لم تتوحّد البشرية في دين واحد

 د. عبد الجبار الرفاعي

تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد الإعلامي. غير أننا قلما نستمع في مثل هذه الملتقيات إلى حديثٍ واقعي يلامس الجذور العميقة للعنف والكراهية، لأن معظم المتحدثين يكررون عباراتٍ أضحت أقرب إلى لافتاتٍ للمجاملات في العلاقات العامة، لغةً تحتشد بالثناء والتمجيد، وتفتقر إلى مساءلةٍ صريحةٍ للبنى المغلقة التي تنتج الإقصاء، وتعيد إنتاج الخوف من المختلف، وتعطل إمكان التفاهم الإنساني العميق بين أتباع الأديان والثقافات.

كل الكلمات والعبارات تتفق على أن تراثات الأديان ومواقفها وأفعالها وممارساتها منزّهةٌ من هذا العنف المتوحش المتفشي، وكل متحدث ينزع إلى تبرئة دينه ومذهبه وتراثه من كل ما يمكن أن يسيء إلى الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا، على الرغم من أن الممارسات المتشددة تصدر عن أفرادٍ متدينين ينتمون إلى جماعاتٍ دينيةٍ معروفة، وتستند إلى مدوناتٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ وتراثيةٍ راسخةٍ في الذاكرة الدينية، تغذّي أحيانًا رؤيةً مغلقةً للعالم والإنسان، وتمنح العنف مشروعيةً رمزيةً حين يوظف الدين خارج أفقه الأخلاقي والروحي والجمالي.

إن تبرئة تراث الدين وممارسات أتباعه لم تعد ذات جدوى اليوم، المشكلة لا تكمن في الإنكار، وإنما في العجز عن الاعتراف الصريح بما يجري في الواقع. الضروري هو امتلاك شجاعة النظر إلى الحضور الطاغي لنمطٍ من التدين المتشدد الذي يستقي منابعه من تدينٍ مولعٍ بالموت، وتغذّيه مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والإعلام والمنابر الدينية، عبر إعادة إنتاج مفاهيم مغلقة في فهم الإنسان والعالم والحقيقة، وترسيخها في الوعي الجمعي بوصفها التعبير الوحيد عن الحق والحقيقة، الأمر الذي يفضي إلى إقصاء المختلف، وإضعاف قيم التعاطف والرحمة والمحبة والعيش المشترك.

لا يمكن فرض دينٍ واحدٍ على البشرية، البشر لم يتوحدوا عبر التاريخ في معتقدٍ واحد، ولم تتطابق تجاربهم الروحية ورؤاهم للعالم وإجاباتهم عن الأسئلة الميتافيزيقية.كل محاولةٍ لاحتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضور دينٍ بعينه عبر العنف والإقصاء وإبادة المختلف، تنتهي إلى إنتاج المزيد من الكراهية والعنف. الإيمان لا يولد بالإكراه، ولا تنبثق التجربة الروحية من الخوف، لأن الصلة بالله لا تتحقق بالقوة، وإنما تنمو في فضاء الحرية والاقتناع والتعاطف والرحمة.

كل وقائع الحروب تكذّب الوهم القائل بإمكان إفناء الأديان أو اقتلاعها من حياة البشر. لم تستطع الإبادات الجماعية، ولا حملات الاضطهاد، ولا العنف المنظم، أن تمحو مكونًا دينيًا من الوجود. ذلك ما تشهد عليه بوضوح حياة دياناتٍ غير تبشيرية، ودياناتٍ قديمةٍ تعود نشأتها إلى ما قبل الميلاد، ظل حضورها الديموغرافي محدودًا، غير أنها واصلت البقاء، وعاندت عذاباتها، وفرضت حضورها في التاريخ الإنساني، على الرغم مما تعرضت له من تعسفٍ واضطهادٍ وقتلٍ مريعٍ في محطاتٍ متعددةٍ من مسيرتها. الدين حاجةٌ متجذرةٌ في البنية الوجودية للإنسان، تتجدد كلما بحث الإنسان عن معنى لحياته، وملاذٍ يبدد قلقه، وأفقٍ يروي ظمأه إلى الطمأنينة والسكينة والمعنى.

لم نجد ديانةً يتنازل عنها جميع المعتنقين لها، إثر اقتناعهم بحجج ديانةٍ أخرى على بطلانها. قد يقتنع بعض الأفراد أحيانًا، غير أنه يتعذر أن يقتنع كل أتباع دينٍ بحجج أتباع دينٍ آخر، مهما بدت تلك الحجج مقنعةً لأصحابها. ذلك أن الجدل بين تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين لله والإنسان والعالم، لا ينتهي إلى نتيجةٍ منطقيةٍ حاسمة، لأن كل رؤيةٍ تنبثق من شعورٍ نفسي، وأفقٍ إيماني، وتجربةٍ روحية، وتاريخٍ طويلٍ خاص من التفسير والتأويل.

مضافًا إلى أنه لا يمكن إعادة بناء كل تفاصيل نشأة الأديان في ضوء أفقٍ تاريخيٍّ متأخرٍ كثيرًا عن عصر مؤسسيها، ولا التعرف على جميع ظروف نشأتها وتحولاتها عبر الزمان. تاريخ كل ديانةٍ تعيد الجماعة المؤمنة تكوينه باستمرارٍ في ضوء مخيلتها، وتغذيه بما تختزنه من أحلامٍ ومطامحَ وصورٍ مثاليةٍ عن ذاتها وماضيها. تظل الجماعة أسيرةَ الصور الخلّابة التي رسمتها لمعتقداتها ورسختها في وعيها الجمعي، وما لم تقرأ تاريخها خارج الأطر المغلقة لمعتقداتها، فإنها تلبث تبالغ في الإعلاء بتميّز دينها، وتصر على تفوقه على سواه، حتى تتحول هذه الرؤية إلى عنصرٍ عميقٍ في اللاوعي الجمعي، ويشتد حضورها إلى الحد الذي يؤثر في اختيارات الجماعة ومساراتها التاريخية ومصائرها. الأديان التي استفاقت راجعت الصور الخلّابة التي تملأ مخيلتها التاريخية، فدرستها بعناية، وغربلتها ومحصتها في ضوء المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وتأملت بدقةٍ سردياتها، وفتشت عن منابع إلهامها وكيفية تشكلها عبر الزمان، وامتلكت شجاعة الاعتراف بما اكتنف مسيرتها من انتهاكاتٍ لكرامة الغير، وحاولت أن تستبعد ما تراكم في تراثها من أحكامٍ تنبذ كل مَن لا يعتنقها.

أدركت بعض الأديان متأخرةً ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنسانًا، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما يُحترم المختلف بما أنه إنسانٌ يشترك مع الجميع في إنسانيته، بالمعنى الذي تتأسس عليه حقوقه الطبيعية والمدنية كافةً. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحيانًا على شعورٍ مستترٍ بالتفوق، في حين أن الاحترام اعترافٌ متبادل بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف. التسامح يتضمن أحيانًا إشارةً خفيةً بالعلو على المختلف، فأنت تتسامح معه كرمًا منك، وتفضلًا، وعطفًا، ورأفةً، وكأنك الأكثر إنسانيةً والأعلى مقامًا والمتفوق عليه. أما الضمير الأخلاقي اليقظ فيفرض احترام المختلف بوصفه إنسانًا لا غير، لا بوصفه منتميًا إلى قوميةٍ أو هويةٍ أو دينٍ أو معتقد. نحترم المختلف لأن الله كرّمه مثلما كرّمنا، كل إنسان يولد مكرمًا، وتسبق كرامته كل انتماءاته وهوياته واختلافاته.

ما أعنيه بالتسامح هو الشعور بمنح الغفران لإنسانٍ يُنظر إليه بوصفه مخطئًا في معتقده، إنسان لا يعرف الحقيقة كما يعرفها مَن يمنحه العفو ويغض الطرف عن خطئه. التسامح بهذا المعنى يبتني على الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ لإدراك الحقيقة، في حين أن الاحترام يبتني على تعدد الطرق إلى الحقيقة، ويحيل إلى تنوع وجوهها، والاختلاف في وسائل فهمها والتعبير عنها. يختلف المعنى الذي أقصده للتسامح عن المفهوم الشائع له، لأن نشأة مفهوم التسامح وتطوره في السياق الغربي الحديث لا تتطابق مع مفهومه في السياقات التراثية، ولا مع ما يحيل إليه مدلوله في المعجم العربي، حيث يقترن غالبًا بالعفو والصفح والتفضل، أكثر من اقترانه بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=386394

موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم

الدكتور محمد بشاري[1]

في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفة الدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربع قرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍ أكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح الأسئلة الأولى التي تأسّس حولها العقل الإسلامي، من قبيل: معنى الإيمان، وحدود العقل، ووظيفة الدين، وعلم الكلام القديم، وموقع الإنسان في شبكة الوجود. إنّها إعلانٌ عن عودة العقل العربي المفكِّر بعد طول غياب، لا في شكل تكرارٍ للماضي، بل في هيئة استئنافٍ فلسفيٍّ جديدٍ لإمكان التفكير في الدين بوصفه سؤالاً مفتوحًا، لا يقينًا مغلقًا.

تأتي «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّ يوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَه الأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليست هذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، من كونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى.

إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيد فيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلاد عقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّ جديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداً من القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربي قدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.

لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علم للتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذا الطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاج المعنى لا خصماً في جدله. بهذا المعنى، يواصل مشروعه الكبير الذي بدأه في كتبه السابقة حول «علم الكلام الجديد»، حيث دعا إلى أن يتحول المتكلم من محامٍ عن الموروث إلى صانعٍ للأسئلة والأجوبة الجديدة. الموسوعة التي صدرت اليوم ليست استكمالًا تقنيًا لذلك المشروع، بل هي تحوّلٌ نوعيٌّ فيه؛ إذ تجعل من الفلسفة شريكًا أصيلاً في حوارٍ مع الكلام، وتدعو إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة للإنسان العربيّ داخل أفقٍ كونيٍّ رحب.

في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعي الفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل من الشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوف الحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيد بناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذا تصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بين الإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً» قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.

ليس غريبًا أن يختار الرفاعي فلسفة الدين ميدانًا لإعادة بناء العقل، لأنّها تمثّل المنطقة الحدّية بين ما هو إيمانيٌّ وما هو عقليّ، بين ما هو ذاتيٌّ وما هو كونيّ. في هذا الميدان تتجسّد أزمة الفكر العربي: كيف يمكن للمؤمن أن يظلّ وفيًّا لمقدّسه، دون أن يغلق باب التفكير؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يتأمل في الوجود دون أن يستبعد البعد الروحي من معادلة المعنى؟ هذه هي معضلة العقل المسلم الحديث، التي حاولت مدارس الإصلاح والتنوير أن تجيب عنها جزئيًا، فجاء مشروع الرفاعي ليقدّم إجابةً أكثر تركيبًا، تستند إلى التداخل بين العقل الفلسفي والعقل الكلامي والعقل الوجودي، لا إلى فصلها كما فعلت النهضات السابقة.

ولعلّ ما يجعل هذه الموسوعة حدثًا تأسيسيًا هو أنها لا تترجم النصوص وحسب، بل تُعيد توطينها داخل أفقٍ عربيٍّ جديد. فترجمةُ الفكر ليست نقلًا لغويًا، بل تحويلًا في الوعي. الترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيه المفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلك تتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريف الدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلب التجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.

والرفاعي يدرك أن تأسيس «عقل عربي جديد» لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحرّر من ثنائية النقل والتكرار، فينتقل إلى فضاء التأويل المنتج الذي يعيد صياغة المفاهيم من داخل حاجاتنا المعاصرة. ولذلك، فإن موسوعته ليست مجرد مرجعٍ علمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل رؤية المسلم إلى العالم والإنسان والدين؛ رؤيةٍ تستعيد القيم الروحية التي تاهت في خضمّ صراعات الأيديولوجيا، وتستوعب المناهج الفلسفية الغربية دون الارتهان لها. إنّ ما يميّز هذا المشروع أنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه.

ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعاد تعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لا كعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بين الله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرة الله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرار النص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.

في هذا العمل، يلتقي المتكلم القديم بالفيلسوف الحديث في حوارٍ غير مسبوق: فحيث كان المتكلم يطلبُ البرهان على وجود الله، أصبح الفيلسوف المعاصر يسأل عن معنى هذا الوجود في تجربة الإنسان. وبين السؤالين تمتدّ جسور الرفاعي؛ جسورٌ من الترجمة والتأويل والمراجعة، تحاول أن تُعيد للعقل العربي ثقته بذاته، وتمنحه شجاعة التفكير من الداخل، لا عبر استنساخ الآخر. بهذا المعنى، لا تمثّل موسوعة فلسفة الدين حدثًا معرفيًا فحسب، بل حدثًا أنطولوجيًا، لأنّها تمسّ جوهر كينونتنا الفكرية، وتذكّرنا بأنّنا لا نوجد إلا بقدر ما نفكّر في وجودنا. إنّ الرفاعي لا يقدّم مشروعًا نخبويًا، بل يضع لبنةً في صرحٍ حضاريٍّ يعيد تعريف علاقة المسلم بالعالم. فبينما انغلق بعض الفكر الديني في أسوار النصّ، وانقطعت الفلسفة عن الروح، جاءت موسوعته لتقول: إنّ طريق النهضة لا يمرّ إلا عبر تصالح العقل والإيمان.

ولعلّ هذا هو ما يجعلها لحظةً فاصلة في مسار الفكر الإسلامي الحديث، تذكّرنا بمشروعات كبار المفكرين من أمثال محمد إقبال وعبد الرحمن بدوي ومحمد عابد الجابري وغيرهم ، لكنها تتميّز عنها بكونها عملًا جماعيًا معرفيًا متعدّد اللغات والثقافات. إننا إذ نقرأ هذه الموسوعة، لا نقرأ كتابًا في فلسفة الدين فحسب، بل نقرأ مستقبل الفكر العربي حين يتصالح مع ذاته، فكلّ جزءٍ منها هو إعلانٌ عن ولادة عقلٍ لا يخاف من السؤال، ولا يهرب من التعدد، عقل يعيد الإنسان إلى مركز الرؤية بعد أن غاب طويلاً في ظلال السلطة والطقوس. ومن هنا، فإنّ ما أنجزه عبد الجبار الرفاعي ليس مجرّد إضافةٍ إلى المكتبة العربية، بل هو إحياءٌ لملكة التفكير الفلسفي في الدين التي تعطّلت قرونًا، وإشارةٌ إلى أن مشروع النهضة لا يمكن أن يكون بلا تأسيسٍ معرفيٍّ عميق. ولعلّ هذه الموسوعة ستغدو «نقطةَ انعطافٍ في تاريخ العقل المسلم»، لأنها تربط ما انقطع بين المتكلم والفيلسوف، وتفتح بابًا لتجديد علم الكلام بما يجعله علمًا للإنسان لا جدلًا حول العقيدة فقط. بهذا يتحقق ما يمكن أن نسمّيه تحولًا من لاهوت الدفاع إلى لاهوت المعنى، أي من الدفاع عن الله إلى البحث عن الإنسان في حضرة الله.

إنّ ما فعله الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ما يفعله الكبار في لحظات التحوّل التاريخي: يزرعون السؤال حيث عمّ الصمت، ويوقظون الفكر في زمن الركود. وموسوعته هذه ليست خاتمة مشروعه، بل بدايته الفعلية، لأنّها ستفتح الباب أمام أجيال جديدة من الباحثين لتعيد اكتشاف الدين بوصفه تجربةً وجودية، لا منظومة مغلقة. وهكذا، فإنّنا أمام حدثٍ ثقافيٍّ يشبه النهضة الصغيرة في قلب العتمة، مشروعٍ يعيد الثقة للعقل العربي بأنّ الفلسفة ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ الكلام لا يزال حيًّا ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وربّه. فهنيئًا للعقل العربي بهذا الميلاد الجديد، وهنيئًا لعبد الجبار الرفاعي بهذا الخلود الفكري الذي سيزدهر طويلًا في ذاكرة الأمة الباحثة عن المعنى. 

[1] محمد البشاري دكتوراة في الفقه وأصوله، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، وقد اختير من ضمن 50 شخصية إسلامية الأكثر تأثيرًا في العالم، كاتب في جريدة الاتحاد الإماراتية. الجنسية فرنسية، من مواليد سنة 1967 بمدينة وجدة بالمغرب.

https://al-aalem.com/%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84/

تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب

     د. عبد الجبار الرفاعي

حين يتجمد معنى لغة الغيب في حرفيته، وتنغلق مجازاته، ويتحول إلى فهم كلامي جدلي، لا يترك للقلب مساحته في الشهود، ولا يفتح للروح بصيرتها في التفاعل مع المعنى. لغة الدين الحاكية عن الغيب لا تنطق بذاتها، بل تتكلم عبر قارئها، وتتجلى في ضوء وعيه وبصيرته، وتشرق بمرآة القلب الذي يتذوقها. ليست الدلالة في الحرف بحدّ ذاته، بل فيما يشع من المعنى وراء الحرف، ولا تكون الدلالة في ظاهر القول، بل فيما يفيض منه على روح الإنسان وقلبه. لغة الغيب إشراق نوراني، لا يُلمس بالحواس، بل يُعاش بالشعور، ويجري تذوقه في لحظة تتحقق فيها الكلمة بحضورها كضوء، وتتحول العبارة إلى مرآة لما وراءها. الأسماء والصفات الإلهية حاضرة بكثافة في لغة الغيب، لكن قراءتها في سياق كلامي تغلق نوافذ البصيرة وتحجبها عن استلهام ما يفيضه معناها.

عندما تُفسَّر أسماء الله الحسنى وصفاته الجمالية والجلالية في سياقات المعجم الكلامي، تنطفئ دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المشاعر، واستنهاض الوجدان، وإلهام الإنسان المحبة والسلام. ويتحول مدلول اسم الله من كونه نداءً يتدفق من خلاله أسمى ما في الإنسان، إلى رمز سلطوي يُحمَّل بدلالات الترهيب والعقوبة والعذاب. ويمسي الكلام الإلهي من دعوة إلى الرحمة والجمال والطمأنينة والسكينة والسلام، إلى خطاب مشبع بالتسلط، منزوعة منه الحميمية والدفء والعفو والمغفرة. ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر هذا المعجم المتراكم عبر السنين في اللاشعور الجمعي، وتُبعث فيها الدلالات الرؤيوية المنبعثة من إشراقات الأسماء الحسنى والصفات الإلهية، سيظل حضور الله في الشعور الديني محصورًا في صورة الحاكم المتسلط، لا الحبيب المحب، والرحمن الرحيم، والجميل الذي يتذوق الإنسان تجلياته المضيئة في الوجود، وينصت إلى صوته يتردد في أستغاثات وآهات الضحايا، ويشرق نوره في أعماق كيان البؤساء.

استحواذ الرؤية الكلامية على معاني النصوص الدينية أبعد الدين عن رسالته، وضيّق مجاله في بناء صلة بالله تستلهم أسمائه وصفاته وتجلياته الرحمانية، حتى غدت هذه الصلة، في المخيال الجمعي، مصدرًا لتغذية الخوف، وتكريس كابوس العقاب، بدلًا من أن تكون علاقة مفعمة بالمحبة والرحمة والسلام والطمأنينة. لم تعد أسماء الله تنبض بما تبثه من نور، وما تفيضه من سكينة، وما توقظه من شعور عميق بمعنى الحياة والوجود، بل استُهلكت في الجدل، وتخشبت في الحرف، وخبا فيها وهج اثراء الصلة بالله، ودفء الصلة الحميمة بمحبته ورحمته.

الدين لا يحقق حضوره في حياة الإنسان إلا حين ينعش في كيانه المعنى الروحي، ويوقظ ضميره الأخلاقي، ويغذي ذائقته الجمالية، ويعيد إليه إحساسه بغبطة الحياة بشهود النور الإلهي. عندما يختزل الدين في حدود المقولات الكلامية، تنطفئ الأنوار الرحمانية المنبثة بلغة الغيب، ويتحوّل إلى عبء ثقيل، بدلًا من أن يكون رسالة حب ورحمة وسلام وشفاء. الحياة الروحية لا تتكرس في مناخ يغيب فيه حضور الله بوصفه ملاذًا للمحب، ومصدرًا للطمأنينة، ومرفأً لسكينة الروح المتعبة.كما لا تنبعث القيم الأخلاقية من خطاب يحاصر الإنسان بالممنوعات، ويثقله بالوعيد والتهديد، بدلًا من أن يرشده بلطف ورفق إلى الخير، ويستنهض في أعماقه النداء الأخلاقي.

لا يشرق الجمال من لغة تصف الله بعبارات تقريرية جافة، لا تتصل بمشاعر الإنسان، ولا ينصت فيها إلى صوت الله، ولا يشهد أنواره. لغة كهذه تغلق أبواب التأمل، وتطفئ جذوة الشوق، ولا تتيح للإنسان تذوق النور الإلهي في لحظات الصفاء ونداءات القلب. إن استعادة وظيفة الدين بوصفه مسارًا لتتسامي بالنفس، وإنقاذ الإنسان من ظمئه الأنطولوجي وغربته الميتافيزيقية، لا تتم إلا بإحياء الأفق الرؤيوي للغة الغيب، تلك اللغة التي يستفيق بها ضمير الإنسان، وتستنهض وعيه، وتوقظ فيه الإحساس بالدهشة، وتبني صلة حيّة بينه وبين ربه، لا عبر الرهبة، بل من خلال المحبة والرحمة والعطف والرفق والسلام. اللغة التي ينبعث منها معنى يشد الإنسان إلى الله، ويضيء له درب النجاة، ويمنحه القدرة على استعادة ذاته في عالم يضج بالصخب، ويقسو فيه العيش، هي وحدها القادرة على مداواة القلب المنهك، وإنقاذ الإنسان من التيه، وإعادته إلى مكانته في الوجود.

لا يمكن استعادة حضور الله في قلب الإنسان إلا بتجديد تفسير لغة الغيب والأسماء الحسنى والصفات الإلهية الجمالية خارج أفق التراث المتراكم حول دلالاتها لدى المتكلمين، وتحريرها من أسر المعجم الكلامي،  وإيقاظ دلالاتها التي تكرس الإيمان، وإحياء رمزيتها، وإزاحة الحجب التي تراكمت على تلك الأسماء والصفات، والانتباه إليها بوصفها منبعًا لما يمنح الحياة معناها، ويوقظ فيها الإحساس العميق بحضور بالله في الوجود. عندها فقط يمكن أن نستنطق هذه الأسماء في سياقها القرآني، ونفهمها بوصفها منارات للهداية، وشفاءً للروح، ومصدرًا لبناء علاقة محبة بين الإنسان والله، تتجلى فيها الرحمة قبل العقاب، والسلام قبل التسلط، والصلة الحميمة قبل الرهبة.

إعادة تأويل لغة الغيب ليست رفاهية يمكن تأجيلها، بل ضرورة ملحّة، لأن الدين لا يُعاش بعمق إلا إذا تحدّث بلغة تخاطب مشاعر الإنسان، وتسكن إليها روحه، وتعبر عن آلامه، وتفهم معاناته، وتجيبه بإغاثة ظمئه الوجودي، لا بلغة موروثة غريبة عن متطلباته الروحية واحتياجاته الوجودية. يفقد الدين أثره حين يصبح مرآة تنعكس عليها الرؤية الكلامية، ولا يسعف الإنسان في غربته، ولا يضيء عتمة وجوده، ولا يمنحه سلام الباطن.

اللغة الكلامية، بما هي لغة مقولات اعتقادية، لا تتسع للمعنى الغيبي الذي ترمز إليه آيات القرآن، ولا تحتمل طاقة الإيحاء الكامنة في أسماء الله الحسنى وصفاته الجمالية والجلالية، ولا تفتح أفقًا للحياة الإيمانية الحيّة، والتعددية الدينية. لا تنتج هذه اللغة تدينًا ينبض بالسلام، بل تدينًا مسكونًا بالخوف، يفتقر إلى الدفء، وتشح فيه منابع الرحمة والمحبة والرفق والعفو والمغفرة والسلام الباطني، واحترام المختلف في المعتقد.

تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب لا تنتهي للاعتقاد بأن مَن يعتقد بمقولات فرقة كلامية معينة هو الوكيل الوحيد لله، والناطق الحصري باسمه في الأرض، وأنه هو فقط من له الحق بامتلاك الحقيقة دون سواه، بل تمنحه تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب رؤية فسيحة تسمح له بقبول تعددية المعتقَد واحترام الآخَر المختلف، بوصف الآخر مظهرًا وجوديًا لاسم من الأسماء الإلهية المتنوعة، فتكون التعددية في الأرض انعكاسًا لتعددية الأسماء في العالم الربوبي. الأسماء الإلهية مرآة تتجلى فيها الأنوار الإلهية بحسب استعداد القلب وصفاء الروح للتلقي. لأن لغة الغيب لغة رمزية رحبة، فإن الرؤية لله في سياقها تتنوع، وهكذا تتنوع الطرق إلى الله وتتعدد، كذلك تتنوع أنماط عبادة الله وتتعدد بحسب الأديان والمعتقدات. التعددية الدينية ليست نقيضًا لوحدانية الله، بل هي نتيجة لتعدد الطرق إليه، وتعدد تجلياته، وتنوع صوره في قلب الإنسان. حين تكون اللغة دالةً على الغيب، لا يمكن أن تنغلق على تأويل واحد، لذلك يختلف تلقيها، كما يتنوع تفسيرها، وتتعدد فيها طرق الصلة بالله، وتتنوع منازل الأرواح ومشاهدات القلوب. لا تعني التعددية الدينية تعدد الحقيقة، بل تعني تعدد الطرق إلى الحقيقة الواحدة، وتنوع طرائق تلقيها.كلُّ تجربة روحية صادقة مرآة ينعكس فيها شيء من اشراقات النور الإلهي، وكلما كانت تلك التجربة مشبعة بالمحبة والرحمة والرفق والعفو والسلام،كانت أسرع إلى شهود الأنوار الإلهية.

موضوعات الغيب في القرآن تشكّل ركنًا أساسيًا في الإيمان، إذ يفتتح القرآن وصف المتقين بقوله: “الذين يؤمنون بالغيب” (البقرة: 3). الغيب في القرآن ليس غيابًا عدميًا، بل هو شهود نوراني لعالم ما وراء المادة. يظهر في القرآن تقابل واضح بين عالم الغيب الغائب عن الحس، وعالم الشهادة المحسوس. تتصدر لغة الغيب كلمات: الله، والأسماء الحسنى، والصفات الجمالية والحلالية، والعرش والكرسي، واللوح المحفوظ. لا تتوفر لدي معطيات دقيقة حول المساحة التي تحتلها موضوعات الغيب ولغته في القرآن، غير أن بعض التقديرات تذهب إلى حضوره بحدود 30٪ من آياته، ويعد الغيب من أوسع المحاور التي تتناولها آياته. أحاول أن أشير إلى كثافة حضور الله، وأسمائه الحسنى، وصفاته، في سياق آيات الكتاب الكريم، ولا أتحدث عن موضوعات الغيب الأخرى في الكتاب مثل القيامة واليوم الآخر، بغية التدليل على أن محاولات تفسير هذه الآيات في ضوء الرؤية الكلامية تخرجها من سياقها، ولا تضيء دلالاتها، ولا تفتح أفقًا للإطلالة على ما تنشده من بناء الإيمان وتكريسه، وإثراء الحياة الروحية، خلافًا لما لو فسرناها في ضوء رؤيتنا لآيات الغيب في سياقها القرآني.

يتكرر لفظ الجلالة “الله” في القرآن الكريم 2699 مرة. إجمالي 2699 مرة يتضمن 114 مرة في البسملة، و2585 مرة في غير البسملة. أما إجمالي تكرار أسماء الله الحسنى فيبلغ أكثر من 1800 مرة تقريبًا، حسب اختلاف طرق العد الدقيقة والتكرار في السياق. الأسماء الجمالية في القرآن هي: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الحليم، الكريم، الأكرم، الغفور، الغفار، العفو، الشكور، التواب، البر، الودود، الوهاب، الجواد، الحفي، الجميل، الصبور، النافع، المجيد، القريب، المجيب، الولي، الهادي، النصير، الوكيل، الكفيل، الحافظ، الحسيب، الكافي، الرازق، الفتاح، الباسط، المعطي، البديع، النور، الواسع، الحي، القيوم.

أما الأسماء الجلالية فهي: الله، الأحد، الصمد، الإله، الملك، المالك، مالك يوم الدين، العزيز، الجبار، المتكبر، القهار، القادر، القدير، المقتدر، القوي، المتين، العظيم، العلي، الأعلى، الكبير، الظاهر، الباطن، الأول، الآخر، الحق، الحكم، الحسيب، الشهيد، الرقيب، الحفيظ، المقيت، القائم، المنتقم، سريع الحساب، ذو الطول، ذو الجلال والإكرام، الغني، المغني، المانع، القابض، المذل، العدل، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، المحيط، البصير، السميع، العليم، الخبير. “الله” هو الاسم الأعظم الجامع لسائر الأسماء الحسنى والصفات العليا، ولا يُطلق إلا على الحقّ جلّ شأنه، وهو الاسم الأصل الذي ترجع إليه بقية الأسماء والصفات. وقد ورد في القرآن الكريم 60 اسمًا من أسماء الله الحسنى بصيغة الاسم الصريح.

ما ورد في القرآن الكريم من الصفات هي 81 صفة إلهية صريحة، تنوعت صيغها بين الاسم، والفعل، والجملة الوصفية والخبرية، فعبرت عن ذات الله وصفاته بأشكال متعددة. وما ورد بصيغة الاسم المباشر، في آيات القرآن: الرحمن، الرحيم، الغفور، العفو، التواب، الحليم، اللطيف، الكريم، الودود، الشكور، البر، القريب، المجيب، السلام، الهادي، العليم، السميع، البصير، الخبير، العزيز، الحكيم، العدل، الحق، القدير، الوكيل، الرقيب، الشهيد، القوي، المتين، الغني، الرازق، الفتاح، الوهاب، الحسيب، الحميد، الوارث، البديع، الظاهر، الباطن، الأول، الآخر، الحي، القيوم، الله، ذو الجلال والإكرام… وغيرها، وقد بلغ عددها 60 صفة. ومن الصفات ما ورد بصيغة الفعل، أو الجملة الوصفية أو الخبرية، في القرآن، مثل: كتب على نفسه الرحمة، وسعت رحمته كل شيء، يغفر الذنوب جميعا، يعفو عن كثير، لا يعجل بالعقوبة، يحب المحسنين، يحب التوابين، يحب المتطهرين، يدعو إلى دار السلام، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ما توسوس به النفس، يعلم السر وأخفى، غافر الذنب وقابل التوب، قريب مجيب، لطيف بعباده، رزّاق ذو القوة المتين، أرحم الراحمين، أحسن كل شيء خلقه، أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد…، وغير ذلك، وقد بلغ عدد هذه الصفات 21 صفة. مادام الله واحدًا في ذاته، متعددًا في تجلياته.

 

لغة الغيب لغة رمزية

                                                                              د. عبد الجبار الرفاعي

كأننا في لغة الغيب أمام أستاذ فيزياء يشرح نظرية أينشتاين لتلميذ في الصف الأول الابتدائي، أو يحاول أن يفسر له أعقد المسائل الرياضية. في حالة كهذه، لا بد أن يتحدث الأستاذ بلغة تحاكي استعداد ذهن الطفل وإمكاناته في الفهم، فيلجأ إلى التعبير بكلمات مبسطة تعبّر عن رؤية الطفل المحدودة للعالم من حوله، كي تكون هذه الكلمات قادرة على إنتاج معنى يتناسب واستعداد ذهنه للتفكير والاستيعاب. هكذا تتنزل كلمة الله في أفق اللغة البشرية، لا لتنقل الحقيقة الغيبية كما هي في ذاتها، بل لتشير إلى شيء منها يمكن للإنسان أن يلتقطه. وما لغة الدين الحاكية عن الغيب إلا رموز وإشارات ومجازات وتشبيهلت، تنقل المعنى لا بصورته، بل بصيغة تمثيلية تفتح باب التذوق، وتحفز القلب على الحضور، وتستنهض البصيرة لتلمح ما وراء ظاهر العبارة. لأن هذه اللغة ليست مطابقة للغيب، فإن كل ما يُفهم من نصوصها يظل نسبيًا، مشروطًا بحدود اللغة، واستعداد المتلقي، وسعة مرايا قلبه. لا يُفهم النص الإلهي إلا بقدر ما تنفتح له الروح، وتتحرر القلوب من مضايق الرؤية الكلامية للغيب، وتتهيأ لالتقاط ما تشي به الكلمة من نور. إذا جمدت هذه اللغة في الحرف، وانغلقت على ظاهرها، وانطفأت رمزيتها، نضب فيها المعنى، وفقد النص قدرته على ملامسة المشاعر، وتحول البعد الغيبي في الدين إلى كلمات مفرغة من قدرتها على إرواء الروح، ومقولات مغلقة، وأوامر لا تترك مجالًا للمحبة، ولا توقظ ضميرًا، ولا تفتح أفقًا على الجمال. الدين لا يُعاش بعمق إلا حين تكون لغته نداءً للقلب، تمنحه المعنى الذي يبحث عنه في غربة الوجود، وتعيد إليه صلته بما وراء العالم المرئي، بما لا يُقال، لكنه يُذاق، ولا يُشرح، لكنه يُشهد في لحظة صفاء عميق.

يمكن التعرّف على شيء من ملامح الغيب وصفاته ومظاهره وتجلياته بما تتحدث به آيات القرآن والكتب المقدسة. الآيات القرآنية تتحدث عن الغيبيات بلغة رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغية تقريب ما لا صورة له بصورة المحسوس وخصائصه وصفاته. الصور المحسوسة يدركها الإنسان بالحواس، لكنه لا يعرف حقائق الغيبيات وذواتها لأنها لا صورة لها، وإن كان يمكن تشبيهها للذهن بالتمثيل بالأشياء المادية، وتقريب فهمها بالمحسوسات. وما هذا التمثيل إلا محاولة للشعور بالغيب بغية إيقاظ البصيرة، لا لعرض صورة لما لا صورة له. المجاز، والتمثيل، والتشبيه، والإشارة، ليست تفسيرات علمية، بل أدوات رمزية تستنفر الخيال، وتستحث القلب، وتدعو الإنسان إلى تأمل ما وراء الظاهر. الغيب لا يُحاط به، بل يُلمح، لا يُدرك بوصفه شيئًا ذا هيئة، بل يُذاق بوصفه حضورًا ينعكس على مرآة القلب، ويضيء البصيرة، ويبعث في الإنسان شعورًا تعجز الكلمات عن وصفه بدقة.

لغة الغيب حين تستعمل صورًا مادية للتعبير عنه، فإنها لا تهدف إلى تقديم صورة حقيقية لماهيته، بل تشير إليه في إطار ما يفهمه الإنسان، وتفتح له بابًا للتأويل والتذوق، وتمنحه لغة تؤنسه، وتقرب إليه المعنى، وإن لم تطابقه. الغيب لا يُقال كما هو، بل يُشار إليه، ويشهد الإنسان آثاره في حياته الروحية، ويشعر بحضوره في لحظات الصفاء والسكينة. كل قراءة حرفية لآيات الغيب تُغلق باب التأويل، وتُطفئ جذوة التذوق، وتختزل الغيب في صورة حسية، تفقده إيحائه ورؤيويته. الغيب، كما تقدمه الكتب المقدسة، أفق مفتوح، يعبر عن سعة وجودية، لا تستوعب شيئًا من تجلياته إلا حالات الروح. يظل الغيب دائمًا في حدود المعرفة الذوقية، حاضرًا في النداء، قريبًا بالروح، بعيدًا عن الإدراك العقلي.

كلمة الله حين تتجسد في لغة بشرية تلتبس بما هو بشري، فلا تنقل هذه اللغة كلمة الله كما هي، بل تشير إليها بما يتناسب مع وعاء اللغة وخصائصها المحدودة. إن كلمة الله لا يمكن أن تستوعبها اللغة البشرية ما لم تتنزل إلى عالم الإنسان المحسوس، فتتشكل معانيها بهيئة يمكن للغة البشرية أن تشير إليها بما يتلاءم وكيفيتها، حتى لو كانت تعجز عن البوح بحقيقتها. العجز ناتج عن ضيق ظرف الكلمات، وقصور الوعاء اللغوي البشري عن احتواء ما هو إلهي لا تحده حدود.

الرمز يتكفل بتزويد الإنسان بمعانٍ تضيق بها اللغة، فهو يغذي المتخيل ويتغذى منه. لغة الأديان، والآداب، والفنون، والأساطير، منجم الرموز، لذلك غدت لغتها من أثرى منابع توليد المعنى في حياة الإنسان. الحقائق الغيبية أسرار الوجود، والأسرار لا تنكشف كما هي، بل تعلن عن ذاتها بالرموز. الله لا يعلن عن نفسه إلا بالرموز، الله “غيب الغيوب”. لأن الغيب لا يُدرك، فإن كل ما يُقال عن الله لا يمكن أن يكون إلا تمثلًا بشريًا، يحاول الاقتراب من صورته، من غير أن يدعي الإحاطة أو التطابق. لغة الغيب ليست مجرد أداة للتعبير عن الله من خلال إحالات رمزية، بل هي الوعاء الحي الذي يحتضن تنوع تصورات الإنسان عن الله، والأفق الرحب الذي تتشكل فيه التعددية الدينية بألوانها وأشكالها. إنها النسيج الذي ينسج منه البشر صورهم عن الذات الإلهية، متأثرين بتنوع الأديان، والثقافات، واختلاف العصور، وتباين السياقات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، والروحية، فضلًا عن تطور المعارف والعلوم، وتنامي الوعي الإنساني. هذه التصورات عن الله، وإن كانت من صياغة العقل البشري، فإنها لا تطابق الذات الإلهية، بل تظل رموزًا، وصورًا، ومجازات، وتشبيهات، تشير إلى المطلق من دون أن تحيط به.كل تصور عن الله هو محاولة بشرية لتمثل الغيب، لكنه يبقى قاصرًا عن استيعاب ذات الله، فالله كما تشير الآية: “ليس كمثله شيء”. تتنوع أسماء الله في مختلف اللغات والتعبيرات والكلمات، لكنها جميعًا تشير إلى الواحد الأحد.

هذه التعددية تعكس غنى اللغة البشرية في محاولتها للاقتراب من الغيب. لكن لغة الغيب ليست مجرد تعبير عن التنوع، بل هي أيضًا جسر يربط بين البشر في سعيهم المشترك نحو المعنى الأسمى. إنها تدعو إلى التأمل في حدود اللغة ذاتها، فكل كلمة أو رمز عن الله هو إشارة غير حصرية إليه. الدين، بوصف كتابه يتضمن لغة غيب، يتسع لتنوع وتعدد التصورات الإلهية في سياق هذه اللغة. لغة الغيب، في منظور فلسفة الدين، لا تعبّر عن الحقيقة المطلقة من خلال تعابير حرفية مغلقة، بل تلمح إليها بإشارات رمزية، وتفتح أفق التأويل لتعدد المعاني والصور والتجليات. تلك هي اللغة التي تستبطن الإيمان بوحدة المقصد الإلهي، رغم اختلاف الطرق وتنوع التعبيرات. وقد عبر جلال الدين الرومي عن هذا المعنى بلغة شعرية رمزية، حين قال: “المصابيح متنوعة، لكن النور واحد”. المعتقدات ليست سوى مصابيح متعددة الأشكال، بينما نور الحقيقة الذي تستقي منه جميعها واحد. وقال ابن الفارض: “عباراتنا شتى وحسنك واحد، وكل إلى ذاك الجمال يشير”، مشيرًا إلى أن الجمال الإلهي يتجلى في صور متنوعة. لغة الغيب، بناء على رمزيتها، تصبح فضاء للتعددية، إذ لا تختزل الإله في صورة واحدة، ولا تزعم احتكار الحقيقة المطلقة، بل تدعونا إلى رؤيته في تجليات متعددة، بحسب استعداد المتلقي وقابليته الروحية والمعرفية، والسياقات الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية والزمانية.

في ضوء ذلك ينبثق الأصل المعرفي للتعددية الدينية؛ فطالما أن الله لا يُحاط به، ولا يُستنفد في صورة أو عقيدة أو تصور أو مذهب، فإن كل دين أو مذهب أو تجربة روحية إنما تشير إليه، وإن لم يكن بوسعها، في ضوء هذا الفهم، أن تحتكره. التعددية ليست نفيًا للحقيقة، بل إقرار بأن الحقيقة أوسع من أن تُحتكر، وأغنى من أن تُختزل، وأعمق من أن تُستنفد في قراءة واحدة أو صيغة واحدة، أو أن يؤدي إليها طريق واحد دون سواه من الطرق. في هذا السياق، تتولد التعددية الدينية لا من نزاع عقلي بين الأديان، بل من طبيعة اللغة الدينية الحاكية عن الغيب، ومن كون الحقيقة تنكشف فيها عبر المجاز والرمز والإشارة والتشبيه والتمثيل.

الحقيقة الإلهية، كما نبّه فلاسفة الدين والمتصوفة، لا تتسع لها عبارة، بل تتجلى في تنوع الصور، وانعكاسات المعنى في مرايا القلوب. من هنا، تكون التعددية في الرؤية إلى الله، وفي التعبير عنه، ثمرة أصيلة للغة الغيب، لا انحرافًا عنها. لا تُفهم لغة الغيب بوصفها خطابًا يقدم معاني حرفية مغلقة، بل هي نسيج رمزي، يعتمد الإشارة لا التقرير، والتلميح لا التصريح. وحين يدرك الإنسان أن الحديث عن الغيب ليس وصفًا مباشرًا، بل ترجمة رمزية لتجارب روحية وحالات شعورية وتأويلات بشرية، يتبين له أن هذه اللغة لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تعددية الصور والتجليات والتجارب. إن تنوع التصورات الإلهية في التراث الديني ليس خروجًا عن الحقيقة، بل هو شاهد على ثراء لغة الغيب، وقدرتها على احتضان الاختلاف التأويلي المشروع، وفقًا لما يتيحه النص من إمكانات رمزية، وما تستجيب له الروح من معانٍ.

الدين حين ينفتح على الرمز، ويتحرر من وهم التعيين الصارم لمعاني الغيب، ويعي أن خطابه لا يتجاوز الإشارة ولا يملك تمثيل المطلق، يخرج من ضيق العبارة إلى سعة التجربة الروحية، ومن ادعاء الامتلاك الحصري للحقيقة إلى تواضع البحث عنها. يتخذ الإيمان آنذاك مضمونه الحقيقي، ليكون نداءً للروح، يروي القلب بالطمأنينة، والروح بالسكينة، لا مقولة مغلقة يُلقَّنها الإنسان، ولا عقيدة تُفرض بالقوة، ولا سلاحًا يُشهر في وجه المختلف. في هذا الأفق، لا تعود لغة الغيب أداة تطابق لفظي بين الدال والمدلول، بل تصير جسرًا رمزيًا إلى الغيب، يحيل إلى ما لا صورة له، ويوقظ ما خفي في أعماق الإنسان من أشواق الروح.

يتكلم الغيب بلسان المجاز، لا بعبارة صريحة، ويفصح بالرؤيا لا بالنظر، وبالبصيرة لا بالبصر. القرآن، في حديثه عن الغيب، يتحدث بلغة التقريب الرمزي، لأن الغيب ليس معطى مدركًا بالحواس، بل حضورًا يتذوقه القلب، وتشهده الروح ببصيرتها. ومثلما لا يستطيع الإنسان أن يرى ذاته إلا إذا انعكست في مرآة، لا يمكنه أن يبصر الغيب إلا إذا شعّ من الرمز إلى وجدانه. حينئذ، يتحول الدين من وسيلة قهر إلى نداء محبة، ويصير رسالة رحمة لا منصة قضاء، ويكون دعوة إلى التزكية لا إلى الهيمنة، وحقلًا للتعدد في الفهم، لا ساحة لإقصاء كل من لا يطابق الإنسان في صورة معتقده والألفاظ المعبرة عنه. وحين يصغي الإنسان إلى دلالة الغيب بوصفها رمزًا، يصير أكثر رحمة، وأقل شعورًا بالاستعلاء على المختلف في المعتقد، وأكثر إنسانية، وأبعد عن التوحش باسم الله.

نبّه بول تيليش، وغيره من فلاسفة الدين، إلى رمزية لغة الدين، وأن الرمز الديني لا يشرح الحقيقة، بل يشير إليها، ولا يملكها، بل يحيل عليها. وذهب بول ريكور إلى أن الرمز الديني لا يقدم وصفًا مباشرًا للحقيقة الإلهية، بل يفتح أفقًا للتأويل، ويحيل إلى الحقيقة عبر تأويل مستمر، لا عبر امتلاكها، ويشير إلى المعنى العميق دون أن يستنفده. ويرى جون هيك أن الرموز الدينية تعبيرات بشرية تشير إلى الحقيقة المطلقة، لكنها لا تتسع لها. وسار على هذا المنهج الرمزي عدد من فلاسفة الدين في الغرب. فتغنشتاين، خاصة في أعماله المتأخرة، يؤكد أن المعنى لا يوجد خارج اللغة، بل يتولد من “ألعاب اللغة” وسياقات استعمالها. ويرى أن اللغة الدينية لا تُستخدم لتقرير حقائق علمية، بل لتوجيه الحياة وتكوين رؤية للعالم، أي أنها رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة. أما كارل ياسبرز، فيرى أن الحقيقة الإلهية لا تُدرك إلا بالتلميح والرمز، ويؤكد أن لغة الدين تتحقق من خلال الرموز التي تشير إلى ما لا يمكن الإمساك به مباشرة. ويُنبّه إلى أن هذه اللغة لا تُحيط بالحقيقة، بل تضيء أفقها، وتكشف حدود العقل الإنساني أمامها.

في التصوف المسيحي، كتب مايستر إيكهارت أن كل حديث عن الله هو حديث بالرمز، وكل صورة له ينبغي تجاوزها، لأن الحقيقة الإلهية لا تُقال، بل تُذاق، وهي ليست معلومة تُكتسب، بل حضور يتجلى في الصمت والذوق. وفي الإسلام تحدث المتصوفة وبعض الفلاسفة عن رمزية لغة الغيب، فشيخ الاشراق السهروردي تحدث عن الرمز النوري في التعبير عن الحقائق الغيبية، الأنوار في فلسفته ليست مجرد استعارات بل وسائط رمزية لتقريب الحقيقة الغيبية من الذهن والحدس. الرمز النوري مفهوم مركزي في فلسفته الإشراقية، التي تجمع بين الفلسفة والعرفان والرمزية. يستخدم السهروردي النور كرمز أساسي للتعبير عن الحقائق الغيبية، مستنداً إلى أن النور هو جوهر الوجود والحقيقة الإلهية. النور هو أصل الوجود، وأكثر المفاهيم وضوحاً وتجلياً. النور لا يحتاج إلى تعريف لأنه ظاهر بذاته، وكل شيء يُعرف من خلاله. الحقيقة الإلهية، التي يسميها “نور الأنوار”، هي المصدر الأعلى لكل وجود ومعرفة. السهروردي يقسم الأنوار إلى مراتب: النور الأعلى (الإلهي)، ثم الأنوار العقلية (الملائكية)، والأنوار النفسية، وصولاً إلى الأنوار المادية (كالشمس والنجوم). أما النفّري فيرى أن العبارة عاجزة عن استيعاب سعة الرؤية، وهذا ما يتكشف لنا من حياته الروحية ومواقفه في شهود الأنوار الإلهية، وتعبيراته عنها بلغة شذرية، في كتابه: “المواقف والمخاطبات”. شذراته تلمح أكثر مما تصرح، وأن ما لا يُقال فيها أكثر مما يُقال، وبكون الصمت أصدق في التعبير عن الغيب من البيان. ويذهب جلال الدين الرومي إلى أن الكلمات لا تُدرك إلا بمقدار ما تهب الإنسان من ذوق داخلي، إذ يقول: “كل صورة رمز إلى معنى، وكل لفظ ظل لنور لا يُرى”، الرمز لا يشرح أو يطابق، بل يحيل إلى شيء أعمق لا يُدرك بالحس أو العقل وحده،كما النور لا يُدرك مباشرة بل يُستدل عليه بآثاره وظلاله، وفي ضوء ذلك يكون الرمز هو السبيل الوحيد للعبور في لغة الغيب من ظاهر العبارات إلى أفقها الغيبي.

في مؤلفات محيي الدين بن عربي نعثر على منجم واسع يتحدث عن رمزية لغة الغيب بتعبيرات ثمينة، فهو يرى أن اللغة التي تتحدث عن الله إنما هي رموز وإشارات إلى الحقيقة الإلهية، لا يمكن أن تتسع للتعبير عن الذات الإلهية إلا بحدودها كلغة بشرية، لأن الذات تتجاوز كل تصور بشري. ويذهب ابن عربي إلى أن الأسماء الإلهية مراتب للتجلي، فيقول: “فإن الأسماء كلها ليست إلا مراتب التجلي، والحق متعالٍ عنها في ذاته، فما يُعرف منه إلا ما تجلى به، وما تجلى به ليس هو في ذاته، بل هو صورته في مرايا القلوب”. ويؤكد على أن: “كل ما يُقال في الحقّ من وصف أو اسم، فإنما هو إشارة إلى ما يتجلى منه، لا إلى ذاته، فإن الذات لا تُحاط، والعبارات عنها ظلال تُشير إلى النور”. ويرى أن “الإنسان خُلق على صورة الحقّ، فهو مرآة لتجلياته، والأسماء التي يُعرف بها الحقّ ليست هي الحقّ في ذاته، بل هي مظاهر تجليه في العالم”. وهنا يشرح ضيق اللغة والصورة عن أن تتسع للحق، لذلك ليست الصورة أو الكلمة إلا إشارة إليه: “والحق متجلٍّ في كل صورة، وكل صورة رمز له، لكن لا صورة تملكه، فإن اللغة حدود العقول، والحق بلا حدود”.

https://alsabaah.iq/116950-.html