراء الكرام أن أعيدَ النظرَ فيها، أقرأها قراءةً ناقدة في ضوء ما يستجد في ذهني، وأعملُ على تحريرها وغربلتها وتمحيصها وتهذيبها.

 

مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: النزعة الإنسانية في الدين، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة.

رابط النشر:

 

 تديّن السكينة والتديّن الكئيب عند عبد الجبار الرفاعي وبوريس سيرولنيك  

د. كوثر فاتح[1]

وأنا أطالع الصفحات الأولى من كتاب عبد الجبار الرفاعي “الدين والكرامة الإنسانية” استوقفتني مطولا عبارة صاغها في الصفحة الرابعة عشرة من الكتاب متحدثا عن: تدين كئيب يغمر الروح بالأسى، وكأني به فقع دمامل الغبن والكآبة[2]. قد لا أبالغ إن قلت إن تلك العبارة لخصت كل ما نعانيه اليوم نحن المسلمون من: تدني شغف ديني، غياب لوعة وجودية، ونضوب سكينة إيمانية:  “في زمن قلما تفرح فيه الروح، كما قال الرفاعي صادقا في الصفحة عينها.

تديننا كئيب وكئيب جدا، واقعنا فقير جدا، على الرغم من أن تراثنا غني جدا. فكيف نفسر عوز تديننا؟ هل هي المادية المتغولة؟ هل هي الفردانية الزاحفة؟ أم هو قصور الفهم الديني؟ أهو عيب دين أم عيب تدين؟

دعونا لا نقفز باتجاه استنتاجات متسرعة قبل ان نسافر في جغرافيا كتابات الرفاعي، وذكريات ماضينا، لنعود لتشخيص واقعنا ثم الأمل في حلول ممكنة. أتذكر هنا ما كتبه الرفاعي عن والدته في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي“، حيث اعترف بفضل تدين أمه البسيط عليه، وما ألهمه من سكينة إيمانية، (الظمأ الانطولوجي ، ص 47-48)؛ مدافعا عن: “تدين فطري عفوي بريء شفيف، (ص 48)، ومذكرا إيانا ببساطة التديّن الشعبي وتلقائيته.

أعرج على ما سرده في كتابه الأخير “الدين والكرامة الإنسانية” عن قصة موسى النبي مع الراعي، ثم قصة فخر الدين الرازي مع المرأة العجوز، (الدين و الكرامة الإنسانية، ص25-23).

أحيا لدي الرفاعي ذكرى أجدادي، وانتبهت فجأة إلى أن تديني كئيب جدا وجدا.  أذكر أن جدي كان من دراويش زاوية الهادي بنعيسى “الزاوية العيساوية”.كان له ورد صباح وورد مساء. كان ما إن يفرغ من عمله حتى يهرع للزاوية للقاء الأحبة. كانت له طقوسه قبل وبعد الصلاة. حتى أدعيته كانت متميزة ببساطتها وكثافة معناها. ما إن يقترب موسم “الشيخ الكامل” بمكناس حتى يغادرنا جدي “باسيدي” متخليا عن الأهل والزوج. لا تفارقه سبحته ولا ابتسامته. كان محدثا بليغا ورجلا حكيما بشهادة من عاصروه. والأهم من هذا وذاك كان مرحا، لأن تديّنه كان تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

لا أتذكر انه في إحدى حكاياته لنا أو جلسات سمرنا معه قد حدثنا عن جهنم أو نار أو عقاب. لم يكن جدي مهووسا بجهنم، لأنه كان متيقنا من رحمة الله ومن عوضه الجزيل. لم يحدثنا عن الدين، لأنا كنا نراه في أفعاله. لم يفتش كثيرا في عيوب فهم الدين، لأنه سلم بأن دينه يخاطب روحه. أما عقله الصرف فقاصر عن أن يدرك أفق  المعنى الديني. هذه ليست دعوة لتعطيل العقل وإنما اعتراف بحدوده. دون شك ليس في عرفان دراويش الحاضر حل لما نكابده.

جدتي لوالدتي أيضا كانت متدينة مرحة. وأذكر أن أحد أخوالي قد أصابه لفترة ما وباء التطرف الشديد، ومنعها من مشاهدة حفل “سهرة السبت”، الذي تعرضه قناتنا الوطنية الأولى نهاية كل أسبوع، بدعوى حرمة الموسيقى، لكنها انتفضت في وجهه وصرخت: “إن كان الأمر بيني وبين الله فدعني وخالقي، سأخبر الله أني أحب سهرة السبت في التلفاز”. لم تشغل جدتي بالها كثيرا بحلال وحرام، كانت تستمتع بتدينها، لأنها آمنت بالله وسلّمت برحمته. هذه ليست دعوة لتحليل أو تحريم، بل قد يكون الحل في الانعتاق من جدلية حلال وحرام هذه التي أنهكت أفهامنا. هي حكايات كثيرة يمتلكها كل واحد منا لأب، أو أم، أو جد، أو عم وخال، كان تديّنه تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

تخبرنا أمي أن جارات وصويحبات الحي كن يقمن حفلة متى وضعت قطة إحداهن، أو عندما يكسر صغارهم أول كأس، حين يحلقون رؤوسهم أول مرة، وعندما يحفظ طفلهم أول حزب من القرآن … كن يغتنمن كل مناسبة للقاء الفرح والمرح.كانت النسوة تلتقي بشغف،كن يمرحن بسبب وبدونه، أما نحن فأغلب حواراتنا إما شكوى مرض أو زوج أو أبناء أو وطن.كانت النسوة متدينات محتشمات دون مبالغة، والأهم كان تديّنهن تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب. نحن النسوة اليوم نتأرجح بين نقاب، حجاب، وتبرج. وبين هذا وذاك ضاع الحياء.

عدت أيضا إلى سنة مضت، عندما قامت بنيتي بأخذ كتاب زميلتها في الفصل سهوا، ووضعته في حقيبتها وحملته معها إلى المنزل، فجاءتني باكية: “أمي هل هذه سرقة؟ هل سأدخل جهنم لأني اخذت كتاب مريم؟”.

مهلا بنيتي، فلست أذكر يوما أني قلت لك: “إن جهنم بالمرصاد”، بل طالما رددت على مسامع أبنائي :”رحمة ربي وسعت كل شيء”.

لا أذكر أنى أحدث ابنتي ذات السنوات السبع عن جهنم ونارها.كل ما أذكره لأبنائي هو عن رحمة الله ولطفه بعباده. ولا تذكر هي من أغلب فصول حصص التربية الإسلامية إلا العذاب والعقاب.  لا أعيب اجتهاد معلمتها، ولكن أعيب أسلوبها في التربية الدينية. نحن في مدارسنا نعاني “حالة المعلم المبشّر”، الذي تجرفه لوعة النصيحة أحيانا، فيغفل عن أن أطفالنا يقلدون أفعالنا، وأن نصائحنا لابد وأن تظهر في أفعالنا نحن الراشدين أولا. وذلك ما يسمى في سيكولوجيا التربية المعاصرة بـ “Congruence ” ، أي ان أسمع أفعالك وأشاهد أقوالك فاراها فيك .**  هي المطابقة إذن بين القول والفعل. قد نكون نحن اليوم بعيدون جدا عن ذلك .

هو عصاب اجتماعي يتفشى عندما نغرق تربيتنا في خطابات الوعظ والإرشاد والترهيب، ويكون واقع أفعالنا متعارضا كلية مع جميل ما ندعو إليه. لا يعني هذا أن نلغي حضور المقدس في تربيتنا، بل أن نحوله من “مقدس” الى “ممكن بشري”، ونحد من الهوة الشاسعة بين جمال ديننا وكآبة تديننا.

هي المدرسة إذن تثقل عقول الأبناء بخطابات الترهيب. لنتساءل بعد ذلك لم التطرف؟ لم النفور من الدين؟ لم اللاتدين؟

دعونا لا نخوض في الأسباب التاريخية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، والسياسية، لنفصل في علل “خطابات الرعب” حتى لا نوقض حساسيات أيديولوجية تزيغنا عن غرض هذه الاسطر.

كيف نعرف تديّن السكينة؟

قد يكون من باب أولى ان نُعرِّف تديّن السكينة بنقيضه، وهو التديّن الكئيب . يميل الرفاعي لوصف واقعنا بـ: الرتابة المادية، القلق الوجودي، الفقر الانطولوجي، وإنطفاء المتعة“، (الظمأ الانطولوجي، ص22). هو شغف الوجود وقد خمد، والقبح وقد أغرق العالم. هي الفردانية وانغماسنا المبالغ فيها، وفي العقلانية، وانسحاب العرفان والمحبة من حياتنا. نحن قد حققنا  “الكفاية المعيشية “، وأعوزنا  الظمأ الانطولوجي، وإن كان ظمأنا هذا ظمأ جوع بعد شبع. فما أفقرنا!، (الظمأ الانطولوجي ص 20).

يعزي الرفاعي كل هذا إلى: “ان الصياغة الأيديولوجية للدين تخفض طاقته المقدسة، بعد ان تهتك سحر العالم، وتطفئ شعلة الروح التي يلتمسها الانسان فيه، وتجفف منابع ما يولد روح المعنى في مداراته، فيصاب الكائن البشري بالسأم والإحباط والضجر والغثيان، بعد ان يموت كل شيء من حوله، ويفتقر الى ما يلهمه مزيدا من الطاقة“، (الظمأ الأنطولوجي، ص 21).

هو شح المعنى في رأي الرفاعي، ذاك الذي يفسر ما نعانيه من اغتراب عن ذواتنا. يكتب: “انسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني أخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في الحياة، عالم تزداد فيه كآبة الإنسان ويشتد اغترابه”، (الدين والكرامة الإنسانية ص 8) . نحن إذن بحاجة إلى بناء فهم  جديد لتديننا، نحيي معانيه الإيجابية، التي أخمدتها تأويلات تغالي في الترهيب، وشوّهت صورة الله الرحيمة. نحن بحاجة لإعادة تشكيل صورة الله في مخيالنا الديني كما يصر على ذلك الرفاعي، حتى نتحرر من: علاقة مسكونة بالخوف الى صلة تتوطن مقام المحبة“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 40) .**

قد يبدو من السهل اسقاط هذه الدعوى عبر اتهامها بانها أيديولوجيا شغف روحي توجه سهامها ضد أيديولوجيا شغف عقلي. دعونا نتحول إلى قراءة أخرى تلتقي كثيرا وتصور الرفاعي، وان كانت تختلف عنها من حيث الأدوات الابستيمولوجية والمقاربة النظرية.

قراءة لا يعنيها المقدس بقدر ما يعنيها الانسان

لنعرج على كتاب  Psychothérapie de Dieu العلاج النفسي بالله، للطبيب النفسي الفرنسي  المتخصص في علم النفس العصبي Boris Cyrulnik  الذي خصه للحديث عن علاقة الانسان بالله، وعن علاقة العلاج النفسي بإيمان الفرد*** . يستحضر هذا الخبير النفساني في كتابه دور الايمان في تعزيز القدرة على “المثابرة La résilience”، أي الصمود في مواجهة المحن وتخطيها . هو مفهوم مركزي عند سيرولنيك، يحيل على القدرة الإنسانية على تحمل الحياة وتجاوز الاحتضار النفسي،  (سيرولنيك، ص 15). يرى سيريلنيك أن للبعد الإيماني دورا مهما في تعزيز هذه القدرة وتنميتها. إنه يميل الى التأكيد على أن الانسان المعاصر فقير جدا انطولوجيا، وأن حاجته للدين قبلية أساسية؛ منتفضا  ضد كل إقصاء للدين في أدبيات العلاج النفسي.

يستعرض سيرولنيك حالات إكلينيكية واكبها، وساعدها الإيمان على تجاوز محنها النفسية ،ثم يعود لذكريات طفولته القاسية التي عرف فيها اليتم والعنف في أبشع صوره، ليقيم تقابلا بين الإيمان واللا-إيمان، على مستوى مواجهة صعاب الحياة. هكذا يخلص إلى مقاربة الدين بوصفه «un tuteur de développement» أي وصي على التطور يحيل على عالم ميتافيزيقي توجد فيه قوة مطلقة، (سيرولنيك، ص   293- 48). هي قوة رحيمة تغذي الحاجة للشعور بالأمان . أما ذلك العالم الميتافيزيقي فهو عالم يقي الانسان صحراء اللامعنى، ويعطي لأحلامه وأهدافه معاني وغايات.  هو إذن يحمي الانسان من انغلاق عالمه النفسي على ذاته، (ص 51). لذلك يصرح سيرولنيك بضرورة إعادة الصلة بالله، واستثمارها في العلاج النفسي . لكن  سيرولنيك يعترف بأن الدين ينقذ البعض، لكنه قد يكون مسؤولا عن مآسي كبرى بسبب تعصب تأويلي، (سيرولنيك ص 38). لهذا يذكرنا بأننا نحتاج الى صورة إله  “يشعرنا بالأمن يعزز ثقتنا بأنفسنا و يرشدنا لطريق السعادة“، (ص 63). يحدثنا سيرولنيك في كتابه مرة أخرى عن قيمة الطقوس الجماعية في تعزيز الحس الاجتماعي للفرد واحساسه بالانتماء، (ص 84 و96). ليس الدين في نظره للإيمان  فقط ، إنه ايضا للسعادة وللغيرية… هو صلة بين الإنسان والعالم ببعديه المادي والميتافيزيقي. هو مبرر وغاية وجودنا.

بهذا المعنى يتضح لنا كيف تلتقي القراءة الفلسفية للرفاعي مع المقاربة السيكولوجية لسيرولنيك، ولا يبرر هذا التشابه إلا السعي وراء معنى للوجود الإنساني.

يذكرنا الرفاعي بأننا نسينا الإنسان. في حين يذكرنا سيرولنيك بأننا نسينا الله  .ويذكرنا تديننا بأننا نسينا الشغف.

أخيرا ،كيف نتحرر من التديّن الكئيب؟

تحمل لنا رباعية مؤلفات الرفاعي عن الدين: “الدين والظمأ الانطولوجي- الدين والاغتراب الميتافيزيقي  – الدين والنزعة الإنسانية –  الدين والكرامة الإنسانية” تشخيصا لما نعانيه اليوم من أزمة حضارية كأمة إسلامية. نحن في قطيعة مع الإنسان بداخلنا؛ اطفأنا شغف إنسانيته بمادية مفرطة، وعقلانية بخيلة المعنى.

قد يكون الحل في إعادة بناء هويتنا الدينية. لن يتحقق ذلك دون مغامرة تأويلية جديدة لماضينا بشرط المسافة النقدية مع هذا الماضي والجرأة على الاعتراف بالأخطاء التاريخية والنواقص البشرية. ولعلنا أيضا  بحاجة الى هيرمينوطيقا إيجابية للدين .  يقول الرفاعي: الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثلهم له في حياتهم“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 5).

قد يكون الخلاص كذلك في ان نعترف أولا للماضي بوزر الخطأ، ونسمح للحاضر بالحق في الشغف، ونتصالح مع سحر العالم؛ فنتحرر من شطحات العقلانية، وهلوسات الفردانية، وغرور المادية  .

أخيرا، قد يكون ترياق التديّن الكئيب هو الظفر بجرعة إنسانية زائدة. وذلك ما يدعو إليه الرفاعي في ما يصطلح عليه بـ: “الإنسانيَّة الإيمانية”.

مراجع

-عبد الجبار الرفاعي (2021)  .الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

– عبد الجبار الرفاعي (2021). مقدمة في علم الكلام الجديد، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

-عبد الجبار الرفاعي (2018) .الدين والظمأ الانطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

B.Cyrulnik (2019).Psychothérapie de Dieu.Odile Jacob. Paris

*يخص عبد الجبار الرفاعي هذا المبحث بجزء مهم في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” حيث يطالب و بإلحاح بضرورة إعادة تشكيل صورة الله والتحرر من صور البطش والترهيب التي اورثتنا إياها مدارس تأويلية بعينها  . وقد لا تكتمل مطالب التخلص من هذا التديّن الكئيب دون التخلص أولا من ارث تأويلي، ومن أدوات ابستيمولوجية انتهت صلاحيتها.

**مفهوم نجده حاضرا بقوة عند كارل روجزCarl Rogers في مقاربته المتمركزة على الشخص ضمن السيكولوجيا الإنسانية التي ينتمي اليها، وفي مدارس التربية الإيجابية التي نهلت كثيرا من مقاربته النفسية .

***هي نقاط تشابه كثيرة بين أطروحة سيرولنيك في هذا الكتاب ومفهومي الظمأ الانطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي عند الرفاعي، وقد يكون الانخراط في قراءة مقارنة لهذين المفكرين مغامرة شيقة. وان كان تدخل سيرولنيك هذا قد قوبل بنوع من الاعتراض في الساحة الفكرية الفرنسية المعاصرة المعروفة بتغليبها للكوجيطو ، الا ان هذا التوجه الروحاني في العلاج النفسي حاضر بقوة في المدارس النفسية الانجلوساكسونية خاصة في علم النفس الإيجابي .

هوامش:

كوثر فاتح دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا – أكاديمية فاس – مكناس، المغرب.[1]

في الفصل الثالث من كتابه الجديد: الدين و الكرامة الإنسانية، تناول عبدالجبار الرفاعي أشكال التديّن، وتمثلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، فأورد ثمانية أشكال للتديّن، وكشف عن ملامح كل واحد منها ومنابعها بالتفصيل ، وأشار في أكثر من مورد إلى التديّن الذي ينتج الكآبة، والتديّن الملهم لسكينة الروح وطمأنينة القلب. [2]

 

رابط النشر: