الحريّة منزعًا أصيلاً في فكر الرفاعي

د. وسام حسين العبيدي[1]

الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين

لا يخرج قارئ عبد الجبار الرفاعي في كتاباته التي تخصُّ حقل الدين والتفكير في قضاياه وإشكالياته، إلا بكلِّ ما يُعزِّز الجانب الإنساني، وأعني بالجانب الإنساني، ذلك الذي ينتصر للإنسان بوصفه القيمة العليا في هذا الوجود، وهو الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين، وبهذا لا بدّ من أنْ يكون النصُّ الديني في خدمة القيم الإنسانية لدى الإنسان، وليس العكس، بما وجدناه عند كثير من الذين أرادوا قلب المعادلة، عبر تأويلات تعسّفت بالنص الديني، وأبعدته عن غايته الأساس، بما آل إليه حال كثير من الجماعات والمذاهب والتيارات على مدى التاريخ، كان لأصحابها قراءاتهم للمدوّنة الدينية، بما ينسجم وتطلّعات تلك الجماعة أو ذلك المذهب، وكانت النتيجة أنْ صُودِر النص الديني من غايته الأساس في رفع مناسيب القيم الأخلاقية لدى البشر، والارتقاء بنزعاتهم لما فيه خير الإنسان بغضِّ النظر عن انتماءاتهم أو توجّهاتهم، وهنا يطرق الرفاعي نواقيس الخطر في كتابه المهم “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” بالتحذير من هذه القضية، عبر منافذ عدّة، كان أولها في مبحثٍ بعنوان: (الرحمة الإلهية مفتاح فهم القرآن) بادئًا بالقول فيه: “الرحمةُ صوتُ الله، ومعيار إنسانية الدين. لا يُؤتي الدينُ ثمارَهُ ما لم يكن تجربةً إيمانيةً تنبضُ فيها روح المؤمن بالرحمة. الرحمة بوصلةٌ تُوجِّهُ أهداف الدين، فكلُّ دينٍ مفرغٍ من الرحمة يفتقد رسالته الإنسانية” (ص: 17) وهذه الخلاصة التي يُقدمها لنا الرفاعي تُمثِّل الأساس الذي يُعوِّل عليه في تحريك المشهد المُلبّد بغيوم التباغض المُعلن عنها أو المخفيّ في قراءات ممثِّلي الجماعات الدينية والمذهبيّة – أيًّا كان ذلك الدين أو المذهب – ومن خلال تلك القراءات الأحادية، يتخندق كلُّ جماعةٍ بما لديهم من متاريس خطابيّة تؤثِّل وجودهم على حساب نسف المختلف عنهم، من دون مراعاة لأثر التجربة الفرديّة في تلقّي التعاليم الدينية، وبعبارةٍ أخرى: إنَّ إقصاء “الرحمة” وتمثّلاتها الدلالية: التسامح، التعايش، السِلْم، قبول الآخر، محدودية فهم الإنسان، ونسبية الوعي، على مستوى خطاب ممثِّلي الجماعات والمذاهب في المجال الديني، سببٌ في بقاء الدين غير فاعلٍ على المستوى التطبيقي عند هذه الجماعات، وجعله محدود المجال، الأمر الذي آل إليه حال كثير من المجتمعات المتديّنة، من تفشّي الأمراض الأخلاقية من كذبٍ ونفاق، وشهادة زور، ومن دجل، ومن طائفية وتعصّب مذهبي مقيت عند الأعم الأغلب من أتباع الأديان والمذاهب؛ لتجرُّد الدين من أهمِّ رسالة يُبشِّر بها ويدعو الناس إلى اعتناقها متمثِّلةً بالرحمة، وبافتقادها يخبرنا الرفاعي، أنَّ الدين يفتقد رسالته الإنسانية، التي من دونها لا يكون سوى خطابٍ يدعو إلى الكراهية وإلى العنف، وإلى نبذ الآخر المختلف، وإلى الانكماش حول الفهم السلفي للمتن الديني لقرونٍ خلت، بوصفه الأصل وما عداه فهو الخروج والضلال..! ومن هذا المنطلق، تناول الرفاعي بإسهابٍ وتفصيلٍ منطق “الفرقة الناجية” بوصفه أحد أبرز إفرازات إقصاء الرحمة وتمثّلاته الدلالية في الخطاب الديني، هذا المنطق الذي استدعاه وتبنّاه الأصوليون – لا بالمعنى الفقهي – المتشدِّدون، واعتاشوا على فتاته، وغيّبوا في طيّاته كلَّ موردٍ يُتيح فرصةً للآخر المختلف عنهم بشرعية الوجود قبالتهم، وذلك بعودة الرفاعي إلى المتن الأصل متمثّلا بالقرآن الكريم، بالدرجة الأساس، وهذه الإحالة تضمن لصاحبها عدم الوقوع “في شباك التفسيرات والمرويّات المتراكمة، وأنْ يعتمد القرآن مرجعيةً يستكشف في هديها صورة الله، ومنطق الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها” (ص: 28) وهذه العودة لا يُفهم منها الانكفاء على أدوات التفسير التي تبنّاها السلف من المفسِّرين، وسار على نهجهم كثير من المعاصرين، وإلا لم تكن النتيجة بأفضل مما توصّل إليه السلف، من غلبة “لغة العنف على لغة الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسري القرآن وفقهاء الإسلام كل هذا الرصيد الدلالي المكثّف للرحمة، وصارت فاعلية دلالة آية السيف في القرآن مضافًا إلى ما تتسع له مصنّفات الحديث من روايات تعضِّد مضمونها، هي الأشد أثرًا والأوسع حضورًا في القول والفعل في الحياة السياسية لمجتمعات عالم الإسلام” (ص: 28) بل العودة بفهم لا يُشيح النظر عن المعارف الإنسانية التي أخذت حيّزها في ساحة الفكر، إيمانًا منه بأنَّ الخطاب الديني خطابٌ ينتمي لكل عصر، من حيث الفهم والتلقّي، ولا ينتهي فهمه عند من نزل عليهم ذلك الخطاب، وإلا عاش غريبًا بعيدًا عن هموم الناس وإيقاع الحياة المتطوِّر.

الحرية المعرفية في فهم الدين

من هذا المنطلق، دعا الرفاعي إلى التحرُّر من غلالة الفهم السلفي للخطاب الديني، مؤمنًا بقدرة المعارف الإنسانية وأثرها – فيما لو اضطلع الحكماء من الباحثين الذين قتلوا القديم فهمًا وانطلقوا منه لفهم المعاصر من المعارف والعلوم الحديثة – في استيلاد دلالات أُخَر لم يلتفت إليها السلف، وهذه الرغبة تكرّرت لدى الرفاعي في أكثر من مواطن من كتابه سالف الذكر. هذه الحرية المعرفية في فهم الدين لدى الرفاعي، لم تتأتَّ لديه إلا بعد قطعه شوطًا طويلاً مع المعارف التراثية في فهم الخطاب الديني وتلقّيه مثّلت حاضنته الأولى الحوزة، وبعد سبره تلك المعارف، لم يقف مكتوفَ الأيدي، بل انطلق يباشر ما جدَّ من معارف حديثة في ميدان الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والفكر العربي وتطبيقها في المجال الديني، منطلقًا في رؤيته تلك، أنَّ “أبديّة أيِّ نصٍّ مقدّسٍ تعني أنَّه نصٌّ ذو كثافةٍ دلالية، إذ تتعدَّدُ وتتنوَّعُ دلالاته تبعًا لتنوُّعِ ظروف الإنسان وأنماط حياته، وتبعًا لتنوُّع وتعدُّد سياقات التلقّي في العصور المختلفة. وإنَّ الخلطَ بين سياقات عصر البعثة وعصرنا يُخرِج القرآنَ من حياتنا، ذلك أنَّ سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات إنسان الأمس في عصر البعثة، وهي تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مُجدَّدًا على الحياة، لتلبية احتياجات إنسان اليوم للمعنى الديني” (ص213) وإذ يُقرِّر الرفاعيُّ لنا هذه الحقيقة التي يؤمن بها، فهو في الوقت نفسه لا ينسى الضريبة التي تعرَّض لها أولئك الباحثون ممّن تناولوا النصَّ الدينيّ، عبر أدوات البحث التي استجدّت بفعل تطوُّر المعارف الإنسانية وتشعُّبها وتعمُّق مباحثها، فقد “واجهت مقاومة عنيفة، إذ نعتَها بعضهم بالعدوان على أمجاد الأمّة، ومحاولة طمس ماضيها المُشرِق، وجرى التشهير بكلِّ باحثٍ عَمَد إلى إفشاء أسرار عمليّات سوء فهم وتحريف وتزوير مفاهيم ومقولات ووقائع الماضي، أو حاول الكشف عن محاولات حذف وإقصاء معتقدات لا تتناغم مع الآيديولوجيا التبجيلية التسلّطية المهيمنة، أو سعى لإشهار المهمّش والمسكوت عنه، أو فضح سطوة وقمع السائد والمتغلِّب في التراث، وهكذا فإنَّ كلَّ قراءةٍ للنصِّ الديني تتخطّى التفسيرات المُغلقة القديمة لا تمرُّ من دون ضريبة” (ص212). ولا يخفى ما نتحصّله عبر هذا المقتبس من احتجاجٍ بليغ يضعه الرفاعي بين يدينا، على أولئك الذين تمثّلوا موقف الدفاع الأعمى عن التراث، بما تسبّبَ في هدر مساحة العقل والتفكير العقلاني في النص الديني، في الوقت نفسه يكون مثل هذا الموقف “المتزمِّت” سببًا لقطع أوردة سيرورة النص وإدامة تفاعله مع المتلقّي، بحكم ما أُحيطَ به من قراءات احتكرت دلالته دون سواها، وهي في كل الأحوال تبقى قراءاتٍ مرتهنة لظرفها التاريخي.

وإذا أردنا القبض على فكرة الكتاب الرئيسة من بحوثه التي تعدّدت، بمقتضى كون بعضها تمّ نشره فيما سبق منفردًا بوصفها أوراق مؤتمرات، فإنَّ فكرة الحرّية/ التحرُّر لم تُغادر مبحثًا واحدًا من مباحث هذا الكتاب، إذ نجدها تلوحُ لنا في كل مبحثٍ عبر تمثُّلاتٍ متنوّعة، يظهر بعضها بصورة مباشرة عبر دعوته إلى ضرورة “الرحمة الإلهية بوصفها مفتاح فهم القرآن” ولا يخفى أنَّ تبنّي هذه الفكرة يدعو للتحرُّر من العصبية التي تحيط كل جماعة من الجماعات الدينية، فالرحمة في حال تبنّيها تكسح ما تكلّسَ من قراءة ضيّقة للنصِّ الديني، وحصر دلالته الرحيبة بهذه الجماعة أو تلك، بإبطال الأحكام التي تفوِّض الحقّ والأولوية بفهم النص الديني، وإحلال الآخر المختلف مقامًا يليق بإنسانيته على أقل تقدير.

تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة

أما المبحث الذي يليه، فكان بعنوان: “تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة” فهو أيضًا يتحرّر من التصورات السلفية لمفهوم الدولة، مستفيدًا من توصّلات المعارف الحديثة، وفي مقدمتها علم الاجتماع السياسي، بأن الدولة “ظاهرة حيّة، تنمو وتتطوّر مفاهيمها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوُّعها عبر الزمان” (ص: 46)، بما يفرض على الباحث إعادة النظر في المُسلّمات، وإخضاعها لمشرط البحث وأداوته الإجرائية، بعيدًا عن النظرة الطوباوية التي انطلق منها كبار فقهاء العصر الحديث في تصدِّيهم لعرض هذا المفهوم، ولما كانت الدولة لدى الرفاعي “ظاهرة اجتماعية مركّبة، إنها أهم وأعمق وأعقد مؤسسة ابتكرها الإنسان، فقد احتاجت البشرية، من خلال مسيرتها الطويلة في تاريخها، إلى آلاف التجارب الفاشلة، حتى استطاعت أن تبتكر ظاهرة الدولة” (ص: 45)، وهو تصوُّرٌ ينطلق من حيثيات التاريخ ووقائعه، وما أدلى به علم الاجتماع بهذا الشأن، في حين تجد التصور التوفيقي المخالف لهذا الطرح ينطلق من قامة شامخة متمثّلة بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر في حديثه عن مفهوم الدولة، بأنها “ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء واتّخذت صيغتها السويّة ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال” (الإسلام يقود الحياة: 3- 4)، بما يفرض على الباحث المنصف عبر هذا التصوُّر، التوصل لما استنتجه الراحل فالح عبد الجبار، بأن “منشأ الدولة ليس اجتماعيًّا، بل سماويًّا، وأنّها ليست أصيلة، بل مستحدثة” (المادية والفكر الديني – نظرة نقدية: 40)، وهذا الاستنتاج بعيدٌ كل البعد عن الواقع التاريخي أو ما يقرّه علم الاجتماع في هذا الشأن.  ولو لم يكن الرفاعي متحرّرًا في وعيه، وفي اطّلاعه المعرفي خارج أروقة الدرس الديني التقليدي، لما كان له أنْ يُغادر تصوّر مدرسة الصدر الفكرية، بما له من ثقلٍ معرفيٍّ في هذا الوسط، ناهيك عن خارجه، ولكان له أنْ يكتفي بترديد مقولاته، إن لم نفترض ترسيخ تلك المقولات والتدليل على صوابها لا أكثر.

في الحاجة إلى إنسانية إيمانية

في المبحث الذي يليه، كان العنوان: (في الحاجة إلى إنسانية إيمانية) لم يُغادر الرفاعي تلك النزعة – الحُرّية الفكرية – في استجلاء قراءةٍ جديدة لـ “أنسنة الدين” تختلف عن سابقيه الذين تناولوا الدين كأيّة ظاهرة بشريّة مقطوعة الصلة عن طبيعة وجود البشر، وتنصيب الإنسان بديلاً لله في كل شيء، في قبال الطرف الذي ينسى قيمة الإنسان ويُقصي كينونته ومتطلّبات تلك الكينونة البشرية على حساب الدين، تتمثّل قراءته لهذا المفهوم، بإنقاذ/ تحرير “المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد ضياعه في دينٍ سياسيٍّ لا يعرف الكثير عن هذا المعنى ولا يسعى لامتلاكه، ودينٍ فقهيٍّ يختزل الدين في مدوّنة أحكام قانونيةٍ تنسى الكثير من معانيه الروحية والأخلاقية والجمالية، ودينٍ كلاميٍّ يتيه فيه الدين في ظلام جداليات لا تنتهي لعلماء الكلام، ومُحاججات عقيمة تُميت القلب وتُطفئ شعلة الروح” (ص: 74) ونظرةُ الرفاعي في استجلاء هذا المفهوم – أنسنة الدين – تحاول أنْ توازن بين الطرفين، بأنْ تنشد دينًا لا يقطع الصلة بالله، مثلما لا يجهل الطبيعة البشرية، وهو في ذلك البحث يقف منتقدًا “النزعة الاستصحابية” لدى الكثير من دارسي القرآن الكريم، ممّن انشغل بالتفسيرات والتأويلات القديمة له، على حساب الرجوع للنص القرآني، بما صار استيعابها وهضمها الهمَّ الأساسي لأولئك الدارسين، متناسين “أنَّ كل هذه القراءات هي هوامشٌ وشروحٌ واجتهادات الآباء في فهم النص وتفسيره، وهي ليست إلا تمثّلات بشريةً للقرآن تنتمي لأفقها التاريخي، حدودُها الزمان والمكان واللغة وثقافة المجتمع، وكلُّ ما كان يسود العصر الذي أُنتِجت في فضائه” (ص: 78) بما أدى ذلك المآل – بحسب تعبيره- إلى نسيان الإنسان، بإنتاج قراءة مغلقة للنصوص الدينية، لم تكتف بنفي الإنسان وإقصائه باسم الله، بل أقصت مكانة الحياة الدنيا والتمتع بها باسم الآخرة، ونفت العمران البشري باسم العبادة، والذات باسم التكليف، والاخلاق باسم الفقه، والحريّات باسم العبودية لله، وحقوق الإنسان باسم حقوق الله، منتهيًا ذلك النفي بمحو الصورة الروحانية والرحمانية لله باسم التمسُّك بدين السَلَف ومُحاربة البِدَع والمستحدثات.

وهكذا شأن المباحث الأخرى من هذا الكتاب، لم يكن الرفاعي فيها إلا صاحب قراءةٍ تنبع من فهمه الإنساني للدين، مُتحرِّرًا فيها من غلالة الفهم السلفي لتلك المقولات والمفاهيم والقضايا الإشكالية التي عالجها السابقون، وكأنَّه أراد أنْ يقول لنا في كلِّ مباحث كتابه الجليل في فكرته، أنَّ اغتراب الدين لم يكن من أصل الدين، بل من الفهم الأحادي للدين، عبر مقولاتٍ لا تخرج من ظرفها التاريخي، ولا تصمد لتكون متراسًا لصدِّ كلِّ قراءةٍ تغاير ذلك التوجُّه السَلفي، لبُعدها عن روح النصِّ، بما شكّلت تلك القراءات حاجزًا يحول بين الدين والغاية التي ينبغي له أنْ يؤدّيها، ونتج عنها ذلك الاغتراب، فحاول مؤلِّف الكتاب أنْ يؤسِّسَ فهمًا للدين لا يُكرِّر ما تداولته الدراسات الحديثة “الناقمة” على الدين، ورؤيتها له بأنّه “وهم” أو “مُخدِّر” أو “تراث” أو “مرحلة من مراحل الوعي البشري” في الوقت الذي لا يُعيد تبني المقولات الوثوقية للسلف في فهم الدين، باحتكارهم تمثيل الله في الأرض، وأنّهم المخوّلون الحصريّون للتحدّث باسمه، ومن هذا المنطلق يُطلق الرفاعي دعوته لهؤلاء “إلى أنْ يكفّوا عن مطاردة الناس باسم الله، وانتهاك كراماتهم، والتضحية بحقوقهم وحرياتهم، باسم الدفاع عن الله، وحماية الدين والتديّن (فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين) وقد خلق الناس أحرارًا، والحرّية ضرورةٌ دينية، يفرضها انبعاث حياة روحية وأخلاقية صادقة لا يُلوِّثها نفاق، وهي شرطٌ لكل تديُّنٍ حر” (ص: 14) وبهذا يتأكّد للقارئ أنَّ الحرّية الفكريّة كانت الرائد الأساس في فهم الرفاعي للدين وبيان غاياته وأهدافه، بما ينسجم وتطلّعات الإنسان ومحدودية فهمه، وارتهانه لظرف الزمان والمكان، وما يُمثِّل وجوده الإنساني والفكري، من خلال الانفتاح على المناهج الحديثة في العلوم والمعارف الإنسانية والاجتماعية وتطبيقها على فهم الدين وقراءة النصوص الدينية، وهذا بحسب رأيي ما كان يدعو الرفاعي لتحقيقه في فهمنا للدين وإنقاذه من غربته التي تزداد يومًا بعد آخر، بفعل سوء فهم التعامل البشري معه بين إفراطٍ وتفريط.

[1] أستاذ في كلية الامام الكاظم في بابل / العراق.

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B2%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/

الكرامة الإنسانية في فكر عبد الجبار الرفاعي

هاجر فرزولي[1]

1- تمهيد

مع تزايد موجات انتهاك حقوق الإنسان وما شهده العالم أجمع من حروب وصراعات عبر التاريخ البشري عامة، والتاريخ العربي خاصة، برزت العديد من الحركات والثورات التي طالبت بإعادة صياغة قواعد وقوانين تحفظ كرامة الإنسان. ويعد المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي من مؤسسي علم الكلام الجديد وفلسفة الدين في العالم الإسلامي، وأحد رواد فلسفة الأخلاق، الذين سلطوا الضوء على موضوع الإنسان بدراسته من كل الجوانب أولا، والتأصيل لمبدأ الكرامة الإنسانية ومحاولة تطبيقها على الحياة الواقعية ثانيا.  وهو من أهم المفكرين ليس في العراق فقط بل في العالم العربي، لما يحمله مشروعه الفكري لتجديد الفكر الديني عامة وعلم الكلام خاصة، ولما يتبناه من رؤية ترى أن فهم الدين يتطور تبعا لتطور فهم الإنسان لنفسه. نحاول أن نرصد أبعاد الكرامة الإنسانية في مشروعه، إذ يعد مشروع تجديد الفكر الديني لعبد الجبار الرفاعي نقلة نوعية في الدراسات الإسلامية، ورؤية جديدة مهد من خلالها لتأصيل مسألة الكرامة الإنسانية بطريقة جديدة في الفكر الديني. ومن أجل الوقوف على رؤية عبد الجبار الرفاعي لمسألة الكرامة الإنسانية التي وأولاها النصيب الأكبر في مشروعه التجديدي، أتت هاته الورقة. وللإجابة عن هاته الإشكالية استعنا بالمنهج الوصفي وأرفقناه بألية التحليل. من خلال الوقوف على أرائه وأقواله ومحاولة فهمها وتحليلها. بغية الوقوف على جوهر الكرامة وبيان معالم التجديد فيها في كتاباته.

2- تعريف الرفاعي للإنسان

في ظل التقدم المعرفي الذي يرتبط ارتباط وثيقا بمحور الإنسان، أصبحت تطرح مواضيع وتثار إشكاليات حول :حقوق الإنسان، وحريته، ومركزيته في الكون والتطور الحضاري. ولعل أبرزها في الوقت الراهن إشكالية الكرامة الإنسانية، فتمت دراسة هذا الموضوع من زوايا وخلفيات فكرية متعددة،كل حسب مجاله وتخصصه. ففي ضوء فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد كان سؤال الإنسان في فكر عبد الجبار الرفاعي هو السؤال المركزي، الذي يدور في مداره سؤال الكرامة وكل الأسئلة بشأن الإنسان، وتطوف حوله كل المباحث والمشاغل في أعماله. الرفاعي يستنكر تعريف الإنسان المتداول في التراث الأرسطي، فتعريف الإنسان بـ “الحيوان الناطق” يراه يختزل الإنسان في بعد واحد. الإنسان في نظره: كائن مركب غامض، وما يجري على قوانين الطبيعة لا تنطبق على عقله وعاطفته وروحه، وذلك ما دعاه للقول: “له لو أنفقنا العمر كله باكتشاف الإنسان لا يضيع عمرنا هدرا”.

لا يمكننا أن نعرج إلى موقف الرفاعي من مسألة الكرامة الإنسانية قبل الوقوف على تعريف الإنسان عنده، حيث عرّف الرفاعي الإنسان قائلا: “يمكن أن نعرف الإنسان بأنه كائن عاقل ٌ، عاطفيٌ، أخلاقيٌ، دينيٌ، جمالي ٌ، اجتماعيٌ، تاريخيٌ. الإنسان كائن متفرد ٌ،يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ : العقل، واللغة، والعواطف، والمخيلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز”.[2] مؤكدا أن هذا ليس تعريفا بمعنى الحد التام المنطقي. وفي ضوء تعريفه شدد الرفاعي على أنه: “لا يمكن أن نفهم الدين قبل أن نفهم الإنسان أولا، وحاجته لمعنى حياته، وحاجته للكرامة والمساواة والحرية، فإعادة تعريف الإنسان في نظره هي المدخل الصحيح لإعادة تعريف الدين وكيفية فهمه وتفسير نصوصه.كل محاولة لإعادة البناء التربوي والتعليمي والثقافي للفرد، وإعادة بناء المجتمع لا تبدأ بإعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وبناء فهم جديد لنصوصه، تموت لحظة ولادتها”[3].

 مبينا الرفاعي أن “الانسان أثمن رأسمال، وأثرى أنماط الاستثمار، الاستثمار في بناء الإنسان ورأس المال البشري لا يضاهيه أي رأسمال، لا رأسمال يتفوق عليه أبدا، مالم يصبح هذا النمط من الاستثمار مقدمة ومادة لكل استثمار، لن تنجز أي تنمية ما تنشده من وعود في بناء الأوطان. مأزق أوطاننا هو فشل الاستثمار في الإنسان”[4]. الإنسان “كائن استثنائي في وجوده، فهو الكائن الوحيد في الأرض الذي لا يتماثل معه أي كائن اخر، فلا نجد دينا عالميا يرى وجود الإنسان شيئا كالأشياء المادية أو كائنا كبقية الكائنات الحية. الإنسان وجوديا كائن ٌاستثنائي، يستحق التكريم الإلهي في حياته وبعد موته. لا يمكن أن ينال المكانة الوجودية للإنسان أو يسمو إليها أي شيء أخر خلقه الله في العالم. وجود الانسان ينفرد بكونه مرآة لوجود الله. أودع الله في كل إنسان روحا منه، إلا أن هذه الوديعة تحتجب متى احتجب الإنسان عن الله”[5].

وفي حديثه عن الرحمة بوصفها أساسا لأنسنة الإنسان يقول “ينشد هذا الفهم للدين الوصول إلى الله عبر الانسان، لذلك تتغلب فيه المقاصد الإنسانية في كل فعل على الفهم الحرفي الذي يتورط في الاستغراق في الشكل ويهدر المضمون”[6] ويضيف: “تجديد الصلة بالله تبدأ بتجديد الصلة بالإنسان. السبيل إلى الله يمر عبر رعاية عيال الله” مستدلا على ذلك بحديث (الخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله).[7]

يحذِّر الرفاعي من تحويل الدين إلى أيديولوجيا، ويركز على ضرورة الاهتمام بالبعد الأنطولوجي في الدين، والمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها الدين. يحدد لنا الرفاعي الفرق بين دين الأيديولوجيا ودين الأنطولوجيا، بوصفه كامنا في الرؤية المتباينة لماهية الإنسان وماهية الدين بين الأيديولوجيا والأنطولوجيا، ومتجليا في تصورين لله وللعالم والإنسان في الدين متنافرين كل التنافر. ويشرح هذه الرؤية في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي بقوله أن دين الأيديولوجيا (هو الدين الذي يستخدمك، فيسخر حياتك وطاقاتك ومواهبك لتخدمه، ويفرض عليك حدوده وإطاره وأسيجته التي إن تخطيتها يصادر عليك دنياك وأخرتك). ودين الأنطولوجيا (هو الدين الذي يخدمك، إذ يمنح عقلك حرية التفكير، ولا يفرض عليك اقتباس صورة لا تمثلك أو أن تعيش حياتك نيابة عن غيرك، أو تكرر نماذج بشرية تطمس ذاتك). ويرى الرفاعي أن: (دين الأيديولوجيا يفشل في بناء حياة روحية أخلاقية أصيلة، ويطمس الأبعاد الإنسانية في الدين، ويميت الروح والقلب والعقل والضمير. إذ لا إنسانية بلا ضمير أخلاقي، ولا ضمير أخلاقي بلا مصدر إلزام ذاتي)[8].

من هنا تتضح العلاقة التي يلح عليها الرفاعي بين إعادة تعريف الإنسان وإعادة تعريف الدين، فإهمال الأبعاد الجوهرية في وجود الإنسان يؤدي إلى تضاءل حضور الدين إلى مجرد تقنين حركات المسلم الجسدية، وتنظيم فضاءاته المادية مكانيا وزمانيا، وإقامة الحدود الردعية عليه في حال اختراقه المنظومة التشريعية[9].

 

 

3-الكرامة الإنسانية في مشروع الرفاعي

طرق عبد الجبار الرفاعي باب الكرامة الإنسانية في الدين، وعالج هذه القضية الشائكة بمهارة، وجعلها محورا من محاور أفكاره، حيث بيّن الرفاعي أن (الكرامة قيمة أصيلة وأنها أحد مقومات تحقق إنسانية الإنسان، حضورها يعني حضور إنسانية الإنسان، وغيابها يعني غياب إنسانية الإنسان)[10]. الكرامة في نظره قيمة للفرد، (تبدأ الكرامة بالفرد لتنتهي بكرامة الأمة، فلا كرامة لأمة بلا كرامة أفرادها[11].كرامة الدولة والوطن والمجتمع والهوية تبدأ بتكريم الفرد، عندما تنتهك كرامةُ الفرد تحت آية ذريعة، فلا كرامة لأحد، كل مجتمع تكون كرامة الافراد الشخصية فيه مستلبة هو مجتمع مستلب الكرامة)[12].

ويجعل الرفاعي (الإنسان غاية الدين. وكل دين لا تكون غايته الإنسان ليس إنسانيا. جوهر إنسانية الدين حماية الكرامة)، ويرفض الرفاعي كل أشكال التمييز بين الناس: (فكل دين لا يحمي كرامة الإنسان ويصونها ليس إنسانيا. الإنسان وكرامته وسكينته وطمأنينته وإسعاده غاية ما ينشده الدين، ولا كرامة بلا مساواة، الله خلق الناس متساوين في انسانيتهم، فليس هناك إنسان كامل واخر انسانيته ناقصة)[13]. الكرامة عنده هي الأصل، لذلك يقول: (يحتاج الإنسان إلى الحب، والأمان، والحرية، والمساواة، والاهتمام، والعناية، والاعتراف، والمكانة، والشهرة، والنفوذ، والسلطة، لكن احتياج كل إنسان للكرامة يختصر كل هذه الاحتياجات ويتقدم عليها. فالكرامة قيمة أنطولوجية يطلبها وجود الإنسان من حيث هو إنسان. كل رسالة تحريرية في التاريخ البشري تستمد مشروعيتها من قدرتها على استرداد الكرامة الإنسانية المهدورة، الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية)[14].

الكرامة عند الرفاعي ذاتية وجودية (الإنسان يوجد مكرما، لا يكتسب الإنسان الكرامة بعد ولادته، الكرامة توجد بوجود الإنسان وتلبث معه أبدا حيثما كان. الكرامة رديفة الإستخلاف، خليفة الله في الأرض جعله قيّمًا وحافظًا ووكيلاً ونائباً عنه في الأرض)[15].كما شرح الرفاعي أن الكرامة لجميع البشر لذلك صار: (الإنسان بوصفه إنساناً لا غير يستحق الكرامة والحريات والحقوق، الإنسانية قيمة كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، والكرامة هي الإطار الأخلاقي الذي تتوحد فيه قيمة الإنسان ومكانته، وتقديره لذاته وتقدير الغير له. الكرامة تضمن إنسانية الإنسان، وتكريم الإنسان بوصفه إنسانا واجب أخلاقي وليس منة أو تفضلا من أي أحد. الكرامة قيمة انسانية عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كل الناس، بغض النظر عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم)[16]. الكرامة عند الرفاعي قيمة كونية، لكل إنسان نصابه فيها، لذلك يفرض الضمير الأخلاقي على الكل حمايتها، (احترام الكرامة الإنسانية مقصد مقاصد الدين وأسمى أهدافه)[17].

الإنسان يستمد قيمته ومكانته ومسؤوليته من كونه إنسانا لا غير. ومعيار المصداقية الأخلاقية والموقف الإنساني لأي دين أو معتقد أو نظام اجتماعي يعتمد في قدرته على النظر للكائن البشري بوصفه إنسانا من دون اعتبار لما هو خارج إنسانيته، والتعاطي معه بعيداً عن أي تصنيفات تفرضها الهوية وحدودها الرمزية التي تضعها الإثنية واللون والجنس والجغرافيا والثقافة والمعتقد[18].

يرى الرفاعي أن الإنسان ينفرد في القران بتكريمه، وذلك من الأثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصت عليه الآية: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”، الإسراء 70، وينفرد كذلك في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الأثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصت عليه الآية: “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”، البقرة 31. [19]

وأوضح الرفاعي في موضع أخر (أن الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية،كل رسالة في التاريخ البشري تستمد قيمتها ومشروعيتها من قدرتها على استرداد الكرامة البشرية المهدورة، وحماية الحرية. فالمعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هو كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله الكرامة في منظومة القيم لديه. إنسانية الدين تختصرها نظرته للكرامة بوصفها القيمة التي تستحضر كل قيمة إنسانية،[20] الكرامة هي القيمة المركزية في حياة الكائن البشري، الإنسان الأصيل يضحي بحياته من أجل أن تُخلِد ذاكرة الوجود كرامته. الكرامة مكونٌ لكينونة الإنسان الوجودية، عنوانُ تكريم خلق الإنسان هو كرامته لا شيء أخر سواها، لأن انتهاك الكرامة يفضي إلى انتهاك كل حريات الإنسان وحقوقه)[21]. عبد الجبار الرفاعي ترتبط عنده الكرامة بحرية الفرد فقد ذهب الرفاعي إلى ضرورة الدفاع عن الحرية بما هي قيمة من القيم الضامنة للكرامة الإنسانية، وأن تمهد السبل لها أبستمولوجيا وأنطولوجيا[22]، وذلك في رأيه سبيل التجديد الوحيد لكل مشروع كلامي تحرري. وهو الضامن الأكيد لاستئناف التفكير في ممكنات الإجابة عن سؤال اللاهوت الجديد في ظل صياغة أنطولوجية متعمقة في علاقة بذاتها وبالأخر[23]. الكرامة والحرية من أوضح تجليات رحمة الله بالإنسان، الكرامة وعي الإنسان بالحرية.

خاتمة

نال مبحث الإنسان الذي بني على مبدأ الكرامة الإنسانية اهتماما كبيرا في كتابات عبد الجبار الرفاعي، حيث أصّل لرؤيته وربطها بالدين، محاولا إيجاد مفهوم للإنسان المكرم وفق هذا المبدأ، وفي الختام نخلص إلى مجموعة من النتائج أهمها:

  1. يحضر في مؤلفات عبد الجبار الرفاعي التوكيد على أن الإنسان مكرم وجوديا، كما هي هبة الله له عندما خلقه، لذلك يربط الرفاعي دوما بين هذه العناصر الأساسية: الإنسانية والدين والكرامة والحرية.
  2. الإقرار بأن الإنسان خلقه الله مكرما، ولهذا يواصل مشروع الرفاعي بناء الرؤية التكريمية للإنسان في إطار الدين، والحرص على بناء مفهوم الإنسان وفق هذه الرؤية.
  3. أكد الرفاعي على أن الكرامة شاملة يتساوى فيها كقيمة جميع الناس، بغض النظر عن جنس الإنسان ولونه وعرقه ومعتقده ودينه.
  4. مشروع عبد الجبار الرفاعي تجديدي، لذلك تميزت جهوده بالتجديد على مستوى المنهج، الموضوعات، اللغة، والغاية، كما تتطلب للضرورات التي تفرضها مستجدات العصر.

قائمة المصادر والمراجع

1-عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ط04،صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2023.

2-عبد الجبار الرفاعي،  مقدمة في علم الكلام الجديد،  ط02، دار المصورات،  السودان،2021.

3-مقال، عبد الجبار الرفاعي، إعادة تعريف الإنسان، الحوار المتمدن، 2022.

4-عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ط02، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد،2022م.

5-عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط03، نشر من طرف مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

6-ايمان المخينيني، في تأويلية علم الكلام قراءة زمانية مركبة، ط01، دار زينب، 2023م،  تونس.

7-طه عبد الرحمان، سؤال العمل،ط02،  المركز الثقافي العربي، 2012م،  المغرب..

-بالإضافة إلى اعتماد الحوارات المباشرة عبر الواتساب.

الهوامش:

[1] باحثة جزائرية، ماجستير فلسفة.  .hadjerfarzouli2001@gmail.com ورقة مقدمة للملتقى الوطني حول الكرامة الإنسانية: تحديات وآفاق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة بجاية، الجزائر، 26 سبتمبر 2024.

[2] – عبد الجبار الرفاعي، إعادة تعريف الإنسان، الحوار المتمدن، 2022.

[3] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ط02، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد،2022م، ص15.

[4] –  مرجع سابق،عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص78.

[5] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ص50-51.

[6] -عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط03، نشر من طرف مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ص67.

[7] -عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي،ص67.

[8] -، أنظر، ايمان المخينيني، في تأويلية علم الكلام قراءة زمانية مركبة، ط01، دار زينب، 2023م،  تونس، ص239.

[9] -مرجع نفسه ،ص238.

[10] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية ،ص16.

[11] – المصدر نفسه، ص228.

[12] – المصدر نفسه، ص229.

[13] – المصدر نفسه، ص16.

[14] -عبد الجبار الرفاعي،  الدين والكرامة الإنسانية، ص229.

[15] – انظر: المصدر نفسه،  ص11.

[16] – عبد الجبار الرفاعي،  الدين والكرامة الإنسانية، ص17.

[17] – المصدر  نفسه،  نفس الصفحة.

[18] -المصدر  نفسه،   ص190.

[19] – عبد الجبار الرفاعي،    الدين والكرامة الإنسانية،  ص222.

[20] –  المصدر نفسه،   ص227.

[21] – المصدر نفسه،  ص296.

[22] -مصطلح مرادف لعلم ما بعد الطبيعة،  يبحث في طبيعة الوجود الأولية،   علم الوجود أو علم الكائن.

[23] -المرجع السابق،  ايمان خمينيني،   في تأويلية علم الكلام قراءة زمانية مركبة، ص252.

 

https://altanweeri.net/14708/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1/

هل الكرامة الإنسانية منفصلة عن الدين؟

د. علي أحمد الديري*

  يقع الإنسان في مركز علم الكلام الجديد الذي يعمل الدكتور عبد الجبار الرفاعي على صياغته في الثقافة العربية. هو يرى أن الدين لا يمكن فهمه فهماً يليق بالإنسان وبكرامته إلا حين نقدّم الدين من خلال تعريف الإنسان. الكرامة هي العنوان الأبرز لفهم الإنسان وفهم خلافته في الأرض. هذا ما يتحدّث عنه كتاب «الدين والكرامة الإنسانية» في طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة.

إنّ «الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية»، متى أصبح الإنسان يعي الحرية ويعمل وفق مقتضيات الحرية حينها سيكون قد نال الكرامة وفهِم معناها. والكرامة كما يقدّمها لا تعني عدم الإهانة فقط. «عدم الإهانة» هو أثر من آثار الكرامة، أي لتكون كريماً، وكرامتك مصونة، فشيء من الأشياء هي ألا تُهان، ولكنّ الكرامة أوسع من عدم الإهانة.

الكرامة تعني حفظ الحرية، حفظ حرية الإنسان وإتاحة المجال له لكي يتصرّف كما يريد. كل شيء يغيّب وعي الإنسان، ينتهك حريته وتصرّفه، وكرامته لأن الكرامة هي أن يبقى الإنسان واعياً لحريته. الهيمنة على وعي الإنسان وتغييب وعيه وإقفال خياراته، ينتهك كرامته وهذا الانتهاك يتم داخل الدين أحياناً وخارجه أحياناً أخرى.

ربّما باسم الإلحاد أنت تنتهك كرامة الإنسان، وربّما باسم الرأسمالية، وربّما باسم الحرية لأنك تتصرّف تصرّفاً يغيّب وعي هذا الإنسان. بناءً على ذلك، كل تأويل يحرّر الإنسان من عبادة الآخرين فهو ينتصر لكرامته، وكل تأويل يحرّر أخلاق الإنسان من الجماعة الخاصة، من الطائفة، من المذهب، من الدين المغلق، فهو أيضاً كرامة لأنه يترك له حرية الاختيار والتصرف ويفتحه على الإنسان. من هنا، فإن الكرامة تبدأ بالفرد، كما يقول، وتنتهي بالأمّة، الفرد هو مركزها، الفرد هو خليفة الله في الأرض، هو الذي يختار، هو الذي يتصرف، هو الذي يعي.

لا بدّ أن نفهم الإنسان بهذه الحرية لنصون كرامته، وانتهاكات الكرامة تتمّ بالظلم، الإذلال، الاحتقار، الإهانة، الإهمال، التجاهل، الاستغفال والتدجين.

وهنا يلفتنا أيضاً الرفاعي إلى مسألةٍ هامة تتعلّق بوجود الإنسان، يقول إن الله قد كرّم بني آدم تكريماً وجودياً، بمعنى أن وجوده، كينونته، جوهره، تكوينه، كلّ ذلك مصنوعٌ من الكرامة، جوهره من الكرامة، أصله من الكرامة، هي ليست شيئاً مضافاً أو شيئاً يصنعه الإنسان، إنما هي شيء مخلوق مع الإنسان.

تفسير كل نص ديني بما لا يناقض الكرامة أو ينتقص منها هو ما يدعو إليه الرفاعي، أن نفسّر كل النصوص الدينية بحيث لا تنتقص من الكرامة، كرامة أي إنسان لا بدّ أن تكون مصونةً بهذا التأويل، بمعنى أنه يدعو لأن تكون الكرامة الإنسانية بمثابة المعيار أو المرجعية، أو المقصد كما يقال في مقاصد الشريعة، الكرامة هي مقصد من مقاصد الشريعة، لا يجوز أن نقرأ نصاً دينياً ينتقص من هذه الكرامة ولا بدّ أن نحتفظ للجميع بهذه الكرامة.

من هنا فهو يدعو إلى إعادة قراءة فكرة البراءة والولاء، كل طائفة من الطوائف تقدّم البراءة من الطوائف الأخرى والولاء لطائفتها، أن ذلك يُفسد الأخلاق والكرامة لأنك حين تتبرّأ من الآخرين فأنت تتبرّأ من الكرامة أيضاً، تعتبر أن لا كرامة لهم وأن ليس هناك معيار ومرجعية إنسانية تُلزمك في التعامل معهم، فهم منتهَكون وتحلّ لك دماؤهم وأعراضهم، ويحلّ لك كل شيء مصون لديهم، في حين أن الكرامة الإنسانية تحفظ الوجود الإنساني، هي حصن، والدين يعطي التحصين للإنسان لأنه خليفة الله.

يقول الرفاعي إنه ما لم يتحسّس الإنسان صوت الله في داخله فلن يتخلّص من الاغتراب الوجودي، صوت الله تسمعه في داخلك، في ضميرك حين تراعي الإنسان بما هو إنسان وليس بما ينتمي إلى طائفتك، حين يراعي ضميرك الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو من طائفتك حينها ستفعل الخير لهذا الإنسان بغضّ النظر عن أي تقييدٍ من التقييدات.

لقد ورثنا تركةً ثقيلة من علماء الكلام الذين يتحدّثون عن الدين وعن أسماء الله وصفات الله وعن المعتقدات، هؤلاء العلماء الذين يستخدمون الكلام لإنشاء علاقة بين الإنسان والله، هؤلاء أنشؤوا فرقاً كلامية، كانت كل فرقة تعتقد أنها ستنجو وحدَها والبقيّة في النار، كيف كان علماء الفِرق ينظرون إلى العلاقة بين الله والإنسان؟ كانت الصورة التي أمامهم هي صورة السيّد والعبد.

يلفتنا الرفاعي إلى أن هناك فرقاً بين العباد والعبيد، لو ذهبنا إلى المعجم نجد أن العباد هم قبائل من بطون عربية شتّى، اعتنقوا النصرانية وسكنوا الحيرة بالعراق، هؤلاء أطلقوا على أنفسهم لقب عباد ولم يقبلوا بلقب عبيد لأنهم كانوا يقولون إن العباد هم الذين يتنسّكون ويعتكفون ويقومون بالعبادات، وهذه الأفعال تحرّرهم، فهم ليسوا عبيداً، ومقابل العباد هم مَن ينتهكون ويمارسون الإباحية وأفعالاً تحطّ من كرامة الإنسان، فيرون أن كلمة عبيد لا تليق بالاستخدام وفضّلوا كلمة العباد.

«عبودية الإنسان لله عنوان حريته»، هذه العبارة تُقال دائماً، يذهب الرفاعي إلى أن هذه فكرة أوجدها ابن تيمية وتلقّفها المودودي وكذلك طبّقها سيّد قطب، أنهم ربطوا العبودية بفكرة الحرية بينما هو يذهب إلى ربط العبادة بفكرة الحرية.

الكرامة الإنسانية هي المعيار كما يقول كتاب «الدين والكرامة الإنسانية»، يُقاس كل دين بما يقدّمه في هذا المجال، إلى أيّ درجةٍ قدّم الإسلام للكرامة الإنسانية؟ إلى أيّ درجةٍ دعمها وثبّتها ودافع عنها؟ إلى أيّ درجة أنتج نصوصاً تحفظ هذه الكرامة؟ يُقاس الدين بهذا المعيار، بما دعا إليه وحقّقه من كرامة الإنسان وليس بما هو زمني واضطراري واستثنائي من دعوةٍ إلى قتل أو إلى حمل السيف أو إلى مواجهة واقعٍ يكون فيه الإنسان مهدداً في كرامته. ما سُمّي بآية السيف هي آية كانت تدافع عن كرامة مَن يوحّدون الله في ذلك الوقت وليست آية تنتهك الآخرين بل تثبّت الكرامة.

 * د. علي أحمد الديري، كاتب بحريني

رابط النشر: