الاغتراب السياسي عن الوطن

د. عبد الجبار الرفاعي

غياب صورة الدولة في الوعي السياسي لم يكن فراغًا سياسيًا عابرًا، بل مرآةً لغياب أعمق لذاكرة الدولة والوطن والمواطنة، وعدم ادراك مكانتها في حياة الإنسان، بوصفها الإطار الذي يصون كرامته، ويحمي حرياته، ويضمن حقوقه، ويمنح وجوده معنى الانتماء. حين تغيب الدولة لا يختفي نظام الحكم فحسب، بل تتلاشى أيضًا الخبرة التاريخية التي تُراكم معنى الدولة في اللاشعور السياسي الجمعي، فينشأ وعيٌ مرتبك عاجز عن إدراك ضرورتها ووظائفها، وتخيّل صورة الدولة بوصفها بيتًا جامعًا لكل أبنائها.

في هذا السياق يصعب بناء مشروع وطني عراقي جامع ينهض من الذات وينفتح على العالم، لأن غياب الدولة يبدد البوصلة ويُربك العلاقة بين الإنسان وأرضه، ويضعف القدرة على تحويل الإمكان إلى فعل. يظل المشروع الوطني معلقًا ما لم يتأسس على وعي سياسي يعيد اكتشاف الدولة بوصفها أفقًا للعيش المشترك لا أداةً للهيمنة، ويعيد بناء الهوية في سياق يُعلي من كرامة الإنسان ويصون حرياته ويكفل حقوقه بوصفه مواطنًا لا تابعًا لهوية مستعارة. عندئذ يمكن استثمار الموارد البشرية واستثمار ثروات الأرض في إطار مشروع حيّ يجسّد الهوية الوطنية ويحمي التعددية والتنوع المجتمعي، ويحوّل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى، ويعيد للدولة معناها بوصفها تعبيرًا عن إرادة مجتمعها وحاضنةً لحاضره ومستقبله.

فقدان ذاكرة الدولة كان نتيجة لسلسة من الاحتلالات لأرضنا، فبعد احتلال هولاكو لبغداد، كان وطننا رهينة سلطات أجنبية متعاقبة، فاقدًا لسيادته الوطنية لمدة 663 سنة، تناوبت على احتلاله دول وممالك وإمبراطوريات مختلفة، حتى ولادة الدولة الوطنية الحديثة في القرن العشرين. لم تنبع هذه السلطات من نسيجه الثقافي والقيمي والاجتماعي والرمزي، وميراث حضاراته العريقة وذاكرته، ولم تعبر عن إرادته السياسية، بل كرست الاغتراب السياسي وأجهضت تشكل الهوية الوطنية. أولى سلطات الاحتلال المغولي للعراق كانت الدولة الإيلخانية (1258–1335م)، التي تأسست بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، وحكمها الإيلخانيون من سلالته حتى تفكك دولتهم بوفاة أبي سعيد بهادر خان. وبعد انهيارها ظهرت دولة الجلائريين (1335–1432م)، وهي سلالة من أصول مغولية ترتبط بالإيلخانيين، واتخذت بغداد مركزًا لحكمها ردحًا من الزمن. في العهد الجلائري تعرّض العراق لاجتياحين تيموريين بالغَي التدمير، الأول سنة 1393م حين دخل تيمورلنك بغداد ثم انسحب فعاد الجلائريون إلى السلطة، والثاني سنة 1401م حين دخل المدينة مجددًا وارتكب مجزرة شنيعة، ودمّر عمرانها ونسيجها الثقافي والرمزي، ثم غادرها من دون أن يؤسس حكمًا تيموريًا مستقرًا، فظلّ التدخل التيموري عسكريًا تدميريًا لا دولة حاكمة. فقدَ الجلائريون بغداد نهائيًا سنة 1411م بعد دخول القره قويونلو إليها، مع استمرار وجودهم السياسي حتى 1432م في مناطق أخرى من العراق، ثم خضع العراق لحكم القره قويونلو التركمان (1432–1468م)، قبل أن تنتقل السيطرة إلى الآق قويونلو التركمان (1468–1508م).

ثم جاء الصفويون فاحتلوا العراق ابتداءً من سنة 1508م حين دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد، وظل حكمهم قائمًا حتى سنة 1534م، عندما دخل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد منهياً حكمهم. منذ ذلك التاريخ بدأ الاحتلال العثماني للعراق، واستمر مع بعض الاضطرابات والصراع مع الصفويين، حتى حملة السلطان مراد الرابع سنة 1638م التي انتهت بتوقيع معاهدة زهاب “قصر شيرين” سنة 1639م، والتي كرّست السيطرة العثمانية على العراق. مكث الاحتلال العثماني قائمًا بلا انقطاع بعد ذلك حتى دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار/مارس 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى، منهيًا بذلك الحكم العثماني الذي دام قرونًا. ومنذ ذلك التاريخ خضع العراق للاحتلال ثم الانتداب البريطاني، الذي استمر حتى إعلان تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م بتنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق تحت الانتداب.

الاحتلالات المفرضة على العراق ومواطنيه بالإكراه، أنتجت حالة تناشز حادة بين العراقي وأرض ولد وعاش ويموت عليها، فالتبس عليه التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في هذه الأرض، ونفر من وطنه لنفوره من سلطات الاحتلال المتعاقبة، واضطهادها واستعبادها للعراقي، وتعسفها في استلاب ثروات أرضه. العراق الوطن ثابت، أما السلطات المحتلة فزائلة مهما امتد احتلالها للأرض، وكذلك الأنظمة والحكومات التي تعاقبت بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، زائلة أيضًا. العراق الوطن شيء، وتلك الأنظمة والحكومات، سواء كانت ديمقراطية أو فاشية، شيء آخر. لا يصادر العراق الوطن نظام حكم، ولا يصح اختزال الهوية الوطنية في شخص الحاكم، أيًا تكن كيفية إدارته للسلطة ووفائه للعراق. الوطن أعرق وأبقى وأكبر من أي حاكم، العراق الوطن أبدي، والحاكم زائل بعد حين.

لم تتكون في العراق دولة تمثل مشروعًا وطنيًا، ولا مؤسسات تنتج الوعي السياسي، بل ظل البلد يدار بمنطق السلطة المستوردة والسلطة الغريبة، لا بمنطق الدولة الوطنية، ما أفضى إلى بنية اجتماعية ما زالت تنتمي إلى ما قبل الدولة، إذ تتوزع على قبائل وعشائر وجماعات تتحكم فيها العصبيات وتنهشها النزاعات والثارات، فأعاق ذلك ترسيخ الشعور بالانتماء إلى أرض واحدة، وأخّر تكون الوعي السياسي بضرورة الدولة، وأضعف منسوب الثقة بالمصير المشترك، وأنتج تشوهات واضطرابات حادة في الهوية الوطنية.

ما أسهم في عسر ولادة وترسخ مفهوم “المواطن” بمعناه السياسي الحديث هو شيوع مفهوم “المكونات الطائفية والإثنية” في تقاسم السلطة بعد 2003، وهو ما أفضى إلى ترسيخ بارادايم مكوناتي بديل للبارادايم الوطني الذي تنصهر فيه جميع الطوائف والقوميات في هوية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الفرعية وتنهض على أسس المواطنة المتساوية. أعاد البارادايم المكوناتي إنتاج الهويات الطائفية والقومية بطريقة جعلت كل واحدة منها تعامل بوصفها كيانًا مستقلًا منغلقًا على ذاته، متجاوزًا الانتماء الوطني، وعابرًا للحدود السياسية للدولة، بحيث أضحى “المكون” يخص مصلحة مَن يشترك معه في الانتماء للطائفة أو القومية غالبًا، حتى إن كان أجنبيًا لا ينتمي إلى العراق، في حين لا تعني مصالح الشريك في الوطن شيئًا إذا كان من مكون آخر. هكذا تفرض الهوية الفرعية على المواطن، ليقدم الولاء والانحياز لمصلحة الجماعة ولو على حساب المصالح الوطنية، فتتقدم الروابط القومية والطائفية على رابطة المواطنة، وتختزل الدولة إلى تجمع موزع بين مكونات، لا إلى وطن يحتضن مصالح ومصائر الجميع ويصوغ هويتهم الجامعة. هذا النمط من الوعي عطل تشكل مفهوم المواطن بوصفه كائنًا حقوقيًا يتساوى مع غيره في كيان سياسي واحد، وأسس لهوية تعيد إنتاج الانقسام، وتستنزف إمكانات بناء دولة المواطنة الحديثة.

‏الحكومات الوطنية تبني دولها وهي تستثمر في التنمية الشاملة المستدامة، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. التنمية بمعناها الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي الحديث تبتني على تكريس الانتماء للأرض والمصالح والمصائر الوطنية المشتركة. تجهض الأيديولوجيات اليسارية والأصولية مشروع التنمية، لأنها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطنًا ينتمي إلى وطن له حقوق وواجبات مشتركة، وإنما تراه من خلال انتمائه الأيديولوجي أو العقائدي. لذلك تمنح ولاءها ورعايتها لمن يشاركها المعتقد، حتى لو كان ينتمي إلى وطن آخر، فيما تُهمِل مصلحة أبناء الوطن واحتياجاتهم إذا اختلفوا معها في العقيدة أو الأيديولوجيا.

https://alsabaah.iq/131505-.html

 

 

الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته.

تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ “العدالة بوصفها إنصافًا”، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه “نظرية في العدالة”، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة.

تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك. ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.

حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=385190

العراقي ليس استثناء

د. عبد الجبار الرفاعي

لا تخلو آثارُ بعض الكتّاب في وطننا من أحكام سلبية يخصّ بها العراقي، وربما قدحٍ وهجاءٍ وتندّر بظواهر تطغى على سلوكِه وعلاقاتِه الاجتماعية وثقافتِه وطريقةِ تفكيره، وكأن الأفرادَ والمجتمعات الأخرى تخلو من تلك الظواهر. العراقي لا ينفرد بشخصيته وتاريخه وتحولاته عن غيرِه من البشر، طبيعتُه الإنسانية كغيره في مجتمعات أخرى. تاريخُ العراقي ليس مستقلًّا عن تاريخِ البشرية، وشخصيةُ العراقي ليست استثناءً من البشر. العراقي ليس أفضل إنسان ولا أسوأ إنسان، العراقي ككلّ الناس محكومٌ بما يتحكم بحياة ومآلات البشر من عوامل طبيعية ومجتمعية ترسم مصائرَه مع أمثاله من الناس. تطورُ العلوم والمعارف والتكنولوجيا يؤثر على حياة الكلّ بدرجات ليست متطابقة. ينفرد العراقي بعوامل وأحوال ووقائع تخصّه من دون سواه، مثلما ينفرد غيرُه في مجتمعات أخرى بظروف محلية خاصة.

توصيفاتُ وأحكامُ هؤلاء الكتّاب الصارمة بالازدواجية والتناشز والفصام لا يختصّ بها العراقي، يمكن تطبيقُها على أفراد ومجتمعات محكومة بسياقات دينية وثقافية واجتماعية مماثلة لما يعيشه الفردُ والمجتمع العراقي. لو عاش إيُّ إنسانٍ ظروفَ العراقي وتجرّع مرارات واقعه المفروض عليه، يصير سلوكُه مشابهًا لسلوك العراقي. قلّما رأيتُ مَن يعطي مجانًا في مجتمعات عرفتها، رأيتُ بعضَ العراقيين يبادرون فيفيضون محبتَهم ودعمَهم العاطفي وحتى أموالهم مجانًا. عشتُ في بلدان متعددة وعاشرتُ مجتمعات متنوعة، تلمستُ الازدواجيةَ والتناشز والفصام والمراوغة والتمويه والخداع في سلوك الإنسان. رأيتُ شخصيةَ الإنسان في بعض تلك المجتمعات أشدَّ غموضًا وتركيبًا ووعورةً من الشخصية العراقية. هذه ليست حالاتٍ شاذة أو مختصة بفرد أو مجتمع.كلُّ إنسان يحمل تناقضاتٍ في داخله، على وفق البنيةِ السيكولوجية لشخصيته، ونمطِ تربيته، وعقدِه النفسية والتربوية، ودرجةِ وعيه، وكيفيةِ رؤيته لذاته وللعالَم. الطبيعة الإنسانية في غاية التركيب والتعقيد والعمق، يقول علي الوردي: “إن طبيعةَ البشر هي من أصعب المواضيع النفسية والاجتماعية، إن لم تكن أصعبها جميعًا، فهي موضوعٌ متشعبٌ ومعقد إلى أبعد الحدود، والواقعُ أني كلما توغلت في دراسته شعرت بأني لا أزال في أول الطريق، وكلما بحثتُ في جانب منه ظهرت لي جوانبُ أخرى تحتاج إلى بحث. ظهرت في موضوع الطبيعة البشرية نظرياتٌ متعددة، ونشرت فيه دراسات لا تحصى، وأعترف أني أشعر بالعجز تجاه تلك النظريات والدراسات، فهي في غاية الصعوبة، بل من المستحيل استيعابها كلّها. أضف إلى ذلك أنها قد تتعارض وتتناقض، ولهذا يقف الباحثُ حائرًا لا يعرف ماذا يأخذ منها وماذا يترك”[1]. ويكتب ابن خلدون: “إنّ الإنسانَ ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتّى صار خلقًا وملكة وعادة، تنزّل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميّين تجده كثيرًا صحيحًا”[2]، ويشرح في موضع آخر من المقدّمة كيف تتشكل شخصيةُ الإنسان في سياق الواقع الذي يعيشه بقوله: “ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو، كيف تجد الحضري متحليًا بالذكاء ممتلئًا من الكيس، حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله، وليس كذلك، وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي، فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كلُّ من قصر عن تلك الملكات أنها لكمال في عقله، وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته، وليس كذلك، فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته، إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق الصنائع والتعليم، فان لها آثارًا ترجع إلى النفس”[3].

لا فرقَ بين العراقي وغيره في مجتمعات أخرى، الإنسانُ محصلة تاريخ الإنسان. الإنسانُ في تلك المجتمعات كثيرًا ما يستطيع التحكّمَ بتناقضاته، ويخفي كثيرًا منها خلفَ أقنعة يتقن حياكتَها. العراقي محتقنٌ متفجر، نتيجة لمعطياتِ الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المفروض عليه، وظروفِ حياته المحكومة بتقاليد استبدادٍ وعنف متواصلة، لذلك غالبًا لا يستطيع إخفاءَ غضبه وتناقضات سلوكه، وهو أقلّ قدرةً على التحكم بانفعالاتِه وردودِ أفعاله الفجائية، إثر الغضب المكبوت زمنًا طويلًا بداخلة.

عندما تتشكّلُ هويةٌ في سياقٍ امبراطوري تتغذّى بنرجسية الإمبراطورية، وتولد وهي تشعر بأنها ممتلئةٌ ثرية، فخورةٌ تعتزُّ بذاتها، مركزيةٌ تتوهم القوةَ والتفوقَ على غيرها. وعندما تتشّكل هويةٌ في سياق احتلالاتٍ واستعبادٍ أجنبي، واستبدادٍ عنيف، تولد وهي تشعر بأنها أشلاءُ محطمةٌ معاقة، هامشيةٌ تحتقر ذاتَها وتنظر لها بازدراء، وتنظر لغيرها بهيبةٍ وإجلالٍ ورهبة، وتظلُّ تدرُ في آفاق وأحلام غيرها.كان العراقيّ من رعايا السلطنة العثمانية، معنى الرعية السلطاني غير معنى المواطنة الدستورية الحديثة، ومفهوم الرعايا غير مفهوم المواطنين. لم تتشكّل في العراق دولةٌ عراقية في العصر العثماني، وكلُّ محاولات تشكيل الدولة منذ عام 1921 حتى اليوم مازالت هشة. يتعذّر تشكّلُ ذاكرة دولة في غياب الدولة، غيابُ ذاكرة الدولة يغيّب مفهومَ الوطن والمواطن والوطنية. لذلك لم تتشكّل هويةٌ عراقية واضحة المعالم، ينغرسُ فيها انتماءُ العراقي لأرضه حتى اليوم. قلّما رأيتُ من يهجو وطنَه في مجتمعات أخرى، حتى إن كان أحيانًا يهجو نفسَه ومحيطَه، لكن العراقيّ يبادرُ فيهجو نفسَه ووطنَه ومواطنَه ومجتمعَه أحيانًا، لضمور مفهومِ الوطن والمواطن والوطنية في شعوره ولاشعوره السياسي العميق.

عند حديثهم عن طبيعة الإنسان العراقي لا يهتمّ هؤلاءُ الكتاب كثيرًا بما تشترك فيه الطبيعةُ الإنسانية للعراقي مع أيّ إنسان في كينونته الوجودية الأبدية. يمكننا التماسُ العذر لبعض هؤلاء الكتاب؛ لأن الرؤيةَ التي تتخطى ثقافةَ الإنسان وأحوالَه الاجتماعية وظروفَه المعيشية، تتطلب تكوينًا فلسفيًّا يتوغل في أنطولوجيا الإنسان وكينونتِه الوجودية، يغوص في أعماق البشر، وينشغل بالكشف عن شيءٍ من كينونتهم العميقة، التي هي أبعدُ من ظروف الإنسان المعيشية، والثقافة الموروثة في بيئته. عندما نتحدثُ عن الإنسان تارةً ننظر للإنسان من حيث هوياته الاجتماعية المتغيرة، أي الإنسان الذي عاش في بيئة وواقع ومجتمع، بمكان وزمان وعصر معين، وأخرى نتحدثُ عنه لا بوصفه الزماني والمكاني والتاريخي الخاص بعصر، بل ننظرُ للإنسان بوصفه إنسانًا، الإنسانُ بكينونته الوجوديه الذي يتسعُ لكل مصداق للإنسان في أيّ زمان ومكان، بغض النظر عن أية هوية متغيرة يكتسبها من المجتمع والثقافة والدين والبيئة والواقع والعصر الذي يعيش فيه. الإنسانُ بكينونته الوجوديه يشترك العراقي فيها مع كلِّ إنسان، مهما كان الزمانُ والمكان والواقعُ المجتمعي الذي يعيشُ فيه.

 

[1] وجهًا لوجه: د. علي الوردي، ود. جليل العطية، العربي “الكويت”، ع 360، نوفمبر 1988.

[2] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص 125.

[3] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص 434.

 

https://alsabaah.iq/88076-.html