يتسع القلب للرحمة كلما اتسع بالمحبّة

د. عبد الجبار الرفاعي

لا تستقل المحبّة غير المشروطة عن الرحمة، الأكثر محبّة أكثر رحمةً وحنانًا، يتسع القلب للرحمة بقدر ما تضيؤه المحبّة.كلما اتسع القلب بالحُبّ اتسع فيه فضاء الرحمة، وصار القلب منبعا غزيرًا للحنان والعطف والرفق والشفقة. أنا شخصيًا، مع كل هذا العمر وكلّ الثقة التي أستمدها من المحبين، ما زلت أحتاج إلى الرفق والرأفة والعطف والشفقة والرحمة، بمعانيها الأخلاقية العميقة. أدرك جيدًا شيئًا من عجزي وأعي مواطن هشاشتي وفقري واغترابي الوجودي. أرفض الشفقة لحظة تأتي بمعنى العطف الاستعلائي، الشفقة عندما تصدر من موقع علوّ تصير غطرسة بلهاء، تمحق أثرها المنشود لعزاء الروح ومداواة جروحها، ويتعطل أثرها كبلسم، ولا يتذوق الإنسان فيها العطفَ والرأفةَ والحنانَ الذي ينشده. الإنسان في لحظات الأسى يحتاج إلى المواساة والعطف والشفقة أكثر من أيّ شيء آخر، لتكون سندًا يعيد إليه شيئًا من التحمل والأمل والسكينة.

الرحمةُ حالةٌ، الشفقةُ حالةٌ، المحبّة حالةٌ،كلُّ حالةٍ أمر وجودي يتجسّد في موقفٍ وفعلٍ يعبّر عنه. مكافأة الرحمة غير المشروطة التحقّق بالرحمة، مكافأةُ الشفقة غير المشروطة التحقّق بالشفقة، ومكافأة المحبّة غير المشروطة التحقّق بالمحبّة، ذلك ما يسمو بالإنسان ويرتقي به إلى مقام أخلاقي نبيل.

عندما تموتُ الرحمةُ في القلب، تموت إنسانية الإنسان. الرحمةُ هي الأصل لكلِّ حالات تسامي الروح وإشراقها، فهي ما يمنح الحياة بُعدها الأخلاقي السامي. للحُبّ صلة عضوية بالرحمة، الحُبّ يؤثر ويتأثر بالرحمة، والرحمة تؤثر وتتأثر بالحُبّ. الحُبّ يتجذر بالرحمة، والرحمة تتجذر بالحُبّ،كلاهما يعزّز الآخر ويثريه في سياق التكامل الإنساني. ومع ذلك، لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشرّ الكامن داخل الإنسان.

المحبّة والرحمة ليستا بديلًا عن القانون العادل في بناء أية جماعة بشرية أو تأسيس أي دولة. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدح والتنافس والصراع. القانون العادل وتطبيقه على الكلِّ بلا تمييز يمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية مزمنة. القانون العادل هو الإطار الذي يُحكم به التنافس والنزاع واحتواء الصراعات المختلفة والخلاص من آثارها الموجعة في تصدع الأمن والسلام. تضيف المحبّة والرحمة بعدًا إنسانيًا يعمّق الروابط ويحدّ من القسوة والعنف، فتتكامل صورة الحياة الجيدة.

الحُبّ كيمياءٌ تصهرُ عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفةً كأنها إكسيرٌ يحوّل كلَّ شيء داخل الإنسان إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمةُ عندما تنطقها لغةُ القلب المشفِقة، الرحمةُ تعيدُ ترميمَ كلِّ شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. الحنانُ والرحمة والشفقة والحُبّ شجرة واحدة، على الرغم من أن جذر هذه الشجرة المحبّة غير المشروطة، إلا أن كلَّ واحدة منها تعيد إنتاج الأخرى على شاكلتها وتسقيها وتغذّيها.

الحنان شحيحٌ في مجتمعنا، نادرًا ما تجد إنسانا يفيض الحنانَ على من حوله، للحنان سلطة خفيّة تأسر القلوب، وتعيد خلق العلاقات الإنسانية بأجمل صورها، وتحميها من التصدّع والانهيار. الحنان ترياق مدهش تخضع له القلوب طوعا، وإن كانت قاسية. لغة الحنان صوت الله في روح الإنسان. بصمة كلمات الحنان ضوءٌ لا يموتُ لو تشبع فيه قلب إنسان، وهذا ما يخلّد كلمات الأبوين والأم خاصة في قلوب الأبناء، مهما كانت عفوية، كلُّ كلمة معطرة بالحنان لن تموت. ما يمكثُ في القلبِ، مهما امتدَّ عمرُ الإنسانِ، وأعذبُ ما يرثُهُ الأبناءُ من الأمهاتِ والآباءِ، هو كلماتُ ومواقفُ ومبادراتُ الحَنانِ الدافئةِ. تظهرُ طاقةُ الحَنانِ في عبورِهِ من جيلٍ إلى آخرَ داخلَ العائلةِ الواحدةِ، إذا كانَ حاضراً بكثافةٍ في حياةِ هذه العائلةِ، ويتربى عليهِ الإنسانُ منذ طفولتِه. قوة أثر كلمات الأنبياء وذوي الحياة الروحية الطاهرة تكمن في أن كلماتهم تذهب للقلب قبل العقل، ما يمنحها قدرة استثنائية على تغيير الإنسان وإيقاظ ضميره وعواطفه. ذوي الحياة الروحية الطاهرة يدركون جيدًا ديناميكية التغيير بلا كراهية وإكراه، فيتلقى تلامذتُهم ومَن يتعلمون على أيديهم الكلمات بمحبّة كقناعات راسخة، خلافًا لما يفعله غيرهم كالأيديولوجيين والزعماء السياسيين الذين يفرضون أوامرهم على غيرهم.

الحياة شبكة من المصالح المتبادلة، وهذه المصالح أوسع من أن تُختزل في الجانب المادي فقط، فهي تشمل الجوانب المعنوية أيضًا. عاصرتُ أناسًا متغطرسين لا يطيقون التعامل إلا مع من يدور في فلكهم، ولا يتوقف عن التصفيق لهم. هؤلاء يحترفون الذم والهجاء والشتيمة، حتى أنهم لو لم يجدوا شخصًا يستهدفونه، لجأوا إلى شتم أنفسهم. تفوّق هذه الشخصيات الشوهاء الوحيد يكمن في تضييع الأصدقاء وصناعة الأعداء. يعيشون وكأن الله خلق البشر عبيدًا لهم، يسعون للحصول على كلِّ شيء من الناس، دون أن يكونوا مستعدين لتقديم أي شيء في المقابل.

هناك فرق كبير بين التعامل الاجتماعي مع الإنسان وفهم سلوكه وتناقضاته بعمق. فهم الإنسان يتطلب النظر إليه من خلال عدسة علم النفس، والتربية، وعلم الاجتماع، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. هذا الفهم يُمكّننا من تفسير دوافعه وسلوكياته بعيدًا عن السطحية. أما التعامل الاجتماعي مع الإنسان، فيجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، حتى لو كان الشخص الذي نتعامل معه لا يلتزم بهذه المعايير. إذا كان كاذبًا، فكن أنت الصادق. إذا كان خائنًا، فكن أنت الأمين. إذا كان مراوغًا، فكن أنت المستقيم. وإذا كان مدلسًا، فكن أنت الواضح. صحيح أن التعامل بالحسنى مع بعض الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية أو أخلاقية حادة قد يبدو أمرًا شاقًا، وأحيانًا لا يُطاق، وقد جربت ذلك مرارًا، مع ذلك، يفرض علينا الضمير الأخلاقي أن نعاملهم بالحسنى، ما دامت العلاقة ممكنة. ولكن عندما نصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها تحمل هذه العلاقة، يكون من الضروري الابتعاد عن هذه الشخصيات المريضة والسامة حفاظًا على سلامتنا النفسية والأخلاقية.

لا أقبل ما يقال عن ضرورة محبّة الأعداء، ولا إعلان كراهيتهم والانشغال بهم. لا أدعو لما هو غير واقعي في كتاباتي، أتحدث على وفق ما تطيقه الطبيعة الإنسانية. محبّة الأعداء أوهام غير واقعية، المحبّة حالة وجودية لا يمكن إكراه القلب عليها، يمكن ترويض القلب على التحرّر من كابوس الكراهية. الممكن هو كراهية أفعالهم ومواقفهم، والتعامل برفق ولطف ومداراة معهم ما أمكن ذلك. ما هو غير واقعي في المحبّة ربما هو متعذّر في غيرها، يمكن أن يكون غير الواقعي في غير المحبّة ممكنًا في بعض حالاتها النادرة، أحيانًا يحدث ذلك لشخصيات استثنائية نادرة من ذوي التجارب الروحية من عشّاق الحقّ تعالى ومخلوقاته ومحبّتهم مهما كانوا. متاعب الحياة أكبر من طاقتنا على تحملها، المحبّة والإيمان تجعلنا أقدر على تحمل هذه المتاعب مهما كانت. الاستثمار في المحبّة ضرورة لحماية الصحة النفسية للفرد والمجتمع، يمكننا التحلي بالمحبّة إن وجدنا مَن يتقبلها ويتفاعل معها بصدق. نبّهت إلى ضرورة تجفيف منابع العلاقات الاجتماعية السامّة مع الناس الذين نكرّر التعامل بالحسني معهم مرات عديدة، لكنهم يلبثون يكرّرون مواقفَهم الشريرة، كلما أحسنا إليهم أساءوا إلينا.

 

الفلسفة الدينية عند عبد الجبار الرفاعي

ناجي الغزي[1]

سبعينية المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي هي مناسبة مهمة لإعادة قراءة معالم فلسفته الدينية وفهم أبعادها العميقة وتأثيرها على الفكر الإسلامي المعاصر. تُعد فلسفة الرفاعي الدينية غنية بالتأملات الفكرية والنقدية التي تستحق الوقوف عندها وتحليلها بعناية. عند بلوغه هذا العمر الذي يعتبر ذروة النضج الفكري والعطاء العلمي. وهذا العمر يمثل لحظة تأمل في أثر رسالته الفكرية والفلسفية على الناس والتاريخ، وشهادة على مسيرته الغنية بالتجارب والأفكار والنقاشات الفلسفية والدينية. تمتد مسيرته الفكرية الى عقود طويلة، اتسمت بالتحولات والتجديدات المستمرة، كما  تظهر عمق تجاربه وتنوع أفكاره.

يدعو الرفاعي إلى إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والشريعة، وفهم نصوص الدين في سياق متطلبات العصر الحديث. ويجب أن يكون الدين وسيلة لتحقيق احتياجات الإنسان الروحية والأخلاقية والجمالية، وأن يوفر له السكينة والطمأنينة. كما يعتبر أن الدين يجب أن يكون حياة في أفق المعنى، تلبي حاجة الإنسان لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والمجتمعية. كما يؤكد الرفاعي في تعريفه للدين على أثر الدين الروحي والأخلاقي والجمالي في بناء الفرد، يشدد على أثره في بناء المجتمع أيضا.

التصوف الفلسفي غير التصوف الطرقي:

يشكل التصوف الفلسفي جزءاً مهماً من التراث الإسلامي، وهو موضوع يحمل في طياته معاني ميتافيزيقية وروحية وأخلاقية وجمالية عميقة. الدكتور الرفاعي يعيد إحياء هذا الجانب التراثي، ليس عبر التقليد الأعمى، بل من خلال دراسة نقدية تفتح آفاقاً جديدة للتفكير والفهم. في هذا السياق، يعبر الرفاعي عن ضرورة التعاطي النقدي مع التصوف، مما يعكس رؤية شمولية ومتوازنة تجمع بين الاحترام للتراث والابتكار في طرق التعامل معه.

يرى الرفاعي أن التصوف الفلسفي يمثل منجمًا ثمينًا يمكن استخلاص الكثير من الجواهر منه، ولكنه يتطلب مكتشفاً بارعاً قادراً على الغوص في أعماق النصوص الصوفية واستخراج ما يزخر بها من معاني وقيم. هذا الاكتشاف لا يمكن أن يكون سطحياً، بل يجب أن يتعمق في التحليل والنقد لفهم الجوانب المختلفة للتصوف وتطبيقها على السياقات الحديثة.

ورغم تأكيده على أهمية إحياء التصوف الفلسفي، يحذر الرفاعي من الانغلاق في مداراته الضيقة، ويشدد على أهمية استخدام أدوات نقدية تُثري وجود هذا التراث. من خلال هذا الموقف، يُظهر الرفاعي توجهاً نقدياً حراً يجمع بين احترام التراث والتجديد الفكري، مما يمنحه القدرة على انتقاء ما يناسب العصر الحالي دون أن يكون أسيراً لأي اتجاه فكري محدد.

كما ينتقد الرفاعي التصوف الذي يغرق في ممارسات متطرفة من الزهد والتقشف. ويرى أن التصوف يجب أن يكون أداة لفتح الأفق الروحي والفكري، وليس لإغلاقه. يرى الرفاعي في نقده للتصوف الطرقي: “أكثر أنماط التربية الروحية في التصوّف تتنكّرُ للطبيعة الإنسانية، فتسرف في ترويضِ الجسد، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، وممارسةِ بعض التمارين القاسية العنيفة لترويض الإنسان.

هذه الأساليبُ من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلب الطرق الصوفية. لا يطيقُ الإنسانُ التقشفَ الشديد والتنازلَ عن معظم الاحتياجات الأساسية للجسد، ولا يتحمل الإكراهَ القسري لطبيعته على ما لا تُطيقُه. التنكرُ لهذه الاحتياجات أحدُ منزلقات التربية لدى كثيرٍ من المتصوّفة والرهبان في كلِّ الأديان، وقد كانت ومازالت سبباً لانشطار شخصية بعض هؤلاء واضطراب سلوكهم. الارتياضُ العنيف الذي يتنكر لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية، طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وأحيانًا أنتج أمراضًا نفسية وأخلاقية مزمنة”.

التصوف بالنسبة للرفاعي سلاح ذو حدين، يتطلب من الباحث التعامل معه بيقظة ونقد، فهو مجموعة من الاجتهادات البشرية التي يجب النظر إليها بعين الفحص والتمحيص، دون تقديس مفرط. يمثل تحليل الرفاعي للتصوف الفلسفي دعوةً لإعادة اكتشاف التراث الصوفي بمنهجية نقدية واعية. من خلال هذا النهج، يتمكن الباحث من استخراج القيم الروحية والأخلاقية والجمالية التي يمكن أن تُثري الفكر المعاصر.

إن رؤية الرفاعي تعكس التوازن بين احترام التراث والانفتاح على النقد والتجديد، مما يتيح مجالاً أوسع لفهم التصوف وتطبيقه في حياتنا اليوم. يقول الرفاعي: “تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالَمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوال ذلك العصر ومختلفُ ملابساته وشجونه. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي”.

اكتشاف الطريق إلى الله

يتناول هذا النص موضوعاً عميقاً ومعقداً للرفاعي وهو محاولة الوصول إلى فهم شخصي وحقيقي لله بعيداً عن التفسيرات التقليدية والجماعية. يتضح من النص أن هذه الرحلة ليست سهلة أو مباشرة، بل هي مليئة بالتحديات والتناقضات. وهي رحلة فكرية وروحية للرفاعي في البحث عن الإله، والتي تمر عبر مراحل متعددة من محاولات الفهم والتفسير ضمن المذاهب الإسلامية المختلفة.

يصف الرفاعي محاولة البحث عن الله في (مدونات الكلام والفرق) ويجد الإله عقلانياً جافاً، مفرقاً بين الفرق المتناحرة. هذا الإله الجامد لا يستهوي الرفاعي، لأنه يفتقر إلى الحميمية والروحانية التي يبحث عنها. ينتهي برفض هذا الإله لأنه لا يحب الجمود.

وتظهر محاولته الثانية في (مدونات الفقه) حيث يتجلى الإله كسلطة متسلطة على حياة الناس. هذا الإله يبدو مستبداً، ويثير نفور الكاتب الذي يرفض التسلط والتحكم في حياة البشر، ويرى أن هذه الصورة للإله لا تتوافق مع رؤيته للرحمة والحرية.

أما في (التصوف الطرقي)، فيجد الرفاعي أن السالكين يتبعون تقاليد وممارسات ومسارات مفروضة عليهم ويخضعون لعبودية شيخهم. هذا النوع من التصوف يبدو خرافياً يصادر حرية المريد ويستعبده، مما دفعه إلى رفضه. الرفاعي يسعى للحرية في التجربة الروحية بعيداً عن الخرافة والقيود المفروضة.

ويجد الرفاعي في أدبيات (الإسلام السياسي) إلهاً متعطشاً للسلطة والاستبداد، مما يذكره بالملوك الذين يفسدون البلاد عند دخولهم. هذا التصور للإله يعزز من رفضه لأي ارتباط بين الدين والسياسة الاستبدادية.

مفهوم الرحمة والإله الرحماني

بعد هذه المحاولات المتعددة، يصل الرفاعي إلى أن الله لا يمكن أن يوجد في المدونات أو الفهم الجماعي، بل هو تجربة شخصية وروحية عميقة داخل الروح. ويجد الله في ذاته، ويدرك أن الطريق إليه يمر عبر التجربة الروحية الذاتية والاتصال الشخصي بالإله. الرفاعي ليس طوباويا مثاليا، نجده يفكر بشكل واقعي، لذلك يرى ضرورة وجود عدالة بجوار الرحمة، فيقول: “لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليستْ بَدِيلًا عن العدالة في بناء أيّةِ جماعةٍ بشريَّة أو في بناءِ أيّة دولةٍ. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، ويفرضُ عيشُ الإنسان وتأمينُ متطلباته الحياتية عليه الكدحَ والتنافسَ والصِّراع، والعدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية. إن افتراضَ بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراضٌ غير واقعي، لأن مثلَ هذا المجتمع لا يمكن أن يتحققَ مادام الإنسانُ إنسانًا، لكن تظلّ الرحمةُ قيمةً إنسانيةً رفيعةً، تسمو بحياة الفردِ والجماعة”.

يعتبر الرفاعي أن الرحمة هي المفتاح الأساسي لفهم القرآن الكريم, يوضح أن القرآن يبرز الرحمة كمفهوم شامل ومهيمن على كل معانيه. ويستشهد بأن البسملة التي تفتتح بها كل سورة تدل على هيمنة الرحمة على مضمون السورة. كما يرى أن إعادة تعريف الدين يجب أن تكون مبنية على الرحمة، وأن هذا الفهم يمكن أن يعيد للإنسان دينه بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي.

يقول الرفاعي: (رأيتُ الرحمةَ تمثل مفتاحَ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن، فقد اتخذت الرحمةُ فضاءً واسعًا في القرآنِ الكريم لم تتخذه في الكتابِ المقدّس وغيرِه من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغٍ متنوّعة في القرآن تصرّح بشمولِها كلَّ شَيْءٍ وعدمِ خروجِ أي شَيْءٍ عنها، وهو ما تحدّثت به آياتٌ متعددةٌ، مثل: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» ، “كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» ، «فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»)، ويسرد الآيات التي تتحدث عن الرحمة، ويعالج التعارض بينها وبين الآيات التي تدعو للعنف في القرآن في ضوء منهجه في التفسير، ويمكن التعرف على مهجه التفسيري بوضوح في الفصل الأول من كتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، والفصل الرابع من كتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”.

[1]  كاتب وباحث سياسي عراقي.

 

https://alsabaah.iq/101973-.html

الإشعاع الإيماني في مشروع الرفاعي

تحية تقدير وعرفان لعبد الجبار الرفاعي في ذكرى ميلاده السبعين

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري

صدى صوتِ الألماني فريديريك شلايرماخر (1) Friedrich Schleiermacher (1768ـ1834) يتردَّدُ بين جنبات السلسلة الخماسية (2) للدكتور عبد الجبار الرفاعي، فلئنِ اعتمد الرفاعي في كتبه السَّبعة والأربعين القديمة على لغة المنطق والعلم والفلسفة يخاطب العقل، ويشيِّد الفكر، ويبني صروح علوم الأصول والفلسفات والمنطق… فلقد لجأ في كتبه الخمسة الأخيرة إلى لغة الحدس والشعور يخاطب القلب والوجدان والروح، مثلما خاطب شلايرماخر قلبَ ووجدانَ وروحَ النخبة الألمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في مؤلَّفه “عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين”، الذي أصدره مركز دراسات فلسفة بترجمة: أسامة الشحماني، عن النسخة الألمانية الأصلية المنشورة 1799 في عصر شلايرماخر.كانت لغة السلسلة الخماسية لغةً شاعرية بويطيقيةً poétique خالية من الحمولات الاصطلاحية والتَّعقيدات المفاهيمية، وأتتْ موضوعاتُها من راهن ما يعيش إنسانُ هذا العصر وظروفه المتشابكة المعقَّدة ممَّا لم تختبره المعرفة الدينية التاريخية… يحدثك فيها رجلُ الدين عن دين الحبِّ والتراحم، وعلاقات الحبِّ والتراحم، ولغة الحبِّ والتراحم، والتَّفكيرِ بالحبِّ، والتَّعامل بالحبِّ والتراحم، وإملاء وعاء النيَّة حبّاً: “الحب يضيء الحياة بمعناها الأجمل، ويبدِّد وَحشة الكائن البشري وغربتَه فيها. الظمأ البشري للحب حاجة لا تتوقف ولا تنتهي” (3)، و”الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانيَّة الدِّين. لا يؤتي الدينُ ثمارَه مالم يكن تجربةً إيمانية تنبضُ فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرغ من الرحمة يفتقدُ رسالته الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري”(4). هذا لعمري جديدٌ في لغة الدِّين، ولغة الفقهاء ومنهم الرفاعي، ومطارحات المتديِّنين، فلغتهم وأسلوبهم ومصطلحاتهم وطرائق عروضهم ترسَّبت عليها أثقال وأسمال موضوعات ومدوَّنات القرون الطويلة، لا تتبدَّل ولا تجد لها طريقاً إلى الحلحلة، وهذا الرفاعي يغرِّدُ في كتبه الخمسة الأخيرة خارج السَّرب بلغةٍ وأسلوب وطريقة عرضٍ جديدةٍ غير مألوفةٍ، تشدُّ انتباهك وتجذبُ لبَّك، فتقرأ ثم تقرأ ثمَّ تتماهى مع سمفونية أدائه.

يحدِّثُك من غيرِ كلَفٍ ولا تمحُّلٍ عن فضاءات الجمال والحب والفن الرحبة، وتتقاطع كلُّها عنده مع جوهر الدين، فالفنُّ “لغةُ الرُّوح قبل العقل، لغة القلب قبل الفكر” (5)، وعزيزٌ عليه ألاَّ يجد في مجتمعاتنا نصيبَها من تذوق الجمال أو الإحساس به: ” تذوقُ الجمال، حالةٌ وجوديةٌ كتذوق الحب والإيمان” (6)، وَيدلُّك على كيمياءٍ وجدانيةٍ للجمال الذي: “لا يجدُ ناطقاً بصوته، أجمل من لغة الفن” (7).

يُبْنَى الإشعاعُ الإيماني الإنساني في مشروع الرفاعي على دعائم ثلاثةٍ: تذوقِ جمالٍ، واستغراقٍ في حب، وتعبيرٍ بفنٍّ، ويُعْلِمُك أنَّ ضميرِه الديني قائمٌ على دعائم ثلاثة “إيمانٍ وأخلاقٍ وإنسانية” (8).

هجرة جبران خليل جبران من لبنان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وما قام به من عملٍ مزجي وتركيبي بين الثقافتين العربية والأنجلوسكسونية، كان وراء روائعه الأدبية والفنية، وهجرة عبد الجبار الرفاعي من العراق إلى إيران وما قام به من عملٍ مزجي بين الثقافتين العربية والإيرانية، مضيفاً إليها مَزْجَ مدوناتٍ تراثية (كلامية وفقهية وعرفانية)، ومدوَّناتٍ معاصرة (فلسفاتٍ وهرمنيوطيقا، وعلوم ألسنية ونفسٍ واجتماعٍ ومقاربات دلالية)، وخلاصاتِ مطالعاتٍ أدبية وعلمية وفكرية متنوعة…كان وراء تلك العصارة الفسيْفسائية التي تحْكي خريطة سيرِ الإنسان نحو تجانسه مع نفسه وإلهه وبني نوعه ومع محيطه الكوني، برؤية رفاعية، ولغة رفاعية، وطريقةِ عرضٍ رفاعية.

ربما قد تجدُ الأمرَ عادياً إذا ملأ عينَك مثقفٌ حداثيٌّ متميِّزٌ بكمِّ معلوماته ودقَّة تشخيصه وعمق تحليله وتنويع وسائله، أمَا وأنْ يُجِيدَ رجلُ الدِّين هذه التَّوليفةَ، وأن تكون هذه زاوية نظره، فنحنُ أمام عهدٍ جديدٍ من رجال الله الدَالِّين على الله بغيرِ لغة التراث، ومدوَنة الفقهاء العتيقة.

افتقرتِ السَّاحة الثقافية العربية على شساعتها وتنوعها، إلى المواضيع التي تناولها الرفاعي في سلسلته الخماسية، من مثل الرؤية الأنطولوجية للدين التي يقول عنها: “الكتاباتُ العربيةُ التي تدرس الدين في بعده الأنطولوجي شحيحةٌ” (9).

يسعى الرفاعي إلى أن تكون غايةُ مشروعه: “تحقيقَ السعادة” للإنسان، وتكمنُ سعادة الإنسان في شعوره بأنَّه محبوبٌ لذاته، وأغلبُ ما يكون شقاءُ الإنسان نابعاً من الإنسان، لا عن تعمُّدٍ بل عن غفلةٍ وأحياناً عن قلَّة ذوقٍ، فتتوتَّر العلاقات وتتشنَّج وتتصلَّبُ بلا سببٍ وجيه، لذا يحدثك الرفاعي ويستثمر في مثل هذه الحال في “الذكاء العاطفي”، يراه عقلاً ذكيّاً في إدارة العلاقات، بما لا يُزعج الآخر، وـ يعلِّمك ـ إتقان الكلمات الدَّافئة، والمواقف الأخلاقية في التعامل مع الناس (10)، ويُصحح الرفاعي بالذكاء العاطفي حقيقة الإنسان العاطفي الذي هو ليس بالضَّرورة الذَّكيُّ العاطفي، فقدْ يكونُ العاطفي فجّاً سليطَ اللسان (11)، بخلاف الذكيِّ العاطفي الذي له اللَّباقةُ العفويَّةُ، والكلمةُ البلْسمُ… يحدِّثُك عن هذا عبد الجبار الرفاعي رجلُ الدين، أو المثقفُ الديني كما يرتئي أن يسمِّيه، يحدثك بسلاسةٍ وتمكُّنٍ كأحدِ الاختصاصيين النَّفسانيين ثمَّ في نفس الوقت يحدثك كأحد رجال القانون، فهو وإنْ أطلق العنان لتنمية المشاعر والعواطف وتشذيبِها عبر الذكاء العاطفي، فإنَّه أيضاً يستحضرُ وعيَهُ الصَّارم في المواقف الحادَّة التي تتطلَّبُ الكيَّ، فيقول: “لا تتأسَّسُ المجتمعاتُ والدول على الحبِّ وحده، أو الرَّحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين لبناء الدول… لا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية”(12)، فهو يتماهى مع العاطفة الإنسانية، ويريدُها أصلاً في العلاقات الإنسانية، لكنَّه واعٍ بالطبيعة البشرية التي تجنح للتمرد، فيُلجمها حينئذٍ بالشريعة والقانون والأنا الأعلى… هذا هو النموذج الجديد النادر ندرة المعادن النادرة، ولذا فقد ارتفعت شهاداتٌ واعترافاتٌ لأساتذةٍ وأكاديميين ومثقفين تُقرُّ بأصالة منجز عبد الجبار الرفاعي، فهذا الأستاذ الدكتور عبد الجبار عيسى السعيدي يقول:” وقد كتبت للرفاعي ذات مرة منوها بقدراته الإبداعية: (لعلِّي لا أبالغ إن قلت بأن عملكم الكبير “الدين والظمأ الأنطولوجي” يتمثل في كونه واحداً من أهم تمثلات الحكمة والعقل المعاصرين. إن لكل زمن تمثلاته الفذة، هذه القاعدة التي لا يريد البعض، لضعف أو لحسدٍ، أن يقبل بها، فالحكمة لم تنته عند ابن عربي أو ابن رشد أو ملا صدرا) (13)، وهذه الدكتورة حميدة القحطاني تقول عن قراءتها كتب الرفاعي: “تنعش روحي وتلامس قلبي وتثير فكري وتساعدني على ايقاظ ذهني”، وتقول: “أقرأ كتب الرفاعي على الدوام كي أرفع مؤشر المعنى في أيامي” (14)، ويرى الأستاذ مشتاق الحلو أنَّ منجز الرفاعي ومشروعه يمثل منهجاً متكاملاً وطريقاً ثالثةً مستقلَّةً في الرؤيا، يقول: “الرفاعي صاحب التفسير الثالث والبديل الديني المختلف عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين” (15)، أما الدكتور محمد حسين الرفاعي، فشهد بأنَّ منجز عبد الجبار الرفاعي ثورة فكرية في الخطاب الديني، من داخل الخطاب الديني، وشبَّهه بِـ “ابن حيان التوحيدي” في التصوف العقلي أو العرفان الفلسفي (16)، وأما الدكتور ياسر عبد الحسين فقد خلع عليه لقب “سبينوزا” في مقال له بعنوان: “سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي عند الرفاعي”، نشره في موقع مؤمنون بتاريخ 09. 11. 2022.

أخيراً، في عام 2014، حلَّ عيد الميلاد الستِّين لعبد الجبار الرفاعي، فخصَّصت مجلة “الموسم” (17)، كتاباً تذكارياً تكريماً وعرفاناً بجهوده وإنجازاته في 757 صفحةً، تضمَّنتْ 105 مقالاتٍ من باحثين وأكاديميين وكُتَّابٍ من مختلف الاختصاصات، ومن مختلف الأوطان العربية والإسلامية، تشيدُ بعمل الرفاعي وإضافاته النوعية للفكر العربي والإسلامي المعاصريْن، ويحتضنُ هذا العام 2024 ذكرى ميلاده السَّبعين آملين من الله الكريم أن يتوِّجهُ بالعافية والسعادة، ومزيد التوفيق لتكملة صرح مشروعه.

الهوامش:

(1). مصلح لاهوتي بروتستانتي أنقذ الدين من فخ العقلانية، بإعادة صياغة رؤية جديدة للدين، يتعالى فيها الدين عن المناكفات العقلية والمنطقية، ويتجاوز لغتهما، ويتبنى لغة الروح والقلب وهما لغتا الشعور والحدس.

(2). “الدين والظمأ الأنطولوجي”، و” الدين والكرامة الإنسانية”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”مقدمة في علم الكلام الجديد”.

(3). عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية. طبعة 2 مزيدة ومنقَّحة. 2022. دار الرافدين، بغداد، ص 103.

(4) الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 3 مزيدة ومنقَّحة.  2022. دار الرافدين، بغداد، ص 25.

(5). الدين والكرامة الإنسانية،. صفحة 99.

(6). نفس المصدر. صفحة 99.

(7). نفس المصدر. صفحة 99.

(8). عبد الجبار الرفاعي. الدين والظمأ الأنطولوجي. طبعة 4 منقَّحة ومزيدة. يناير، كانون الثاني 2023. دار الرافدين، بغداد، صفحة 106.

(9). نفس المصدر. صفحة 31.

(10). نفس المصدر. صفحة 106.

(11). نفس المصدر. صفحة 107.

(12). عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية. صفحة 111.

(13). من الأيديولوجيا إلى تجديد علم الكلام. قراءة نقدية لأنسنة الدين عند د. عبد الجبار الرفاعي. ا. د. عبد الجبار عيسى السعيدي.

(14). قراءة في كتاب “لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق”. د. حميدة القحطاني. فلسفة القانون الدولي العام. المثقف: 24. 12. 2023.

(15). التفسير الثالث للدين، خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد. مشتاق الحلو. التنويري altanweeri.net 07. 07. 2024.

(16). كريم جدي في حوار مع الدكتور محمد حسين الرفاعي. صحيفة المثقف، بتاريخ: 11. 05. 2024.

(17). مجلة مصوَّرة تُعنى بالآثار والتراث، وصاحبُها ومديرُ تحريرها هو الأستاذ محمَّد سعيد الطريحي، وتصدر عن: أكاديمية الكوفة بهولندا.

https://alsabaah.iq/100382-.html

 

حدود الديني والدنيوي

د. عبد الجبار الرفاعي

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

 

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”،كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية “إنسانية إيمانية”، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي “لاهوتُ الرحمة”، من أجل تخفيفِ وطأة “لاهوت السيف” الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب “لاهوتُ السيف” على “لاهوت الرحمة”، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: “الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن”، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: “التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد”، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة،كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

رابط النشر: