الوجود الخوارزمي بوصفه قطيعة أنطولوجية

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما يتحدث مارتن هايدغر عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيرًا في الطبيعة البيولوجية للإنسان، وإنما يشير إلى تحول عميق في الكيفية التي ينكشف فيبها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزمان والمعنى. كل عصر تاريخي ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفية معيّنة، التقنية الحديثة ليست حيادية، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتًا، وإنما أفق انكشاف تاريخي، وكل عصر يفرض كيفيته الخاصة في هذا الانكشاف، وحين يتغير الأفق يتغير نمط الوجود نفسه. ماهية الوجود الخوارزمي ليست خوارزمية، يقول هايدغر: “ماهية التقنية ليست مطلقًا شيئًا تقنيًا”[1]، بمعنى أن التقنية الحديثة لا تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضية، لأنها قبل ذلك نمط تاريخي لانكشاف الوجود. التقنية ليست مجرد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسيطرة والمعادلات الحسابية. هذا النمط من الانكشاف يسميه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنية بعينها، بل الإطار الكلي الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب. في هذا الجهاز يظهر كل ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزونًا قابلاً للحساب والتنظيم والاستغلال. “الجهاز” هو الاسم الذي يطلقه هايدغر على ماهية التقنية الحديثة بوصفها نمطًا تاريخيًا لانكشاف الوجود، بنحو يفرض طريقة واحدة لرؤية العالم، ويقصي أنماط الكشف الأخرى التي تتيح التأمل، والإنصات للكينونة. بهذا المعنى لا تكون ماهية التقنية تقنية بل أنطولوجية، لأنها تحدد كيف يظهر العالم لنا، وكيف نفهم أنفسنا داخله. في هذا “الجهاز” يُستدعى كل ما هو موجود بوصفه مخزونًا جاهزًا للاستغلال والتنظيم بأقصى كفاءة، وتُعامل الطبيعة كمورد، فالأرض تصبح منجمًا للفحم، النهر يصبح مصدرًا للطاقة الكهرومائية، وحتى الإنسان نفسه يُختزل إلى موارد بشرية يمكن استعمالها كشيء من الأشياء. هذا التحويل يُفقد الأشياء أصالتها ويجعلها مجرد مخزون. الخطر ليس في التقنية نفسها، بل في هيمنة هذا النمط من الكشف الذي يحجب طرقًا أخرى لفهم الوجود، مثل الفن والتأمل.

خطر التقنية لا يقوم في أدواتها، وإنما في سلطانها على أفق المعنى، حيث يتحوّل الوجود إلى شيء معد للاستعمال. لم تعد التقنية مجرد وسيلة في يد الإنسان، إنما صارت إطارًا يطبع رؤيته للعالم، فتغدو الطبيعة مخزونًا للطاقة والمعادن، ويغدو الإنسان ذاته رقمًا أو وظيفة أو شيئًا كالأشياء. في هذا الأفق يتبدل نمط الوجود: السرعة تحلّ محل التمهل، الحساب يحجب التأمل، والجاهزية الدائمة تزيح الحضور العميق. يتسلل هذا النمط إلى وعي الإنسان من غير قرار واعٍ، فيفقد العالم أصالته، وتنغلق منافذ الانفتاح على إمكانات أخرى للفهم. وحده الوعي النقدي القادر على فتح علاقة أكثر حرية مع التقنية، وإبقاء سؤال الوجود حيًا في قلب التجربة الإنسانية.

أفق انكشاف الوجود يتبدّل ضمن ما يسميه هايدغر “الوجود-في-العالم”، حيث الإنسان ليس ذاتًا تقف خارج العالم، بل كائن منغمس في شبكة من المعاني والاهتمامات. العالم لا يظهر كمجرد أشياء مادية، بل كحضور مشبع بالدلالات، والإنسان لا يُفهم إلا من خلال صلته بهذا الحضور. التقنية الحديثة تفرض نمطًا من الكشف يحوّل الكائنات إلى موارد جاهزة للاستعمال، ويختزل الإنسان إلى وظيفة أو رقم، فتغدو السرعة بديلًا عن التمهل، والحساب بديلًا عن التأمل، والجاهزية الدائمة بديلًا عن الحضور العميق.

انكشاف الوجود لا يحدث خارج الزمان ولا يستقل عنه، فالزمان هو الأفق الذي تظهر فيه الكينونة أصلًا. الأشياء لا تُعطى دفعة واحدة، بل تتكشف ضمن عالم زماني يربط الإنسان بالماضي الذي يحمله، بالحاضر الذي ينخرط فيه، وبالمستقبل الذي يستبق إليه. الزمان عند هايدغر ليس تسلسلًا ميكانيكيًا للحظات، بل البنية التي يتحدد فيها وجود الإنسان نفسه. بهذا يصبح “الوجود-في-العالم” وصفًا أنطولوجيًا يكشف أن الإنسان لا يوجد كذات منفصلة تواجه العالم، بل ككائن منغمس في شبكة من المعاني والدلالات، حيث يتشكل وجوده دائمًا ضمن أفق زماني يفتح إمكان الفهم ويُبقي سؤال الكينونة حيًا. تخيّل شجرة في ساحة بيتك تراها ظلًا يخفف وطأة الحر، أو علامة حياة في أرض قاسية، أو ذاكرة صامتة لطفولة بعيدة، هذا الانكشاف لا يحدث خارج الزمان، بل يتشكل في سياق تاريخك معها، وفي لحظتك الراهنة، وفي أفق ما يمكن أن تصير إليه. أنت لا ترى الشجرة كما هي في ذاتها، وإنما كما تنكشف لك في زمانك، فيما تبقى وجوه أخرى من وجودها مستترة، حاضرة بالقوة لا بالفعل. هذا الاستتار ليس نقصًا في الشيء، وإنما تعبير عن كون الوجود زمانيًا، لا يكتمل في لحظة واحدة، ولا يمنح معناه دفعة واحدة. عند هايدغر يكون الفهم ممكنًا لأن الإنسان كائن زماني، يعيش المعنى في حركة لا في ثبات، ويختبر الوجود بوصفه مسارًا لا معطى جاهزًا. لو كان الوجود مكشوفًا بالكامل خارج الزمان لانغلق المعنى، ولتحول العالم إلى حضور جامد بلا أفق، ولتعطلت إمكانات السؤال والتأويل والتجربة. عدم الاكتمال هنا هو ثمرة الصلة العميقة بين الوجود والزمان. ما ينكشف اليوم قد يتبدل غدًا، وما يُفهم الآن قد يتعمق أو يتغير مع اتساع التجربة. هكذا يصبح العالم عالمًا حيًا، ويغدو الإنسان كائنًا يسكن الوجود عبر الزمان، لا يملكه ولا يستنفده، وإنما ينخرط فيه انخراطًا متجددًا، حيث الغموض ليس حجابًا يحجب الحقيقة، وإنما أثر زمانيتها، وشرط بقائها مفتوحة على المعنى.

اليوم يتخذ هذا التحول وتيرة أكثر كثافة وعجلة عبر الخوارزميات، إذ لا تكتفي الخوارزميات بتنظيم المعلومات، وإنما تشارك في تشكيل نمط خاص للوجود، وتوجيه الرغبات والاحتياجات، وترتيب الأولويات، وصناعة المعنى اليومي، فيتشكل الوجود الإنساني خوارزميًا من خلال ما ينكشف وما يُحجَب، وما يُقترح وما يُستبعد، وما يُسرّع وما يُهمَل. هكذا يغدو الإنسان حاضرًا في تدفقات رقمية متضخمة كشلال جارف، بينما يتآكل حضور الذات الداخلي، وتضيق المسافة بين الإحساس والفعل، فتضعف القدرة على السؤال والتأمل وبناء علاقة حيّة بالوجود.

هذا المنعطف الأنطولوجي ليس تحولًا تدريجيًا، بل هي قطيعة أنطولوجية حادة، أي انكسار في البنية الأساسية لحضور الوجود ووجوه انكشافه لنا، حيث لم يعد الإنسان هو المركز الوحيد للقرار والإنتاج، بل دخلت الخوارزميات كفاعل أنطولوجي جديد يشارك في صياغة العالم وتشكيل نمط وجود الإنسان وتعريفه لنفسه، والكيفية التي ينكشف له فيها وجوده في العالم. ما يتغير ليس ما يعرفه الإنسان فقط، وإنما كيفية ظهوره في العالم، إذ يتحول من كائن يسكن الوجود ببطء وتأمل إلى كائن يُدار وجوده عبر أنظمة خوارزمية، وتتشكل خبرته من خلال سرعة الاستجابة لا عمق الحضور. هذا التحول يضعنا أمام قطيعة غير مسبوقة في التاريخ البشري، لأن الوجود نفسه بات تعاد صياغته خوارزميًا، فينزاح مركز الثقل من التجربة الوجودية البشرية إلى الرقمنة، ومن المعنى المتولد من الذات إلى المعنى المقترح من الخارج.

من هنا يكون اقتراحنا لمصطلح “قطيعة أنطولوجية” توصيفًا واقعيًا لما نعيشه في فضاء نمط الوجود الخوارزمي، بنحو يصبح الوجود الخوارزمي طبيعة بديلة للإنسان، بما هو نمط وجود يتشكل عبر الخوارزميات، ويقطع مع أنماط سابقة كان الإنسان فيها مرجع حضوره ومعناه، قطيعة لا تُقاس بخسارة مهارات أو وظائف، وإنما بتغير تعريف الإنسان لذاته، والعالم الذي يسكنه، ومعنى أن يكون موجودًا فيه. نمط الوجود البديل لا يغيّر ما يفعله الإنسان فقط، وإنما يعيد صياغة إحساسه بذاته وبالعالم، ولا يجدُ إجابةً لمعنى كونه موجودًا، فيتحول السكن في الوجود إلى معطيات رقمية، ويتحول المعنى إلى ناتج معادلات حسابةي، ويصبح الخطر الحقيقي هو انغلاق أفق انكشاف الوجود في بُعد واحد، بُعد يحجب إمكانات أخرى للحضور الإنساني، مثل: الشعر، والإنصات، والمعنى، والتجربة الروحية، وهي الإمكانات التي نجد فيها منافذ لإنقاذ الإنسان من الذوبان في أفق تقني شامل، يحتجب في هذا الأفق الوجود، ويتحول فيه معنى الذات إلى معطى رقمي.

الوجود الخوارزمي البديل للإنسان لا يقتصر فعله على تنظيم المعرفة أو تسريع الوصول إلى المعلومات، وإنما يتغلغل تأثيره في بنية الوعي، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمان، والعمل، والإنتاج، والدولة، والسياسة، والسلطة، واللغة، والثقافة، والقيم، والدين، وذاته. التسريع الفائق الذي تقوم به الخوارزميات لا يستهدف تحسين الكفاءة فحسب، وإنما يميل في عمقه إلى إنتاج نمط وجود بديل يقوم على العجلة الدائمة، والحضور المبتور، واستبدال التجربة الحيّة بمحاكاة رقمية، فيغدو الإنسان متلقيًا قبل أن يكون فاعلًا، ومُوجَّهًا قبل أن يختار، بعد أن تستلب الخوارزميات قدرته على الاختيار وتعطل قراره بالرفض.

ما يحدث اليوم يتبدّى كقطيعة أنطولوجية قبل أن يكون تحولًا إبستمولوجيًا. القطيعة الإبستمولوجية تظل محصورة في تبدّل أدوات المعرفة ومصادرها وكيفياتها وقيمتها، أما القطيعة الأنطولوجية فتتغلغل إلى عمق الكينونة والزمان معًا، حيث لا يقتصر التحوّل على طرائق الفهم، بل يمسّ أفق الانكشاف ذاته. في هذا الأفق تتبدّل بنية الزمان: الماضي يتحوّل إلى معطى جاهز، الحاضر ينضغط في لحظة حسابية سريعة، والمستقبل يتحوّل إلى توقع مبرمج. بهذا الانقلاب يفقد العالم أصالته، ويتغيّر نمط حضور الإنسان داخله، ويعاد تشكيل معنى الوجود والزمان في جذرهما الأصيل.

القطيعة الأنطولوجية تعني تبدّلًا في أفق انكشاف الوجود، حيث لا يعود الإنسان يشعر بوجوده كما كان، ولا يدرك العالم ومن يشاركه العيش بالطريقة نفسها. في هذا التحوّل تتغيّر علاقته بالزمان والمكان والعمل والمعنى، وتتراجع مركزيته بوصفه فاعلًا حرًا قادرًا على الاختيار والتأمل. نمط حضوره ينزاح من تجربة قائمة على الإنصات إلى حضور يُعاد تشكيله من خارج الذات، حيث تتقدّم الاستجابة الفورية على الوعي المتأني. هكذا لا تقتصر القطيعة على المعرفة وأدواتها، بل تمسّ كيفية الكينونة نفسها، وتعيد رسم معنى الوجود المشترك في عالم يتبدّل أفقه الوجودي على نحو غير مسبوق.

الذكاء الاصطناعي، حين يتدخل في تشكيل الاحتياجات والرغبات، وتوجيه الانتباه، وصناعة المعنى، لا يغير ما نعرفه فقط، وإنما يغير كيف نكون، إذ يزحزح الإنسان عن مركزه الوجودي، ويتسلط على توجيه الخيارات التي يتخلق فيها الوعي والمسؤولية وحرية الإرادة. في هذا الواقع يتعمق اغتراب الإنسان الوجودي، لأن الوجود التقني يستنزف وعي الإنسان وروحه وقلبه ويصيره هشيمًا، فيغدو الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، متصلًا بالشبكات ومنفصلًا عن ذاته، محاطًا بمعانٍ جاهزة ومحرومًا من اختبار المعنى بوصفه تجربة ذاتية حيّة. هذه القطيعة لا تشبه تحولات سابقة في التاريخ البشري، لأنها لا تمس أدوات العيش وحدها، وإنما تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان ووجوده، بين الإنسان ومعنى حياته، بين الإنسان وذاته. إذا استمر التطور الفائق للذكاء الاصطناعي دون ضابط إنساني يوجهه إلى حماية حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، فإن الخطر لا يتمثل في هيمنة الآلة بحد ذاتها، وإنما في انزلاق الإنسان إلى نمط وجود خوارزمي في وعيه ورؤيته للعالم ومشاعره وإحساسه بالعالم وسلوكه، حيث يتآكل حضور ذات الإنسان بوصفه إنسانًا، ويتحول الوجود إلى تدفق بلا معنى، واغتراب مرير.

لا يتوقف الذكاء الاصطناعي كل يوم عن سرعته الفائقة وتقدمه المدهش، إذ كشف وزير الخزانة الأمريكي بتاريخ 20.2.2026 عن أن: “الذكاء الاصطناعي تقدم خلال الشهرين الماضيين بمقدار يساوي ما حققه من تقدم خلال السنتين الأخيرتين”. تحدث مات شومر الخبير بالذكاء الاصطناعي في مقالته المعنونة: [2]“Something Big Is Happening” “تحوّل كبير يحدث”، تحدث عن أن العالم يقف على أعتاب تحوّل نوعي عميق في مسار الذكاء الاصطناعي، تحوّل لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور تقني تدريجي أو تحسين في الأداء، بل بوصفه انتقالًا يمسّ طبيعة المعرفة والعمل والإبداع الإنساني ذاته.ـ “الشيء الكبير” الذي يحدث، بحسب الكاتب، يتمثل في اقتراب نماذج الذكاء الاصطناعي من أنماط فهم تشبه الفهم البشري، حيث لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر أو معالجة البيانات، بل باتت قادرة على توليد أفكار جديدة، وربط مجالات معرفية متباعدة، واقتراح حلول لم تُبرمج عليها بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعلها شريكًا معرفيًا لا مجرد أداة محايدة. المقال صدر في 11 فبراير 2026 لكنه انتشر بسرعة فائقة على وسائل التواصل، إذ حصد عشرات الملايين من المشاهدات في أيامه الأولى. وبحسب تقارير تلي اليوم الأول، ترد إشارات إلى أن المنشور تجاوز 80 مليون مشاهدة على X وحدها بحلول صباح يوم لاحق، مما يعكس انتشاره الكبير في أوساط الجمهور الرقمي المتفاعل مع موضوعات الذكاء الاصطناعي.

يقول مات شومر: “على الرغم من أني أعمل في الذكاء الاصطناعي، لكن ليس لدي تقريبًا أي تأثير على ما سيحدث، وكذلك الغالبية العظمى من العاملين في هذا المجال. المستقبل يتشكَّل على يد عدد صغير بشكل مذهل من الأشخاص: بضع مئات من الباحثين في عدد قليل من الشركات: OpenAI، Anthropic، Google DeepMind، وغيرها. عملية تدريب واحدة، تُدار من قبل فريق صغير على مدى بضعة أشهر، يمكن أن تنتج نظام ذكاء اصطناعي يغيّر المسار الكامل للتكنولوجيا. معظمنا ممن يعملون في الذكاء الاصطناعي يبنون فوق أسس لم نضعها نحن. نحن نشاهد هذا يتكشف مثلك تمامًا، الفرق أننا قريبون بما يكفي لنشعر بالاهتزاز أولًا”. ويضيف مات شومر: الأمر يحدث بالفعل الآن ويجب أن تفهموه. السبب في أن كثيرًا من العاملين في مجال التقنية يطلقون التحذيرات لأننا نحن أول من واجه هذا التحوّل؛ لسنا نتنبأ بما سيأتي، بل نصف ما حدث بالفعل في وظائفنا ونحذّركم أن الدور سيأتيكم. لسنوات كان الذكاء الاصطناعي يتطور تدريجيًا مع قفزات متباعدة يمكن استيعابها، لكن في عام 2025 ظهرت تقنيات جديدة جعلت وتيرة التقدم أسرع بكثير.كل نموذج جديد لم يكن أفضل فقط من سابقه بل أفضل بفارق أكبر، والفاصل الزمني بين الإصدارات أصبح أقصر. في الخامس من فبراير أطلقت مختبرات كبرى نموذجين جديدين في اليوم نفسه: GPT‑5.3 Codex من OpenAI و Opus 4.6 من Anthropic. يضيف الكاتب عندها أدركت أنني لم أعد ضروريًا للعمل التقني نفسه؛ أصف ما أريد بلغة بسيطة فيُنجز الذكاء الاصطناعي العمل كاملًا بجودة تفوق ما كنت سأفعله بنفسي. اليوم يمكنني أن أطلب منه بناء تطبيق كامل: يكتب عشرات آلاف الأسطر البرمجية، يفتح التطبيق، يختبره بنفسه، ويعدل ما لا يعجبه حتى يصل إلى مستوى يرضيه، ثم يخبرني: “التطبيق جاهز للتجربة”، وعندما أجربه يكون غالبًا مثاليًا. النموذج الجديد الذي صدر مؤخرًا، GPT‑5.3 Codex، كان الأكثر تأثيرًا عليّ يقول شومر، لأنه لم يكتفِ بتنفيذ التعليمات بل اتخذ قرارات ذكية بدت وكأنها تحمل حكمًا وذوقًا، وهو ما كان يُقال إن الذكاء الاصطناعي لن يمتلكه أبدًا. هذه النماذج ليست مجرد تحسينات تدريجية، بل هي نقلة نوعية مختلفة تمامًا. الأهمية هنا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالتركيز أولًا على جعله بارعًا في كتابة الأكواد، لأن ذلك يمكّنه من تطوير نفسه بسرعة أكبر، وبناء نسخ أذكى باستمرار. لم يتغير عملي لأنهم استهدفوا المهندسين، بل لأن البرمجة كانت نقطة البداية التي تفتح الباب لكل شيء آخر. والآن، بعد أن نجحوا في ذلك، يتجهون إلى جميع المجالات الأخرى.

وينبه شومر إلى أن ما يعيشه العاملون في التقنية اليوم، بانتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى منجز للعمل بجودة تفوق البشر، هو ما سيعيشه الجميع قريبًا: في القانون، والمال، والطب، والمحاسبة، والاستشارات، والكتابة، والتصميم، والتحليل، وخدمة العملاء. ليس بعد عشر سنوات، بل خلال سنة إلى خمس سنوات، وربما أقل. النماذج الحالية مختلفة جذريًا عمّا كان متاحًا قبل عامين، والفجوة بين إدراك الناس والواقع أصبحت خطيرة لأنها تمنع الاستعداد. كثيرون ما زالوا يحكمون على الذكاء الاصطناعي من خلال النسخ المجانية المتأخرة، بينما مَن يستخدم النسخ المتقدمة يوميًا في عمله يدرك تمامًا ما هو قادم. حتى في مجالات مثل القانون، هناك شركاء كبار في مكاتب عالمية يستخدمون الذكاء الاصطناعي يوميًا ويعتبرونه بمثابة فريق من المساعدين الجاهزين فورًا، ويلاحظون أنه يزداد قدرة كل بضعة أشهر. هؤلاء لا يستخفون بالأمر، بل يستعدون له بجدية، لأنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي يسير بسرعة نحو أداء معظم أعمالهم. إن التجربة التي بدأت في عالم التقنية تتحول الآن إلى واقع شامل، حيث سيجد كل قطاع نفسه أمام ذكاء اصطناعي قادر على إنجاز العمل بكفاءة أعلى، وبوتيرة أسرع مما اعتدنا عليه، وهذا التحوّل ليس بعيدًا بل يطرق الأبواب بالفعل.

من هنا ينتقد شومر التصورات السائدة التي تشبّه الذكاء الاصطناعي بالآلة الحاسبة أو بمحركات البحث، مؤكدًا أن هذا التشبيه فقد صلاحيته، لأن ما نواجهه اليوم هو كيان يؤثر في طريقة تفكير الإنسان نفسه، ويعيد صياغة الأسئلة قبل الأجوبة. في هذا السياق يوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان وظائف محددة، بل في التحول الجذري الذي يطال معنى المهارة وقيمة الذكاء التقليدي، إذ باتت مهام كانت تتطلب سنوات طويلة من التدريب تُنجز في وقت قصير، أو تُدعّم بأنظمة تتفوق أحيانًا على الإنسان، ما يفرض سؤالًا وجوديًا حول ما الذي سيبقى للإنسان في عالم تتغير فيه معايير الكفاءة والإبداع. كما يشير الكاتب إلى فجوة مقلقة بين سرعة ما يحدث فعليًا في المختبرات والشركات الكبرى، وبطء وعي المجتمع والإعلام وصناع القرار بهذه التحولات، وهي فجوة قد تولد ارتباكًا واضطرابًا واسعين إذا استمر تجاهلها.

ويعارض شومر الخطاب الذي يؤجل القلق إلى المستقبل، مؤكدًا أن التحول ليس أمرًا قادمًا، بل واقع بدأ يتجسد بالفعل في مجالات الكتابة والبرمجة والتعليم والتفكير، وأننا نعيش بداياته الآن لا لاحقًا. وعلى الرغم من خطورة الأسئلة التي يثيرها هذا التحول، لا يتبنى المقال دعوة تثير الهلع أو تتنبأ بالكارثة، بل نبرة دهشة وتأمل أمام حدث تاريخي يعيد تشكيل وجود الإنسان في العالم، إنه حدث يتجاوز تصنيفات الخير والشر الجاهزة. في خلاصة مقاله، يلمّح شومر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد امتداد ليد الإنسان، بل صار امتدادًا لعقله، وهو مرآة تعيد تعريف معنى الإنسانية نفسها ورؤيتها لذاتها والعالم، وهو ما يضع البشر أمام أسئلة غير تقنية تتعلق بالمعنى، والقيم، والهوية، وبكيفية التعايش مع معرفة لا تنبع من تجربة إنسانية وجودية حيّة، بل من محاكاة فائقة الاتساع والتشعب والتعقيد.

[1]  هايدغر، مارتن، التقنية-الحقيقة-الوجود، ترجمة: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط1، 1995م. الدار البيضاء-بيروت، ص 43.

[2] https://shumer.dev/something-big-is-happening?utm_source=chatgpt.com.

 

عبد الجبار الرفاعي والشباب في: (ثناء على الجيل الجديد)

د. رائد جبار كاظم

تميزت سيرة حياة عبد الجبار الرفاعي الشخصية، ومسيرته الفكرية والثقافية، وتجربته الدينية والروحية، وجهوده العلمية والمعرفية، طوال فترة تاريخية تجاوزت النصف قرن، بالعطاء والانجازات والدراسة والكتابة والتأليف والمغامرات واختلاف الاحوال والمقامات الدينية والفكرية والثقافية والادارية، منذ فترة طويلة وهو يحث الخطى بمفرده وبما يبذله من طاقة وجهود فردية فريدة، وصبره الطويل وحفره في الصخر ليكون شيئاً وشخصاً وأسماً يشار له بالبنان، وفعلاً تحقق له ذلك من خلال صناعة نفسه وإدارتها إدارة ذاتية وخلقها خلقاً جميلاً صارت قدوة للآخرين، في السير والسلوك والفكر والأخلاق والثقافة والفكر والأدب، وهذا بحد ذاته يحتاج ليكون منهجاً ودرساً وصورة حقيقية للشباب للاقتداء به، من خلال ما قدمه في سنوات عمره التي حُفت بالمكاره والمخاطر والمحن والأزمات، ولكنها تكللت بعد ذلك بالنجاح والتفوق والتميز، سنوات من الدراسة والعلم والاجتهاد الديني والفكري والعرفاني والثقافي الذي يشار له بفاعلية وحضور كبيرين بين رواد الفكر الاسلامي المعاصر، وهذا ما يدعونا لبيان دوره الكبير في هذا الفكر وما قدمه من جهود غنية تليق بأن تكون دروساً وعبراً للشباب في صقل مواهبهم وطاقاتهم وإثراء عقولهم وخلقهم بهذه الطاقة الايجابية التي تحول المستحيل والمصاعب والمكاره الى حالة من النجاح والعطاء وإثبات الوجود لمقاومة عقبات الحياة وعوائقها وتحويلها الى طاقة تزود الانسان بالعمل والبقاء والإثراء والحياة بدلاً من التخاذل والانحراف والضعف أمام مغريات الدنيا والوقوع فريسة في يد الأمراض الاجتماعية والرذيلة والخطر والخطأ الذي يملأ المجتمعات اليوم، من خلال الابتعاد عن الأيمان الحقيقي بالله تعالى والدين والأخلاق والفضيلة، فالشباب رأسمال الشعوب والأمم والدول، وقد أعطى الرفاعي جزءاً كبيراً من فكره وعلمه ووقته للشباب والتواصل معهم بما يخدم هذه الشريحة كأب ومعلم وأستاذ ومجتهد ومفكر ومربي وإنسان له خبرة وتجربة طويلة في مجالات متعددة في الحياة وواجه مصاعبها بقوة قل نظيرها بين الناس، وقد أنشغل الرفاعي بتربية جيل من الشباب ورعاهم رعاية خاصة وحمل همومهم وآلامهم وحولها الى حالات من النجاح والابداع والعطاء، ولذلك فهو يعول كثيراً على الجيل الجديد (الشباب) في صناعة الحياة ومواجهة تحدياتها المعاصرة، وقد نجد دروس الرفاعي للشباب مبثوثة في كتاباته الفكرية، وقد خصهم في كتاب موجه لهم وهو كتاب (الثناء على الجيل الجديد )، الذي يقول فيه الرفاعي عن الشباب : “الجيل الجديد أثمن رأسمال في بلادنا للحاضر والمستقبل”(1) . ويقول أيضاً : “من يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل” (2) . ولميزة مرحلة الشباب وأهميتها كمرحلة عمرية في حياة الانسان توجه الرفاعي لطرح مشكلات وتحديات وإجابات جديدة تواجه الشباب اليوم، من خلال خبرته وتجربته الكبيرة كأب ومثقف وإنسان، بإسلوب حوار الأفكار بين جيلين، جيل الحكمة والمعرفة وجيل القوة والفتوة، وهذا ما دعى الرفاعي للقول بوجود عالمين مختلفين بين عالم الآباء وعالم الأبناء، وهذا لا يعني التخاصم والأنفصام والأنفصال بين العالمين، بل بتناغيم والوئام والتكامل بين الأثنين، حيث يقول : (ثمة عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد. لا يلتقي هذان العالمان في الكثير من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كل منهما على الضد من الآخر. لكل منهما رؤيته الخاصة للعالم، لكل منهما معاييره في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكل منهما تطلعاته للغد، لكل منهما مفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة، لكل منهما مواهبه ومهاراته وإبداعاته وابتكاراته ، لكل منهما منظومات قيمه ومفاهيمه الأخلاقية وأنماط تدينه. متطلبات الروح لكل منهما لا تتطابق ومتطلبات الروح للآخر، مشكلات وأمراض كل منهما غير الآخر. لكل جيل أمراضه الخاصة. استبدت بالجيل الجديد أمراض تحكي قوة الواقع الذي يعيشه، وتعكس تعقيداته المختلفة، والأصداء الحادة لإيقاع تحولاته المفاجئة. بعض هذه الأمراض أشد فتكا وأعنف وأخطر من أمراض الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروح الروح، وتوترات المزاج، واضطرابات المشاعر، وتقلبات التفكير، وتذبذبات المواقف.)(3)  . وهنا يمنح الرفاعي استقلالية العالمين لا تخاصمهما، والذي استشفه من كلامه هو مع سيادة مبدأ الاستقلالية ينبغي أن يكون هنالك مبدأ الأحترام والتقدير والاعتراف المتبادل بين العالمين أو الجيلين، لأنه سبق وأن كان الأب أبناً وقد كان له عالمه الخاص وظروفه التاريخية التي تميزه عن عالم أبيه، وسيكون الأبن أيضاً فيما بعد أباً وعليه أن يشعر بعالم أبنائه المختلف عنه، وكأن الأمر متلازمة منطقية بين عالمين، الأب الذي كان أبناً، والأبن الذي سيكون أباً، ففي العالمين على الإنسان أن يدرك ذلك ويتعامل معه بحكمة واحترام ووعي متكامل لا يسىء لأحد الطرفين.

ويلتفت الرفاعي الى نقطة مركزية في غاية الأهمية ألا وهي مسألة التربية والتعليم بين الماضي والحاضر، بين جيلين، جيل الآباء وجيل الأبناء، (النظام التعليمي الذي أنتج وعي الآباء مازال يعيد إنتاج وعي الأبناء، وهو إن كان متناسيا مع ذهن الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاج وعي مواكب لحياة الأبناء، بل يتفاقم التضاد والتناشر بين النظام التعليمي وبين قدرة الأبناء على التلقي والتعلم. كلما مرت عليه سنة جديدة يغدو متخلفا أكثر. وتيرة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي؛ كل سنة فيها تاوي عشرات السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاث العلمية في هذا الحقل. نحن بحاجة للبحث عن جذور هذه المشكلة في بنية التربية والتعليم الموروث منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالم الأمس المختلف عن عالم اليوم اختلافًا جوهريا. فلم يعد الكتاب وحده رافدا لتلقي المعرفة، بعد أن تراجع موقعه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانويا – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة. ولم يعد التعليم على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائما لعالمنا اليوم، بل لم بعد الصف المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائما للتعليم، وقبل كل ذلك لم تعد ملائمة اليوم معظم المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدسة بعشوائية في المقررات المدرسية المتدوالة. أغلب مضامينها لا ينتمي لعالم الأبناء، ولا يشبه أحلامهم، ولا يلبي احتياجاتهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها. يشعر الأبناء بالاغتراب والمرارة عندما تفرض عليهم هذه المقررات، وينفرون عندما يجدون أنفسهم ملزمين أن يمضغوا أشياء لا تشبه ذائقتهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علوماً ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطق حياتهم، ولا تتحدث لغة عصرهم.)(4) ويؤكد الرفاعي مراراً وتكراراً على أنه رغم اختلاف جيل الأبناء عن جيل الآباء وأستقلالية عوالم كل منهما لكن تبقى هنالك أسئلة وجودية وقيمية وفكرية بشرية مشتركة بين عموم الناس، ولكن علينا أن لا نورث قناعاتنا الفردية الشخصية لأبنائنا كما لو نورثهم المال والثروة، بل تبقى لكل منا قناعاته الخاصة به التي يتحمل مسؤوليتها الانسان نفسه، ذكراً كان أو أنثى، أباً أو أبناً، وأماً أو أبنة. فالرفاعي لا يحرّض الشباب على الآباء، ولا يدعو الآباء للتسليم المطلق أمام الأبناء، فهو يعتقد بأهمية الوصال والأتصال بين الأجيال، ولذا فهو أيضاً هنا يفصل ويفصّل المقال بين الأبناء والآباء من الأستقلال والأتصال، أعتماداً على مبدأ الحوار المتبادل بين الأجيال، والاعتراف بخصوصية وأهمية كل مرحلة عمرية يعيشها ويحياها الانسان، في كل زمان ومكان. وتأكيده على أن التربية والتعليم خيارها الحصانة لا المنع. والاستماع لأسئلة الجيل الجديد وأجوبته معاً دون أحتكار سلطة التفكير والتربية والتعليم.

ومما يسجله الرفاعي أيضاً على الشباب هو اساءة فهمهم من قبل الآخرين، وعدم الاقتراب من أسئلتهم  فيما يخص المسألة الدينية، سوء فهم يتعرضون له ويضعهم في إحراج فكري وديني واجتماعي، وخاصة في موضوع الألحاد وموقف الشباب من الدين، حيث يرى الرفاعي: إن     ( الجيل الجديد ليس ضد الله، هو ضد صورة الله الكئيبة التي رسمتها السلفية المتشددة. لا أظن أن هناك إنسانًا يستغني عن الله، الجيل الجديد يريد أن يرى صورة مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورها. بعد نصف قرن من تعلم وتعليم علوم الدين أحاول رسم هذه الصورة في ضوء ما ورد في القرآن، كتاباتي تحاول أن ترسم هذه الصورة بألوان النور كما رسمها الله لذاته. لعل هذا النوع من الكتابات يساعد في إيقاظ صوت الله في الأرواح الكئيبة، ويسعف بعض التائهين ليدلهم على الله، ويريهم تذوق إشراقات أنواره الأبدية. كثيرا ما تخفق السلطة السياسية والروحية في إدراك نمط وعي الجيل الجديد ومتطلباته، ما يوقعها في اشتباك معه عاجلا أم آجلا، ينهكها بالتدريج ويقوضها، إن لم تغير هذه السلطات مفاهيمها ولغتها وأساليبها وسلوكها يغيرها الجيل الجديد. قلما نجد أحدًا من الكتاب في الدين من يكرس جهوده للتعرف على أنماط عيش الجيل الجديد وآماله وآلامه، ويكتشف رؤيته للعالم وأحلامه وكيفية تفكيره، وفي ضوء ذلك يقدم المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه هذا الجيل. اكتشاف هذا المعنى الديني يتطلب اختراق التراث المتراكم، والعودة إلى القرآن الكريم والتمييز بين القيم الكلية الكونية التي يحتاجها الإنسان بما هو إنسان ويشترك فيها كل الناس مثل : الخير، والحق والعدل، والكرامة والمساواة، والصدق والأمانة والأمن، والثقة، وما هو خاص من قيم تعكس عصر البعثة الشريفة. أكثر ما نفكر فيه ونتكلمه ونكتبه مشغول بالماضي لا بالحاضر. نحن أمة يحكمها الأموات برؤيتهم للعالم وأفكارهم ومقولاتهم الاعتقادية.)(5) .  الرفاعي هنا يعتقد أن تحولات العصر الرقمي ألقت بظلالها على الشباب عالمياً، وطرق التفكير الجديدة متداولة بين الناس أكثر وأكبر من السابق، والشباب هم من يتقبل هذه التحولات والتجديد أسرع من غيرهم من جيل الآباء وكبار السن، وجل الأسئلة الفكرية والوجودية والدينية تطرح في مرحل الشباب، ساعة يتفجر السؤال الفلسفي والديني في ذهن الفتى والفتاة الشباب، ولكن المسألة الكبرى هي من يجيب على تلك الأسئلة، والى من يقترب ذلك الفتى وتلك الفتاة الشباب لمعرفة اجاباتهم وتحقيق طمأنتهم الفكرية والروحية، الى رجل الدين أم الى الاستاذ أم الى المثقف أم الى الأب والأم أم الى ذاته؟  تلك الحيرة والمسألة تحتاج الى اجابة ومعرفة أيضاً، خشية أن لا يقع الشاب في المحذور والمحضور الذي يلقي به في التيه ومخاطر الأفكار، وهذا ما تتوجه له اليوم مؤسسات وشركات عالمية كبرى لتحقيق أهدافها في غسل أدمغة الشباب وتوظيفهم في مجالاتهم التي يريدون، في الدين أو السياسة أو الثقافة الأيديولوجية أو أي مجال آخر يسعون به لزج الشباب في تحقيق مطامحهم ومطامعهم الشخصية المقيتة. ومن تلك الأساليب التي تسعى لها تلك المؤسسات، التي تتقن صناعة العرض والطلب الفكري والاقتصادي معاً، هو تثقيف الشباب بفكر مختلف تماماًعما تعيشه مجتمعاتهم وما تربوا عليه من دين ومعتقدات وأخلاق، لزج الشباب في حروبهم الاقتصادية من خلال المسألة الدينية والفكرية، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو جهل وعجز مؤسساتنا الدينية والسياسية والفكرية والثقافية في مخاطبة الشباب خطاب عقلاني وديني معتدل ومنفتح يقترب من تلك المشكلات ويطمأنها، بل كثيراً ما نجد إجابة المؤسسات والخطابات في جانب، وأسئلة الشباب وطموحاتهم في جانب آخر، وقد ملّ الشباب تلك الخطابات الجوفاء مما دعاهم للاقتراب من موجات التغريب ودعوات الالحاد والتجديد ونبذ الاجابات المحلية ذات الصبغة الدينية، ولهذا يجد الرفاعي حاجتنا اليوم أكثر مما مضى الى بث خطاب ديني وفكري عقلاني مستنير يطمأن الشباب ويقترب منهم أكثر.

يرى الرفاعي حيوية الدين وفاعليته وضرورته في حياة الانسان، فهو حاجة أنطلوجية بشرية لا يمكن الاستغناء عنها، (الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير والجسد والعقل الله حي لا يموت ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صور لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته، للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله. شبكات المصالح المعقدة تنتج صورًا لله تخدم مصالح الأشخاص والمؤسسات. يصعب جدا تحرير صورة الله من استغلال المؤسسات الدينية والسياسية والمالية واستثمارها لها بأساليب بارعة في اخضاع الأفراد والمجتمعات وتركيعها. إن الحياة اليوم، بكل ما تحفل فيه من: ذكاء اصطناعي، وهندسة جينات، وتقنيات البيوكيمياء المعقدة، وغير ذلك، تفرض على الإنسان العاقل طريقة التفكير ونمط الوجود الذي يتناغم معها، والتراث يفرض على الإنسان المسلم والجيل الجديد خاصة نمط وجود وطريقة تفكير وسلوك لا تتحقق إلا برفض التناغم مع معطيات العلم والتكنولوجيا والعالم الجديد، فيحدث التناشز، الذي يفرض على كل إنسان عاقل أن يقدم حياته ومصالحه المادية والمعنوية، ولا يجعلها قرباناً مجانياً للتراث، لذلك ينفر الجيل الجديد من التراث، ويقطع معه جذرياً، كي يعيش في العصر الذي هو فيه فعلاً، ولا يغترب عن واقعه اليوم.) (6)

لا أريد أن أفسد على القارىء الكريم متعة قراءة كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، ولا تقديم دراسة موسعة فيه أو عنه في هذا المقام، بل أحببت تسليط الضوء عليه، وتوجيه أنظار الآباء والأبناء معاً لمعرفة أسرار الكتاب وموضوعاته وطريقة الرفاعي في تناول أفكاره. ليعرف كل من الجيلين كيفية التعامل والسلوك والمعرفة بهوية كلا العالمين والتنسيق والتفاهم والتعايش فيما بينهما دون عنف أو تطرف أو كرهية في فرض الأفكار وفض الاختلافات بين الأثنين، والأحترام والاعتراف المتبادل بينهما.

ولا بد من القول أن الرفاعي يعد أباً وراعياً ومربياً ومعلماً لجيل من الشباب والأشخاص، هم الآن جيل من المثقفين والباحثين والمبدعين والمربين والاساتذة والقادة لهم شأن كبير في الثقافة والفكر والمجتمع، وحري بتجربة الرفاعي الفكرية والروحية والمعرفية الثمينة أن تتحول الى دروس وطاقة تلهم الشباب من أبناء الجيل الجديد، للارتقاء نحو النجاح والعمل والصمود في مواجهة الحياة ومقاومة مخاطرها ومفاتنها، وبناء عقولهم وشخصياتهم بهذه الدروس القيمة، لضمان تحقيق نجاح أكبر يخدم الفرد والمجتمع والدولة والبشرية عامة، بدلاً من أن يتحول الانسان الى وجود هامشي لا قيمة له ولا معنى في هذا العالم المتلاطم الأمواج.

د. رائد جبار كاظم، أستاذ الفلسفةفي الجامعة المستنصرية.

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الجبار الرفاعي. ثناء على الجيل الجديد. ط1. منشورات تكوين ودار الرافدين. الكويت ـ لبنان. 2025.  ص14.

(2) المصدر نفسه. ص 17.

(3) المصدر نفسه. ص 22 ـ23.

(4) المصدر نفسه. ص33 .

(5) المصدر نفسه. ص 42ـ 43.

(6) المصدر نفسه. ص 45ـ 46.

 https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

كتاب ثناء على الجيل الجديد[1]

 د. عبد الجبار الرفاعي

‏  يشكو بعضُ الآباء من أبنائهم، يشكو كثيرٌ من المعلمين من تلامذتهم، ويشكو أكثرُ أساتذة الجامعات من طلابهم في المراحل المختلفة اليوم. قلما نسمع أو نشاهد أو نقرأ أحاديث وكتابات وبرامج تشيد بالأبناء، وتتفهم نمطَ حياتهم وثقافتهم ورؤيتهم للعالم. تستبدّ الشكوى من الجيل الجديد بنحو خلقت حالةَ تناشر بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وأفرزت ظواهرَ مريرة للأمن العائلي والمجتمعي. أعرف آباء وأمهات يشعرون بالخيبة، ويعلنون ندمَهم على الإنجاب، وربما يعلن غيرُ واحد منهم ندمَه على الزواج وبناء العائلة، ويتمنى لو عاش من دون أعباء العائلة والأبناء المرهِقة، ويتحسّر على أحلامه الضائعة.

أحاول في هذه الأوراق تقديمَ رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أيّ إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة بدأت تتشكل قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون هذه العائلة من أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وأكملوا تعليمهم العالي، وتحصَّل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير.

لا أفتقر لمعرفة بالجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي لهم وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وكنت وما زلت أقرب لرؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي. ذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم، وما يعد به غدًا. لا أريد أن أكون محاميًا عن جيل يتميز بالجرأة والوضوح والمباشرة في التعبير عن ذاته وهمومه، وفرض حضوره النوعي بقوة وكثافة في عالمنا اليوم، وسيحضر بشدة غدًا. ولا أريد التحدث نيابة عنهم، هم الأجدر والأخبر بمعرفة تضاريس عالمهم، والأمهر بشرح همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم.

أعرف أن كتابًا بعنوان: “ثناء على الجيل الجديد” لا يخلو من إثارة، وربما يُستفَز قراء أكثرُهم من جيلي يكابدون صراعًا مع الأبناء. أظن أن بعضهم كان يترقب عنوانًا بديلا لهذا الكتاب، وهو: “ثناء على جيل الآباء”، بوصف الآباء يختزنون حكمة وبصيرة وخبرة لا يمتلكها الأبناء، وأن جيلهم الذي أنتمي إليه هو جيل القيم والمثل السامية والمسؤولية والنضال، جيل حملَة الرسالات الأممية والقومية والأصولية، جيلٌ صانع للثورات، ومعلّم للأجيال.

أحد أعمق عوامل مأزق السياسة والثقافة والتربية والتعليم في بلادنا، تشبّث الآباء وقبضتهم الحديدية على مواقع قيادة الدول المختلفة وتأسيس الحكومات، وإجهاضهم لأية محاولة تسعى لتمكين الجيل الجديد من قيادة المؤسسات والمنظمات والأحزاب. أكثر الآباء في بلادنا بلغوا العقد الثامن، وبعضهم في العقد التاسع، وغارق بالأمراض المزمنة المنهكة، وهم متشبثون بمواقع قيادية احتكروها عشرات السنين،كما احتكروا السلطة وإدارة السياسة والاقتصاد في الدولة، واستأثروا بالمال والثروة، وتسلطوا على التربية والتعليم والثقافة، وهيمنوا على وسائل الإعلام، وامتلكوا مصادر القوة المادية والرمزية. لو تراجع الآباء خطوة إلى الوراء، وفسحوا الطريق للأبناء في قيادة مؤسسات الدولة والمجتمع وإدارتها، وشاهدوا الحضور الفاعل والمؤثر لوعي الجيل الجديد وخبراتهم، وقدراتهم الاستثنائية على الإصغاء لصوت العصر، لفوجئوا بمبادراتهم الرائدة في الحقول المتنوعة، وقدراتهم في التغلب على عوائق النهوض، وجعل بلادنا تواكب متغيرات الواقع وتصغي لمتطلباته، ووضعوها في آفاق العالم الحديث.

لا يحمل هذا الكتاب شعارات تحريضية ولا دعوات تعبوية، إنه محاولة تنشد تفسير ما يميز جيل الأبناء ويجعله متفوقًا على آبائه وأسلافه، ولا ينشد الكتابُ افتعالَ صراع بين الأجيال، بل يحاول الكشف عن نسيج تضاريس الواقع المتشعّبة والمتضادّة الذي تعيشه مجتمعاتنا اليوم. إنها دعوة لتفهم الآباء لعالَم الأبناء، وتفهم الأبناء لعالَم الآباء. ولا يتحقّق ذلك إلا بمواقف شجاعة للآباء والأبناء معًا، يبادر فيها الكلُّ للحوار والتفاهم والتصالح، والعمل الجادّ على خلق شراكة واقعية تُستثمَر فيها الطاقات من أجل بناء عالم أجمل، والسعي لخفض وتيرة عدم الاعتراف والتنابذ والاحتراب والقطيعة بين جيل الآباء والأبناء.

أوصي الأبناء بتفهم آثار تقدّم العمر، وما يحدثه من متاعب متنوعة للآباء، والمسؤولية الكبيرة للأبناء في رعايتهم. خريف العمر يدعو الآباء للمزيد من الاهتمام بالجسد، وحراسته بعناية صحية وغذائية فائقة، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. بتقدّم العمر تمسي الاحتياجات الروحية والعاطفية للآباء أشدّ، وكأنهم في عواطفهم يعودون إلى مرحلة الطفولة، وتظهر بوضوح لدى أغلبهم حاجة ماسّة للثقة والإخلاص والعطف والرأفة والرفق والحنان والمحبة. ليتفهم الأبناء أن المسؤولية الأخلاقية تفرض عليهم وفاء شيء من دَين الآباء، الذين أمضوا سنوات طويلة في احتضانهم عاطفيًا ورعايتهم وتربيتهم، وتأمين عيشهم، واحتياجات حياتهم المتنوعة. مثلما لا يستغنى الأبناء عن الثقة والحنان والمحبة والتراحم، وينزعجون من إهمال المقربين لهم، ‏لن يستغنى الآباء عن هذه الاحتياجات العميقة في النفس الإنسانية أبدًا، بل تكون حاجتهم أشدّ بكثير من حاجة الأبناء. يؤذي الآباءَ الإهمالُ واللامبالاة، وعدم الوفاء والاكتراث بآلامهم واحتياجاتهم المتنوعة، ويفزعهم عدمُ الاحترام والإهانة وانتهاك الكرامة. يقلق الإنسان وهنُ البدن وضعفه، وافتراس الأمراض بتقدم العمر، وعدم القدرة على العمل الذي يمنح حياةَ الإنسان معنى يعزّز قيمته وتقديره لذاته، ويشعره بقدرته على الاستمرار بالمشاركة في العطاء وجعل حياة غيره أسعد.‏

مستقبل الدول والحكومات والإدارات والمؤسسات المتنوعة يفرض عليها تغلغلُ الذكاءُ الاصطناعي وحضورُه بقوة في كلّ مجالات الحياة، ويدعوها لأن تعيد النظر في فهمها للواقع المركب العميق الملتبس، ونمط وعيها لديناميكية عملية التغيير. مَن يتخلف عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يغامر بخسارة الحاضر والمستقبل. الأبناء أشدّ تناغما وأبرع من الآباء باستعمال هذا الذكاء، وتوظيفه بمهارة في مجالات الحياة المتنوعة، والتفاعل معه بشغف وتطويره. الواقع يفرض علينا اكتشافَ مواهب الأبناء وتحفيزهم لتنمية مواهبهم وإثرائها. مَن يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل. لو كان أحد الأبناء لا يمتلك استعدادًا ذهنيًا جيدًا في مجال معرفي معين، وكانت موهبته ضئيلة فيه؛ يمكن أن يكون موهوبًا ويمتلك استعدادًا ذهنيًا حاذقًا في مجال آخر.

أتفهم جيدًا الظروف القاسية لبعض الأبناء في بلادنا ممن مازالوا يحفرون الصخر بأظفارهم، كي يرتشفوا شيئًا من التعليم الأساسي في مدارس مازالت مبنية من الأكواخ أو الطين، وتفتقر للمرافق الأساسية، ولا تقي من حرّ أو برد. أتفهم ظروف عيشهم المريرة، لأن مسيرة حياتي في الطفولة صنعتها أقدارٌ شقية. أنا ابن فلاح من قرية في جنوب العراق، تفتقر الحياة فيها لأدنى متطلبات العيش الكريم. لا أعرف كيف استمرت حياتي فيها، وكيف أكملت تعليمي في مدرسة بقرية مجاورة، وكيف استطعت العيش في ظروف بالغة القسوة. وإن كنت حتى اليوم أدفع فاتورة قاسية لسوء التغذية الحادّ والحرمان من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعف البصر الشديد في احدى عينيّ، إثر جهل الأمهات بتطبيبهنّ البدائي عند إصابتي بالرمد.

لم أكن مختارًا في الإقامة ببلدان قذفتني فيها أقداري واضطررت للعيش فيها. أجد نفسي كلَّ مرة في بلد لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل. فرضت عليّ الأيامُ ضرائبَ قبل ولادتي وبعدها، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهظة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينية وعشائرية هرمية، تستمدّ قيمتها من النسب، والانتماءِ كرها لطبقة، تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه الطبقية وجيناتهما الوراثية.

أقدم هذا الكتاب ثقةً بالجيل الجديد، وتثمينًا لجهوده وما يتطلع إليه من إنجاز مبتكر. وتحية محبة وامتنان للأبناء صانعي مستقبل عالمنا وأوطاننا.

[1] مقدمة كتاب ثناء على الجيل الجديد، صدر حديثا عن منشورات تكوين في الكويت ودار الرافدين في بيروت.

 

https://alsabaah.iq/102806-.html