عبد الجبار الرفاعي والشباب في: (ثناء على الجيل الجديد)

د. رائد جبار كاظم

تميزت سيرة حياة عبد الجبار الرفاعي الشخصية، ومسيرته الفكرية والثقافية، وتجربته الدينية والروحية، وجهوده العلمية والمعرفية، طوال فترة تاريخية تجاوزت النصف قرن، بالعطاء والانجازات والدراسة والكتابة والتأليف والمغامرات واختلاف الاحوال والمقامات الدينية والفكرية والثقافية والادارية، منذ فترة طويلة وهو يحث الخطى بمفرده وبما يبذله من طاقة وجهود فردية فريدة، وصبره الطويل وحفره في الصخر ليكون شيئاً وشخصاً وأسماً يشار له بالبنان، وفعلاً تحقق له ذلك من خلال صناعة نفسه وإدارتها إدارة ذاتية وخلقها خلقاً جميلاً صارت قدوة للآخرين، في السير والسلوك والفكر والأخلاق والثقافة والفكر والأدب، وهذا بحد ذاته يحتاج ليكون منهجاً ودرساً وصورة حقيقية للشباب للاقتداء به، من خلال ما قدمه في سنوات عمره التي حُفت بالمكاره والمخاطر والمحن والأزمات، ولكنها تكللت بعد ذلك بالنجاح والتفوق والتميز، سنوات من الدراسة والعلم والاجتهاد الديني والفكري والعرفاني والثقافي الذي يشار له بفاعلية وحضور كبيرين بين رواد الفكر الاسلامي المعاصر، وهذا ما يدعونا لبيان دوره الكبير في هذا الفكر وما قدمه من جهود غنية تليق بأن تكون دروساً وعبراً للشباب في صقل مواهبهم وطاقاتهم وإثراء عقولهم وخلقهم بهذه الطاقة الايجابية التي تحول المستحيل والمصاعب والمكاره الى حالة من النجاح والعطاء وإثبات الوجود لمقاومة عقبات الحياة وعوائقها وتحويلها الى طاقة تزود الانسان بالعمل والبقاء والإثراء والحياة بدلاً من التخاذل والانحراف والضعف أمام مغريات الدنيا والوقوع فريسة في يد الأمراض الاجتماعية والرذيلة والخطر والخطأ الذي يملأ المجتمعات اليوم، من خلال الابتعاد عن الأيمان الحقيقي بالله تعالى والدين والأخلاق والفضيلة، فالشباب رأسمال الشعوب والأمم والدول، وقد أعطى الرفاعي جزءاً كبيراً من فكره وعلمه ووقته للشباب والتواصل معهم بما يخدم هذه الشريحة كأب ومعلم وأستاذ ومجتهد ومفكر ومربي وإنسان له خبرة وتجربة طويلة في مجالات متعددة في الحياة وواجه مصاعبها بقوة قل نظيرها بين الناس، وقد أنشغل الرفاعي بتربية جيل من الشباب ورعاهم رعاية خاصة وحمل همومهم وآلامهم وحولها الى حالات من النجاح والابداع والعطاء، ولذلك فهو يعول كثيراً على الجيل الجديد (الشباب) في صناعة الحياة ومواجهة تحدياتها المعاصرة، وقد نجد دروس الرفاعي للشباب مبثوثة في كتاباته الفكرية، وقد خصهم في كتاب موجه لهم وهو كتاب (الثناء على الجيل الجديد )، الذي يقول فيه الرفاعي عن الشباب : “الجيل الجديد أثمن رأسمال في بلادنا للحاضر والمستقبل”(1) . ويقول أيضاً : “من يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل” (2) . ولميزة مرحلة الشباب وأهميتها كمرحلة عمرية في حياة الانسان توجه الرفاعي لطرح مشكلات وتحديات وإجابات جديدة تواجه الشباب اليوم، من خلال خبرته وتجربته الكبيرة كأب ومثقف وإنسان، بإسلوب حوار الأفكار بين جيلين، جيل الحكمة والمعرفة وجيل القوة والفتوة، وهذا ما دعى الرفاعي للقول بوجود عالمين مختلفين بين عالم الآباء وعالم الأبناء، وهذا لا يعني التخاصم والأنفصام والأنفصال بين العالمين، بل بتناغيم والوئام والتكامل بين الأثنين، حيث يقول : (ثمة عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد. لا يلتقي هذان العالمان في الكثير من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كل منهما على الضد من الآخر. لكل منهما رؤيته الخاصة للعالم، لكل منهما معاييره في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكل منهما تطلعاته للغد، لكل منهما مفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة، لكل منهما مواهبه ومهاراته وإبداعاته وابتكاراته ، لكل منهما منظومات قيمه ومفاهيمه الأخلاقية وأنماط تدينه. متطلبات الروح لكل منهما لا تتطابق ومتطلبات الروح للآخر، مشكلات وأمراض كل منهما غير الآخر. لكل جيل أمراضه الخاصة. استبدت بالجيل الجديد أمراض تحكي قوة الواقع الذي يعيشه، وتعكس تعقيداته المختلفة، والأصداء الحادة لإيقاع تحولاته المفاجئة. بعض هذه الأمراض أشد فتكا وأعنف وأخطر من أمراض الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروح الروح، وتوترات المزاج، واضطرابات المشاعر، وتقلبات التفكير، وتذبذبات المواقف.)(3)  . وهنا يمنح الرفاعي استقلالية العالمين لا تخاصمهما، والذي استشفه من كلامه هو مع سيادة مبدأ الاستقلالية ينبغي أن يكون هنالك مبدأ الأحترام والتقدير والاعتراف المتبادل بين العالمين أو الجيلين، لأنه سبق وأن كان الأب أبناً وقد كان له عالمه الخاص وظروفه التاريخية التي تميزه عن عالم أبيه، وسيكون الأبن أيضاً فيما بعد أباً وعليه أن يشعر بعالم أبنائه المختلف عنه، وكأن الأمر متلازمة منطقية بين عالمين، الأب الذي كان أبناً، والأبن الذي سيكون أباً، ففي العالمين على الإنسان أن يدرك ذلك ويتعامل معه بحكمة واحترام ووعي متكامل لا يسىء لأحد الطرفين.

ويلتفت الرفاعي الى نقطة مركزية في غاية الأهمية ألا وهي مسألة التربية والتعليم بين الماضي والحاضر، بين جيلين، جيل الآباء وجيل الأبناء، (النظام التعليمي الذي أنتج وعي الآباء مازال يعيد إنتاج وعي الأبناء، وهو إن كان متناسيا مع ذهن الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاج وعي مواكب لحياة الأبناء، بل يتفاقم التضاد والتناشر بين النظام التعليمي وبين قدرة الأبناء على التلقي والتعلم. كلما مرت عليه سنة جديدة يغدو متخلفا أكثر. وتيرة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي؛ كل سنة فيها تاوي عشرات السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاث العلمية في هذا الحقل. نحن بحاجة للبحث عن جذور هذه المشكلة في بنية التربية والتعليم الموروث منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالم الأمس المختلف عن عالم اليوم اختلافًا جوهريا. فلم يعد الكتاب وحده رافدا لتلقي المعرفة، بعد أن تراجع موقعه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانويا – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة. ولم يعد التعليم على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائما لعالمنا اليوم، بل لم بعد الصف المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائما للتعليم، وقبل كل ذلك لم تعد ملائمة اليوم معظم المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدسة بعشوائية في المقررات المدرسية المتدوالة. أغلب مضامينها لا ينتمي لعالم الأبناء، ولا يشبه أحلامهم، ولا يلبي احتياجاتهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها. يشعر الأبناء بالاغتراب والمرارة عندما تفرض عليهم هذه المقررات، وينفرون عندما يجدون أنفسهم ملزمين أن يمضغوا أشياء لا تشبه ذائقتهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علوماً ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطق حياتهم، ولا تتحدث لغة عصرهم.)(4) ويؤكد الرفاعي مراراً وتكراراً على أنه رغم اختلاف جيل الأبناء عن جيل الآباء وأستقلالية عوالم كل منهما لكن تبقى هنالك أسئلة وجودية وقيمية وفكرية بشرية مشتركة بين عموم الناس، ولكن علينا أن لا نورث قناعاتنا الفردية الشخصية لأبنائنا كما لو نورثهم المال والثروة، بل تبقى لكل منا قناعاته الخاصة به التي يتحمل مسؤوليتها الانسان نفسه، ذكراً كان أو أنثى، أباً أو أبناً، وأماً أو أبنة. فالرفاعي لا يحرّض الشباب على الآباء، ولا يدعو الآباء للتسليم المطلق أمام الأبناء، فهو يعتقد بأهمية الوصال والأتصال بين الأجيال، ولذا فهو أيضاً هنا يفصل ويفصّل المقال بين الأبناء والآباء من الأستقلال والأتصال، أعتماداً على مبدأ الحوار المتبادل بين الأجيال، والاعتراف بخصوصية وأهمية كل مرحلة عمرية يعيشها ويحياها الانسان، في كل زمان ومكان. وتأكيده على أن التربية والتعليم خيارها الحصانة لا المنع. والاستماع لأسئلة الجيل الجديد وأجوبته معاً دون أحتكار سلطة التفكير والتربية والتعليم.

ومما يسجله الرفاعي أيضاً على الشباب هو اساءة فهمهم من قبل الآخرين، وعدم الاقتراب من أسئلتهم  فيما يخص المسألة الدينية، سوء فهم يتعرضون له ويضعهم في إحراج فكري وديني واجتماعي، وخاصة في موضوع الألحاد وموقف الشباب من الدين، حيث يرى الرفاعي: إن     ( الجيل الجديد ليس ضد الله، هو ضد صورة الله الكئيبة التي رسمتها السلفية المتشددة. لا أظن أن هناك إنسانًا يستغني عن الله، الجيل الجديد يريد أن يرى صورة مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورها. بعد نصف قرن من تعلم وتعليم علوم الدين أحاول رسم هذه الصورة في ضوء ما ورد في القرآن، كتاباتي تحاول أن ترسم هذه الصورة بألوان النور كما رسمها الله لذاته. لعل هذا النوع من الكتابات يساعد في إيقاظ صوت الله في الأرواح الكئيبة، ويسعف بعض التائهين ليدلهم على الله، ويريهم تذوق إشراقات أنواره الأبدية. كثيرا ما تخفق السلطة السياسية والروحية في إدراك نمط وعي الجيل الجديد ومتطلباته، ما يوقعها في اشتباك معه عاجلا أم آجلا، ينهكها بالتدريج ويقوضها، إن لم تغير هذه السلطات مفاهيمها ولغتها وأساليبها وسلوكها يغيرها الجيل الجديد. قلما نجد أحدًا من الكتاب في الدين من يكرس جهوده للتعرف على أنماط عيش الجيل الجديد وآماله وآلامه، ويكتشف رؤيته للعالم وأحلامه وكيفية تفكيره، وفي ضوء ذلك يقدم المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه هذا الجيل. اكتشاف هذا المعنى الديني يتطلب اختراق التراث المتراكم، والعودة إلى القرآن الكريم والتمييز بين القيم الكلية الكونية التي يحتاجها الإنسان بما هو إنسان ويشترك فيها كل الناس مثل : الخير، والحق والعدل، والكرامة والمساواة، والصدق والأمانة والأمن، والثقة، وما هو خاص من قيم تعكس عصر البعثة الشريفة. أكثر ما نفكر فيه ونتكلمه ونكتبه مشغول بالماضي لا بالحاضر. نحن أمة يحكمها الأموات برؤيتهم للعالم وأفكارهم ومقولاتهم الاعتقادية.)(5) .  الرفاعي هنا يعتقد أن تحولات العصر الرقمي ألقت بظلالها على الشباب عالمياً، وطرق التفكير الجديدة متداولة بين الناس أكثر وأكبر من السابق، والشباب هم من يتقبل هذه التحولات والتجديد أسرع من غيرهم من جيل الآباء وكبار السن، وجل الأسئلة الفكرية والوجودية والدينية تطرح في مرحل الشباب، ساعة يتفجر السؤال الفلسفي والديني في ذهن الفتى والفتاة الشباب، ولكن المسألة الكبرى هي من يجيب على تلك الأسئلة، والى من يقترب ذلك الفتى وتلك الفتاة الشباب لمعرفة اجاباتهم وتحقيق طمأنتهم الفكرية والروحية، الى رجل الدين أم الى الاستاذ أم الى المثقف أم الى الأب والأم أم الى ذاته؟  تلك الحيرة والمسألة تحتاج الى اجابة ومعرفة أيضاً، خشية أن لا يقع الشاب في المحذور والمحضور الذي يلقي به في التيه ومخاطر الأفكار، وهذا ما تتوجه له اليوم مؤسسات وشركات عالمية كبرى لتحقيق أهدافها في غسل أدمغة الشباب وتوظيفهم في مجالاتهم التي يريدون، في الدين أو السياسة أو الثقافة الأيديولوجية أو أي مجال آخر يسعون به لزج الشباب في تحقيق مطامحهم ومطامعهم الشخصية المقيتة. ومن تلك الأساليب التي تسعى لها تلك المؤسسات، التي تتقن صناعة العرض والطلب الفكري والاقتصادي معاً، هو تثقيف الشباب بفكر مختلف تماماًعما تعيشه مجتمعاتهم وما تربوا عليه من دين ومعتقدات وأخلاق، لزج الشباب في حروبهم الاقتصادية من خلال المسألة الدينية والفكرية، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو جهل وعجز مؤسساتنا الدينية والسياسية والفكرية والثقافية في مخاطبة الشباب خطاب عقلاني وديني معتدل ومنفتح يقترب من تلك المشكلات ويطمأنها، بل كثيراً ما نجد إجابة المؤسسات والخطابات في جانب، وأسئلة الشباب وطموحاتهم في جانب آخر، وقد ملّ الشباب تلك الخطابات الجوفاء مما دعاهم للاقتراب من موجات التغريب ودعوات الالحاد والتجديد ونبذ الاجابات المحلية ذات الصبغة الدينية، ولهذا يجد الرفاعي حاجتنا اليوم أكثر مما مضى الى بث خطاب ديني وفكري عقلاني مستنير يطمأن الشباب ويقترب منهم أكثر.

يرى الرفاعي حيوية الدين وفاعليته وضرورته في حياة الانسان، فهو حاجة أنطلوجية بشرية لا يمكن الاستغناء عنها، (الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير والجسد والعقل الله حي لا يموت ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صور لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته، للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله. شبكات المصالح المعقدة تنتج صورًا لله تخدم مصالح الأشخاص والمؤسسات. يصعب جدا تحرير صورة الله من استغلال المؤسسات الدينية والسياسية والمالية واستثمارها لها بأساليب بارعة في اخضاع الأفراد والمجتمعات وتركيعها. إن الحياة اليوم، بكل ما تحفل فيه من: ذكاء اصطناعي، وهندسة جينات، وتقنيات البيوكيمياء المعقدة، وغير ذلك، تفرض على الإنسان العاقل طريقة التفكير ونمط الوجود الذي يتناغم معها، والتراث يفرض على الإنسان المسلم والجيل الجديد خاصة نمط وجود وطريقة تفكير وسلوك لا تتحقق إلا برفض التناغم مع معطيات العلم والتكنولوجيا والعالم الجديد، فيحدث التناشز، الذي يفرض على كل إنسان عاقل أن يقدم حياته ومصالحه المادية والمعنوية، ولا يجعلها قرباناً مجانياً للتراث، لذلك ينفر الجيل الجديد من التراث، ويقطع معه جذرياً، كي يعيش في العصر الذي هو فيه فعلاً، ولا يغترب عن واقعه اليوم.) (6)

لا أريد أن أفسد على القارىء الكريم متعة قراءة كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، ولا تقديم دراسة موسعة فيه أو عنه في هذا المقام، بل أحببت تسليط الضوء عليه، وتوجيه أنظار الآباء والأبناء معاً لمعرفة أسرار الكتاب وموضوعاته وطريقة الرفاعي في تناول أفكاره. ليعرف كل من الجيلين كيفية التعامل والسلوك والمعرفة بهوية كلا العالمين والتنسيق والتفاهم والتعايش فيما بينهما دون عنف أو تطرف أو كرهية في فرض الأفكار وفض الاختلافات بين الأثنين، والأحترام والاعتراف المتبادل بينهما.

ولا بد من القول أن الرفاعي يعد أباً وراعياً ومربياً ومعلماً لجيل من الشباب والأشخاص، هم الآن جيل من المثقفين والباحثين والمبدعين والمربين والاساتذة والقادة لهم شأن كبير في الثقافة والفكر والمجتمع، وحري بتجربة الرفاعي الفكرية والروحية والمعرفية الثمينة أن تتحول الى دروس وطاقة تلهم الشباب من أبناء الجيل الجديد، للارتقاء نحو النجاح والعمل والصمود في مواجهة الحياة ومقاومة مخاطرها ومفاتنها، وبناء عقولهم وشخصياتهم بهذه الدروس القيمة، لضمان تحقيق نجاح أكبر يخدم الفرد والمجتمع والدولة والبشرية عامة، بدلاً من أن يتحول الانسان الى وجود هامشي لا قيمة له ولا معنى في هذا العالم المتلاطم الأمواج.

د. رائد جبار كاظم، أستاذ الفلسفةفي الجامعة المستنصرية.

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الجبار الرفاعي. ثناء على الجيل الجديد. ط1. منشورات تكوين ودار الرافدين. الكويت ـ لبنان. 2025.  ص14.

(2) المصدر نفسه. ص 17.

(3) المصدر نفسه. ص 22 ـ23.

(4) المصدر نفسه. ص33 .

(5) المصدر نفسه. ص 42ـ 43.

(6) المصدر نفسه. ص 45ـ 46.

 https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

كتاب ثناء على الجيل الجديد: رؤية مدربة معلمات ومعلمين للكتاب من منظور مهني

 نور سكجها[1]

منذ أول ما ظهرت أمامي صورة غلاف كتاب: “ثناء على الجيل الجديد”، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، والصفحة الأولى التي يعلن فيها المؤلف بصراحة لافتة: “تعلمت من أبنائي أكثر من آبائي، وتعلمت من تلامذتي أكثر من أساتذتي”. لم أصدق جرأة العنوان، وما تضمنته كلمات الرفاعي في الاهداء وكل الكتاب. لن يفهم أحد بسهولة قدرة شخص على التصريح بأن هذا الجيل يستحق الثناء، إلا من دخل في أواصر المسببات للبعد بيننا و بينه. من فهم معاناتهم و أراد المبادرة بطرح الحلول.
كوني مدربة معلمات ومعلمين لمنهجيات و استراتيجيات نضمن بها حماية الطفل من أشكال الإساءات المتنوعة، و أهمها النفسية في الصفوف والمدارس، كنت دوما  أكرر جملة، أعتقد أنها أكثر ما جذبني للكتاب وفسرت رغبتي بالحصول عليه بأسرع وقت ممكن. أقول للمعلمين: رغم اتهام أغلب من يدرّسون و يربون الجيل الحالي بأنه سيء و كثير التذمر وقليل الانتباه و أنه جيل فاشل، الا انني شخصيا أشفق على هذا الجيل وأحزن على عدم فهمه وفهم أحلامه والزمن الذي يعيش فيه.
أكمل هذه الجمل بتفسيرات لطالما أخفقت في رصفها وسردها بالشكل الصحيح المناسب. كنت أحاول أن أسرق بعض دقائق من الجلسة التدريبية لكي أجرب وضع التربويين و المعلمين في مكان هذا الجيل الذي يوجهون إليه أصابع الاتهام بالفشل و قلة الأدب. في عقولهم، في عيونهم، وفيما يواجهون من كثرة مصادر المعلومات دون المؤهلات التي تحميهم من الضياع والتحليل الناقص، والتخزين الخطير لمعلومات تصبح يوما ما هويتهم.
دعوكم من التعميم المتسرع السائد في جلساتنا، هذه قصة أخرى تقتل بمن يفتقدون الوعي الأملَ نهائيا من الجيل، وتمنعهم من اعادة التفكير.
لنركز اليوم على عدم قدرة من سبقوا الجيل الذي يعيش بزمن الهوية الرقمية، من تخيل صعوبة العيش بهذا الزمن. بكل ما يحمل من تحديات، لا نحن كأهل مستعدون لها، ولا باستطاعتنا تهيئة الجيل الحالي لها، بل ان الأسوأ من هذا هو هروبنا أحيانا منها.

مضيت بهذه الأفكار لبضع سنوات، أدخل بها على صفوف و أخرج من أخرى. أقابل مسؤولين في ادارات أهم المدارس، وأهالي وأمهات يائسات من أبنائهم المراهقين، وما دون سن المراهقة. وأنا كل ما يشغل بالي هو: كيف يمكنني أن أجد الوقت والطريقة والاثباتات والمداخل لأقرب الجيلين أو فعليا الثلاث أجيال التي أقابل من بعض؟
كيف لهم أن يدركوا أن الأمر أكبر وأعظم من مشكلة منهج أو أسلوب أو مبنى بحاجة لترميم؟
كيف يمكنني أن أجعل هؤلاء المعلمين والمعلمات والمدراء و المديرات وأصحاب المؤسسات التعليمية قادرين على احداث فرق حقيقي في حياة الطلاب “الصعبين” في منظورهم؟
كيف لي أن أفتح عيون الأهل على الحاجات الحقيقة لأطفالهم؟ لتكون مفاتيحهم لاستدامة العلاقة و الأمان العاطفي بينهم؟
ثم جاء الحل أمام عيناي. بعد أن ظهر منشور الاعلان عن كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي: (ثناء على الجيل الجديد)، لم أستطع ايقاف مخيلتي من رسم ما قد يكون محتواه. كطفل بدأت عيناه تلمع، ووجهه يرتسم مبتسما، وكأنه وجد حلويات العيد.

تأملات بغلاف ووصف قصير عنه لأحلام تحققت، لاستغراب من جرأة كاتب على مواجهة أكثر من ثلاث أرباع – ان لم يكن أكثر- من القراء الذين لن يعجبهم ثناء لجيل أرهقهم! أتعبهم! جيل من منظورهم بعيد كل البعد عن القيم و العادات و المسلّمات التي يحاولون جاهدين تلقينها لهم بأساليب تحتضر. يقول الرفاعي في مقدمة الكتاب: “أحاول في هذه الأوراق تقديمَ رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أيّ إنسان في الأرض”.
في صورة الكتاب المرفقة هنا أكثر من مئات الكلمات التي يمكن أن أكتب عنها. أعتقد أنها انعكاس لما بداخلي أكثر منها صورة شكلية للكتاب. في الصورة كتاب: (ثناء على الجيل الجديد)، وأربع أيادي متعاضدة لأم وثلاثة أطفال، تمسك به كميثاق أو وعد أو اتفاق جديد، كونته مع أطفالي لحظة انتهائي من قراءة هذا الكتاب التحفة. لن أستسلم من محاولة تصغير هذه الفجوة أبدا بين الأجيال في عصرنا.
وجدت الحل بهذه الصفحات من كتاب الرفاعي، ووجدت الدليل المنطقي لكل ما كان يتراكم بذهني بسرد ممتع معاصر ثري. في الكتاب و أخص فصوله الأولى والأخيرة، الكثير من الأرقام والمعلومات والرؤى التي تثبت حاجة مجتمعاتنا للتغيرات الجذرية بأنظمتنا التعليمية و التربوية. هذا نموذج يجب  أن يدرس للمعلمين أولا ثم الأهل، الآباء والأمهات والأجداد.
تخيلت الكاتب جالسا على أريكة منفردة بزاوية ما ببيت ابنته يراقب حفيدته، يحلل و يفكر، يتحدث معهم و يسألهم، ثم يكتب انطباعاته بتأمل عميق، ليحولها لاستنتاجات تتلخص ببراعة في كتاب.

أتخيل أيضا، ربما كانت محاضراته وندواته تمتد لما بعد وقت انتهائها، فيكون جالسا مناقشا لشباب تستفزه أسئلتهم، ول يستفزه تمردهم وشكواهم من سوء فهم محيطهم من الجيل السابق لهم. يعيد تكوين أفكار ويخلق أخرى مما يتعلم منهم، رغم كبر قدر علمة و ثراء فكره العظيم. يبهرني هذا فعلا. يتحدث قائلا: “لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إليّ، يعرفون جيدا قربي لهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وكنت وما زلت أقرب لرؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي. ذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم، وما يعد به غدا”.
مع اتساع الفجوة بين الأجيال، ورغم أنني أرى أننا كمجتمعات سنقاوم جدا ما ورد بهذا الكتاب، إلا أنني متأكدة ان هذا الإدراك سيأتي لهم يوما ما.
اقتباسات كثيرة يمكننا أن نخلق من كل منها مقدمة لكتاب ممتد بأفكار أخرى، وتعمق أكبر لبحوث ونظريات لافتة جديدة. يدعو المؤلف الآباء لتمكين الأبناء من القيادة بقوله: “لو تراجع الآباء خطوة إلى الوراء، وفسحوا الطريق للأبناء في قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع وإدارتها، وشاهدوا الحضور الفاعل والمؤثر لوعي الجيل الجديد وخبراتهم، وقدراتهم الاستثنائية على الإصغاء لصوت العصر، لفوجئوا بمبادراتهم الرائدة في الحقول المتنوعة، وقدراتهم في التغلب على عوائق النهوض، وجعل بلادنا تواكب متغيرات الواقع وتصغي لمتطلباته، ووضعوها في آفاق العالم الحديث”.
كم كان جميلا حديث الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن حاجة كبار السن لوسائل التواصل في زمن نفتقر به الاتصال العائلي، وكيف أنه صار للكثير منهم منقذا من الوحدة والغربة. وكم أعجبت بوصفة للعالم الرقمي، وتلخيص أسباب فشل النظام التعليمي المدرسي والجامعي في عصر الهوية الرقمية بعوامل محددة واضحة.
أثرى الدكتور الرفاعي كتابه بما أصفه بـ “هدنة”، بعد أن جعلنا ندرك نواجه أنفسنا بالحقيقة بين أول وآخر الكتاب. فتحدث لنا عن: الاستثمار في الحب، ومعنى الوجود والحياة، والصمت، ومفاهيم مضيئة من الدين والتراث والتاريخ. الواعي المثقف المطلع هو فقط من سيستوعب أهمية السير بالتوازي بكل هذه الأفكار معا وتكاملها. وأهمية بذل مجهود متساوي لتحقيق نجاح حقيقي في انشاء جيل واع متوازن، قادر على التعبير عن نفسه و معرفة هويته، والأهم تجانسنا وتضامننا معا كأجيال مختلفة بهذا الزمن.
يؤكد الرفاعي على أن: “التربية السليمة تعتمد الحصانةَ لا المنع، الأبناء ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذر علينا إرجاع الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنع أولادي من اللعب في الشارع والاندماج بجيلهم، والتعرّف على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشاف ذواتهم، والتنقيب في خرائط دروب الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصت على أن يكون أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتهم في سياق طبيعتهم البشرية وبنيتهم النفسية وزمانهم، فصاروا يعبرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم”.

كل الشكر و التقدير للدكتور عبد الجبار الرفاعي، أولا على جرأته في طرح هذا الأمر بكل فخر، ابتداءً من عنوان الكتا  والإهداء لأبنائه وتلامذته إلى نهاية الكتاب. وثانيا على إثراء هذا كله برؤى تربوية أساسية لبناء الجيل الجديد واستثمار طاقاته، ليكون يوما ما دليلا على محاولة عربيه جادة لتغيير نمط تفكير متكرر يقود لصراع الأجيال.

أتمنى أن تضيء رؤى الرفاعي مجتمعاتنا كما تضيء رؤية الشمس أرضنا، لأنها رؤى مكتنزة بفكره الواعي لمشكلة من أعمق مشكلات حياتنا اليوم في العائلة والمدرسة والمجتمع.

[1] كاتبة أردنية، تعمل مدربة معلمات ومعلمين أطفال.

 

https://altanweeri.net/14752/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%9b-%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%af%d8%b1%d9%90%d9%91/

كتاب ثناء على الجيل الجديد[1]

 د. عبد الجبار الرفاعي

‏  يشكو بعضُ الآباء من أبنائهم، يشكو كثيرٌ من المعلمين من تلامذتهم، ويشكو أكثرُ أساتذة الجامعات من طلابهم في المراحل المختلفة اليوم. قلما نسمع أو نشاهد أو نقرأ أحاديث وكتابات وبرامج تشيد بالأبناء، وتتفهم نمطَ حياتهم وثقافتهم ورؤيتهم للعالم. تستبدّ الشكوى من الجيل الجديد بنحو خلقت حالةَ تناشر بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وأفرزت ظواهرَ مريرة للأمن العائلي والمجتمعي. أعرف آباء وأمهات يشعرون بالخيبة، ويعلنون ندمَهم على الإنجاب، وربما يعلن غيرُ واحد منهم ندمَه على الزواج وبناء العائلة، ويتمنى لو عاش من دون أعباء العائلة والأبناء المرهِقة، ويتحسّر على أحلامه الضائعة.

أحاول في هذه الأوراق تقديمَ رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أيّ إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة بدأت تتشكل قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون هذه العائلة من أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وأكملوا تعليمهم العالي، وتحصَّل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير.

لا أفتقر لمعرفة بالجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي لهم وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وكنت وما زلت أقرب لرؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي. ذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم، وما يعد به غدًا. لا أريد أن أكون محاميًا عن جيل يتميز بالجرأة والوضوح والمباشرة في التعبير عن ذاته وهمومه، وفرض حضوره النوعي بقوة وكثافة في عالمنا اليوم، وسيحضر بشدة غدًا. ولا أريد التحدث نيابة عنهم، هم الأجدر والأخبر بمعرفة تضاريس عالمهم، والأمهر بشرح همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم.

أعرف أن كتابًا بعنوان: “ثناء على الجيل الجديد” لا يخلو من إثارة، وربما يُستفَز قراء أكثرُهم من جيلي يكابدون صراعًا مع الأبناء. أظن أن بعضهم كان يترقب عنوانًا بديلا لهذا الكتاب، وهو: “ثناء على جيل الآباء”، بوصف الآباء يختزنون حكمة وبصيرة وخبرة لا يمتلكها الأبناء، وأن جيلهم الذي أنتمي إليه هو جيل القيم والمثل السامية والمسؤولية والنضال، جيل حملَة الرسالات الأممية والقومية والأصولية، جيلٌ صانع للثورات، ومعلّم للأجيال.

أحد أعمق عوامل مأزق السياسة والثقافة والتربية والتعليم في بلادنا، تشبّث الآباء وقبضتهم الحديدية على مواقع قيادة الدول المختلفة وتأسيس الحكومات، وإجهاضهم لأية محاولة تسعى لتمكين الجيل الجديد من قيادة المؤسسات والمنظمات والأحزاب. أكثر الآباء في بلادنا بلغوا العقد الثامن، وبعضهم في العقد التاسع، وغارق بالأمراض المزمنة المنهكة، وهم متشبثون بمواقع قيادية احتكروها عشرات السنين،كما احتكروا السلطة وإدارة السياسة والاقتصاد في الدولة، واستأثروا بالمال والثروة، وتسلطوا على التربية والتعليم والثقافة، وهيمنوا على وسائل الإعلام، وامتلكوا مصادر القوة المادية والرمزية. لو تراجع الآباء خطوة إلى الوراء، وفسحوا الطريق للأبناء في قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع وإدارتها، وشاهدوا الحضور الفاعل والمؤثر لوعي الجيل الجديد وخبراتهم، وقدراتهم الاستثنائية على الإصغاء لصوت العصر، لفوجئوا بمبادراتهم الرائدة في الحقول المتنوعة، وقدراتهم في التغلب على عوائق النهوض، وجعل بلادنا تواكب متغيرات الواقع وتصغي لمتطلباته، ووضعوها في آفاق العالم الحديث.

لا يحمل هذا الكتاب شعارات تحريضية ولا دعوات تعبوية، إنه محاولة تنشد تفسير ما يميز جيل الأبناء ويجعله متفوقًا على آبائه وأسلافه، ولا ينشد الكتابُ افتعالَ صراع بين الأجيال، بل يحاول الكشف عن نسيج تضاريس الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتنا اليوم. إنها دعوة لتفهم الآباء لعالَم الأبناء، وتفهم الأبناء لعالَم الآباء. ولا يتحقّق ذلك إلا بمواقف شجاعة للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوار والتفاهم والتصالح، والعمل الجادّ على خلق شراكة واقعية تُستثمَر فيها الطاقات من أجل بناء عالم أجمل، والسعي لخفض وتيرة عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

أوصي الأبناء بتفهم آثار تقدّم العمر، وما يحدثه من متاعب متنوعة للآباء، والمسؤولية الكبيرة للأبناء في رعايتهم. خريف العمر يدعو الآباء للمزيد من الاهتمام بالجسد، وحراسته بعناية صحية وغذائية فائقة، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. بتقدّم العمر تمسي الاحتياجات الروحية والعاطفية للآباء أشدّ، وكأنهم في عواطفهم يعودون إلى مرحلة الطفولة، وتظهر بوضوح لدى أغلبهم حاجة ماسّة للثقة والإخلاص والعطف والرأفة والرفق والحنان والمحبة. ليتفهم الأبناء أن المسؤولية الأخلاقية تفرض عليهم وفاء شيء من دَين الآباء، الذين أمضوا سنوات طويلة في احتضانهم عاطفيًا ورعايتهم وتربيتهم، وتأمين عيشهم، واحتياجات حياتهم المتنوعة. مثلما لا يستغنى الأبناء عن الثقة والحنان والمحبة والتراحم، وينزعجون من إهمال المقربين لهم، ‏لن يستغنى الآباء عن هذه الاحتياجات العميقة في النفس الإنسانية أبدًا، بل تكون حاجتهم أشدّ بكثير من حاجة الأبناء. يؤذي الآباءَ الإهمالُ واللامبالاة، وعدم الوفاء والاكتراث بآلامهم واحتياجاتهم المتنوعة، ويفزعهم عدمُ الاحترام والإهانة وانتهاك الكرامة. يقلق الإنسان وهنُ البدن وضعفه، وافتراس الأمراض بتقدم العمر، وعدم القدرة على العمل الذي يمنح حياةَ الإنسان معنى يعزّز قيمته وتقديره لذاته، ويشعره بقدرته على الاستمرار بالمشاركة في العطاء وجعل حياة غيره أسعد.‏

مستقبل الدول والحكومات والإدارات والمؤسسات المتنوعة يفرض عليها تغلغلُ الذكاءُ الاصطناعي وحضورُه بقوة في كلّ مجالات الحياة، ويدعوها لأن تعيد النظر في فهمها للواقع المركب العميق الملتبس، ونمط وعيها لديناميكية عملية التغيير. مَن يتخلف عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يغامر بخسارة الحاضر والمستقبل. الأبناء أشدّ تناغما وأبرع من الآباء باستعمال هذا الذكاء، وتوظيفه بمهارة في مجالات الحياة المتنوعة، والتفاعل معه بشغف وتطويره. الواقع يفرض علينا اكتشافَ مواهب الأبناء وتحفيزهم لتنمية مواهبهم وإثرائها. مَن يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل. لو كان أحد الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجال معرفي معين، وكانت موهبته ضئيلة فيه؛ يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا حاذقًا في مجال آخر.

أتفهم جيدًا الظروف القاسية لبعض الأبناء في بلادنا ممن مازالوا يحفرون الصخر بأظفارهم، كي يرتشفوا شيئًا من التعليم الأساسي في مدارس مازالت مبنية من الأكواخ أو الطين، وتفتقر للمرافق الأساسية، ولا تقي من حرّ أو برد. أتفهم ظروف عيشهم المريرة، لأن مسيرة حياتي في الطفولة صنعتها أقدارٌ شقية. أنا ابن فلاح من قرية في جنوب العراق، تفتقر الحياة فيها لأدنى متطلبات العيش الكريم. لا أعرف كيف استمرت حياتي فيها، وكيف أكملت تعليمي في مدرسة بقرية مجاورة، وكيف استطعت العيش في ظروف بالغة القسوة. وإن كنت حتى اليوم أدفع فاتورة قاسية لسوء التغذية الحادّ والحرمان من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعف البصر الشديد في احدى عينيّ، إثر جهل الأمهات بتطبيبهنّ البدائي عند إصابتي بالرمد.

لم أكن مختارًا في الإقامة ببلدان قذفتني فيها أقداري واضطررت للعيش فيها. أجد نفسي كلَّ مرة في بلد لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل. فرضت عليّ الأيامُ ضرائبَ قبل ولادتي وبعدها، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهظة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينية وعشائرية هرمية، تستمدّ قيمتها من النسب، والانتماءِ كرها لطبقة، تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه الطبقية وجيناتهما الوراثية.

أقدم هذا الكتاب ثقةً بالجيل الجديد، وتثمينًا لجهوده وما يتطلع إليه من إنجاز مبتكر. وتحية محبة وامتنان للأبناء صانعي مستقبل عالمنا وأوطاننا.

[1] مقدمة كتاب ثناء على الجيل الجديد، صدر حديثا عن منشورات تكوين في الكويت ودار الرافدين في بيروت.

 

https://alsabaah.iq/102806-.html

في سبعينية عبد الجبار الرفاعي … شيخ الشباب

 د. ياسر عبد الحسين[1]

  لمدة ليست بالقصيرة.. كانت ومازالت ترتيب مكتبتي يعبر عن شخصيتي، كانت الكتب التي أكثر من مراجعتها، والاطلاع عليها هي الأقرب للرفوف القريبة لمنضدة الكتابة واوراقي المبعثرة، بينما الأقل أهمية تبتعد في الرفوف العليا، حيث اراجعها في حالات نادرة، تلك الكتب التي تحتاج الى سلم للصعود من اجل ان المسها وأقلب اوراقها، لمدة ليست بالقصيرة كانت الكتب الإسلامية والفقهية هي الأقرب.. وتحديدا الكتب والمراجع الأًصولية التي تدور حول النص المقدس وأهميته من مختلف المذاهب الاسلامية، ولكن بمرور الأيام أصبحت هذه الكتب تبتعد قليلا.. قليلا الى الأعلى وصولا الى الرفوف التي تجاور السقف.. كان يدور في بالي عدة أسئلة.. وفي طي مراجعتي المستمرة التي اعشقها بحثا عن ذاتي، لماذا بدأت الكتب التي كانت تجاورني لسنوات طويلة تبتعد، ولماذا اختفت كتبي الدينية الخاصة التي كانت تحت الوسادة خوفا من اكتشاف والدتي ماذا أقرا من كتب ممنوعة آنذاك.

ولعل ردة الفعل التي صاحبتني على سلوك أحزاب الإسلام السياسي هي السبب، وانا اشاهد البون الشاسع بين النظرية والتطبيق في أتون المعبد، وان الشعارات التي كنا ننظر لها بقدسية وحماس بدأ توهجها بالانطفاء بسب غياب عنصر التحدي الذي كان موجودا أيام النظام السابق، ولعل أيضا كتب العلوم السياسية التي تشجع على التفكير المادي هي السبب، والبحث عن التفكير الواقعي… وغير هذا وذاك.. لا بد للروح من استراحة.. ولا بد للقلب من محطة حب وامتزاج العشق بطريقة تحترم العقل وذاته.

في خضم التحولات الحادة التي ترافقني وترافق الكثير من أقراني الذين يعانون ذات المشكلة بدأت بالاطلاع على فكر انساني إسلامي تنويري، يحترم كرامة الانسان ويقدم لهويته وروحه بلسما آخر مختلف غير غارق بالتفاصيل التي تكمن فيها الشياطين، وبدأت تلك الرحلة القلقة من كتاب استاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي (الظمأ الأنطولوجي)، ليروني من ظمأ عانت منه روحي الطامحة للبحث عن السكينة الخاصة، وهو بتعبيره (الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود لأنه ظمأ الكينونة البشرية، باعتبار أن وجود الإنسان وجود يحتاج إلى ما يثريه)، وهكذا بدأت رحلتي المميزة الى عالم آخر من فهم مختلف للدين والنص والوحي وعلم الكلام، وبدأت بنهم أقرأ لهذا الكاتب الروحي الأخلاقي العقلاني المميز قبل التعرف على شخصيته وميزته، وما ان بدأت حياتي الشخصية بالاختبار، كان الرفاعي الأقرب فهما وتصوفا وجمالا في السؤال عني وعن ما يشغلني، ليكون مصداقا لما يكتبه من نص وما يسلكه في تعامله الأخلاقي الرفيع مع أبنائه ومحبيه وطلبته.

مشكلة الجيل هو ذلك الخاطب الفاقد لروح عصره، كما يقول الإمام علي: (لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)، عالج العلامة عبد الجبار الرفاعي هذه المسألة ليقدم رؤية مغايرة تقترب من هذا الجيل الحالي وهمه، لهذا فهو حقا شيخ الشباب، حينما يرى الآخرون هذا الجيل الفاقد لهمته. يرى الرفاعي ان عقل الشباب اليوم أنضج ووعيهم للحياة أعمق من سابقيه، ويقارن بين عالمين أحدهما مركب والآخر بسيط، بين عالم متنوع واخر أُحادي، عالم تتفاعل فيه الهويات والثقافات، وعالم داخل الحدود وآخر رحب تتسع له الآفاق، بل يعترف الرفاعي في مقالة أعدها أكثر من رائعة تحت عنوان: (ثناء على الجيل الجديد) بقوله: (لفرط رومانسيتِنا ضعنا وضيّعنا الأوطان، ولفرط واقعيتهم ما زالوا يفتشون بعناد عن دروب للخلاص لا تكرّر متاهاتنا)، هذا الاعتراف غير المجامل يقرب المسافات البعيدة بين الخطاب المتعالي بين الدين والمجتمع، ليدخل ثنايا عالم الشباب الباحث عن البوصلة الأقرب لفهم هويته وروحه.

الرفاعي أراد ان يحقق لذاته فهما مغايرا، ويقدم تجربة جديدة في المسرح الاجتماعي بعيدا عن الصنميات، ويدعو هذا الجيل لمواجهة الأصنام البشرية، ويرى في هذا الجيل قدرة بما يمتلكه من نزعة فردية في شعوره عصيا على الاستعباد، كما يقول شاعرنا الكبير أبي فرات الجواهري:

سينهض من صميم اليأس   جيلٌ مريـد البـأسِ جبـارٌ، عنيد

يقـايضُ ما يكون بما يُرَجَّى   ويَعطفُ مـا يُراد لما يُريد.

حتى هذا التمرد الشبابي الذي يريده الرفاعي ان يكون منتظما قائما على بارادايم معرفي وتواصل بناء، وهو بذلك يواجه مشكلة العصر في عالم البناء التربوي والملازم لحالة فشل لغة الآباء في التواصل مع الأبناء، ولأن مرحلة البناء مستمرة في حياة الانسان رغم خصوصية مرحلة الشباب كما يقول أرسطو (تصنع العادات الجيدة المكتسبة في سن الشباب الفارق كله).

عبد الجبار الرفاعي يريد ان يجعل الآباء، سواء كانوا آباء الدين او السياسة او المجتمع، ان يتخلصوا من نظرتهم الدونية تجاه الشباب، لأن عنصر التغيير هو حاسم اجتماعيا في هذه المسألة، وخصوصا اذا ما اقترن هذا التغيير بالاجيال المجتمعية الراهنة، وفي هذا السياق يقول الفن توفلر Alvin Toffler  في كتابه ( الثروة واقتصاد المعرفة) بأنه اذا كان الجيل الناشئ يهتدي برسالة التغيير، فأن التحولات القادمة أخطر ما تكون على المؤسسات القائمة حاليا لأنها ليست في حد ذاتها لا يمنية أو يسارية، ديمقراطية أو مستبدة، فرسالتها الضمنية العليا هي ان مجتمعاتنا كافة، وكل أساليب حياتنا، هي مؤقتة بطبيعتها، وكما يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: “لا يمكن للمرء أن يستحمّ في النهر نفسه مرتين”.

جيل التطبيقات والتواصل الاجتماعي هو جيل اشد حضورا من جيل الكاسيت بكل ملامحه وتضاريسه، وبالتالي فان صياغة العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها في سياق حياة ورغباتِ وأحلامِ جديدة، يجب على المجتمع احترامها، بل الاعتراف بها. الاجمل ان نقرا نصوصا يطابق صاحبه بها سلوكا، لا كما جاء في حالة جان جاك روسو الذي ألف كتابا في التربية وله نظريته الخاصة في هذا المجال، لكنه يقول في كتابه (الاعترافات) أنه أنجب خمسة أطفال وقام بإيداعهم في الملجأ وفشل في تربيتهم.

النظرية غير التطبيق، وهذه فرصة للإشارة بان مدرسة الرفاعي انتجت ولده الدكتور محمد حسين الرفاعي منظرا ومفكرا شابا مميزا، أصدر اخر أربعة من الكتب مميزة جدا، في موضوعات خطيرة مثل أزمة الهوية والأخلاق، والمواطنة والديمقراطية، وعن المنهج والبحث والعلمي، ولولا ان مطربة الحي لا تطرب لطرز اسم نجل الرفاعي في جامعاتنا بشكل يليق بفكره واناقة طرحه.

يبقى للشباب دور رائد في صناعة هذا العالم، ويدعو الدكتور الرفاعي الى الاهتمام ببنية النظام التعليمي الذي أنتج وعيَ الأباء ومازال يعيد إنتاجَ وعي الأبناء على حد تعبيره، فالجيل الذي وضعت نظريته في أطار علم الاجتماع السياسي، وضع أسسها العالم كارل مانهايم  Karl Mannheim الذي يرى أن الأشخاص بشكل عام يتأثرون بالبيئة الاجتماعية التاريخية التي تسيطر على شبابهم وخصوصا في قمة نشاطهم، وبمرور الوقت يكون على أساس تلك التجربة الاجتماعية تتولد أجيال يكون لها عوامل للتغيير، رغم ان الثقافة السائدة تميل الى حالة الحذر من الشباب، بسب صفة الاندفاع ، ولهذا ترى على سبيل المثال ينقل أن رئيس وزراء الهند نهرو عندما وجد جمال عبد الناصر في أحد الاجتماعات يعلو صوته قال له: ( تحتاج كثيرا إلي الشعر الأبيض)، أي أنه يحتاج إلي العقلانية والخبرة والكثير من النضج السياسي، وبغض النظر عن رؤية الحكمة او الاندفاع والتهور في السياسة التي يقوم بها الشباب فانه عموما بعد ان هرم (الحرس القديم)، نحتاج الى التصالح الحقيقي مع هذا الجيل، وهذا ما يدعو اليه الرفاعي الذي يفكر بعقلية الشباب المتزن، وكما يقول فرانسيس بيكون  Francis Bacon  (تكمن الشيخوخة في الروح أكثر ما تكمن في الجسد) . العمر البايلوجي لم يكن بحد ذاته عائقا في الخير او الشر، ماذا يعني ان يكتب محمد باقر الصدر أشهر كتبه الفلسفية وعمره 26 عاما وسط أساطين الفقهاء.

ان منح الثقة والاعتراف مدخل مهم لدعم هذا الجيل في مهمته التاريخية التي يجب ان تكون مدعومة بالثقة من قبل الإباء والاعتراف بالأخطاء ومنح مساحة لتقديم هذا الرونق بروح شبابية عصرية تواجه زخم التحديات بثقة وثبات.

ولأهمية ما قدمه الرفاعي من أطار تربوي واخلاقي ومعرفي للجيل الحالي سررت وانا أكتب هذه الكلمات سوف يخرج للنور قريبا كتابه الذي يرى فيه ضوء الحاضر والمستقبل في عيون الجيل الجديد كما يقول، عن منشورات الرافدين ببيروت وتكوين في الكويت، فألف تحية للعلامة الرفاعي في ميلاده السبعين الممتدة بالعطاء والنتاج الزاخر، ولقلمه المملوء ايمانا ورحمة وحبّا ومعرفة آلاف التحايا. وأقول له كما يقول العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله في ديوانه (أشعار في السبعين):

أستلهم الذكرى فيلهب خاطري   فكر يشق الى السماء سبيلا

والفكر في لغة السماء عقيدة    طافت لتخلق من هداها الجيلا

[1] دكتوراه علوم سياسية، دبلوماسي في وزارة الخارجية العراقية.

 

https://altanweeri.net/12858/%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A7/