تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب

     د. عبد الجبار الرفاعي

حين يتجمد معنى لغة الغيب في حرفيته، وتنغلق مجازاته، ويتحول إلى فهم كلامي جدلي، لا يترك للقلب مساحته في الشهود، ولا يفتح للروح بصيرتها في التفاعل مع المعنى. لغة الدين الحاكية عن الغيب لا تنطق بذاتها، بل تتكلم عبر قارئها، وتتجلى في ضوء وعيه وبصيرته، وتشرق بمرآة القلب الذي يتذوقها. ليست الدلالة في الحرف بحدّ ذاته، بل فيما يشع من المعنى وراء الحرف، ولا تكون الدلالة في ظاهر القول، بل فيما يفيض منه على روح الإنسان وقلبه. لغة الغيب إشراق نوراني، لا يُلمس بالحواس، بل يُعاش بالشعور، ويجري تذوقه في لحظة تتحقق فيها الكلمة بحضورها كضوء، وتتحول العبارة إلى مرآة لما وراءها. الأسماء والصفات الإلهية حاضرة بكثافة في لغة الغيب، لكن قراءتها في سياق كلامي تغلق نوافذ البصيرة وتحجبها عن استلهام ما يفيضه معناها.

عندما تُفسَّر أسماء الله الحسنى وصفاته الجمالية والجلالية في سياقات المعجم الكلامي، تنطفئ دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المشاعر، واستنهاض الوجدان، وإلهام الإنسان المحبة والسلام. ويتحول مدلول اسم الله من كونه نداءً يتدفق من خلاله أسمى ما في الإنسان، إلى رمز سلطوي يُحمَّل بدلالات الترهيب والعقوبة والعذاب. ويمسي الكلام الإلهي من دعوة إلى الرحمة والجمال والطمأنينة والسكينة والسلام، إلى خطاب مشبع بالتسلط، منزوعة منه الحميمية والدفء والعفو والمغفرة. ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر هذا المعجم المتراكم عبر السنين في اللاشعور الجمعي، وتُبعث فيها الدلالات الرؤيوية المنبعثة من إشراقات الأسماء الحسنى والصفات الإلهية، سيظل حضور الله في الشعور الديني محصورًا في صورة الحاكم المتسلط، لا الحبيب المحب، والرحمن الرحيم، والجميل الذي يتذوق الإنسان تجلياته المضيئة في الوجود، وينصت إلى صوته يتردد في أستغاثات وآهات الضحايا، ويشرق نوره في أعماق كيان البؤساء.

استحواذ الرؤية الكلامية على معاني النصوص الدينية أبعد الدين عن رسالته، وضيّق مجاله في بناء صلة بالله تستلهم أسمائه وصفاته وتجلياته الرحمانية، حتى غدت هذه الصلة، في المخيال الجمعي، مصدرًا لتغذية الخوف، وتكريس كابوس العقاب، بدلًا من أن تكون علاقة مفعمة بالمحبة والرحمة والسلام والطمأنينة. لم تعد أسماء الله تنبض بما تبثه من نور، وما تفيضه من سكينة، وما توقظه من شعور عميق بمعنى الحياة والوجود، بل استُهلكت في الجدل، وتخشبت في الحرف، وخبا فيها وهج اثراء الصلة بالله، ودفء الصلة الحميمة بمحبته ورحمته.

الدين لا يحقق حضوره في حياة الإنسان إلا حين ينعش في كيانه المعنى الروحي، ويوقظ ضميره الأخلاقي، ويغذي ذائقته الجمالية، ويعيد إليه إحساسه بغبطة الحياة بشهود النور الإلهي. عندما يختزل الدين في حدود المقولات الكلامية، تنطفئ الأنوار الرحمانية المنبثة بلغة الغيب، ويتحوّل إلى عبء ثقيل، بدلًا من أن يكون رسالة حب ورحمة وسلام وشفاء. الحياة الروحية لا تتكرس في مناخ يغيب فيه حضور الله بوصفه ملاذًا للمحب، ومصدرًا للطمأنينة، ومرفأً لسكينة الروح المتعبة.كما لا تنبعث القيم الأخلاقية من خطاب يحاصر الإنسان بالممنوعات، ويثقله بالوعيد والتهديد، بدلًا من أن يرشده بلطف ورفق إلى الخير، ويستنهض في أعماقه النداء الأخلاقي.

لا يشرق الجمال من لغة تصف الله بعبارات تقريرية جافة، لا تتصل بمشاعر الإنسان، ولا ينصت فيها إلى صوت الله، ولا يشهد أنواره. لغة كهذه تغلق أبواب التأمل، وتطفئ جذوة الشوق، ولا تتيح للإنسان تذوق النور الإلهي في لحظات الصفاء ونداءات القلب. إن استعادة وظيفة الدين بوصفه مسارًا لتتسامي بالنفس، وإنقاذ الإنسان من ظمئه الأنطولوجي وغربته الميتافيزيقية، لا تتم إلا بإحياء الأفق الرؤيوي للغة الغيب، تلك اللغة التي يستفيق بها ضمير الإنسان، وتستنهض وعيه، وتوقظ فيه الإحساس بالدهشة، وتبني صلة حيّة بينه وبين ربه، لا عبر الرهبة، بل من خلال المحبة والرحمة والعطف والرفق والسلام. اللغة التي ينبعث منها معنى يشد الإنسان إلى الله، ويضيء له درب النجاة، ويمنحه القدرة على استعادة ذاته في عالم يضج بالصخب، ويقسو فيه العيش، هي وحدها القادرة على مداواة القلب المنهك، وإنقاذ الإنسان من التيه، وإعادته إلى مكانته في الوجود.

لا يمكن استعادة حضور الله في قلب الإنسان إلا بتجديد تفسير لغة الغيب والأسماء الحسنى والصفات الإلهية الجمالية خارج أفق التراث المتراكم حول دلالاتها لدى المتكلمين، وتحريرها من أسر المعجم الكلامي،  وإيقاظ دلالاتها التي تكرس الإيمان، وإحياء رمزيتها، وإزاحة الحجب التي تراكمت على تلك الأسماء والصفات، والانتباه إليها بوصفها منبعًا لما يمنح الحياة معناها، ويوقظ فيها الإحساس العميق بحضور بالله في الوجود. عندها فقط يمكن أن نستنطق هذه الأسماء في سياقها القرآني، ونفهمها بوصفها منارات للهداية، وشفاءً للروح، ومصدرًا لبناء علاقة محبة بين الإنسان والله، تتجلى فيها الرحمة قبل العقاب، والسلام قبل التسلط، والصلة الحميمة قبل الرهبة.

إعادة تأويل لغة الغيب ليست رفاهية يمكن تأجيلها، بل ضرورة ملحّة، لأن الدين لا يُعاش بعمق إلا إذا تحدّث بلغة تخاطب مشاعر الإنسان، وتسكن إليها روحه، وتعبر عن آلامه، وتفهم معاناته، وتجيبه بإغاثة ظمئه الوجودي، لا بلغة موروثة غريبة عن متطلباته الروحية واحتياجاته الوجودية. يفقد الدين أثره حين يصبح مرآة تنعكس عليها الرؤية الكلامية، ولا يسعف الإنسان في غربته، ولا يضيء عتمة وجوده، ولا يمنحه سلام الباطن.

اللغة الكلامية، بما هي لغة مقولات اعتقادية، لا تتسع للمعنى الغيبي الذي ترمز إليه آيات القرآن، ولا تحتمل طاقة الإيحاء الكامنة في أسماء الله الحسنى وصفاته الجمالية والجلالية، ولا تفتح أفقًا للحياة الإيمانية الحيّة، والتعددية الدينية. لا تنتج هذه اللغة تدينًا ينبض بالسلام، بل تدينًا مسكونًا بالخوف، يفتقر إلى الدفء، وتشح فيه منابع الرحمة والمحبة والرفق والعفو والمغفرة والسلام الباطني، واحترام المختلف في المعتقد.

تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب لا تنتهي للاعتقاد بأن مَن يعتقد بمقولات فرقة كلامية معينة هو الوكيل الوحيد لله، والناطق الحصري باسمه في الأرض، وأنه هو فقط من له الحق بامتلاك الحقيقة دون سواه، بل تمنحه تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب رؤية فسيحة تسمح له بقبول تعددية المعتقَد واحترام الآخَر المختلف، بوصف الآخر مظهرًا وجوديًا لاسم من الأسماء الإلهية المتنوعة، فتكون التعددية في الأرض انعكاسًا لتعددية الأسماء في العالم الربوبي. الأسماء الإلهية مرآة تتجلى فيها الأنوار الإلهية بحسب استعداد القلب وصفاء الروح للتلقي. لأن لغة الغيب لغة رمزية رحبة، فإن الرؤية لله في سياقها تتنوع، وهكذا تتنوع الطرق إلى الله وتتعدد، كذلك تتنوع أنماط عبادة الله وتتعدد بحسب الأديان والمعتقدات. التعددية الدينية ليست نقيضًا لوحدانية الله، بل هي نتيجة لتعدد الطرق إليه، وتعدد تجلياته، وتنوع صوره في قلب الإنسان. حين تكون اللغة دالةً على الغيب، لا يمكن أن تنغلق على تأويل واحد، لذلك يختلف تلقيها، كما يتنوع تفسيرها، وتتعدد فيها طرق الصلة بالله، وتتنوع منازل الأرواح ومشاهدات القلوب. لا تعني التعددية الدينية تعدد الحقيقة، بل تعني تعدد الطرق إلى الحقيقة الواحدة، وتنوع طرائق تلقيها.كلُّ تجربة روحية صادقة مرآة ينعكس فيها شيء من اشراقات النور الإلهي، وكلما كانت تلك التجربة مشبعة بالمحبة والرحمة والرفق والعفو والسلام،كانت أسرع إلى شهود الأنوار الإلهية.

موضوعات الغيب في القرآن تشكّل ركنًا أساسيًا في الإيمان، إذ يفتتح القرآن وصف المتقين بقوله: “الذين يؤمنون بالغيب” (البقرة: 3). الغيب في القرآن ليس غيابًا عدميًا، بل هو شهود نوراني لعالم ما وراء المادة. يظهر في القرآن تقابل واضح بين عالم الغيب الغائب عن الحس، وعالم الشهادة المحسوس. تتصدر لغة الغيب كلمات: الله، والأسماء الحسنى، والصفات الجمالية والحلالية، والعرش والكرسي، واللوح المحفوظ. لا تتوفر لدي معطيات دقيقة حول المساحة التي تحتلها موضوعات الغيب ولغته في القرآن، غير أن بعض التقديرات تذهب إلى حضوره بحدود 30٪ من آياته، ويعد الغيب من أوسع المحاور التي تتناولها آياته. أحاول أن أشير إلى كثافة حضور الله، وأسمائه الحسنى، وصفاته، في سياق آيات الكتاب الكريم، ولا أتحدث عن موضوعات الغيب الأخرى في الكتاب مثل القيامة واليوم الآخر، بغية التدليل على أن محاولات تفسير هذه الآيات في ضوء الرؤية الكلامية تخرجها من سياقها، ولا تضيء دلالاتها، ولا تفتح أفقًا للإطلالة على ما تنشده من بناء الإيمان وتكريسه، وإثراء الحياة الروحية، خلافًا لما لو فسرناها في ضوء رؤيتنا لآيات الغيب في سياقها القرآني.

يتكرر لفظ الجلالة “الله” في القرآن الكريم 2699 مرة. إجمالي 2699 مرة يتضمن 114 مرة في البسملة، و2585 مرة في غير البسملة. أما إجمالي تكرار أسماء الله الحسنى فيبلغ أكثر من 1800 مرة تقريبًا، حسب اختلاف طرق العد الدقيقة والتكرار في السياق. الأسماء الجمالية في القرآن هي: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الحليم، الكريم، الأكرم، الغفور، الغفار، العفو، الشكور، التواب، البر، الودود، الوهاب، الجواد، الحفي، الجميل، الصبور، النافع، المجيد، القريب، المجيب، الولي، الهادي، النصير، الوكيل، الكفيل، الحافظ، الحسيب، الكافي، الرازق، الفتاح، الباسط، المعطي، البديع، النور، الواسع، الحي، القيوم.

أما الأسماء الجلالية فهي: الله، الأحد، الصمد، الإله، الملك، المالك، مالك يوم الدين، العزيز، الجبار، المتكبر، القهار، القادر، القدير، المقتدر، القوي، المتين، العظيم، العلي، الأعلى، الكبير، الظاهر، الباطن، الأول، الآخر، الحق، الحكم، الحسيب، الشهيد، الرقيب، الحفيظ، المقيت، القائم، المنتقم، سريع الحساب، ذو الطول، ذو الجلال والإكرام، الغني، المغني، المانع، القابض، المذل، العدل، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، المحيط، البصير، السميع، العليم، الخبير. “الله” هو الاسم الأعظم الجامع لسائر الأسماء الحسنى والصفات العليا، ولا يُطلق إلا على الحقّ جلّ شأنه، وهو الاسم الأصل الذي ترجع إليه بقية الأسماء والصفات. وقد ورد في القرآن الكريم 60 اسمًا من أسماء الله الحسنى بصيغة الاسم الصريح.

ما ورد في القرآن الكريم من الصفات هي 81 صفة إلهية صريحة، تنوعت صيغها بين الاسم، والفعل، والجملة الوصفية والخبرية، فعبرت عن ذات الله وصفاته بأشكال متعددة. وما ورد بصيغة الاسم المباشر، في آيات القرآن: الرحمن، الرحيم، الغفور، العفو، التواب، الحليم، اللطيف، الكريم، الودود، الشكور، البر، القريب، المجيب، السلام، الهادي، العليم، السميع، البصير، الخبير، العزيز، الحكيم، العدل، الحق، القدير، الوكيل، الرقيب، الشهيد، القوي، المتين، الغني، الرازق، الفتاح، الوهاب، الحسيب، الحميد، الوارث، البديع، الظاهر، الباطن، الأول، الآخر، الحي، القيوم، الله، ذو الجلال والإكرام… وغيرها، وقد بلغ عددها 60 صفة. ومن الصفات ما ورد بصيغة الفعل، أو الجملة الوصفية أو الخبرية، في القرآن، مثل: كتب على نفسه الرحمة، وسعت رحمته كل شيء، يغفر الذنوب جميعا، يعفو عن كثير، لا يعجل بالعقوبة، يحب المحسنين، يحب التوابين، يحب المتطهرين، يدعو إلى دار السلام، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ما توسوس به النفس، يعلم السر وأخفى، غافر الذنب وقابل التوب، قريب مجيب، لطيف بعباده، رزّاق ذو القوة المتين، أرحم الراحمين، أحسن كل شيء خلقه، أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد…، وغير ذلك، وقد بلغ عدد هذه الصفات 21 صفة. مادام الله واحدًا في ذاته، متعددًا في تجلياته.

 

لغة الغيب في سياق مقولات الخلاص الكلامية

 د. عبد الجبار الرفاعي

تسيّدت الحياةَ الدينية في الإسلام، منذ العصور التي تلت عصر البعثة، لغةٌ مشبعة برؤية المتكلمين، وأحكامٌ تستمد مشروعيتها من الفقه المؤسَّس على تلك الرؤية. لذلك يحضر في الذهن، عند التفكير في أي واقعة أو موقف أو فعل، معجمٌ محكوم بمقولات كلامية، ومشحون بدلالات فقهية. حين يواجه المسلم حادثةً ما، أو يريد أن يتخذ موقفًا معينًا، يتبادر إلى ذهنه السؤال: هل هذا حلال أو حرام؟ من دون أن يفكر غالبًا في دلالات الموقف الأخلاقية، أو معطياته الروحية، أو آثاره الجمالية. هكذا يغيب البُعد الأخلاقي في التفكير الديني، ويُقصى البُعد الروحي، ولا يتذوق الإنسان تجليات الله في الوجود. وتختزل العلاقة بالدين إلى منظومة أوامر ونواهٍ، يُختبر فيها الفعل بمعيار الحِلّ والحرمة، لا بأثره في الضمير، أو أثره في بناء الحياة الروحية، أو مساهمته في الحياة الأخلاقية.

تتكرر مفردات هذا المعجم في اللغة الدينية المتداولة في التعليم الديني، وخطب الجمعة، والدروس الدينية، ومنابر المساجد، ووسائل الإعلام والتواصل التي تتحدث في قضايا دينية، حتى غدت لغة الغيب أسيرة لذلك المعجم، مغلقة في حدوده، لا دلالة لها خارج مداراته. ما إن يُذكر الغيب أو أي شأن ديني، حتى يتداعى إلى ذهن المتلقي قاموس مألوف، تشبّع فيه لاوعيه الفردي والجمعي. قلّما يتخطى المتكلم أو الكاتب في الدين هذا المعجم، كذلك تلبث المعاني التي تتبادر إلى وعي المتلقي رهينة للدلالات المشبع فيها ذهنه.

في الحياة اليومية، حين يتحدث المسلم عن مسألة دينية، فإنه يعيد إنتاج المفاهيم ذاتها التي صاغها المعجم الكلامي، ويتحدث بلغته، سواء في أقواله أو في كتاباته، إن لم يمده وعيه الظاهر، تستفيق في وعيه الباطن مفردات ذلك المعجم. وحتى عندما يكتب كاتب يتوخى التعبير عن تجربة إيمانية، أو تأمل روحي، أو قلق وجودي، فإنه غالبًا ما يعيد تدوير مفردات ذلك المعجم، ويستنطق مفاهيمه، ويتكلم بلسانه، من غير أن يتحرر من رؤيته، ولو كانت تجربته الإيمانية تستدعي لغة مغايرة، أكثر إنصاتًا لنداء القلب، وأشد قربًا من

أشواق الروح إلى الأنوار الإلهية، وأرحب انفتاحًا على مكاشفات المعنى.

عند تأمل اللغة المتداولة في الكتابات العربية حول الدين، نلحظ أنها مشبعة بمقولات المتكلمين، ومقيدة بتراث جدلي مشروط بسياقاته التاريخية، ما يجعلها محدودة الدلالة، وأقل قابلية للتعبير عن أعماق التجربة الإيمانية. هذا النمط من الاستعمال يفقر لغة الغيب من طاقتها الرمزية، ويضيّق أفقها في الكشف عما تنطوي عليه آيات الغيب من إشارات وإيحاءات تتجاوز ظاهر المعنى. اللغة التي تشكلت في أفق الرؤية الكلامية غالبًا ما تعيد إنتاج المفاهيم ذاتها، ولا ترى في آيات الغيب إلا ما تسمح به أدوات علم الكلام التقليدي، ويُستعمل المصطلح الديني في الغالب في سياق هذا الأفق، الذي يحجب إمكانات الإيحاء، ويقفل نوافذ التأمل، ويختزل الدين في معايير الجدل وتفصيلات الأحكام.

قلّما تُستمد معاني المفاهيم الدينية من قيم القرآن التي تنير القلب، أو يُنظر إلى الآيات الحاكية عن الغيب بوصفها إشارات إلى أعماق التجربة الروحية، لا مجرد موضوعات للجدل الكلامي. اللغة التي رسّخها المتكلمون، وإن كانت اجتهادًا بشريًا في قراءة النصوص، لكنها ترسّبت في الوعي الفردي والجمعي في الحياة الإسلامية، واستحوذت على الفضاء الديني، حتى غدت تفهم كما لو أنها هي الدين نفسه. بذلك تعطلت دلالات كثير من الآيات الحاكية عن الغيب، وتجمدت في قوالب تلك اللغة، وانحسرت منابع التأمل، وخفَت الشعور بمعنى يتجاوز ظاهر اللفظ، وتراجع الوعي بما يشكّل جوهر التجربة الدينية. وانحسر حضور أسماء الله الحسنى، بوصفها ترسم صورة جميلة لله مشبعة بالرحمة والمحبة والجمال واللطف والعفو والمغفرة والسلام، وتغيّب أثرها في بناء الوعي الروحي. وبدلًا من ذلك غلبت على أسمائه، في التصور العام، دلالات التسلط والعقوبة والعذاب، ولم يتجلَ كما تشير إليه أسماؤه في هذه المعاني، وما تمنحه من طمأنينة للقلب وسكينة للروح.

تحوّلت أسماء الله الحسنى من رموز يتجلى من خلالها الحضور الإلهي، وتضيء بها مسالك القلب، وتنفتح بها نوافذ الوعي الروحي، إلى مفاهيم مغلقة تُشرح بمنطق الجدل، وتضيق دلالاتها في حدود المحاججات الكلامية، فخبت إشراقتها، وتراجعت طاقتها الرمزية في إنعاش الروح، وتنوير الضمير، واستنهاض الإيمان الحي. وبدلًا من أن تُفهم هذه الأسماء بوصفها شواهد على الرحمة والجمال والمحبة والسلام، غلب عليها المعنى السلطوي، وانحسرت صورتها في ضمير المؤمن إلى هيئة قاضٍ يعاقب ويعذب، وغابت عن هذه الأسماء صورة الله بوصفه الملاذ الآمن للمحبين، والملجأ الحميم للمنكسرين، والنور الذي تتضمّد به جراحات القلوب. وعلى الرغم الحضور الكثيف لأسماء الله الحسنى وصفاته، وما يتصل بالغيب في آيات الكتاب الكريم، فإن اللغة الدينية المتداولة، المشبعة برؤية المتكلمين للغيب والقوالب المسبوكة فيها هذه الرؤية، تحجب دلالات هذه الأسماء، وتكفّ إشاراتها عن الإيحاء، وتغلق نوافذها الرمزية، فلا تعود تنبض بالمعنى، ولا تُلهم القلب، ولا تسقي التجربة الروحية. ويتراجع بشكل كبير بعدها التأويلي، ويتآكل أفقها في بناء الإيمان، وتفقد قابليتها على وصل الإنسان بربه، والانعتاق من غربته الوجودية.

مادام مضمون لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علم الكلام، فإن تعريف الدين ومفهومه وحدوده ووظيفته في الحياة، وأدوات تفسير القرآن والسُّنة، ودراسة وتدريس علوم الدين، ودراسة التراث وتفسيره، تظل حبيسة رؤية المتكلم، ولا تتسع لاستيعاب الدلالات العميقة في آيات الغيب وتجلياتها على القلب. اللغة التي يُعاد من خلالها إنتاج صورة الله في وعي المسلم وتترسب في لاوعيه لا تستلهم دلالات نور الله في القرآن، لذلك لا تخاطب القلب، ولا توقظ الإحساس، ولا تهتم بالتذوق، بل تكرّر معجمًا كلاميًا موروثًا، جرّد لغة الغيب من طاقتها الإيحائية، وأضعف أثرها في الحياة الباطنية للإنسان. هذا المعجم، الذي تكرسه المؤسسة الدينية، وتسوده مقولات الكلام التقليدي، ولا تخرج عن اطار فهمه المبسط أدبيات الإسلام السياسي، لا يفسح المجال لتأويل يتجاوز ظاهر اللفظ، ولا يسمح بفهم الدين بوصفه تجربة حيّة تستجيب لما يعانيه الإنسان من ظمأ وجودي، وتخفض غربته الميتافيزيقية، وتعيد إليه شيئًا من الطمأنينة، وتنقذه من القلق الوجودي، واضمحلال المعنى.

مقولات انحصار الخلاص بفرقة واحدة، كما صاغها علم الكلام التقليدي، ترسّبت في اللاوعي الفردي والجمعي، وأعادت تشكيل وعي المسلم بالدين، حتى غدت مرجعيةً ضمنية يُحتكم إليها في تفسير النصوص الدينية، وتأويل الغيب، وإنتاج الأحكام. تلك المقولات عطّلت تبلور التصورات التي لا تتناغم مع منطق “الفرقة الناجية”، وأعاقت القراءة الرمزية والتأويل الروحي للآيات التي تتحدث عن الغيب والمصير والنجاة. بفعل هذا الإرث الكلامي، تشكّل وعيٌ ديني يعجز عن الانفتاح على إمكانات التعدد الديني، ويختزل صور الله في صورة أحادية محتكرة، محجوبة في إطار فرقة واحدة، لا ترى في الدين معنى خارج ما تراه هي، ولا تعترف بالخلاص خارج حدودها. لكن حين تُفسر آيات الغيب في سياقها القرآني، وبعيدًا عن إسقاطات مقولات المتكلمين الانحصارية، تتبدى هذه الآيات مصدرًا حيويًا لإنتاج تصورات رحبة عن الله، تتسع لاحتضان تنوع التجارب الدينية، وتبعث رؤية تحرر الخلاص من الانحصار بالفرقة الناجية، وتعيده إلى رؤية رحمانية، تتسع فيها الرحمة لكل شيء، كما تنص على ذلك الآيات القرآنية. لغة الغيب، كما تجلت في القرآن، لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تصورات متنوعة، تتلون بأفق المتلقي، وبيئه، ومختلف المعطيات السائدة فيها، وتتجلى بقدر ما يتأهل القلب لاستقبالها. كلُّ قراءة تتذوق هذا البُعد الرؤيوي في لغة الغيب، تكتشف أن النص القرآني نداءٌ للرحمة، ودعوة للاعتراف بإنسانية المختلف، وإقرارٌ بتنوع سبل الهداية إلى الله.

انسداد آفاق التعددية الدينية، واحتكار الخلاص بفرقة واحدة، يفضي إلى تعطيل مختلف أنماط التعددية في المجتمع. انسداد آفاق التعددية الدينية يساهم في تجفيف روافد التعددية السياسية، والثقافية، واحتكار المجال العام، ولا يثري التنوع والتعدد في المجتمع، ولا يبنني أرضية لتوالد حق المواطن في أن يكون مختلفًا. حين تتجذر مقولات الفرقة الناجية في وعي الجماعة، ينغلق مفهوم الحقيقة على تصور أحادي، ويجري استبعاد أية رؤية أو تفسير لا ينسجم مع معتقد الجماعة. التعددية في المجال العام لا يمكن أن تنمو في بيئة يتسلّط فيها فكر ديني إقصائي، يحتكر الحقيقة بفهمه، ويختزل النصوص الدينية في تأويل واحد، ويعجز عن الاعتراف بالمساواة الإنسانية مع المختلف في معتقده. احتكار الخلاص يؤسّس نظامًا لإنتاج المعنى يحتكر الحق في رؤية الجماعة وفهمها، ويمنحها احتكار تمثيل الإرادة الإلهية، وتكليفها ضمنيًا بمحاسبة المخالفين ومصادرة حريتهم. إن تفكيك بنية هذا الاحتكار يبدأ من إعادة تأويل آيات الغيب بوصفها نداءً للرحمة، وشهادة على تنوع سبل الهداية، وإقرارًا بتعدد وجوه الإيمان، وتجليات الحضور الإلهي. لذلك فإن تحرير لغة الغيب من أسر مقولات الخلاص الانحصاري، يُعد شرطًا لتوليد وعي جديد، ينفتح على رحابة الحياة، وكرامة الإنسان وحريته، وحقه في أن يكون ذاته، بلا وصاية، ولا قسر، ولا إكراه.

حين تنغلق اللغة الدينية على مقولات الخلاص الكلامية، يغيب البعد الوجودي في لغة الغيب، ويتلاشى الأفق الذي كانت تنفتح من خلاله لغة الغيب الإلهية على إشارات لا تُدرك بالعبارة، بل تتذوقها الروح، ويتدفق بها ضوء البصيرة. وحين يغلق النص على التفسير الحرفي، وتنحبس دلالاته في قوالب المتكلمين، ينحسر إشعاع لغة الغيب، ويتراجع أثرها في القلب، وتتعطل قابليتها على بث الحياة الروحية في أعماق الإنسان. الكلمات الإلهية لا تنكشف للروح وتتجلى للقلب إلا بمقدار ما تنفتح عليها بصيرة القارئ، ويتأهل لتذوق أنوارها القلب، وتتهيأ لتلقي اشراقاتها الروح.

ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر المعجم الكلامي، وتعاد قراءتها بوصفها إشراقات تتكشف فيها الرحمة والمحبة والجمال والسلام، وتستنير بتجربة الإيمان الحي، سيبقى حضور الله باهتًا في وعي الإنسان، ويتحول الدين إلى سلسلة ممنوعات تصادر عليه شيئًا مما تتطلبه طبيعته البشرية من احتياجات، وتعجز عن أن تروي ظمأ قلبه، ولا تضيء ضميره، ولا تنقذه من غربته الوجودية. هناك حاجة ملحّة اليوم تتمثل في استعادة البُعد الرمزي للغة الغيب، وإحياء إشاراتها التي توقظ الشعور بحضور الله، وتبعث على التأمل، وتلهم الروح طمأنينة تستدعي شهود أنوار الله بوصفه الحبيب، والجميل، والرحمن الرحيم، والسلام، والملاذ الذي لا يخذل من لاذ به. الدين الذي لا يداوي جراح قلب الإنسان، وقلقه المرير، ولا يروي عطش المعنى، ولا يمنح الإنسان بصيص أمل في الغربة الموحشة للوجوده، يظل غريبًا عن مقاصد الوحي، وبعيدًا عن أهداف رسالة الأنبياء.

 

https://alsabaah.iq/117510-.html