الاغتراب السياسي عن الوطن

د. عبد الجبار الرفاعي

غياب صورة الدولة في الوعي السياسي لم يكن فراغًا سياسيًا عابرًا، بل مرآةً لغياب أعمق لذاكرة الدولة والوطن والمواطنة، وعدم ادراك مكانتها في حياة الإنسان، بوصفها الإطار الذي يصون كرامته، ويحمي حرياته، ويضمن حقوقه، ويمنح وجوده معنى الانتماء. حين تغيب الدولة لا يختفي نظام الحكم فحسب، بل تتلاشى أيضًا الخبرة التاريخية التي تُراكم معنى الدولة في اللاشعور السياسي الجمعي، فينشأ وعيٌ مرتبك عاجز عن إدراك ضرورتها ووظائفها، وتخيّل صورة الدولة بوصفها بيتًا جامعًا لكل أبنائها.

في هذا السياق يصعب بناء مشروع وطني عراقي جامع ينهض من الذات وينفتح على العالم، لأن غياب الدولة يبدد البوصلة ويُربك العلاقة بين الإنسان وأرضه، ويضعف القدرة على تحويل الإمكان إلى فعل. يظل المشروع الوطني معلقًا ما لم يتأسس على وعي سياسي يعيد اكتشاف الدولة بوصفها أفقًا للعيش المشترك لا أداةً للهيمنة، ويعيد بناء الهوية في سياق يُعلي من كرامة الإنسان ويصون حرياته ويكفل حقوقه بوصفه مواطنًا لا تابعًا لهوية مستعارة. عندئذ يمكن استثمار الموارد البشرية واستثمار ثروات الأرض في إطار مشروع حيّ يجسّد الهوية الوطنية ويحمي التعددية والتنوع المجتمعي، ويحوّل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى، ويعيد للدولة معناها بوصفها تعبيرًا عن إرادة مجتمعها وحاضنةً لحاضره ومستقبله.

فقدان ذاكرة الدولة كان نتيجة لسلسة من الاحتلالات لأرضنا، فبعد احتلال هولاكو لبغداد، كان وطننا رهينة سلطات أجنبية متعاقبة، فاقدًا لسيادته الوطنية لمدة 663 سنة، تناوبت على احتلاله دول وممالك وإمبراطوريات مختلفة، حتى ولادة الدولة الوطنية الحديثة في القرن العشرين. لم تنبع هذه السلطات من نسيجه الثقافي والقيمي والاجتماعي والرمزي، وميراث حضاراته العريقة وذاكرته، ولم تعبر عن إرادته السياسية، بل كرست الاغتراب السياسي وأجهضت تشكل الهوية الوطنية. أولى سلطات الاحتلال المغولي للعراق كانت الدولة الإيلخانية (1258–1335م)، التي تأسست بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، وحكمها الإيلخانيون من سلالته حتى تفكك دولتهم بوفاة أبي سعيد بهادر خان. وبعد انهيارها ظهرت دولة الجلائريين (1335–1432م)، وهي سلالة من أصول مغولية ترتبط بالإيلخانيين، واتخذت بغداد مركزًا لحكمها ردحًا من الزمن. في العهد الجلائري تعرّض العراق لاجتياحين تيموريين بالغَي التدمير، الأول سنة 1393م حين دخل تيمورلنك بغداد ثم انسحب فعاد الجلائريون إلى السلطة، والثاني سنة 1401م حين دخل المدينة مجددًا وارتكب مجزرة شنيعة، ودمّر عمرانها ونسيجها الثقافي والرمزي، ثم غادرها من دون أن يؤسس حكمًا تيموريًا مستقرًا، فظلّ التدخل التيموري عسكريًا تدميريًا لا دولة حاكمة. فقدَ الجلائريون بغداد نهائيًا سنة 1411م بعد دخول القره قويونلو إليها، مع استمرار وجودهم السياسي حتى 1432م في مناطق أخرى من العراق، ثم خضع العراق لحكم القره قويونلو التركمان (1432–1468م)، قبل أن تنتقل السيطرة إلى الآق قويونلو التركمان (1468–1508م).

ثم جاء الصفويون فاحتلوا العراق ابتداءً من سنة 1508م حين دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد، وظل حكمهم قائمًا حتى سنة 1534م، عندما دخل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد منهياً حكمهم. منذ ذلك التاريخ بدأ الاحتلال العثماني للعراق، واستمر مع بعض الاضطرابات والصراع مع الصفويين، حتى حملة السلطان مراد الرابع سنة 1638م التي انتهت بتوقيع معاهدة زهاب “قصر شيرين” سنة 1639م، والتي كرّست السيطرة العثمانية على العراق. مكث الاحتلال العثماني قائمًا بلا انقطاع بعد ذلك حتى دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار/مارس 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى، منهيًا بذلك الحكم العثماني الذي دام قرونًا. ومنذ ذلك التاريخ خضع العراق للاحتلال ثم الانتداب البريطاني، الذي استمر حتى إعلان تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م بتنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق تحت الانتداب.

الاحتلالات المفرضة على العراق ومواطنيه بالإكراه، أنتجت حالة تناشز حادة بين العراقي وأرض ولد وعاش ويموت عليها، فالتبس عليه التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في هذه الأرض، ونفر من وطنه لنفوره من سلطات الاحتلال المتعاقبة، واضطهادها واستعبادها للعراقي، وتعسفها في استلاب ثروات أرضه. العراق الوطن ثابت، أما السلطات المحتلة فزائلة مهما امتد احتلالها للأرض، وكذلك الأنظمة والحكومات التي تعاقبت بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، زائلة أيضًا. العراق الوطن شيء، وتلك الأنظمة والحكومات، سواء كانت ديمقراطية أو فاشية، شيء آخر. لا يصادر العراق الوطن نظام حكم، ولا يصح اختزال الهوية الوطنية في شخص الحاكم، أيًا تكن كيفية إدارته للسلطة ووفائه للعراق. الوطن أعرق وأبقى وأكبر من أي حاكم، العراق الوطن أبدي، والحاكم زائل بعد حين.

لم تتكون في العراق دولة تمثل مشروعًا وطنيًا، ولا مؤسسات تنتج الوعي السياسي، بل ظل البلد يدار بمنطق السلطة المستوردة والسلطة الغريبة، لا بمنطق الدولة الوطنية، ما أفضى إلى بنية اجتماعية ما زالت تنتمي إلى ما قبل الدولة، إذ تتوزع على قبائل وعشائر وجماعات تتحكم فيها العصبيات وتنهشها النزاعات والثارات، فأعاق ذلك ترسيخ الشعور بالانتماء إلى أرض واحدة، وأخّر تكون الوعي السياسي بضرورة الدولة، وأضعف منسوب الثقة بالمصير المشترك، وأنتج تشوهات واضطرابات حادة في الهوية الوطنية.

ما أسهم في عسر ولادة وترسخ مفهوم “المواطن” بمعناه السياسي الحديث هو شيوع مفهوم “المكونات الطائفية والإثنية” في تقاسم السلطة بعد 2003، وهو ما أفضى إلى ترسيخ بارادايم مكوناتي بديل للبارادايم الوطني الذي تنصهر فيه جميع الطوائف والقوميات في هوية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الفرعية وتنهض على أسس المواطنة المتساوية. أعاد البارادايم المكوناتي إنتاج الهويات الطائفية والقومية بطريقة جعلت كل واحدة منها تعامل بوصفها كيانًا مستقلًا منغلقًا على ذاته، متجاوزًا الانتماء الوطني، وعابرًا للحدود السياسية للدولة، بحيث أضحى “المكون” يخص مصلحة مَن يشترك معه في الانتماء للطائفة أو القومية غالبًا، حتى إن كان أجنبيًا لا ينتمي إلى العراق، في حين لا تعني مصالح الشريك في الوطن شيئًا إذا كان من مكون آخر. هكذا تفرض الهوية الفرعية على المواطن، ليقدم الولاء والانحياز لمصلحة الجماعة ولو على حساب المصالح الوطنية، فتتقدم الروابط القومية والطائفية على رابطة المواطنة، وتختزل الدولة إلى تجمع موزع بين مكونات، لا إلى وطن يحتضن مصالح ومصائر الجميع ويصوغ هويتهم الجامعة. هذا النمط من الوعي عطل تشكل مفهوم المواطن بوصفه كائنًا حقوقيًا يتساوى مع غيره في كيان سياسي واحد، وأسس لهوية تعيد إنتاج الانقسام، وتستنزف إمكانات بناء دولة المواطنة الحديثة.

‏الحكومات الوطنية تبني دولها وهي تستثمر في التنمية الشاملة المستدامة، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. التنمية بمعناها الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي الحديث تبتني على تكريس الانتماء للأرض والمصالح والمصائر الوطنية المشتركة. تجهض الأيديولوجيات اليسارية والأصولية مشروع التنمية، لأنها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطنًا ينتمي إلى وطن له حقوق وواجبات مشتركة، وإنما تراه من خلال انتمائه الأيديولوجي أو العقائدي. لذلك تمنح ولاءها ورعايتها لمن يشاركها المعتقد، حتى لو كان ينتمي إلى وطن آخر، فيما تُهمِل مصلحة أبناء الوطن واحتياجاتهم إذا اختلفوا معها في العقيدة أو الأيديولوجيا.

https://alsabaah.iq/131505-.html

 

 

الأخلاق لا تُغني عن القانون في بناء الدولة

د. عبد الجبار الرفاعي

تتحدد الهوية السياسية للإنسان بين تصورين متباينين: الإنسان بوصفه مواطنًا، والإنسان بوصفه رعية، ففي التصور الأول يتجلى الإنسان ذاتًا قانونية وأخلاقية فاعلة، يتأسس وجود الدولة على اعترافها به مواطنًا كامل الحقوق والمسؤوليات، ويغدو شريكًا في صناعة الشأن العام، لا تابعًا لإرادة فوقية، أما في التصور الثاني فينكمش الإنسان إلى موقع التابع، وتُبنى العلاقة السياسية على منطق الوصاية، حيث يُقدَّم الحاكم بوصفه راعيًا، ويُنظر إلى الناس بوصفهم رعية، كما شاع في مجتمع دولة الخلافة، في هذا الأفق تنحسر فاعلية الإنسان، ويتراجع حضوره في المجال العام، ويبهت معنى المواطنة بوصفها تعبيرًا عن الكرامة والحرية والمسؤولية المشتركة.

في دولة المواطنة الحديثة، لا تتشكل هوية الدولة إلا من خلال هوية الإنسان بوصفه مواطنًا، إذ يمنح توصيف الإنسان مواطنًا الدولة معناها، ويحدد طبيعة نظامها، ويرسم أفق شرعيتها، لأن الدولة هنا لا تقوم على روابط ما قبل وطنية، بل على رابطة قانونية وأخلاقية تؤسس لعلاقة متوازنة بين الإنسان والوطن. عندئذ يغدو كل تشريع، وكل قرار، وكل موقف سياسي، محكومًا بمعيار واحد هو الانتماء إلى الوطن، بوصفه إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات، لا إلى الدين، ولا إلى المذهب، ولا إلى القومية، ولا إلى أي انتماء ضيق يختزل الإنسان ويقيده خارج أفق المواطنة التي تصون كرامته وتكفل حريته وتؤسس لعيش مشترك يقوم على العدالة والاعتراف المتبادل.

الوطن في سياق هذا المفهوم، لا يُختزل إلى مساحة جغرافية، بل يتجلى إطارًا جامعًا يحتضن جميع أبنائه على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم، ويمنحهم معنى الانتماء المشترك الذي يتجاوز كل رابطة ضيقة، وكل ما لا يستمد مشروعيته من هذا المعنى للوطن، ولا يتصل بكرامة الإنسان بوصفه مواطنًا، يظل خارج أفق دولة المواطنة الحديثة. تتأسس هذه الدولة على المواطنة الدستورية وسيادة القانون، وعلى منظومة قيم تنسجم مع روح العدالة وتترجمها في الواقع، بحيث يخضع الجميع للقانون من دون امتياز ومن دون استثناء. في ضوء هذا الفهم تتأسس الدولة التي ترى في الإنسان غايتها، فتصون كرامته، وتحمي حرياته، وتبني العيش المشترك بوصفه تعاقدًا قانونيًا وأخلاقيًا بين مواطنين أحرار، يتقاسمون المسؤولية كما يتقاسمون الحقوق، ويصوغون معًا معنى الوطن في حياتهم اليومية. لا تتحقق دولةُ المواطنة الحديثة بالفضائل الأخلاقية الفردية وحدها، لأن الأخلاق، مهما سمت، لا تؤسس نظامًا عامًا قادرًا على إدارة المجتمع، ولا تحلّ محلّ القانون، ولا تعوّض عن المعارف العلمية والخبرات المؤسسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. الأخلاق قيمة روحية وإنسانية عليا، غير أنها تعمل في مجال الضمير الشخصي، بينما تتشكل الدولة في مجال التنظيم، والتشريع، وتوزيع السلطة، وإدارة المصالح العامة.

كما أن الرهان على الإيمان والتقوى لا تكفي لحماية الدولة من الفساد، ولا تضمن العدالة، ولا تصون كرامة الإنسان، ما لم يتحقق ذلك في إطار قوانين عادلة، ومؤسسات تخضع للمساءلة، ونظام لبناء الدولة الحديثة يستمد أسسه من العلوم الإنسانية والاقتصادية والسياسية والحقوقية الحديثة. الدولة لا تقوم على طهارة الضمائر وحدها، وإنما تتأسس على تنظيم عادل للسلطة، وفصل حقيقي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإدارة عادلة للمصالح العامة، ومعايير واضحة للمحاسبة والرقابة. إن مشكلات الحكم وإدارة الدولة لا تجد طريقها إلى الحل عبر المواعظ أو حسن النيات، وإنما تحتاج إلى عقل مؤسسي قادر على قراءة الواقع كما هو، وإلى تدبير عقلاني يعي تعقيد المجتمع وتعدد مصالحه، وإلى امتلاك أدوات الدولة الحديثة التي تتيح تحقيق التنمية الشاملة، وضمان الحقوق، وصيانة المواطنة بوصفها رابطة قانونية وأخلاقية جامعة، تتجسد في الواقع المعيش، ولا تبقى وعدًا أخلاقيًا مؤجَّلًا في أفق الأمنيات.

لا تُقاس الكفاءة السياسية والإدارية بدرجة التقوى والورع الديني، ولا تُستمد أهلية الحكم من طهارة الروح، ولا من الانتماء الاعتقادي، ولا من الوفاء للمدونة الفقهية الموروثة. تتحدد أهلية الحكم بالكفاءة المهنية، والخبرة العملية، والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة، وخدمة المصلحة العامة، والإخلاص للوطن والمواطن، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه جميع المواطنين على قدم المساواة. أخفقت الدول الدينية في عصرنا إخفاقًا واسعًا في بناء مؤسسات حديثة قادرة على الإدارة الرشيدة، كما عجزت عن ترسيخ الانتماء الوطني الجامع، وحماية المصالح والمصائر المشتركة لمجتمعاتها. أنهك الفساد هذه الدول، وتغلغل في بنيتها الإدارية والاقتصادية، حتى صارت تتقدم على غيرها في مؤشرات الفساد العالمية، في مشهد يكشف عجز تدين رجال السلطة عن إنتاج دولة عادلة، ويؤكد أن إدارة الدولة شأن معرفي ومؤسسي ينتجه العقل وتراكم الخبرة البشرية، لا اختبارًا دينيًا لتدين المسؤول.

يتطلب بناء الدولة الحديثة وعيًا سياسيًا ناضجًا، وإدراكًا عميقًا لبنيتها المركبة، ومعرفة دقيقة بمنطق إدارتها، واعتمادًا على العلوم والمعارف والخبرات المتخصصة في تنظيم السلطة وتسيير المؤسسات العامة. الدولة شأن عام تحكمه القواعد، وتضبطه القوانين، وتديره مؤسسات تخضع للمساءلة. إن التقوى وطهارة القلب يمكن أن تثري الضمير الأخلاقي للفرد، وتدعم التزامه بالقانون واحترامه للآخرين، غير أن هذه القيم تظل في مجالها الروحي والأخلاقي، ولا تتحول بذاتها إلى أسس صالحة لبناء دولة المواطنة أو لترسيخ نظام سياسي حديث. الدولة الحديثة تتأسس على العقل المؤسسي، وعلى سيادة القانون، وعلى إدارة عادلة للمصالح العامة، تضمن الحقوق، وتحمي كرامة الإنسان، وتساوي بين المواطنين بوصفهم شركاء في الوطن، لا رعايا يُختبرون بمعايير التدين أو سلامة القلوب وصفاء النيات.

تنشأ دولة المواطنة الحديثة حين يتأسس المجال العام على القانون العادل، وعلى منظومة حقوق وحريات تصون كرامة الإنسان، وتكفل المساواة بين المواطنين جميعًا، وتضمن العدالة في تنظيم السلطة وتوزيع المسؤولية. لا تتوقف شرعية هذه الدولة على درجة التدين الفردي، ولا على صفاء الضمائر، ولا على الانتماءات الاعتقادية. الدولة شأن عام يقوم على الدستور وينظمه القانون، وتديره مؤسسات، وتحكمه قواعد واضحة خاضعة للمساءلة. لا يحول غياب التقوى والورع دون قيام دولة تحمي الحقوق والحريات، ما دام القانون حاضرًا، وما دامت القيم العامة منسجمة معه، وما دام تطبيقه يسري على الجميع من غير تمييز. القانون العادل حين يحكم المجال العام يحد من تغول السلطة، ويكبح الفساد، ويؤسس للثقة بين الفرد والدولة، ويمنح المواطنين شعورًا بالأمان والاستقرار. أما الأخلاق، على سموّها، فتعمل في مجال الضمير الشخصي، وتغني الحياة الإنسانية، وتدعم الالتزام بالقانون، غير أنها لا تتحول بذاتها إلى نظام لإدارة الدولة أو أداة لتنظيم الشأن العام. تقوم دولة المواطنة على مبادئ العدالة، والمساواة، وسيادة القانون، ولهذا تتقدم دول كثيرة غير مسلمة في كفاءة مؤسساتها، وفي جودة إدارتها، وفي ترسيخ الثقة العامة، حيث يتحلى موظفوها بدرجة عالية من المهنية، ويؤدون أعمالهم بإخلاص، ويحترمون القانون، من غير أن يستند أداؤهم إلى انتماء ديني أو مرجعية اعتقادية. في هذه التجارب، لا يُختبر المواطن في ضميره، ولا يُسأل عن إيمانه، لأن الدولة تقيس أداء الأفراد بالكفاءة، وتحدد المسؤوليات بالقانون، وتضبط السلطة بالمحاسبة.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=385007

لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين

د. عبد الجبار الرفاعي

في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته. المواطنة رابطة حقوقية قانونية جامعة، لا امتيازًا تمنحه السلطة، ولا منزلة تُمنح بدرجات متفاوتة. جميع المواطنين متساوون في الانتماء إلى الوطن، ومتساوون في الحريات والحقوق والواجبات، ومتساوون أمام القانون. لا تقوم الدولة الحديثة على أيديولوجيا دينية أو طائفية أو قومية مغلقة، لأن هذه الأيديولوجيات تضيق بالتعدد، وتعيد إنتاج الانقسام، وتهدد وحدة المجتمع، وإنما تنهض الدولة الحديثة على ميثاق وطني جامع يحتضن التنوع والخصوصيات الثقافية والدينية، وينظم حضورها في الفضاء العام، من غير أن يسمح لها بتفكيك الوحدة الوطنية أو تقويض العقد الاجتماعي. تمثل الهوية الوطنية الإطار الجامع الذي تنتظم فيه سائر الهويات، وتكتسب معناها، وتتحول إلى مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. دولة المواطنة والقانون لا تعادي الدين، ولا تنفي القيم الأخلاقية، وإنما تحرر الدين من التوظيف السياسي، وتصون الأخلاق من الابتذال الأيديولوجي، فتتيح للدين أن يبقى تجربة روحية وأفقًا للمعنى، وتمنح الأخلاق مجالها الإنساني، وتمنع تحويلهما إلى أدوات للهيمنة أو الإقصاء. بهذا المعنى، تحقق الدولة الحديثة شرط العيش المشترك، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وتحمي كرامته، وتؤسس لمجتمع يرى في القانون ضمانته، وفي المواطنة رابطته الجامعة، وفي التعدد ثراءً لا تهديدًا.

لم تتأسس دولة المواطنة الحديثة على الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية، وإنما قامت على منظومة الحقوق والحريات، وعلى سيادة القانون بوصفه الأساس الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطبيقه بعدالة. تصون قوانين هذه الدولة المساواة بين المواطنين جميعًا، وتكفل تطبيقها من دون تمييز، بغض النظر عن دين المواطن، أو معتقده، أو جنسه، أو لونه، كما تعترف بحقه في الاختلاف، وتعدّه جزءًا من حماية كرامة الإنسان وحريته الاعتقادية. يتساوى الجميع في الانتماء إلى الوطن، وكل مَن يكتسب جنسية الدولة، ويتبنى نظامها القانوني، يمتلك النصاب الكامل في الحقوق والواجبات، ويتمتع بفرص متكافئة، ويُعامَل بوصفه مواطنًا، لا بوصفه تابعًا لهوية دينية، أو طائفية، أو قومية. تقوم المواطنة في الدولة الحديثة على الشراكة الكاملة في الانتماء والمسؤولية، ولا تعرف درجات أو مراتب، لأنها تتأسس على عقد قانوني يحدده الدستور، ويضبطه القانون، ويجسده العيش المشترك، بعيدًا عن منطق الأيديولوجيات المغلقة، أو الامتيازات القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي.

لا يسهم في بناء دولة المواطنة مَن لا يؤمن بالوطن بوصفه كيانًا سياسيًا يحتضن الجميع، وطنًا تتوحد فيه الهويات المتنوعة ضمن إطار مشترك، وتلتقي على هوية جامعة تنظّم التنوع، وتمنحه أفقًا مشتركًا للانتماء، والعيش معًا على أرض واحدة، تتولد فيها المعاني العامة للكرامة، والحرية، والمساواة، وتُصان فيها الحقوق، ويتقاسم الجميع مسؤولية حماية المصالح والمصير المشترك. لا تُقصي الهوية الوطنية الهويات الدينية، أو الاعتقادية، أو المذهبية، أو القومية، أو الثقافية، ولا أي هوية فرعية أخرى، وإنما تدخل معها في علاقة تكامل وتفاعل، فتغتني بها، وتمنحها إطارًا جامعًا للعيش المشترك. تتعايش هذه الهويات كلها في ظل ميثاق وطني شامل، يتسع للوحدة داخل فضاء الاختلاف، ويحتضن التعدد والتنوع، من غير أن ينقلب إلى صراع أو نزاع. تمثل الهوية الوطنية القاعدة التي تنتظم فيها سائر الهويات، وتتحدد ضمن أفقها، وتتحقق من خلالها المواطنة بوصفها رابطة جامعة ومسؤولية مشتركة.

يتطلب غرس هذا الفهم وترسيخه مراجعة جذرية لأنظمة التربية والتعليم، من المراحل الأساسية حتى التعليم العالي، لتنشئة الإنسان على وعيٍ يرى الهوية الوطنية في الدولة الحديثة إطار الانتماء الأول الذي يحتضن سائر الانتماءات، ويمنحها معناها المشترك. من دون وعي يُرسّخ الانتماء للوطن، لا تقوم دولة وطنية حديثة تحترم التعدد، وتنهض على مبدأ المواطنة، وتكفل المساواة في الكرامة والحقوق لجميع المواطنين من غير استثناء. أسهم صعود الهويات الطائفية وحدّة الاستقطاب الذي تزامن مع الألفية الجديدة في إعاقة تشكّل الهوية الوطنية في بلادنا وغيرها، وأفضى إلى اضطراب الوعي بالانتماء، وأضعف إدراك الحاجة إلى الدولة الحديثة بوصفها الإطار الضامن للعيش المشترك، وحماية الحقوق، وصيانة المصير الواحد. إن التربية على المواطنة لا تُختزل في المقررات الدراسية، وإنما تتجسد في بناء وعي مدني يرى في الوطن فضاءً جامعًا، وفي الدولة أداة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا لصراع الهويات المغلقة.

لا تقوم الدولة الوطنية الحديثة على حدود أيديولوجيا عقائدية تضيق برؤية الإنسان خارج تصوراتها، ولا على منظور طائفي أو قومي مغلق يعجز عن احتضان التعدد. إن تقديم الهوية الاعتقادية، أو الطائفية، أو القومية على الهوية الوطنية يُفشل مشروع الدولة الحديثة، ويعيد إنتاج الانقسام، ويقوّض إمكان قيام دولة جامعة يجد فيها الوطن أبناءه جميعًا، ويؤمّن لهم شروط الأمن، والعدالة، والحرية، والمساواة. تتأسس الدولة الوطنية على ميثاق وطني جامع يحتضن الخصوصيات الثقافية والدينية، ويمنحها إطارًا للعيش المشترك، من غير أن يسمح لها بتصدّر المجال العام أو التحول إلى أدوات لتفتيت أسس الدولة المدنية أو تهديد عقدها الاجتماعي. الوحدة الوطنية تمثل الأفق الذي تنتظم فيه الانتماءات الفرعية، وتكتسب معناها، وتغدو مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع والانقسام. في هذا الأفق تتجلى الدولة بوصفها فضاءً أخلاقيًا لحماية كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا جهازًا لفرض هوية واحدة أو احتكار معنى الانتماء، إذ لا يكتمل معنى الوطن إلا حين يشعر كل فرد أن انتماءه إليه لا يُنتقص بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته، وأنه شريك متكافئ في الحقوق والواجبات. المواطنة ليست توصيفًا قانونيًا مجردًا، إنها تجربة عيش يومي يتجسد فيها الاعتراف المتبادل، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء، ويتحول فيها التنوع إلى طاقة خلّاقة لبناء الحياة المشتركة.

حين تستبدل الهوية الوطنية بهويات ضيقة يتولد اغتراب سياسي في وعي الإنسان، فيشعر أنه يعيش في وطن لا يعترف به، فيتصدع الانتماء ويضعف الإحساس بالمصير المشترك وتتآكل الثقة، فيغدو الوطن مجال تنازع واحتراب. أما الدولة التي تقوم على العدالة والحرية وعقد اجتماعي عادل، فإنها تتيح للإنسان أن يكون ذاته من غير خوف، وأن يعبّر عن معتقده من غير إقصاء، وأن يشارك بوصفه مواطنًا لا تابعًا. في هذه الدولة تلتقي الانتماءات في أفق إنساني مشترك تصوغه الحرية والمساواة والاحترام والتضامن، فتتشكل هوية وطنية حيّة تتجدد مع صيرورة الزمن، وتغدو ضمانة للاستقرار وأفقًا يتسع للجميع.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384854