عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه: دراسة مقارنة للاختلافات الأساسية بين مشروعيهما

 عبد الحفيظ المدني[1]

تبدو المقارنة بين الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي والمفكر السوداني محمود محمد طه (1909–1985) ممكنة للوهلة الأولى؛ فكلاهما اشتغل على تجديد الفكر الديني، ونقد الفهم الموروث للدين، والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة، ومواجهة توظيف الدين في الاستبداد والعنف. غير أن التشابه في هذه العناوين العامة قد يحجب اختلافًا عميقًا في طبيعة المشروعين ومرجعياتهما ومناهجهما وغاياتهما.

مشروع محمود محمد طه مشروع تأويلي تشريعي عرفاني، يسعى إلى استنباط شريعة جديدة من داخل القرآن، في حين أن مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروع فلسفي كلامي إنساني، يعيد بناء المعرفة الدينية، ويحرر الدين من الأيديولوجيا، ويعيد تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان.

 

  1. نقطة الانطلاق

انطلق محمود محمد طه من سؤال تشريعي سياسي: كيف يمكن للإسلام أن يقدم نظامًا صالحًا للإنسان الحديث، يستوعب الديمقراطية والاشتراكية والمساواة والحرية الفردية؟ قادته الإجابة إلى التمييز بين مستويين للرسالة الإسلامية: “الرسالة الأولى” التي تجسدت في تشريعات القرآن المدني، و”الرسالة الثانية” التي تمثلها أصول القرآن المكي. رأى أن التشريع المدني كان ملائمًا لطاقة مجتمع القرن السابع، فيما تمثل الآيات المكية المستوى الأصيل والنهائي للإسلام، الذي صار الإنسان الحديث مؤهلًا لتلقيه.

أما عبد الجبار الرفاعي فانطلق من سؤال معرفي وجودي: لماذا عجز علم الكلام القديم عن فهم الإنسان وأسئلته، وكيف يمكن للدين أن يستعيد وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية؟ لم يبحث الرفاعي عن شريعة ثانية، ولم يقسم القرآن إلى رسالة أولى ورسالة ثانية، واتجه إلى نقد البنية المعرفية التي أنتجت الفهم الديني الموروث. يبدأ التجديد عنده بإعادة بناء علم الكلام، فهو يمثل نظرية المعرفة الدينية والأساس الذي تتوالد منه علوم الدين.

يتجه طه من النص إلى التشريع والمجتمع والدولة، في حين يتجه الرفاعي من الإنسان وحاجته الوجودية إلى الدين، ثم يعيد في ضوء ذلك النظر في علم الكلام وفهم النص ووظيفة الدين.

  1. طبيعة المشروع

مشروع محمود محمد طه ذو بنية رسالية دعوية واضحة. لم يقدم نفسه مؤرخًا للأفكار أو باحثًا أكاديميًا في تجديد التشريع، وإنما صاحب دعوة دينية مجتمعية، يعتقد أن البشرية دخلت طورًا جديدًا يؤهلها للانتقال من شريعة الرسالة الأولى إلى شريعة الرسالة الثانية. اقترن فكره بحركة منظمة هي “الإخوان الجمهوريون”، وتحول المشروع إلى جماعة ذات تربية روحية وممارسة اجتماعية وموقف سياسي.

مشروع الرفاعي فلسفي معرفي، لا يؤسس دعوة دينية، ولا يبني جماعة أو طريقة أو حركة سياسية. يتحقق مشروعه في الكتابة والتعليم وإنتاج المفاهيم وتأسيس فضاء فكري للحوار، خاصة عبر مؤلفاته ومجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. الرفاعي ليس داعية، لذلك لا يدعو إلى الانتساب إليه أو التتلمذ الروحي عليه، ولا يقدم مشروعه باعتباره الصيغة النهائية للدين. إنه يدعو إلى التفكير النقدي، وتعدد القراءات، والانفتاح على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.

طه صاحب رسالة إصلاحية ذات أفق جماعي، والرفاعي مجدد صاحب فلسفة في الدين والمعنى والإنسان.

  1. المرجعية المعرفية

تتشكل مرجعية محمود محمد طه من القرآن، والسنة، والتصوف، وتجربته الروحية الخاصة. يحتل القرآن مركز مشروعه كله، فيما يستمد منه رؤيته للحرية والاشتراكية والديمقراطية وتطور التشريع. يتعامل مع التاريخ الإنساني من خلال تصور ارتقائي يرى أن البشرية تنتقل من طور الوصاية إلى طور الحرية والمسؤولية الفردية.

تتعدد مرجعيات الرفاعي وتتنوع، فتضم علم الكلام والفلسفة الإسلامية والعرفان، إلى جانب الفلسفة الحديثة، وفلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والألسنيات وعلوم اللغة. لا يستخرج الرفاعي مفاهيم الدولة والمواطنة وحقوق الإنسان من النصوص الدينية، وإنما يرى أنها منجزات تراكمت في التجربة التاريخية للعقل البشري.

يميل طه إلى رد القيم الحديثة إلى المستوى الأصيل للقرآن، في حين يعترف الرفاعي بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية.

  1. فهم الوحي والقرآن

يقيم طه تمييزًا حاسمًا بين القرآن المكي والقرآن المدني. الآيات المكية عنده آيات أصول، تقوم على الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، أما آيات المدينة فهي آيات فروع، تنزلت إلى مستوى المجتمع التاريخي الذي لم يكن مؤهلًا لتطبيق الأصول. التجديد يعني الانتقال من فروع القرآن المدني إلى أصول القرآن المكي، وتطوير التشريع على هذا الأساس. وقد صرح بأن النبي شرح الرسالة الأولى تفصيلًا، ووضع الخطوط العامة للرسالة الثانية، وأن شرحها في العصر الحديث يتطلب فهمًا جديدًا للقرآن.

لا يتبنى الرفاعي هذه الثنائية، ولا يقبل تفسير محمود طه للوحي، ولا يمنح ترتيب النزول سلطة تحديد ما هو نهائي وما هو مرحلي. الوحي في فهم الرفاعي كما يقول: “فهمي للوحي يتلخص في أنه حالة وجودية، إلهية بشرية/ بشرية إلهية؛ حالة ينكشف فيها الإلهي للبشري عندما يتجلى فيه، ولا تتحقق فيها هذه الدرجة من الانكشاف لغير النبي. حالة يصير فيها البشري مرآة يتجلى فيها الإلهي بأجلى وأجمل ما يتجلى في الوجود. حالة تمثل طورًا وجوديًا يختص به النبي، وتحظى فيها روحه بمنزلة وجودية لا تدركها غيرها؛ إذ تسمو الروح في هذه المنزلة لتصير نورًا لا يشوبه ظلام”. في ضوء تفسيره الوجودي يرى الرفاعي: “الوحي حالةً أنطولوجية، وليس مشاعر نفسية، الوحي طور وجودي يتسع فيه وجود النبي ويتسامى ويتكامل. ليس الوحي استنارة ذاتية لا صلة لها بالغيب، أو صورًا ذهنية، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرة بيولوجية تنشأ عن اضطرابات هرمونية … في ضوء هذا الفهم يكون للقرآن الكريم وجه إلهي ووجه بشري؛ فهو من حيث اتصاله بالغيب إلهي، ومن حيث تلقي النبي له وتعبيره عنه بلغته وثقافته والواقع الذي كان يعيش فيه بشري، أي تظهر فيه حدود لغة النبي وقيودها ومدياتها، وطبيعة حياته الشخصية، وملامح عصره ومجتمعه وثقافته”. راجع: عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الفصل الثالث: “علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي”، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2024.

لا يتطلب التجديد عند الرفاعي إعلان نسخ تشريعي جديد داخل القرآن، وإنما يبدأ بتحديد وظيفة الدين، وتجديد أدوات قراءة النصوص الدينية، وقراءة النص في أفق الكرامة والحرية والقيم الأخلاقية.

طه يطور التشريع عبر إعادة ترتيب السلطة داخل النص، والرفاعي يجدد فهم النص عبر إعادة بناء نظرية المعرفة الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

  1. مفهوم الدين ووظيفته

يرى طه الإسلام منهاجًا شاملًا لتحرير الإنسان، يبدأ من العبادة وتهذيب النفس، ويمتد إلى الإقتصاد والاجتماع والسياسة والتشريع. الدين لديه طريق فردي وجماعي يقود إلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة. لهذا ظل مشروعه مشغولًا بتقديم نظام إسلامي حديث للحياة العامة.

يعرّف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. لا يعني الرفاعي بالوظيفة الاجتماعية للدين في تعريفه أن الدين يدير الحياة الاجتماعية ومجالاتها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها؛ مقصوده أن الإنسان، حين تمتلئ حياته بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، يغدو حضوره الإنساني مؤثرا في ترسيخ بنية القيم في المجتمع.

من هنا تتمثل الوظيفة الأصلية للدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء الحياة بالمعنى. يفقر الدين الحياة ويفسد الأخلاق حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية أو نظام شامل لإدارة الدولة والمجتمع. يتسع الدين عند طه ليشمل بناء النظام السياسي والاقتصادي، بينما يحرص الرفاعي على حماية المجال الديني من التمدد الذي يحوله إلى أيديولوجيا تستولي على الدولة.

  1. الإنسان والحرية

يمثل الإنسان محورًا مشتركًا بين المشروعين، غير أن كل مشروع يبني مركزيته بطريقة مختلفة. يعتقد طه أن الغاية النهائية للإسلام هي الحرية. الإنسان ينتقل بالتربية والعبادة وتحمل المسؤولية من الخضوع للقانون الخارجي إلى الانضباط الداخلي. الحرية عنده حق يقابله واجب حسن التصرف فيها، وتتسع كلما ارتقى الفرد أخلاقيًا وروحيًا. وقد قرأ قوله تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر” بوصفه أصلًا للديمقراطية، ونفي الوصاية على حرية الإنسان.

يضع الرفاعي الكرامة الإنسانية في مركز فلسفته الإنسانية. الكرامة قيمة أصيلة سابقة على الدين والمعتقد والجنس والعرق والهوية، الكرامة تولد مع الإنسان. يستحقها الإنسان لكونه إنسانًا، ولا تتوقف على إيمانه أو سلوكه أو درجة نضجه الروحي. الحرية شرط لتحقق الكرامة، والتدين الأخلاقي يحمي الكرامة. الإيمان بالإكراه لا يصنع إنسانًا مؤمنًا، والدين الذي يهدر الحرية يهدر المعنى الأخلاقي للإيمان.

الحرية عند طه غاية في مسار ارتقاء روحي وتشريعي، أما الكرامة والحرية عند الرفاعي فهما حقان غير مشروطين ببلوغ الإنسان مرتبة روحية أو أخلاقية خاصة.

  1. مفهوم الكمال الإنساني

يستلهم طه بوضوح التصوف بلا رؤية نقدية، خاصة فكرة الإنسان الكامل. الإنسان في تصوره مشروع تطور لا ينتهي، وتتيح له العبادة وتقليد النبي والرياضة الروحية أن يرتقي من الانقسام الداخلي إلى الوحدة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الإرادة المحدودة إلى التوافق مع الإرادة الإلهية. تتداخل في لغته مفاهيم الشريعة والطريقة والحقيقة، ويكتسب السلوك الفردي منزلة مركزية في المعرفة.

يعترف الرفاعي بالحاجة إلى الحياة الروحية، ويمنح التصوف المعرفي مكانة في اكتشاف الأبعاد العميقة للدين، بالرغم من أن الرفاعي ناقد شديد للتصوف، فهو لا يتبنى نظرية الإنسان الكامل، ولا يجعل الرياضة الروحية مصدرًا للمعرفة العامة. يميز الرفاعي بين التجربة الدينية الشخصية، والمعرفة التي يمكن مناقشتها واختبارها في المجال العام. التجربة الروحية تمنح صاحبها معنى، لكنها لا تمنحه سلطة على الآخرين.

النزعة الروحية عند طه طريق إلى كمال الإنسان وتطوير التشريع، وعند الرفاعي استجابة للظمأ الأنطولوجي وحماية للإنسان من القلق الوجودي والاغتراب.

  1. الشريعة والتشريع

يحتل التشريع قلب مشروع طه. يرى أن أحكامًا مثل الرق، والجهاد القتالي، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وتعدد الزوجات، والطلاق بصورته الموروثة، والحجاب والفصل بين الجنسين، ليست أصولًا نهائية في الإسلام. كانت حلولًا انتقالية فرضتها ظروف المجتمع القديم. حين تطورت البشرية صار من الضروري الانتقال إلى آيات الأصول المؤسسة للحرية والمساواة.

لا يقترح الرفاعي نظرية متكاملة لتطوير الشريعة على غرار طه. ينصب اهتمامه على الأسس الكلامية والأنثروبولوجية والأخلاقية التي ينبغي أن توجه فهم الأحكام. يقرر أن كل تفسير يهدر كرامة الإنسان يحتاج إلى مراجعة، وأن القيم الأخلاقية الكونية يحكم بها العقل العملي وليس النصوص الدينية، لذلك لا تخضع هذه القيم لإرادة الفقيه أو المتكلم. ويميز الرفاعي بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولا يطالب باشتقاق القوانين الحديثة من القرآن.

طه يريد الانتقال من شريعة تاريخية إلى شريعة إسلامية أرفع، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين، ويفتح المجال أمام العقل البشري لإنتاج الدولة ونظمها القوانين والمؤسسات المناسبة للعصر.

  1. الدولة والسياسة

كان طه فاعلًا سياسيًا منذ تأسيس الحزب الجمهوري سنة 1945، ودعا إلى جمهورية ديمقراطية اشتراكية فيدرالية. لم يفصل مشروعه الديني عن تصوره للنظام السياسي والاقتصادي، وعمل على اشتقاقهما من “الرسالة الثانية”. هاجم قوانين سبتمبر 1983 التي فرضها نظام جعفر النميري باسم الشريعة، ودفع حياته ثمنًا لموقفه، إذ أعدم في 18 يناير 1985.

مر الرفاعي بتجربة العمل الحزبي الديني، ثم غادرها نهائيًا سنة 1984، بعد أن اكتشف أن الأيديولوجيا تستلب الفرد وتحول الدين إلى أداة للصراع على السلطة والثروة. الرفاعي فيلسوف دين يعترف بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية. ويرى أن الإنسان هو من يضع هذه النظم بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته ومعارفه. فإذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية. يدافع الرفاعي عن الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية وأولوية الهوية الوطنية، ويرفض الدولة الدينية التي تحتكر تفسير المقدس، ولا يرى القرآن كتاب دولة، ولا يبحث في النص الديني عن نموذج جاهز للحكم.

يعمل طه على تأسيس نظام ديمقراطي اشتراكي مستمد من “الرسالة الثانية”، في حين يفصل الرفاعي بين الدين والدولة، من دون أن يفصل الدين عن حياة الإنسان وقيم المجتمع. طه يؤصل نظام الدولة في فهمه الخاص للدين.

أما الرفاعي فيرد بناء الدولة ونظمها إلى العقل والخبرة الإنسانية، ويحصر وظيفة الدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. يرى الرفاعي أن اشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية وتراكم الخبرة الإنسانية، لا من القرآن والنصوص الدينية.

  1. الديمقراطية والاشتراكية

يعد طه الديمقراطية والاشتراكية مكونين أصيلين في الرسالة الثانية. الديمقراطية عنده ليست الشورى؛ الشورى مرحلة وصاية يقود فيها الفرد الرشيد في الجماعة، أما الديمقراطية فتقوم على الحرية الفردية والمسؤولية. والاشتراكية تعبير عن العدالة الاجتماعية والمشاركة في الثروة. جمع طه بين الحرية الفردية المطلقة والمساواة الاقتصادية، وعد هذا الجمع الغاية السياسية للإسلام في مرحلته المقبلة.

يتعامل الرفاعي مع الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها مكاسب أنتجها العقل البشري، وراكمتها تجارب المجتمعات وخبراتها التاريخية، ولا يرى حاجة إلى إثبات أن القرآن سبق إلى صياغتها. ويؤكد أن بناء الدولة ومؤسساتها، ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية، مهمة بشرية ينهض بها العقل في ضوء تطور المعرفة وتراكم التجارب، وتظل هذه النظم خاضعة للنقد والمراجعة والتعديل. ويطالب الرفاعي باشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية، لا من القرآن. الدين برأي الرفاعي لا يقدم نظامًا للدولة، ولا برنامجًا لإدارة السلطة والاقتصاد والقانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وحماية الكرامة الإنسانية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. تستطيع القيم الدينية أن تغذي الضمير الأخلاقي للإنسان في النظام الديمقراطي، من دون أن تتحول إلى تشريعات تفرضها الدولة أو إلى أيديولوجيا تستولي على مؤسساتها. إذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية.

يؤصل محمود محمد طه الحداثة السياسية دينيًا، ويشتق الديمقراطية والاشتراكية والمساواة من “الرسالة الثانية”، في حين يعترف الرفاعي بالمصدر الإنساني للدولة الحديثة ونظمها، ويحدد صلة الدين بها في إلهام الضمير بالأخلاق، لا في إنتاج مؤسساتها وقوانينها وإدارة سلطاتها.

  1. المرأة والمساواة

دافع محمود محمد طه عن مساواة الرجال والنساء، ورأى أن التفاوت بينهما في بعض أحكام الميراث والشهادة والزواج والطلاق والحجاب ينتمي إلى شريعة مرحلية، استجابت لأوضاع المجتمع في عصر الرسالة، ولم تمثل المستوى النهائي للإسلام. ودعا إلى الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، التي رأى أنها تؤسس للمساواة الكاملة. شاركت “الأخوات الجمهوريات” بفاعلية في حركته، وكان حضور المرأة في مشروعه متقدمًا قياسًا إلى البيئة السودانية المحافظة آنذاك.

ينطلق الرفاعي من أصالة الكرامة الإنسانية وشمولها، فالمرأة والرجل متساويان في الإنسانية والكرامة والحقوق والحريات، ولا يجوز تحويل الاختلاف البيولوجي بينهما إلى تراتبية وجودية أو أخلاقية أو حقوقية. ويرفض كل تفسير ديني ينتقص من إنسانية المرأة، أو يكرس تبعيتها، أو يسلبها حقها في تقرير مصيرها. لا يبني الرفاعي المساواة على الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، ولا يستخرجها من إعادة ترتيب مراتب الآيات، وإنما يؤسسها على مركزية الإنسان، وتاريخية المعرفة الدينية، واستقلال القيم الأخلاقية الكونية التي يحكم فيها العقل العملي، بالكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والعدل، وما انتهت إليه الخبرة الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمنظومات الحقوقية والقانونية الحديثة.

ينتهي المشروعان إلى الدفاع عن مساواة المرأة بالرجل، غير أن الطريق إلى هذه المساواة يختلف بينهما؛ إذ يسلك طه طريق تطوير التشريع من داخل القرآن، فيما يسلك الرفاعي طريق الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة ونقد المعرفة الدينية، ويستند إلى تطور الوعي الأخلاقي والحقوقي للبشرية. طه يبحث عن الأصل القرآني الذي يشرعن المساواة، أما الرفاعي فيرى المساواة حقًا إنسانيًا أصيلًا، يحكم به العقل العملي، ولا تتوقف مشروعيته على العثور على سند له في النص الديني.

  1. الموقف من التصوف

التصوف مكون تأسيسي في مشروع محمود محمد طه؛ فخلوته وتجربته التعبدية وتفسيره الباطني للقرآن ليست عناصر هامشية في فكره، والمعرفة الدينية لديه ثمرة مجاهدة وروحية، لا تنفصل فيها النظرية عن السلوك. لهذا اكتسبت شخصيته منزلة روحية خاصة لدى تلامذته، وغدا المعلم الروحي محورًا في تلقي مشروعه وفهم رسالته.

أما الرفاعي فيتعامل مع التصوف والعرفان برؤية نقدية، ويميز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”. تصوف الحرية يحرر الإنسان من عبودية الأهواء والأشياء والأشخاص، ويوقظ روحه، ويثري حياته بالحب والرحمة والجمال، ويحمي فرديته وكرامته واستقلاله. أما تصوف الاستعباد فيسلب المريد إرادته، ويذيب شخصيته في شخصية الشيخ، ويمنح الشيخ وصاية مطلقة على عقله وضميره وحياته، ويحول التربية الروحية إلى طاعة عمياء، والطريقة إلى جماعة مغلقة تحتكر الحقيقة والنجاة. ينتقد الرفاعي كل تصوف يعطل العقل، ويمحو الذات، ويكرس الخضوع، ويستبدل عبادة الله بالعبودية للشيخ، مثلما ينتقد الشطح حين يتحول إلى معرفة ملزمة للآخرين، والكشف حين يقدم نفسه مصدرًا للحقيقة لا يقبل النقاش والمراجعة. ويفرق الرفاعي بين التجربة الروحية الشخصية والحجة المعرفية المشتركة؛ فالإلهام والكشف يمنحان صاحبهما يقينًا ذاتيًا ومعنى روحيًا، لكنهما لا ينتجان برهانًا ملزمًا لغيره، ولا يمنحان صاحبهما سلطة دينية أو أخلاقية على الناس.

يستفيد الرفاعي من التصوف المعرفي في بناء رؤيته للحب والرحمة والحضور الإلهي، وفي تأكيد تعدد الطرق إلى الله، وتنوع سبل النجاة والخلاص، ورفض احتكار الحقيقة الدينية والرحمة الإلهية في دين أو مذهب أو فرقة. يرى الرفاعي أن طرق الوصول إلى الله تتعدد بتعدد تجارب البشر الروحية واستعداداتهم وصورهم عن الله، وأن رحمة الله أوسع من الحدود التي ترسمها العقائد المغلقة. غير أن هذه الاستفادة لا تعني تبني المنظومة الصوفية، إذ يعيد الرفاعي قراءة ميراثها في ضوء العقل النقدي والكرامة الإنسانية وحرية الضمير والمساواة.

روحانية طه طريق للمعرفة والتشريع والارتقاء نحو الحرية الفردية، في حين تمثل الروحانية عند الرفاعي أفقًا للمعنى، ومصدرًا للحب والرحمة وتعدد طرق النجاة، من دون أن تستغني عن العقل أو تهدر فردية الإنسان وحريته وكرامته.

  1. الموقف من الحداثة

يحاول محمود محمد طه إثبات أن أسمى قيم الحداثة كامنة في أصل الإسلام، وأن الحرية والمساواة والديمقراطية والاشتراكية تمثل المضامين المؤجلة للرسالة الثانية. ويعتمد تصورًا تطوريًا للتاريخ، يرى أن ما تعذر تطبيقه في القرن السابع، بسبب محدودية طاقة المجتمع آنذاك، أصبح ممكنًا بعد تطور وعي الإنسان الحديث واستعداده لتحمل مسؤولية الحرية. هكذا يستوعب طه الحداثة داخل تأويله للقرآن، ويمنح قيمها مشروعية دينية من خلال الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية.

أما الرفاعي فلا يرد الحداثة إلى أصل ديني سابق، ولا يبحث في القرآن والنصوص الدينية عن الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان ومناهج العلم الحديث، ولا يرى حاجة إلى أسلمة المكاسب التي أنتجها العقل البشري. يعترف الرفاعي باستقلال الحداثة ومصدرها الإنساني، ويتعامل معها بوصفها مسارًا تاريخيًا متنوعًا وغير مكتمل، لا كتلة مغلقة تقبل كلها أو ترفض كلها. يتعلم الرفاعي من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان ومناهج التأويل والنقد، ويستثمر مكاسب الحداثة في مراجعة علم الكلام ونقد المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها. في الوقت نفسه ينقد النزعات المادية والعدمية في الحداثة، وما تفضي إليه من اختزال الإنسان في حاجاته المادية، وافقار حياته الروحية، وتعميق اغترابه الميتافيزيقي. يقيم الرفاعي حوارًا نقديًا متبادلًا بين الدين والحداثة؛ يستعين بمكاسب الحداثة لتحرير فهم الدين من الوثوقيات والوصايات، ويستدعي المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين لمعالجة فقر المعنى والقلق الوجودي في العالم الحديث.

يدمج طه الحداثة في تأويله للقرآن ويشتق مشروعيتها من الرسالة الثانية، في حين يعترف الرفاعي باستقلال منجزها الإنساني، ويتفاعل معها نقديًا، فيتعلم من مكاسبها من دون أن يغفل تناقضاتها وحدودها.

  1. منهج إنتاج المعرفة

يعتمد محمود محمد طه التأويل الإشاري، والتمييز بين الظاهر والباطن، والأصل والفرع، والشريعة والحقيقة، ومستويات الخطاب تبعًا لتطور المتلقي واستعداده الروحي. ويتعامل مع القرآن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، تتكشف معانيه العليا كلما ارتقى الإنسان في المعرفة والسلوك، ويجعل التجربة الروحية والمجاهدة مدخلًا إلى اكتشاف هذه المعاني. تتسم منظومته بقدر كبير من الاتساق الداخلي، غير أنها تقوم على مقدمات عرفانية وتأويلية تستمد مشروعيتها من تجربته الروحية وقراءته الخاصة للقرآن، ويصعب إخضاعها للبرهنة العقلية المشتركة خارج تجربته ومدرسته.

أما الرفاعي فيعتمد فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وتحليل المفاهيم، والنقد التاريخي، ويستفيد من معطيات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والألسنيات وعلوم اللغة الحديثة في دراسة الدين وتفسير أنماط حضوره في حياة الإنسان. المعرفة الدينية بشرية، ينتجها الإنسان في أفق لغته وثقافته وذاكرته وأسئلته ومصالحه وأحكامه المسبقة. لهذا لا يطابق الرفاعي بين الوحي وفهم الإنسان للوحي، ولا يمنح أي تفسير حصانة من النقد والمراجعة. لا يدعي الوصول إلى تفسير أخير للنص، ويرى أن فهم الدين يتجدد بتجدد الإنسان ومعارفه وأسئلته وتحول نمط معيشته وعلومه ومعارفه وثقافته. يحافظ الرفاعي على التمييز بين الإيمان والمعرفة؛ فالإيمان تجربة وجودية وروحية تمنح حياة المؤمن معنى، أما المعرفة الدينية فهي فهم بشري قابل للفحص والنقد والتصويب.

يقوم منهج طه على اكتشاف المستوى الأعلى الكامن في النص من خلال الارتقاء الروحي والانتقال من الفروع إلى الأصول، فيما يقوم منهج الرفاعي على كشف تاريخية الفهم، وحدود القارئ، وأثر قبلياته في إنتاج المعنى، وتعدد آفاق القراءة. يبحث طه عن المعنى النهائي الذي تنطوي عليه “الرسالة الثانية”، بينما يفتح الرفاعي النص على تعدد الفهوم، ويرفض احتكار تفسيره أو تحويل قراءة بشرية إلى حقيقة مقدسة ملزمة لكل إنسان.

  1. اللغة وبناء المفاهيم

لغة محمود محمد طه قرآنية صوفية، تستمد مفرداتها وصورها وبنيتها الحجاجية من القرآن وميراث التصوف، وتتحرك داخل نسق من الثنائيات: الأصول والفروع، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، الإسلام والإيمان، الشريعة والحقيقة، الظاهر والباطن، الحرية المقيدة والحرية الفردية المطلقة. تمنح هذه الثنائيات مشروعه تماسكًا داخليًا، وتتيح له بناء رؤية كلية تنتظم فيها العبادة والأخلاق والتشريع والسياسة والاقتصاد ضمن مسار واحد لارتقاء الفرد والمجتمع. تخاطب لغته القارئ بلهجة المعلم الروحي وصاحب الدعوة الواثق من اكتشافه، وتميل إلى الحسم والتقرير، ولا تترك مسافة واضحة بين تجربته الروحية الخاصة والحقيقة التي يقدمها إلى أتباعه.

أما لغة الرفاعي ففلسفية تأويلية إنسانية، تنفتح على لغة فلسفة الدين والهرمنيوطيقا وعلوم الإنسان، وتعيد بناء مفرداتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. لا تكتفي لغته بشرح المفاهيم الموروثة، وإنما تنتج مفاهيمها الخاصة، مثل: “الظمأ الأنطولوجي”، و”الاغتراب الميتافيزيقي”، و”النزعة الإنسانية في الدين”، و”التدين الرحماني”، و”التدين الشعبي”، و”التدين الشعبوي”، وغيرها. تنبع هذه المفاهيم من تجربته المعرفية والروحية والأخلاقية وسيرته الذاتية، غير أنها لا تقدم التجربة الشخصية مصدرًا لحقيقة ملزمة للآخرين، وتخضع نفسها للمراجعة والنقد وإعادة النظر. لغة الرفاعي لا تنغلق على لغة الوعظ أو الدفاع العقائدي، وتستفيد من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان، من دون أن تذوب في لغتها أو تستنسخ مقولاتها. لا تعلن امتلاك تفسير أخير للدين، ولا تقدم مشروعها باعتباره منظومة، وإنما تسعى إلى إيقاظ الأسئلة وفتح آفاق جديدة لفهم الدين والإنسان.

يبني طه بلغة تقريرية منظومة مترابطة ومكتملة نسبيًا، بينما يكتب الرفاعي بلغة تساؤلية مفتوحة، ترى التفكير مسارًا لا يتوقف، وتدرك أن كل فهم بشري يظل محدودًا وقابلًا للمراجعة والتجاوز.

  1. موقع المؤلف في مشروعه

يحتل محمود محمد طه موقع المعلم الروحي وصاحب “الرسالة الثانية”، وقد ارتبطت مشروعية المشروع لدى أتباعه بمكانته الروحية وتجربته التعبدية وقراءته الخاصة للقرآن. لم يكن في نظر تلامذته مفكرًا يقدم اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد فقط، بل كان معلمًا يكشف مستوى جديدًا من الرسالة الإسلامية، ويقود أتباعه في طريق التربية والتحقق الروحي. أنتج هذا الموقع طاقة أخلاقية كبيرة، ومنح طه شجاعة استثنائية في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية، وجعله نموذجًا حيًا لوحدة الفكر والموقف والسلوك، لكنه ربط المشروع بشخص المؤسس، وجعل كثيرًا من مقدماته الروحية والتأويلية تستمد قوتها من الثقة بمقامه أكثر مما تستمدها من برهنة عقلية مشتركة.

أما الرفاعي فلا يمنح نفسه سلطة دينية أو مقامًا روحيًا، ولا يقدم مشروعه في صورة رسالة جديدة، ولا يؤسس جماعة أو طريقة أو تنظيمًا يطالب أتباعه بالطاعة والامتثال. تحضر ذاته في كتاباته من خلال السيرة الفكرية والاعتراف والتحولات والمراجعات ونقد تجاربه السابقة. يتحدث الرفاعي عن ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة، تكشف مسار تعلمها وأخطاءها وتحولاتها ومراجعاتها، لا ذاتًا تؤسس للطاعة أو تحتكر الحقيقة. يكتب الرفاعي من داخل تجربة إيمانية وفكرية شخصية، لكنه لا يحول تجربته إلى معيار ملزم للآخرين، ولا يجعل منزلته أو سيرته مصدرًا لمشروعية أفكاره. تستمد الفكرة قيمتها لديه من قدرتها على التفسير والحوار والإقناع، وما تفتحه من أفق للفهم، وما توقظه من أسئلة، وتظل خاضعة للنقد والمراجعة بصرف النظر عن مكانة قائلها.

يتمحور مشروع طه حول شخصية المعلم الذي يكشف الرسالة الثانية ويجسدها في حياته، فيما يتمحور مشروع الرفاعي حول الإنسان المفكر الحر، الذي لا يحتاج إلى شيخ أو وصي كي يفهم ذاته ويتلقى ايمانه ويصوغ معنى حياته. ولهذا ظل مشروع طه وثيق الصلة بمؤسسه وجماعته، في حين يسعى مشروع الرفاعي إلى إنتاج فضاء فكري مفتوح، لا يتطلب الانتماء إلى جماعة، ولا يقوم على التلقي والطاعة، ويترك للقارئ حرية الحوار معه والاختلاف عنه وتجاوز أفكاره.

  1. أعمق نقطة افتراق

محمود محمد طه مصلح ديني وصاحب دعوة، أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد. ويتجلى أعمق اختلاف بين المشروعين في السؤال الآتي: هل يتطلب التجديد اكتشاف المستوى الأعلى من الشريعة الكامن في القرآن، أم يتطلب إعادة النظر في طبيعة الدين ووظيفته وحدود المعرفة الدينية؟

يجيب طه بأن الإسلام ينطوي على مستوى نهائي لم تطبقه المجتمعات الإسلامية تاريخيًا، وأن البشرية بلغت من التطور ما يؤهلها لبعثه في صورة “الرسالة الثانية”. يقوم التجديد لديه على الانتقال من آيات الفروع المدنية، التي استجابت لطاقة مجتمع القرن الأول الهجري، إلى آيات الأصول المكية المؤسسة للحرية والمساواة.

أما الرفاعي فيرى أن الدين ليس برنامجًا شاملًا للدولة والتشريع والاقتصاد والإدارة، ولا يستبطن نظمًا سياسية وحقوقية وقانونية جاهزة تنتظر من يستنبطها من النص. تتمثل مهمة الدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من اغترابه الميتافيزيقي، وحماية كرامته، وإيقاظ ضميره الأخلاقي، وإغناء حياته بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. أما بناء الدولة ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية، فهي مهمة ينهض بها الإنسان بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته وتطور وعيه الحقوقي.

يجدد طه الإسلام من داخل بنية الشريعة، ويبحث في القرآن عن شريعة المستقبل، في حين يجدد الرفاعي التفكير الديني عبر نقد الأسس الكلامية والمعرفية التي حولت الدين إلى شريعة شاملة وأيديولوجيا سياسية. يريد طه توسيع الإسلام ليقدم نظامًا حديثًا للحياة والدولة، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين لحماية وظيفته الوجودية، ويحرر الدولة من سلطة المقدس، ويحرر الدين من استحواذ الدولة والجماعات السياسية.

خاتمة

يشترك عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه في الانحياز إلى الإنسان، والدفاع عن الحرية والمساواة، ونقد التدين القسري، ومقاومة توظيف الشريعة في الاستبداد وإهدار الكرامة. يرى كلاهما أن الفهم الديني الموروث لا يستجيب لتحولات عالم الإنسان الحديث، وأن الدين يفقد رسالته حين يتحول إلى خوف وعنف ووصاية. غير أن هذا الاشتراك في الغايات الإنسانية لا يعني وحدة المنطلقات والمناهج والنتائج، فلا يمثل مشروع الرفاعي امتدادًا لمشروع طه، ولا يمكن إدراجهما في اتجاه فكري واحد. محمود محمد طه مصلح ديني متصوف، وصاحب دعوة ونظرية في تطوير التشريع، أراد تأسيس مجتمع ديمقراطي اشتراكي عادل يستمد نظامه السياسي والاقتصادي والقانوني من “الرسالة الثانية في الإسلام”.

أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد، يعمل على تحرير الدين من الأيديولوجيا، وإعادة بناء علم الكلام ليشبع حاجته الإنسان الوجودية إلى المعنى. وتفسير مركزية الإنسان في الأرض بوصفها امتدادًا لمركزية الله في الوجود، بمعنى استخلاف الله للإنسان ونيابته الشاملة عنه في الأرض. يبحث طه عن شريعة المستقبل داخل القرآن، فيما يبحث الرفاعي عن معنى الدين ووظيفته في الحاضر والمستقبل. يريد طه نقل المجتمع من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، ويريد الرفاعي نقل التفكير الديني من نسيان الإنسان إلى مركزية الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تعدد الفهم، ومن لاهوت الخوف والطاعة إلى إيمان الحب والرحمة والحرية والكرامة.

يدمج طه الروحي والتشريعي والسياسي والاقتصادي داخل رسالة دينية شاملة، في حين يميز الرفاعي بين هذه المجالات حماية للدين والإنسان والدولة؛ فالدين لديه لا ينتج نظام الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو القانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية.

يقدم طه تصورًا مكتملًا نسبيًا لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام، ويمنح تجربته الروحية وقراءته للقرآن موقعًا مركزيًا في هذا التصور، أما الرفاعي فيقدم أفقًا نقديًا مفتوحًا لتجديد فهم الدين، ولا يدعي امتلاك تفسير نهائي أو حقيقة تلزم الآخرين. يؤصل طه الديمقراطية والاشتراكية والمساواة دينيًا، بينما يعترف الرفاعي باستقلال العقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة الحديثة ونظمها وحقوقها وقوانينها.

هنا تتجلى فرادة كل مشروع: شجاعة محمود محمد طه في إعادة بناء التشريع من داخل القرآن، ودفاعه عن الحرية والمساواة في مواجهة سلطة انتهت إلى إعدامه، وفرادة عبد الجبار الرفاعي في إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والنبوة وتنوع الطرق إلى الله والشريعة والتكليف، انطلاقًا من حاجة الإنسان إلى المعنى، وتحريره من احتكار الدولة والجماعة والأيديولوجيا، مع ترك بناء الدولة ونظمها وقوانينها وبرامجها وإدارة شؤونها للعقل البشري وتراكم تجاربه وخبراته.

 [1] كاتب من السودان، ود مدني.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=926112

محمد أبو القاسم حاج حمد: مثال للاجتهاد في السودان

 

د. عبد الجبار الرفاعي

السودان بلد أنهكته الحروب الأهلية، والفقر، وفشلت حكوماته المتعاقبة في استغلال ثرواته الطبيعية، واستثمار أرضه ومياهه، في تأمين سلة حبوب ومحصولات زراعية تؤمن حاجاته الغذائية، وحاجات بلدان أخرى، لكن السودان ليست فقيرة عقليا، مثلما هي فقيرة اقتصاديا.

ابتكر التفكير الديني في السودان لنفسه مسارا نقديا اجتهاديا، تجاوز فيه تقليد أفكار ومواقف الجماعة الاسلامية في باكستان، أو الاخوان المسلمين في مصر، أو حزب التحرير في القدس.كذلك لم يستنسخ المفكر المسلم في السودان أدبيات تلك الجماعات، وانما حاول ان يتأمل الدين في فضاء بيئته المحلية، ويخلص الى رؤى ومقولات يتجاوز فيها اسلوب التعليقات والشروح والتوضيحات، التي تحيل على مرجعيات مستعارة من مفاهيم: “الحاكمية الإلهية، جاهلية القرن العشرين، الهجرة، العزلة الشعورية…”، وغير ذلك من أحكام لاهوتية وقيمية، عمّمها جماعة من منظّري الإسلام السياسي، منذ منتصف القرن الماضي على المجتمعات المسلمة، مثل: أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وتقي الدين النبهاني…، حتى الاخوان المسلمون في السودان، لا تخلو مواقفهم من واقعيته، بعد تلوّن تفكيرهم بتجربتهم المحلية، فقد وصفوا حركتهم بـ “الجبهة الإسلامية القومية” حسب تسميتهم. وهو توصيف يشي بعبورهم الترسيمات المغلقة للعقل الاخواني الأممي الرومانسي، الذي توقف عند سيد قطب، ولم يشأ عبوره حتى بعد هيمنتهم على السلطة، وتنصيب محمد مرسي رئيسا لمصر.

اجتهد حسن الترابي في سياق اسلامي سوداني، فأنجز مراجعات نقدية لأدبيات الاخوان، وحاول أن يصوغ منظورا بديلا للحركة الاسلامية في السودان. المؤسف ان اجتهاد حسن الترابي كان ضحية مراوغته ومكره السياسي، وتهافته الرخيص على السلطة، إلى أن ورط السودان بحكومة إسلام سياسي يقوده عسكري متخبط هو البشير، الذي أنهكت سلطته السودان.

بقطع النظر عن موقفنا الناقد لآرائه وسلوكه السياسي، لكن نود أن ننبه الى أن التأويل المختلف للنصوص الدينية، ونمط الفهم المتميز لسياق الاجتماع الاسلامي السوداني، الذي نعثر على شيء من سماته في كتابات الترابي، بوسعنا التعرف على ملامحه، وصيغته المغايرة، وتأويله الخاص، في آثار محمود محمد طه، ومحمد أبو القاسم حاج حمد. ذلك التأويل الذي قاد محمود طه الى حبل المشنقة، بعمر ستة وسبعين عاما، بعد الحكم عليه بالارتداد، وامتناعه عن الاعتذار من معتقداته، عندما خيّره القاضي بين التوبة والإعدام، فاختار الذهاب الى الإعدام، لاعتقاده بصواب اجتهاده.

ما زال محمود طه غير معروف خارج السودان، إلا بحدود ضيقة جدا، مع ان فكره “الخلافي، الإشكالي، الخارج على الأنساق اللاهوتية والفقهية المعروفة”، يتطلب الكثير من المراجعة والتحليل والغربلة والنقد، والمقارنة مع آراء مفكري الإسلام في هذا العصر، واكتشاف الأطر الاجتماعية لتفكيره، ومنابع إلهامه، ومنهجه في استيعاب ودمج عناصر تنتمي الى مرجعيات مختلفة، مثل: تراث المتصوفة، وشرعة الحقوق والحريات، والعدالة الاجتماعية الحديثة، وتلوين النص القرآني بواسطتها.

أما محمد أبو القاسم حاج حمد فهو الأوضح تعبيرا عن السياقات الدينية الثقافية للاجتماع السوداني، إن من حيث استلهامه لميراث ابن عربي والمتصوفة، أو عبوره للنفق الذي غرق فيه منظرو الجماعات الإسلامية، وعدم سقوطه في الفوبيا المعرفية من العلوم والمعارف التي أقعدتهم عن التعاطي مع المكاسب الحديثة والراهنة للمعرفة الغربية. استطاع حاج حمد أن يتغلب على كل هذه الحساسيات، ويستوعب معطيات المعارف والعلوم الإنسانية، ويصوغ رؤيته للنصوص والتراث والواقع في ضوئها.

لم يعبأ حاج حمد كثيرا بأدبيات الجماعات الإسلامية ومفاهيمها، ولم يرضخ لأفق انتظارها في التفسير، ولم ينخرط في همومها الآنية في الصراع مع الأنظمة على استلام السلطة، واختصار كل شيء في الاسلام في أيديولوجيا تعبوية نضالية. وهكذا تحرر من مواقفها المناهضة للميراث العقلي والروحي والأخلاقي في الإسلام، واشتق لنفسه نهجا ينفتح على عناصر متنوعة من المحرمات المعرفية، حسب آراء وفتاوى بعض الفقهاء.

أشاد حاج حمد مرتكزات “نظام معرفي قرآني”، تبعا لما انتهت اليه تأويلاته لآيات القرآن الكريم، وظل على الدوام في تفكيره مفارقا للسائد، وجسورا في عبور مقولات الإسلام السياسي، فلم يتحدث عن دولة دينية، أو “حاكمية إلهية”، ولم يدعُ الى تطبيق الحدود والقصاص والديات. بل تحدث عن “دولة علمانية ومجتمع مسلم”، وميّز بين “الحاكمية الإلهية المباشرة”، و”حاكمية الكتاب”، اعتبر الأولى ترتبط بالتدخل الإلهي المباشر، أي ما يمكن التعبير عنه بـ “الولاية التكوينية”، وهي تختص بالتدخل الإلهي في عصر النبي موسى، ولا علاقة لها بنمط الحكم في الإسلام. وهكذا قدّم تأويلا بديلا لمفهوم النسخ، فذهب الى ان العقوبات البدنية الواردة في القرآن، هي حكاية عن أحكام وعقوبات منسوخة تختص بالمجتمع الموسوي، تتميز بها “شريعة الأصر والأغلال” التوراتية، وهي لا تنسجم مع “شريعة التخفيف والرحمة” القرآنية. وهكذا قدّم حاج حمد فهما للجهاد و”شرعة السيف” حسب تعبيره، اعتبره فيه خاصا بتطهير “الأرض المحرمة” من الوثنية والشرك… كذلك خرج في موارد متعددة أخرى على مشهور وإجماع الفقهاء، وتجاوز آراء معظم المفسرين، في ضوء ما رسمه من “نظام معرفي قرآني”، وكيفية التعامل مع الكتاب الكريم، بنحو أفضى به ذلك الى مواقف خلافية، لا تتطابق مع فتاوى وأحكام المدونة الفقهية.

“المنهجية المعرفية القرآنية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية” كتاب ألفه حاج حمد استجابة الى دعوة كريمة من صديقه الدكتور طه جابر العلواني، عندما كان رئيسا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، فأقام في واشنطن ضيفا على المعهد سنة 1991، وتفرّغ لتدوين الكتاب، وبعد فراغه منه تم استنساخه في طبعة “محدودة التداول”، وُزّعت على نخبة من الأمناء والمستشارين والخبراء في المعهد. ولما كانت رؤية المؤلف في الكتاب تتخطى الحدود المغلقة المتعارفة في تفكير جماعة “إسلامية المعرفة”، فقد فوجئوا باجتهاداته الجريئة، وارتابوا من طروحاته، وانزعجوا من عبوره المعايير والأسس التي وضعها المعهد للفكر الاسلامي. وهذا ما جعلهم يهملون طباعة الكتاب ونشره وتوزيعه. في 11/3/1992 أقام المعهد ندوة موسعة في القاهرة لمناقشة الأفكار الواردة في الكتاب بحضور المؤلف، اشترك فيها عشرون مفكرا وباحثا تقريبا، بضمنهم الشيخ محمد الغزالي. وأعرب بعض المشاركين عن عدم فهمه لما جاء في الكتاب، فيما رفض آخرون آراءه، ولم يتفهمه ويتضامن معه سوى عدد محدود جدا من المساهمين.

لبث كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية” اثنا عشر عاما منسيا، وبعد أن علمت به طفقت أفتش عنه، قبل لقائي المؤلف في بيروت سنة 2003، فبعث لي الصديق الدكتور محمد همام بنسخته المصورة بالرونيو عبر البريد، من المغرب “أغادير”، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت الصديق الدكتور طه جابر العلواني هاتفيا، فأجاز لي طباعته وتوزيعه.

في صيف 2003 صدر الكتاب عن: “مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بالتعاون مع دار الهادي في بيروت”، في “سلسلة كتاب مجلة قضايا إسلامية معاصرة”. وقتئذ كنت في بيروت، نمضي ساعات طويلة أنا والمرحوم حاج حمد في منزله بـ “الشويفات”، كنت أصغي له وهو يحكي منعطفات حياته، وتكوينه الثقافي، ونشأته المشبعة بالمعنى، والإيحاء الروحي، ومناخات التصوف في السودان. وعلاقة والده بمحمود محمد طه، وكيف كان الأخير يزورهم الى المنزل، ويمضي وقتا في الحوار مع والده. يصف حاج حمد محمود طه بقوله: “كان متصوفا، ذا تنسك روحي، زاهدا، بسيطا، حيويا، جذابا، مؤثرا، يحتفي بالغير، يفيض دفئا ومحبة، يؤثر العفو والمغفرة لمن يسئ اليه، يرتدي ملابس بيضاء بسيطة، يعيش في كوخ، مع ان دخله جيد بوصفه مهندسا معروفا…”.

استضافنا أكثر من مرة، في منزله الصيفي في “دير كيفا” جنوب لبنان، صديقنا المشترك المرحوم السيد محمد حسن الأمين، كنا نمضي الليل في حوارات لذيذة، وعادة ما نواصل حوارنا بعد صلاة الفجر. أتذكر ناقشته أحد المرات في رأيه بحجاب المرأة وغيره، طبقا لأصول الفقه ومناهج الاستنباط الفقهي المعروفة، فكان يجيبني: “يا عبدالجبار الرفاعي، ان مشكلتك أنت وغيرك من فقهاء الشريعة وأصول الفقه، انكم لا تستطيعون التفكير خارج العقل الأصولي، لديكم مجموعة من القواعد المغروسة في أذهانكم، هي الأفق الذي تنظرون به ومن خلاله للقرآن، عقولكم لا تغادر تلك الأسس، إنها مسجونة في داخلها…”.كنا نستغرق في النقاش، ربما صدمتني وجهات نظره، فأغضب وأمضي في رفضها، ومحاججتها، لكنه يتعاطى معي بأدلته المقابلة، وهكذا يتواصل حوارنا، من دون أن نتفق على رأي مشترك أحيانا، لكن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية عند حاج حمد.

احتفل حاج حمد بصدور كتابه، بعد ان لبث سنوات طويلة مغيبا في الظلام. نشرتُ له مؤلفاته الأخرى غير المطبوعة، في “سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد”. ظل يردد: “يا أخي لك دين في عنقي لن أنساه ما دمت حيا، لأنك أقدمت بشجاعة على طباعة كتبي التي امتنع الغير عن إصدارها”.

لم يرغب الأصدقاء في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، بنشر كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية”، ونما الى علمي ان بعضهم حاول شراء كافة النسخ المطبوعة وحجبها عن التوزيع. لا أعرف كيف تسوّغ جماعة، تدّعي انها تسعى لتجديد الفكر الاسلامي، حضر وحجب تفكير اجتهادي في قضية إسلامية المعرفة، لأنه لا يكرر آراءها في هذه القضية الإشكالية.

لا أتفق مع الصديق حاج حمد في الكثير من أفكاره، ولدي ملاحظات نقدية على مقدماته المنهجية، والنتائج التي تفضي اليها. خاصة كتابه هذا، الذي يتأوّل فيه النصوص ويلوّنها، بشكل يطمح فيه أن يكتشف منهجا معرفيا بديلا، مشتقا من القرآن، وموازيا للمناهج المعروفة في فلسفة العلم. بالتوكؤ على مفاهيم مستعارة من ابن عربي وغيره من المتصوفة، مضافا الى مفاهيم مدرسة فرانكفورت وحلقة فينا. مزج أبو القاسم حاج حمد التصوف بفلسفة العلم والعلوم الإنسانية، وهي خلطة غريبة تتنمي إلى رؤيتين متنافرتين للعالَم.

تميزت شخصية حاج حمد بتشبعها بأخلاق وتهذيب التصوف المحلي في السودان، وتأثر تفكيره برؤية محيي الدين بن عربي للوجود، وما تلقاه من محمود محمد طه، الذي تميز فكره برؤية للقرآن المكي والمدني تختلف مع المصطلح المتعارف في علوم القرآن التراثية، يرى محمود التوحيد والقيم في القرآن المكي أبدية، وما ورد في القرآن المدني يختص بعصره. يركب محمود مفاهيم التصوف على الاشتراكية بفهمها الأوروبي، ويعتمد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. حاج حمد في هذا الكتاب وكتابه الآخر الأساسي: “العالمية الاسلامية الثانية: جدلية الغيب والانسان والطبيعة” ظل يتكتم على منبع مفاهيمه وآرائه في فكر محمود محمد طه، يحاول أن يعرضها بتمويه وغطاء لفظي يحجبها عن منبعها، ربما لئلا يتهم بالارتداد كما اتهم معلمه محمود طه.

لا أشك بجدية وجرأة كتابة حاج حمد، ومغامرتها بالحراثة في أرض غير محروثة، وإن كانت تخلط بين عناصر تنتمي الى شبكات مفاهيمية متنافرة، وتكرّس مطامح وأحلام الخصوصية والهوية والذاتية، ببناء يبدو فلسفيا قرآنيا منسجما، لكن تحليله منطقيا وتفكيكه يشي بتهجين مفاهيمه وتناشزها. ليس هنا محل بحث رأيي في إسلامية المعرفة، فقد تناولتها بالنقد والتحليل، في فصل خاص من كتاب “إنقاذ النزعة الإنسانية في الإسلام”، تحت عنوان: “إسلامية المعرفة قضية أيديولوجية من دون مضمون معرفي”.

مع كل هذه الملاحظات وسواها على المنجز المعرفي للمرحوم حاج حمد، غير أني حرصت على رعاية إنتاجه الفكري ونشره ودعم صاحبه، ذلك ان هذا الإنتاج يعبّر عن محاولة جادة لتحديث التفكير الديني في الاسلام، وانه اجتهاد في مجتمع لا يألف الرأي الجديد، بل يمارس على الدوام الإضراب عن التفكير. والمعرفة في مختلف أنواعها لا تتكامل باستمرار، إلا من خلال العبور من الخطأ الى الصواب، أي ان “الديناميكية العلمية لاتسير بحسب نمط تراكمي، بل هي سلسلة لامتناهية من التكذيبات المتتالية، الى درجة ان تاريخ العلم يغدو: مقبرة نظريات علمية”، كما يقول كارل بوبر.

حاج حمد لا يقتصر في اجتهاده على إنتاج رأي جديد، وبناء مفاهيم مختلفة، وانما يسود كتاباته ثراء لغوي، وتتميز بمعجم اصطلاحي يختص به، يتألف من مصطلحات نحتها هو، أو استقاها من غيره، ودمجها كعناصر تكوينية في بنية النظام المعرفي الذي صاغه. نتمنى أن يتناول الباحثون جهوده بالدراسة والتحليل والنقد، فآثاره تتسم بأنها: غنية، مكثفة، تركيبية، جريئة، وهي خصائص تفتقر اليها الكثير من آثار بعض المفكرين، التي تدرسها عشرات البحوث والرسائل الجامعية.

فيما يلي نموذج من معجمه الاصطلاحي، وشيء من ثنائياته المتقابلة، استقيناها من بعض مؤلفاته، بغية اكتشاف مفاتيح النظام المعرفي الذي يبشّر به: (العالمية الاسلامية الثانية، جدلية الغيب والانسان والطبيعة، الجدلية الثلاثية، التفاعل الجدلي، المنطق الجدلي، جدل الغيب، جدل الإنسان، جدل الطبيعة، علاقة جدلية، علاقة تداخل، علاقة حلول، علاقة تضاد، عالمية الاسلام، الرؤية الكونية التوحيدية، كونية القرآن، عالمية القرآن، الجمع بين القراءتين، القرآن معرفة معادلة للوجود الكوني، منهجية القرآن المعرفية، اطلاقية القرآن، الاسترجاع القرآني النقدي التحليلي للمورث الديني، الدلالات الوسيطة في اللغة القرآنية، البنائية القرآنية، البناء الكوني اللامتناهي للقرآن، الوحدة العضوية للقرآن، المنهجية الضابطة للقرآن، الحفر الألسني، الاستيعاب”التصديق”، التجاوز “الهيمنة”، منهجية الخلق، منهجية التشيؤ، التشيؤ الطبيعي، الحاكمية الإلهية المباشرة، حاكمية الكتاب، حاكمية الإستخلاف، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والانسانية، الفكر الديني التاريخي، قراءة تركيبة، الدينونة، الأمة الوسط، فكر المقارنات، فكر المقاربات، التوفيقية، الانتقائية، التلفيقية، النسق الخاص، الكتاب الكوني المطلق، التدافع العربي – الإسرائيلي، المناهج والأنساق الحضارية، خارطة الأنساق الحضارية، الإرادة الإلهية، عالم الأمر والنهي، الإستلاب، الهيمنة، التجاوز، الاستيعاب المزدوج، العقلية النافذة، الغاية التكوينية للخلق الكوني، المشيئة، الفعل المنهجي، المعالجة النقدية، النسق المعرفي، الحفر المعرفي، التحرر المعرفي، المتغير النوعي، القطيعة المعرفية، التفكيك التاريخاني والتراثي، لاهوت غيبي جبري، مادية طبيعية جبرية، طريق التنزل، طريق التطلع، تاريخانية النص، اللحظة الجدلية، الناظم الكلي، الثنائية المتقابلة، المنطق التفكيكي الابستمولوجي، المنطق اللاهوتي، المنطق الوضعي، الجدلية الثلاثية، التطور التفكيكي، استلاب الانسان، التاريخانية توظيف علمي تفكيكي، الجعل الآدمي، التعددية، المسكوت عنه دينيا وتاريخيا، النصرة الإلهية، التدخل الإلهي، التدخل الإلهي الموسوي/ الحسي، التدخل الإلهي المحمدي/الغيبي، الأمة الوسط، الفشل الحضاري، الغاية الكونية، الوعي الكوني، التحييد العقلي، الارتباك النفسي، الانفصام الذهني، أزمة فراغ روحي، الصيرورة، الجدل، الاحتمالية النسبية، الاستيعاب المزدوج، الأنساق الحضارية، دراسات توفيقية، دراسات تلفيقية، دراسات وسطية، دراسات استعارية، دراسات تأصيلية، النهايات المادية، الوجودية الوضعية التائهة، عالم الأمر المطلق، عالم الإرادة النسبي، عالم المشيئة الموضوعي، الحضور الإلهي، القيومية الدائمة، مجمع البحرين، مستويات الفعل الإلهي، الجبرية اللاهوتية، ثنائية العقل والتجربة، الاصطفاء الإلهي، الاصطفاء البشري، الاصطفاء المكاني، منطق التعارف، عالمية الخطاب، شرعة التخفيف والرحمة، شرعة الأصر والأغلال، الانغلاق العصبوي، التوريث، تاريخانية التفاسير، التجديد النوعي، الاجتهاد الكمي التراكمي، الاجتهاد النوعي المعرفي المنهجي المعاصر، إشكاليات النظر التقليدي، النبي الأمي، الحقبة النبوية، النصرة الإلهية، التدخل الغيبي، عالمية الأميين غير الكتابيين، الأرض المحرمة، عالمية الخطاب، الخطاب الاصطفائي الحصري، الخطاب العالمي، التصور الإبراهيمي، التأسيس الإسلامي الإبراهيمي، الطور العقلي الأول” الإحيائية”، الطور العقلي الثاني “الثنائيات المتقابلة”، الطور العقلي الثالث “وحدة القوانين الطبيعية والانسانية”، الأرض المقدسة، الأرض المحرمة، شرعة السيف، الخطاب الإلهي الحصري الاصطفائي، الخطاب الإلهي العالمي، الأسلمة التعسفية، الأسلمة المفتعلة، الحق، الخلق، النفي).

لائحة المصطلحات هذه تستوعب عناصر تحيل بعضها الى تراث التصوف، فيما يحيل بعضها الآخر الى فلسفة العلم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة اللغة، ومختلف العلوم الانسانية. وهي نموذج للمعجم الاصطلاحي لحاج حمد، الذي يدلل على موهبته العقلية في إبداع لغته وبيانه الخاص، والتحرر من وصايات أدبيات الجماعات الإسلامية وآرائها ومقولاتها: الوعظية، الشفاهية، المبسطة، الهشة.

رحم الله الصديق محمد أبو القاسم حاج حمد، العصامي، الذي علّم نفسه بنفسه، الإنسان الجميل الروح والقلب، الذي يفيض رقة ودفئا، ومشاعر وعواطف بريئة، ذا الوعي المتوهج، والعقل المضيء، المفكر المستنير، المثال الرائع للاجتماع الاسلامي السوداني، هذا الاجتماع الذي يبتكر على الدوام نموذجه الاجتهادي الخاص.