الإشعاع الإيماني في مشروع الرفاعي

تحية تقدير وعرفان لعبد الجبار الرفاعي في ذكرى ميلاده السبعين

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري

صدى صوتِ الألماني فريديريك شلايرماخر (1) Friedrich Schleiermacher (1768ـ1834) يتردَّدُ بين جنبات السلسلة الخماسية (2) للدكتور عبد الجبار الرفاعي، فلئنِ اعتمد الرفاعي في كتبه السَّبعة والأربعين القديمة على لغة المنطق والعلم والفلسفة يخاطب العقل، ويشيِّد الفكر، ويبني صروح علوم الأصول والفلسفات والمنطق… فلقد لجأ في كتبه الخمسة الأخيرة إلى لغة الحدس والشعور يخاطب القلب والوجدان والروح، مثلما خاطب شلايرماخر قلبَ ووجدانَ وروحَ النخبة الألمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في مؤلَّفه “عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين”، الذي أصدره مركز دراسات فلسفة بترجمة: أسامة الشحماني، عن النسخة الألمانية الأصلية المنشورة 1799 في عصر شلايرماخر.كانت لغة السلسلة الخماسية لغةً شاعرية بويطيقيةً poétique خالية من الحمولات الاصطلاحية والتَّعقيدات المفاهيمية، وأتتْ موضوعاتُها من راهن ما يعيش إنسانُ هذا العصر وظروفه المتشابكة المعقَّدة ممَّا لم تختبره المعرفة الدينية التاريخية… يحدثك فيها رجلُ الدين عن دين الحبِّ والتراحم، وعلاقات الحبِّ والتراحم، ولغة الحبِّ والتراحم، والتَّفكيرِ بالحبِّ، والتَّعامل بالحبِّ والتراحم، وإملاء وعاء النيَّة حبّاً: “الحب يضيء الحياة بمعناها الأجمل، ويبدِّد وَحشة الكائن البشري وغربتَه فيها. الظمأ البشري للحب حاجة لا تتوقف ولا تنتهي” (3)، و”الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانيَّة الدِّين. لا يؤتي الدينُ ثمارَه مالم يكن تجربةً إيمانية تنبضُ فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرغ من الرحمة يفتقدُ رسالته الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري”(4). هذا لعمري جديدٌ في لغة الدِّين، ولغة الفقهاء ومنهم الرفاعي، ومطارحات المتديِّنين، فلغتهم وأسلوبهم ومصطلحاتهم وطرائق عروضهم ترسَّبت عليها أثقال وأسمال موضوعات ومدوَّنات القرون الطويلة، لا تتبدَّل ولا تجد لها طريقاً إلى الحلحلة، وهذا الرفاعي يغرِّدُ في كتبه الخمسة الأخيرة خارج السَّرب بلغةٍ وأسلوب وطريقة عرضٍ جديدةٍ غير مألوفةٍ، تشدُّ انتباهك وتجذبُ لبَّك، فتقرأ ثم تقرأ ثمَّ تتماهى مع سمفونية أدائه.

يحدِّثُك من غيرِ كلَفٍ ولا تمحُّلٍ عن فضاءات الجمال والحب والفن الرحبة، وتتقاطع كلُّها عنده مع جوهر الدين، فالفنُّ “لغةُ الرُّوح قبل العقل، لغة القلب قبل الفكر” (5)، وعزيزٌ عليه ألاَّ يجد في مجتمعاتنا نصيبَها من تذوق الجمال أو الإحساس به: ” تذوقُ الجمال، حالةٌ وجوديةٌ كتذوق الحب والإيمان” (6)، وَيدلُّك على كيمياءٍ وجدانيةٍ للجمال الذي: “لا يجدُ ناطقاً بصوته، أجمل من لغة الفن” (7).

يُبْنَى الإشعاعُ الإيماني الإنساني في مشروع الرفاعي على دعائم ثلاثةٍ: تذوقِ جمالٍ، واستغراقٍ في حب، وتعبيرٍ بفنٍّ، ويُعْلِمُك أنَّ ضميرِه الديني قائمٌ على دعائم ثلاثة “إيمانٍ وأخلاقٍ وإنسانية” (8).

هجرة جبران خليل جبران من لبنان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وما قام به من عملٍ مزجي وتركيبي بين الثقافتين العربية والأنجلوسكسونية، كان وراء روائعه الأدبية والفنية، وهجرة عبد الجبار الرفاعي من العراق إلى إيران وما قام به من عملٍ مزجي بين الثقافتين العربية والإيرانية، مضيفاً إليها مَزْجَ مدوناتٍ تراثية (كلامية وفقهية وعرفانية)، ومدوَّناتٍ معاصرة (فلسفاتٍ وهرمنيوطيقا، وعلوم ألسنية ونفسٍ واجتماعٍ ومقاربات دلالية)، وخلاصاتِ مطالعاتٍ أدبية وعلمية وفكرية متنوعة…كان وراء تلك العصارة الفسيْفسائية التي تحْكي خريطة سيرِ الإنسان نحو تجانسه مع نفسه وإلهه وبني نوعه ومع محيطه الكوني، برؤية رفاعية، ولغة رفاعية، وطريقةِ عرضٍ رفاعية.

ربما قد تجدُ الأمرَ عادياً إذا ملأ عينَك مثقفٌ حداثيٌّ متميِّزٌ بكمِّ معلوماته ودقَّة تشخيصه وعمق تحليله وتنويع وسائله، أمَا وأنْ يُجِيدَ رجلُ الدِّين هذه التَّوليفةَ، وأن تكون هذه زاوية نظره، فنحنُ أمام عهدٍ جديدٍ من رجال الله الدَالِّين على الله بغيرِ لغة التراث، ومدوَنة الفقهاء العتيقة.

افتقرتِ السَّاحة الثقافية العربية على شساعتها وتنوعها، إلى المواضيع التي تناولها الرفاعي في سلسلته الخماسية، من مثل الرؤية الأنطولوجية للدين التي يقول عنها: “الكتاباتُ العربيةُ التي تدرس الدين في بعده الأنطولوجي شحيحةٌ” (9).

يسعى الرفاعي إلى أن تكون غايةُ مشروعه: “تحقيقَ السعادة” للإنسان، وتكمنُ سعادة الإنسان في شعوره بأنَّه محبوبٌ لذاته، وأغلبُ ما يكون شقاءُ الإنسان نابعاً من الإنسان، لا عن تعمُّدٍ بل عن غفلةٍ وأحياناً عن قلَّة ذوقٍ، فتتوتَّر العلاقات وتتشنَّج وتتصلَّبُ بلا سببٍ وجيه، لذا يحدثك الرفاعي ويستثمر في مثل هذه الحال في “الذكاء العاطفي”، يراه عقلاً ذكيّاً في إدارة العلاقات، بما لا يُزعج الآخر، وـ يعلِّمك ـ إتقان الكلمات الدَّافئة، والمواقف الأخلاقية في التعامل مع الناس (10)، ويُصحح الرفاعي بالذكاء العاطفي حقيقة الإنسان العاطفي الذي هو ليس بالضَّرورة الذَّكيُّ العاطفي، فقدْ يكونُ العاطفي فجّاً سليطَ اللسان (11)، بخلاف الذكيِّ العاطفي الذي له اللَّباقةُ العفويَّةُ، والكلمةُ البلْسمُ… يحدِّثُك عن هذا عبد الجبار الرفاعي رجلُ الدين، أو المثقفُ الديني كما يرتئي أن يسمِّيه، يحدثك بسلاسةٍ وتمكُّنٍ كأحدِ الاختصاصيين النَّفسانيين ثمَّ في نفس الوقت يحدثك كأحد رجال القانون، فهو وإنْ أطلق العنان لتنمية المشاعر والعواطف وتشذيبِها عبر الذكاء العاطفي، فإنَّه أيضاً يستحضرُ وعيَهُ الصَّارم في المواقف الحادَّة التي تتطلَّبُ الكيَّ، فيقول: “لا تتأسَّسُ المجتمعاتُ والدول على الحبِّ وحده، أو الرَّحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين لبناء الدول… لا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية”(12)، فهو يتماهى مع العاطفة الإنسانية، ويريدُها أصلاً في العلاقات الإنسانية، لكنَّه واعٍ بالطبيعة البشرية التي تجنح للتمرد، فيُلجمها حينئذٍ بالشريعة والقانون والأنا الأعلى… هذا هو النموذج الجديد النادر ندرة المعادن النادرة، ولذا فقد ارتفعت شهاداتٌ واعترافاتٌ لأساتذةٍ وأكاديميين ومثقفين تُقرُّ بأصالة منجز عبد الجبار الرفاعي، فهذا الأستاذ الدكتور عبد الجبار عيسى السعيدي يقول:” وقد كتبت للرفاعي ذات مرة منوها بقدراته الإبداعية: (لعلِّي لا أبالغ إن قلت بأن عملكم الكبير “الدين والظمأ الأنطولوجي” يتمثل في كونه واحداً من أهم تمثلات الحكمة والعقل المعاصرين. إن لكل زمن تمثلاته الفذة، هذه القاعدة التي لا يريد البعض، لضعف أو لحسدٍ، أن يقبل بها، فالحكمة لم تنته عند ابن عربي أو ابن رشد أو ملا صدرا) (13)، وهذه الدكتورة حميدة القحطاني تقول عن قراءتها كتب الرفاعي: “تنعش روحي وتلامس قلبي وتثير فكري وتساعدني على ايقاظ ذهني”، وتقول: “أقرأ كتب الرفاعي على الدوام كي أرفع مؤشر المعنى في أيامي” (14)، ويرى الأستاذ مشتاق الحلو أنَّ منجز الرفاعي ومشروعه يمثل منهجاً متكاملاً وطريقاً ثالثةً مستقلَّةً في الرؤيا، يقول: “الرفاعي صاحب التفسير الثالث والبديل الديني المختلف عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين” (15)، أما الدكتور محمد حسين الرفاعي، فشهد بأنَّ منجز عبد الجبار الرفاعي ثورة فكرية في الخطاب الديني، من داخل الخطاب الديني، وشبَّهه بِـ “ابن حيان التوحيدي” في التصوف العقلي أو العرفان الفلسفي (16)، وأما الدكتور ياسر عبد الحسين فقد خلع عليه لقب “سبينوزا” في مقال له بعنوان: “سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي عند الرفاعي”، نشره في موقع مؤمنون بتاريخ 09. 11. 2022.

أخيراً، في عام 2014، حلَّ عيد الميلاد الستِّين لعبد الجبار الرفاعي، فخصَّصت مجلة “الموسم” (17)، كتاباً تذكارياً تكريماً وعرفاناً بجهوده وإنجازاته في 757 صفحةً، تضمَّنتْ 105 مقالاتٍ من باحثين وأكاديميين وكُتَّابٍ من مختلف الاختصاصات، ومن مختلف الأوطان العربية والإسلامية، تشيدُ بعمل الرفاعي وإضافاته النوعية للفكر العربي والإسلامي المعاصريْن، ويحتضنُ هذا العام 2024 ذكرى ميلاده السَّبعين آملين من الله الكريم أن يتوِّجهُ بالعافية والسعادة، ومزيد التوفيق لتكملة صرح مشروعه.

الهوامش:

(1). مصلح لاهوتي بروتستانتي أنقذ الدين من فخ العقلانية، بإعادة صياغة رؤية جديدة للدين، يتعالى فيها الدين عن المناكفات العقلية والمنطقية، ويتجاوز لغتهما، ويتبنى لغة الروح والقلب وهما لغتا الشعور والحدس.

(2). “الدين والظمأ الأنطولوجي”، و” الدين والكرامة الإنسانية”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”مقدمة في علم الكلام الجديد”.

(3). عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية. طبعة 2 مزيدة ومنقَّحة. 2022. دار الرافدين، بغداد، ص 103.

(4) الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 3 مزيدة ومنقَّحة.  2022. دار الرافدين، بغداد، ص 25.

(5). الدين والكرامة الإنسانية،. صفحة 99.

(6). نفس المصدر. صفحة 99.

(7). نفس المصدر. صفحة 99.

(8). عبد الجبار الرفاعي. الدين والظمأ الأنطولوجي. طبعة 4 منقَّحة ومزيدة. يناير، كانون الثاني 2023. دار الرافدين، بغداد، صفحة 106.

(9). نفس المصدر. صفحة 31.

(10). نفس المصدر. صفحة 106.

(11). نفس المصدر. صفحة 107.

(12). عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية. صفحة 111.

(13). من الأيديولوجيا إلى تجديد علم الكلام. قراءة نقدية لأنسنة الدين عند د. عبد الجبار الرفاعي. ا. د. عبد الجبار عيسى السعيدي.

(14). قراءة في كتاب “لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق”. د. حميدة القحطاني. فلسفة القانون الدولي العام. المثقف: 24. 12. 2023.

(15). التفسير الثالث للدين، خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد. مشتاق الحلو. التنويري altanweeri.net 07. 07. 2024.

(16). كريم جدي في حوار مع الدكتور محمد حسين الرفاعي. صحيفة المثقف، بتاريخ: 11. 05. 2024.

(17). مجلة مصوَّرة تُعنى بالآثار والتراث، وصاحبُها ومديرُ تحريرها هو الأستاذ محمَّد سعيد الطريحي، وتصدر عن: أكاديمية الكوفة بهولندا.

https://alsabaah.iq/100382-.html

 

الدينُ والرؤيةُ الجمالية للعالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

  الفن لغة الجمال

يحتاج الإنسانُ إلى لغةٍ مكتفية بذاتها خارجَ اللغة، يتحدثُ فيها للوجود ويتحدثُ فيها الوجودُ إليه، لغةٍ يتذوقُ فيها إيقاعَ أنغام الوجود وألحانه. الفنُّ لغةٌ يتذوقُها كلُّ إنسان مهما كانت لغتُه وثقافتُه وديانتُه. الفنُّ ‏لغةُ الروح قبلَ العقل، لغةُ القلب قبلَ الفكر، لغةٌ آسِرةٌ تُصغي إليها المشاعرُ كأجمل ما تصغي لأية لغة. لغةُ الواقع المحسوس تُنهِك القلب، الفنُّ ‏لغةٌ يستريحُ فيها القلبُ عندما يُرهقه المكوثُ طويلًا في لغةِ الواقع المحسوس.

الجمالُ تعجزُ أيةُ لغة خارج الفن عن كشفِ حدود معناه. لا يجدُ الجمالُ ناطقًا بصوته أصدقَ من لغة الفن. يتعرف الإنسانُ على ذاته بالفنون السمعية والبصرية بأبهى ما يتعرف، ويشعر بتذوق نمطٍ من الوجود لا يتذوقه خارجها. تذوقُ معنى الجمال حالةٌ يعيشها الإنسانُ كتذوق الحُبّ والإيمان والسعادة وأمثالها من معانٍ وجودية. عندما يحتاجُ الإنسانُ إلى ‏لغةٍ عذبة يشتركُ بتذوقها الجميعُ يجدُ الفنَّ ناطقًا بهذه اللغة. الفنَّ يخاطبُ الإنسانَ بمعانٍ أكبر ‏من كلماتِه، ويتحدثُ لغةً تضيق بها أيةُ كلمات. ‏لغةُ الفن يشترك بتذوقها الجميع، المباهجُ الحسية يتذوقها الفردُ خاصة ولا تكون بالضرورة مشترَكةً بين الكلّ، مباهجُ الجمال‏ يتذوقها الفردُ مثلما يتذوقها كلُّ إنسان يتمتعُ بذوقٍ سليم.كلّما تعزّز حضورُ الجمال ‏في حياة الفرد والمجتمع اتّسعَ حضورُ القيم السامية‏. اتّساعُ تذوقِ الجمال يرادفُه انحسارُ لغةِ العنف وازدهارُ لغةِ السلام.

لا يخلو أيُّ مجتمع من الدين والأسطورة والفنّ والحُبّ. الفنُّ رديفُ الدين في التاريخ، حيثما عاش إنسانٌ في أيّ مكانٍ وزمانٍ تظهرُ في حياته تعبيراتٌ للدين وتعبيراتٌ للفن. لا تضادَّ بين جوهر الدين وما ينشدُه الفنُّ الأصيل.كلاهما ينشدُ فضحَ ظلام العالم، وإنقاذَ الروح من مواجع الحياة، وتأمينَ ملاذٍ يتنفس فيه الكائنُ البشري بعد اختناقه بحرائق الشرور التي تنهشُ قلبَه، وتعبثُ بكلِّ شيء بهيج في حياته.

الحضورُ الواسع للفنون الجميلة في أيِّ مجتمع يقوّم السلوك، ويخفضُ وتيرةَ التطرف، ويؤثرُ بشكلٍ مباشر على إشاعة الأمن والسلم المجتمعي. الفن الذي أتحدث عنه هو الفن الذي يُهذِّب المشاعرَ والعواطفَ والذوق ويقوّم السلوك. ولا أعني الفن المُمْتَهَن المُبتذَل، الذي يهدر العفاف، ويغوي بالتهتُّك والمجون، ويُحرّض على الكراهية والعنف.

كلُّ مجتمع يتوطنه الحُبُّ، والفنُّ، والتدينُ العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيمُ احترامِ المختلِف في المعتقَد، والعيشِ المشترك في إطار التنوع والاختلاف، وإن كان مثلُ هذا المجتمع يظلُّ حلمًا أكثر من تحقّقه في الواقع. الدينُ والحُبّ والفنُّ يغذّي كلٌّ منها الآخرَ ويتغذّى منه. الرؤيةُ الجمالية لله والعالَم تتوالد في سياق التفاعل الإيجابي الخلّاق لهذه العناصر الثلاثة. أتحدثُ هنا عن التدّينِ العقلاني الأخلاقي، والفنِّ الأصيل الذي يهذّب الذوقَ والأخلاق. لا أتحدّثُ عن الواقع الذي فرضته إكراهاتٌ تاريخية مريرة مازالت تتحكمُ به حتى اليوم.

التربية البصرية                   

أدرك الإنسانُ أهميةَ التواصل البصري منذ كان يعيشُ في الكهوف، فبدأ يرسمُ لوحاتِه على جدرانها، ولم يتوطن الإنسانُ مكانًا إلا وترك بصمتَه المرئية فيه. تحضر بقايا هذه البصمة في الصورِ والمنحوتات وأشكال بناء المساكن والعمارة، وتخطيطاتِ التجمعات السكنية والمدن التاريخية وأنماط نسيجها الحضري. نشاهدُ ذلك في الآثارِ المتنوعة للحضارات الشرقية والغربية، تتحدثُ الزقورةُ مثلًا عن الحضارة السومرية، والأهراماتُ عن الحضارة المصرية، وآثارُ تخت جمشيد عن الحضارة الأخمينية، والبارثينونُ على تل الأكروبوليس عن الحضارة اليونانية.كلّ الحضارات تكلّمُ آثارُها أبصارَ مشاهديها. تحتفظُ متاحفُ العالَم بمنحوتاتٍ وصور ونقوش ولُقى أثرية عن حضارات لا نعرف عن منجزاتها شيئًا لولا هذه الكنوز المادية الثمينة.

التربيةُ البصرية ضرورةٌ يفرضها إيقاظُ الدهشة، والابتهاجُ بتذوق الجمال، وإنتاجُ المعنى عبر التواصل البصري الذي تحكيه الرسومُ والصورُ والأشكالُ التعبيرية وكلُّ ما هو خارج الكلمات المنطوقة. التربيةُ في بلادنا تجهلُ الأثرَ الخلّاق للتربية البصرية، ولا تهتمُّ ببناء رؤيةٍ بصرية للتلامذة قادرةٍ على إنتاج معنىً لما يشاهدونه من رسوم وأشكال تعبيرية وأشياء وكائنات في الطبيعة.

التربيةُ الحديثة تجعلُ البصرَ في أولوياتها، فتضع خارطةَ طريقٍ علمية لإيقاظه وتنميته منذ المراحل الأولى نظريًّا وعمليًّا. تعتمدُ التربيةُ في برامج التعليم الأساسي الزياراتِ المستمرة للمتاحف الفنية والأثرية وأطلال المدن القديمة، وحدائقِ الحيوانات والغابات والحدائق والمتنزهات وغيرها من أجل إيقاظ البصر، وتدريب العيون مبكرًا على تذوق إبداع اللوحات وابتكار الأشكال التعبيرية، والبهجة بجماليات الوجود، وما تحتفل فيه الطبيعةُ من مياه وأزهار وأشجار ونباتات وكائنات وأشياء مبهجة.

‏ لا تكترث التربيةُ في مجتمعنا بالأثر الحيوي البنّاء للذوق الفني والحاسة الجمالية في تفكير الإنسان وفهمه ورؤيته للعالَم ومشاعره ومواقفه وسلوكه، ولا تتنبّهُ لما يمكن أن تُسهم فيه من خفضِ وتيرة العنف في المجتمع بكلِّ تعبيراته. عندما لا تعبأ العائلةُ والمدرسةُ بتربية الذوق الفني وإثراءِ الحاسّة الجمالية للأبناء يدخل هذا الذوقُ والحاسةُ الجمالية حالةَ خمولٍ وسبات، وربما يُصابُ الإنسانُ ببلادة تذوقِ الفنون، والعجزِ ‏عن الشعور بجمال الألوان والصور والموسيقى والألحان والأصوات، ‏ويظهر أثرُ ذلك في نمطِ إدراك صورة الله، وكيفيةِ فهم الإنسان للدين، وطريقةِ قراءته لنصوصه، وفي ثقافة الإنسان، ورؤيته للعالَم، وعلاقاتِه الاجتماعية، وكلِّ شيء في حياته.

تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، وحضورُ الفنون السمعية والبصرية، ومشاهدةُ اللوحات الفنية وتأملُ تعبيراتها ورموزها وألوانها، تبعثُ الهدوءَ والانشراح، وتمتصّ شيئًا من التوتر العصبي والسأم والضجر من مَلَلِ وإنهاكِ الأعمال اليومية ورتابتها وإرهاقها، وتقلّل من آلام مباغتات الحياة الموجعة. تربيةُ الذوق الفني وتنميتُه تعزّزُ الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع، وتُخَفِّض كثيرًا من الحزن والاكتئاب والغضب والحقد والضغينة والعنف والجريمة، وتكرّسُ السلمَ المجتمعي، وترسخ السلامَ العالمَي. تربيةُ الذوق الفني أخصبُ أرضيةٍ لاستنبات الحُبّ وتغذيته وتكريسه. المجتمعُ الذي يتجاهلُ تربيةَ الذوق الفني، ويفشل في تهذيبه، يفشل في بناء حضارةٍ حيّة، تتناغم وإيقاعَ العصر، وتستجيب لاحتياجات الإنسان المادية ولمتطلبات حياته المعنوية.

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا، الحُبّ مرآةُ الجمال، الجمالُ مرآةُ الحُبّ. لا حُبَّ ما لم يتجلَّ المحبوبُ جميلًا. عندما يلتقي الانسانُ جمالَ المحبوب كأنه يلتقي نفسَه، لأنه يرى كلَّ ما يتمناه لصورته فيه. الحُبّ مصدر الوعي الجمالي في حياة الكائن البشري، وهو ما يصيّر كلَّ شيءٍ في الوجود جميلًا. الحُبّ يلوّن الحياةَ بأبهى معانيها، ويكشف للإنسان أجملَ صورها المكتنزة. الحُبّ يضيء الحياة، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري فيها. حين ينبض قلبُ الإنسان بالحُبّ يرى كلَّ شيءٍ كأنه مخلوقٌ من جمال.

عندما يتغذّى الحُبّ من الجمال ويغذّيه يكون أحدَ أثرى منابع الأمل والتفاؤل والثقة بالغد، الثقةُ بالغد ضرورةٌ لتواصل إنتاج الحياة لأجمل معانيها. ما أجمل القلب الذي يغتسل بالحبّ صباح كلِّ يوم، ‏ليس هناك مطهّرٌ ساحر كالحب.كلّما اشتدَّ الحُبّ اشتدّت رغبةُ الإنسان بالحياة، الحُبّ يساعد الإنسانَ في التغلّب على قلقِ الموتِ، الحُبّ يمكن أن يكون إكسيرًا للحياة، يموت الإنسانُ داخلَ الإنسان لحظةَ يموت الحُبّ في الأرض. الحُبّ يضيء الحياةَ بمعناها الأجمل، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري وغربتَه فيها. الظمأ البشري للمحبّة حاجةٌ لا تتوقف ولا تنتهي، لحظةَ يفتقر الكائنُ البشري الحُبّ تفتقر حياتُه معناها الآسِر، فقدان الحُبّ في حياة إنسانٍ عاطفيّ مُرهَف الحسّ يقوده للحزن والتشاؤم والاكتئاب، وأحيانًا يكون أحدَ أسباب الانتحار.

تذوقُ جمال العالَم أحدُ أثرى عناصر إلهامِ أمل وتفاؤل الإنسان، وتحريرِه من اغترابه الوجودي، وإثراءِ قدرته على التفاعل الإيجابي الخلّاق مع كلّ ما حوله. الإنسانُ الذي يرى العالَم جميلًا ينخفض شعورُه بالغربة. مَنْ يتذوقُ جمالَ العالَم يعيش سلامًا للروح، وكلُّ من يعيش سلامًا للروح يحيا الخلقُ بجواره في سلام. يتحدث ابنُ عربي عن الصلةِ العضوية بين الجمال والحُبّ بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال، كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالَم… فأوجد اللهُ العالَم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسَه في غيره، فخلقَ العالَم على صورة جماله، ونظرَ إليه فأحبّه حُبَّ مَنْ قيَّدَهُ النظر، ثم جعل عزّ وجل في الجمال المطلق السّاري في العالم جمالًا عرضيًّا مقيدًا، يفضل آحاد العالَم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”[1].

حاجة الإنسان للجمال أساسية

حاجةُ الطبيعة الإنسانية لتذوق الفنون البصرية والسمعية في العالم حاجةٌ أساسية كحاجة الإنسان للحبّ. لا يمكن أن يخلقَ اللهُ في الطبيعة الإنسانية حاجةً أساسية ويُحرِّم على الإنسان إشباعَها، وذلك ما تشير إليه الآيةُ: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[2]. لا يمكن أن يستغني الإنسانُ عن الجمالِ، حاجةُ الإنسان لمتعةِ تذوق تجليات الجمال في الوجود رافدٌ يعزّز السلامةَ النفسيةَ والسكينة الروحية. تذوقُ الجمال انكشافٌ متبادَل، ففي الوقت الذي ينكشفُ للإنسان فيه جمالُ الوجود، ينكشف له جمالُ ذاته، بمعنى أنه مثلما ينكشف فيه المُشاهَد بشكل مُضِيء، يتحقّق فيه المُشاهِد بشكل مُضِيء أيضًا. حين يبتهج الإنسانُ بتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود يتكامل بمرتبةٍ أسمى. وقتئذٍ يكونُ الشعورُ الجمالي تعبيرًا عن الشعور الديني، والشعورُ الديني تعبيرًا عن الشعور الجمالي.

مشاهدةُ القلوب لتجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود تصيّر كلَّ شيء مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال، وتتذوق في كلِّ شيء جمالًا يشاكله. يتسعُ في فضاء مشاهدة القلوب الأُفقُ الروحي للجمال ليكون أُفقًا كونيًّا مشتركًا، لا تضيقُ فيه مضائقُ المكان والزمان. الأفقُ الروحي للجمال يكفلُ حمايةَ الإنسان من الاغتراب الوجودي، وتكريسَ سكينة الروح وطمأنينة القلب.

شحةُ الجماليات في أعمالنا، وطغيانُ الفنون المبتذلة، واضمحلالُ الأبعاد الجمالية في البناء والعمارة والسينما والمسرح ووسائل الإعلام والدعاية والإعلان وكلِّ شيء، تجعل الإنسانَ ينفرُ من الحياة ويشعرُ بالغربة والاختناق. يكتئبُ الإنسانُ عندما يرى العالَمَ مشوّهًا قبيحًا مظلمًا، لا يبوحُ بأي معنىً جميل يفيضُ على قلبه الطمأنينةَ، وعلى روحه السكينةَ. تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، تخفضُ الاكتئابَ والسأم والضجر والحزن، وتعزّز الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع.

إن كان الإنسانُ يعيشُ في ‏مجتمعٍ لا يكترث بالجمال، ويطغى فيه صوتُ الكراهية والعنف، يتبلّد ذوقُه الفني، وتتعطل حواسُّه الخاصة بتذوق الألوان والأصوات والألحان. تذوقُ الجمال يحتاج تربيةَ الذوق الفنيّ منذ الطفولة، ولابد أن تتواصلَ هذه التربيةُ كلَّ حياة الإنسان. تربيةُ الذوق الفني ذاتُ صلةٍ مباشرة بالرؤية الجمالية للعالَم، ونمطِ تمثّلها في اللاشعور الفردي والجمعي. تنعكس رؤيةُ العالَم على صلة الإنسان بما حوله من: بشر، وكائنات حيّة، وأشياء، كما تنعكس على نمطِ صلته بالله. تربيةُ الذوق الفني تدخل عنصرًا أساسيًّا في إنتاج رؤيةٍ مضيئة للعالَم. الرؤيةُ المضيئةُ للعالَم تعيد إنتاجَ الذوق الفني مثلما يعيد الذوقُ الفني إنتاجَها.

إن كانت بصيرةُ الإنسان حاذقةً، وذوقُه الفني صافيًا، وحاسّتُه الجماليةُ مضيئةً، تصبح رؤيتُه للعالَم مضيئة، يرى هذا الإنسانُ صورةَ الله مشرقةً، ويكتشف تجلياتِ جماله. يستطيع مَنْ يمتلك رؤيةً مضيئةً للعالَم أن يسهمَ في تشكيل صورٍ مضيئة للأشياء، إذ يمكنه أن يعيد بناءَ كلِّ شيء في الأرض بشكلٍ يكشف لنا عن جماله، يقول غوته: “يمكنك أن تصنعَ الجمالَ حتى من الحجارة التي توضع لك عثرةً في الطريق”.

مَنْ ورّطته الأيامُ وفرضت عليه ظروفُ حياته صلةً بكائنٍ بشري يعجز عن رؤية ما هو جميل في العالَم، ولا يرى شيئًا إلا ويحاول أن يرسمَ له صورةً قبيحة، ولا تتحسّسُ مشاعرُه الفنونَ السمعية والبصرية، ولا يتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود، عليه الهروبُ منه، لئلا تتسمم روحُه، ويلبث حزينًا يبكي قلبُه كلَّ يوم.

إنتاج المعنى الجمالي أحد الأهداف المحورية للدين

  لما كان الدينُ: “حياةً في أُفق المعنى تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” حسب التعريف الذي نقترحه، يكونُ إنتاجُ المعنى الجمالي أحدَ الأهداف المحورية للدين. وفي ضوء هذا الفهم يفرض الدينُ على أتباعه الإسهامَ في رسمِ صورةٍ أجمل للعالَم، والكفُّ عن الإسهام في رسم هذه الصورة لا يعدّ موقفًا إيمانيًّا أصيلًا. التعبيرُ الجمالي عن الدين ضرورةٌ، بوصفه ضمانةً لإحياءِ رسالة الدين الحيَة المُلهمة لمعاني الخير والمحبة والسلام والتراحم في كلِّ عصر، ويكون هذا التعبيرُ أشدَّ ضرورة عندما يتفشّى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي، لا يختزل الجمالَ بجمالِ الروح فقط، ولا يتجاهلُ حاجةَ الإنسان للاستمتاعِ بالجمال الحسّي. الجمالُ ماثلٌ في خلقِ الإنسان والطبيعة والكائنات المتنوعة فيها، إذ تشيرُ آياتٌ عديدة إلى كيفيةِ خلق الله للإنسان بأجمل صورة، مثل: “لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”[3]، “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ”[4]، وتأمر آيةٌ أخرى بأخذِ الزينة: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”[5]، وتتحدث آياتٌ عن جمالِ السماء وما فيها والأرض وما عليها: “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ”[6]، “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً”[7]، وتشير آياتٌ إلى جمال الحيوانات: “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً”[8]. وتكشف الآيةُ: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”[9]، عن سعادةِ الإنسان بوجودِ الأموال والبنون. ومثلما يتحدثُ القرآنُ عن الجمالِ الحسّي يتحدثُ أيضًا عن نوعٍ فريد يلامسُ الروحَ من تجليات الجمال: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”[10]، تتحدث الآيةُ عن جمالٍ يضيء روحَ الإنسان، جمالٍ يجعل الإنسانَ الذي كان معتمًا ميتًا تنبعث فيه حياةٌ من النوعِ الذي يجعله مضيئًا، فبعد أن تشرقَ الأنوارُ الإلهية على روحِ هذا الإنسان يمشي بين الناس وكأنه شلّالٌ من نور. ومن أجملِ ما يرسمه القرآنُ من المشاهد المبهِرة للجمالِ ما جاء في آيةِ النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ”[11].

الموقفُ الديني الذي يصرّ على إدانة الفن والجمال، ويزدري كلَّ أشكال الحُبّ والفرح والمسرات، يعملُ من حيث لا يدري على تضييق أفق المعنى الذي يلهمه الدين للحياة، وتجفيفِ منابع إيقاظ المشاعر والعواطف الإنسانية الدافئة. لا ينقذنا من التديّن المتشدّد إلا حضورٌ فاعلٌ للفنون بتعبيراتها البصرية والسمعية، وتديّنٌ يتكلمُ لغةَ المحبة، وحياةٌ روحية تسهم في إثرائها الفنونُ، وتضيؤها الرؤيةُ الجمالية للعالَم. ينبّهُ أبو حامد الغزالي إلى أن الأطفالَ لحظةَ يبكون وتُنشِدُ أمهاتُهم كلماتٍ ملحّنةً بنغمة صوت عذب، سرعان ما تجدهم ينشرحون ويبتهجون. ذلك مؤشرٌ على احتياج الإنسان الأساسي للفنون البصرية والسمعية، خاصةً وأن شخصيةَ الأطفال مبرأةٌ من الترويض على التقاليد والأعراف والعادات المتشددة، وبوصفهم مازالوا لم يخضعوا لتدجين قيم المجتمع وتقاليده ومعتقداته وثقافته، وهم الأكثرُ تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية واحتياجاتها الأساسية العميقة. يكتب أبو حامد الغزالي: “لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرًا عجيبًا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن، ومنها ما ينوّم، ومنها ما يضحك ويطرب، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار، حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده، فإنه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة”[12].

‏ مادامت الحاجةُ للفنون السمعية والبصرية وتذوق الجمال من الحاجات الأساسية لحياة الإنسان، فإن عدمَ إشباع أية حاجة أساسية يؤدي إلى تراكم الكبت والحرمان الذي يغذّي مخزونَ العنف، ويمكن أن يتفجّرَ في أي انفعالٍ ‏بعنفٍ لفظي، وأحيانًا جسدي، مضافًا إلى تراكم مخزون العنف الرمزي، وتفشي عنف لغة الجسد في المجتمع. تحريمُ كلِّ أشكال الفنون السمعية والبصرية يؤسّس، من حيث لا يدري، أرضيةَ التشدّد الديني والتطرّف والعنف.

لا تعني الدعوةُ لبناء الرؤية الجمالية والتربية على تذوق الفنون السمعية والبصرية اختزال كل ذلك بالفضاء الحسي للجسد، ونفي جمال كلِّ شيء خارج حدوده.‏‏ الجسدُ مكونٌ أساسي في كيان الإنسان، غير أن وجودَ الإنسانِ أوسعُ وأكثفُ وأغنى وأعمق من حدود الجسد الضيقة. عندما يختزل الفنُ والجمال والبهجة بالجسد، فهذا موقفٌ ‏ينتهي إلى عبادةِ الجسد، وإلغاءِ كلّ شيء غيره، والعجزِ عن تذوق تجليات الجمال خارج الفضاء الحسي للجسد. عبادةُ الجسد تفضي إلى تدميرِ القيم، وانهيارِ العائلة وتمزّقِ نسيج المجتمع. انهيارُ العائلة يورثُ غيابَ الشعور بالحماية والأمان في الحياة.

الرؤيةُ الجمالية تعكسُ الوجهَ المضيء للحضارة

‏ الرؤيةُ الجمالية تعكسُ وجهَ الحضارة المضيء، وهي أحدُ أهم مفاتيح دراسة الحضارة والتعرّف على مستوى تطورها، وتجلي ‏النزعةِ الإنسانية فيها. الرؤيةُ الجمالية من الروافدِ المُلهمةِ لبناء الحضارة، ومن عواملِ ترسيخِ وجودِها وتراكم ثرواتها. تفتقدُ الحضارةُ هويتَها الإنسانية المبدعة الخلّاقة حين تفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم، ويتبلّدُ لدى إنسانِها الذوقُ الفني. تنمو الحضاراتُ وتُراكم منجزَها وتتسع بنموِّ وغزارةِ وتطور الفنون واتساعِ الرؤية الجمالية للعالَم، تفتقرُ الحضاراتُ وتضمحلّ بنضوب منابع إلهام الفنون وضيق الرؤية الجمالية للعالَم.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن التربية والتعليم لا يهتمون بالصلة العضوية بين التربية والتعليم والجمال، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفلسفة لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء العقل الفلسفي، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفكر لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء التفكير المبدع الخلّاق. أصحاب المشاريع الفكرية الذين انشغلوا بالكشف عن عواملِ الانحطاط وبواعثِ النهوض عند العرب، منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، لا يتنبهون للأثر الأساسي لتربيةِ الذوق الفني وإيقاظِ الحاسة الجمالية في النهضة والبناء والتنمية.كلّما زاد الوعيُ الفني ونضجت الحاسةُ الجمالية كلّما ازدادت قدرةُ الإنسان على بناءِ رؤيةٍ مضيئة للعالَم، وازدادت قدرتُه على جعل محيط عيشه على الأرض أرحب.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن الدين لا يهتمون بالصلة العضوية بين الدين والجمال. لم يهتم أكثرُ المصلحين والمجدّدين في عالَم الاسلام الحديثِ ببناءِ رؤيةٍ جمالية للعالَم تتكشف فيها الأبعادُ الجمالية للنصوص الدينية وما يكتنزه تراثُ العرفاء من رؤىً لتجليات الجمال الإلهي، ولم يهتموا بإيقاظ الأبعاد الجمالية في الدين. مَنْ ينشدُ إعادةَ فهم الدين في ضوء متطلبات العصر، عليه إعادةُ الاعتبار للجمال بوصفه قيمةً محوريةً لرسالة الدين، والبحثُ عن كلِّ ما من شأنه الكشفُ عنه في النصوص الدينية، وتفسيرُ هذه النصوص في سياق الحاجة الراهنة لبناءِ وترسيخِ الرؤية الجمالية للمسلم وتربيةِ ذوقه الفني.كلُّ إنسانٍ يفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم ويفتقرُ للذوقِ الفنيّ تشتدُّ عزلتُه عن العالَم، لأنه لا يرى في العالَم ما يألفه ويبهج قلبَه، وأحيانًا يراه قبيحًا ولا يجد وشيجةً تربطه بما حوله.

 

 

[1] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص269.

[2] الأعراف، 32.

[3] التين، 4.

[4] الانفطار، 6 – 8.

[5] الأعراف، 31.

[6] الصافات، 6.

[7] الكهف، 7.

[8] النحل، 8.

[9] الكهف، 46.

[10] الأنعام، 122.

[11] النور، 35.

[12] أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب آداب السماع والوجد، ج2: ص75. المكتبة الشاملة الحديثة على الإنترنت.

 

رابط النشر: