الشطرة محطة الوعي الأولى

د. عبد الجبار الرفاعي

المدن ذات الشخصية الفريدة تعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته وثقافته وأحلامه. حتى إن بعض الفقهاء غيّر فتاواه تبعًا للمدينة التي توطنها؛ فكان له في العراق مذهب، وفي مصر مذهب آخر. لكل مدينة شخصيتها وروحها وذاكرتها وإيقاعها الثقافي، الإنسان الذكي الحساس يتشكل وعيه على شاكلتها، تبعًا لاستعداده ووعاء شخصيته.

شهدت حياتي أربع محطات أساسية أسهمت في تكوين وعيي وإعادة تشكيل رؤيتي للعالم: كانت الأولى إعدادية أكد في الشطرة، والثانية حوزة النجف، والثالثة حوزة قم، والرابعة بغداد، حيث توطنت بعد عودتي من المنفى، ورأيت في سمائها ألا سماء كسماء وطني.

كانت حياتي في القرية مريرة منذ طفولتي حتى مرحلة المراهقة. لا أتذكر أنني شبعت من طعام في القرية؛ فلم يكن لدينا من الطعام إلا الخبز، وكان الشاي شرابنا الوحيد، وقد أدمنته أمي. كان أبي يذهب على فرسه كل بضعة أشهر إلى سوق مدينة قلعة سكر، التي تبعد عنا خمسة عشر كيلومترًا، فيشتري السكر والشاي والتبغ فقط، ويجلب معه برتقالة واحدة أحيانًا. كنت أشمها طويلًا، وكانت رائحتها أعذب عطر عرفته في تلك الأيام. تحتفظ أمي بقشر البرتقالة، وتجففه وتطحنه، ثم تستعمله دواء لعلاج سوء الهضم وأمراض الجهاز الهضمي. كنت أعتقد أن البرتقال فاكهة طبية خاصة، توصف للعلاج، ولا تؤكل إلا في حالات المرض.

بعد اكمالي الدراسة المتوسطة بمدينة “قلعة سكر” في محافظة ذي قار جنوب العراق، انتقلت إلى مدينة الشطرة، وأقمت فيها ثلاث سنوات حتى تخرجت في الدراسة الثانوية. أول مرة شبعت فيها من الطعام كانت سنة 1971، في إعدادية زراعة أكد في هذه المدينة، حين أقمت في السكن الطلابي المعروف بـ “القسم الداخلي”. كان يقدم لنا ثلاث وجبات يوميًا، تتضمن وجبة الغداء الرز والمرق، ومعهما اللحم أو الدجاج أو السمك المقلي، وبرتقالة أو تفاحة أو موزة. كانت تلك أول مرة أعرف فيها الشبع، وأرى الفاكهة جزءًا من الطعام اليومي، بعد أن ظل البرتقال في مخيلتي دواء لا يؤكل إلا عند المرض.

كانت الشطرة، قبل أكثر من نصف قرن، تمتلك شخصية مدينة لا تخلو من فرادة في محيطها الإقليمي. هذه المدينة تشهد عروضًا سينمائية ليلية، وفيها استوديو حديث للتصوير الفوتوغرافي، أسسه مصور محترف، ومكتبة عامة غنية. في تلك المكتبة قرأت الجزء الأول من كتاب “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” للدكتور علي الوردي، وكتبت تعليقات على حواشي صفحاته. لا أعرف اليوم مدى أهمية تلك التعليقات، بوصفها تمارين أولى على الكتابة، غير أنني أتمنى العثور عليها، كي أتعرف إلى منطق التفكير الذي كان يستحوذ على عقلي في ذلك الوقت. الافتقار إلى الأرشيف الشخصي حرمان من أهم الأدوات التي نكتشف من خلالها تاريخ تشكل وعينا، ومسار تطور أفكارنا، وتحولات طرائق التفكير، والمنعطفات التي عبرها العقل في رحلته.

في هذه المدينة كان بعض الشباب يهتمون بمطالعة الكتب والصحف والمجلات، ويحاولون الانفتاح على عصرهم ومواكبة كل جديد في حدود إمكاناتهم الضيقة. تتردد في أحاديثهم أسماء بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء والكتاب، ويشيرون إلى ما ترجم من مؤلفاتهم إلى العربية. وقد وصف بعضهم “الشطرة” آنذاك بـ”موسكو الصغرى”، لاتساع القاعدة الشبابية للحزب الشيوعي العراقي فيها.

لم أكن يومًا شيوعيًا، ولن أكون شيوعيًا فيما تبقى من عمري، وإن كنت صديقًا قريبًا للشيوعيين في كل مراحل حياتي حتى اليوم، حتى ظن أحد مسؤولي الاتحاد الوطني للطلاب في الإعدادية أنني شيوعي أتكتم على انتمائي. على الرغم من تطبيق الشيوعية للضمان الاجتماعي الشامل، وهو ما يغويني فيها، فإنني لا أطيق محو ذاتي. الشيوعية تمحو الذات حين تختزل الإنسان الفرد إلى ترس في ماكينة كبرى هي المجتمع، وتتجاهل ذاته واحتياجاته الروحية والعاطفية العميقة. وأنا إنسان مؤمن، لا أستطيع أن أعيش من دون إشباع حاجتي إلى المعنى الروحي.

كان للحضور الواسع للحزب الشيوعي في الشطرة أثر واضح في إكساب المدينة طابعًا ثقافيًا مميزًا، ظهر في شيوع القراءة، وتداول الكتب، والاهتمام بالأدب والفن والمسرح والسينما. نقل لي صديق شيوعي أن عدد المنتمين إلى الحزب في الشطرة بلغ عشرة آلاف في سبعينيات القرن الماضي، قبل انهيار الجبهة الوطنية في العراق. وبصرف النظر عن دقة هذا الرقم، فإنه يكشف عن اتساع نفوذ الحزب في المدينة، وعمق أثره في تشكيل حياتها الثقافية والسياسية.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت “الشطرة” أكثر تحضرًا من المدن الصغيرة المجاورة لها. انفردت هذه المدينة بمكتبة لبيع الصحف والمجلات،كان صاحبها، وهو رجل كهل آنذاك، معروفًا بميوله اليسارية. تبيع مكتبته مجلة “العربي” الكويتية، وغيرها من المجلات والصحف العراقية. في الشطرة مطاعم تقدم أكلات شهية لم أذقها من قبل، وصالة لعرض الأفلام، دخلت فيها السينما لأول مرة، وشغفتني رومانسية الأفلام الهندية. كنت أغرق في انفعالات حادة حين يتصاعد التمثيل إلى ذروة المواقف العاطفية والتراجيدية، فتشتعل الكلمات بالمشاعر. أكثر من مرة كانت دموعي تباغتني وأنا أغرق في حزن مشاهدها وآلامها، وهي تثير في داخلي مشاهد موجعة وكأنها تحكي مواجع البؤساء في قريتي. كثير من الأفلام الهندية تصور حياة بؤساء الهند، وكأنها تتحدث بلغة تستأنف شيئًا من مرارات طفولتي وفتوتي ومواجعهما وجروحهما.

بعد أقل من عامين امتنعت عن دخول السينما، وهجرت مشاهدة الأفلام، ونفرت من الاستماع إلى الموسيقى، ولم أعد أتذوق فتنة الألوان في الصور الجذابة. حدث ذلك بعد أن طالعت كتابات الإسلام السياسي في الصف الخامس الثانوي. شغفت مشاعري الصورُ المتخيلة للمدينة الفاضلة في كتاباته، فكنت كلما غرقت في مطالعتها، سجلت غيابًا جديدًا عن الحياة. وكلما أوغلت فيها، ابتعدت عن تذوق صور الله المضيئة ورحمته وتجليات جماله في الوجود.

في الشطرة بدأت الصور تتراكم في أرشيفي الشخصي؛ فقد كان بعض زملائي يمتلكون كاميرات تصوير عادية، وكان في المدينة مصور يكاد يحتكر هذه الحرفة، ولا يكف عن التفنن في تلوين الصور وتجميلها. بالتدريج اجتمعت لدي مجموعة من الصور شكلت أول ألبوم اقتنيته مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين كنت في السادسة عشرة من عمري، ثم أضفت إليه ألبومًا آخر بعد سنوات. غير أن مسلسل إحراق صوري تكرر في العراق، حين اضطررت إلى الهرب من مطاردة أجهزة الأمن الصدامية، ثم في الكويت. ولحرق صوري ومكتبتي هناك قصة أخرى، أشرت إليها في كتابي “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”.

بعد عودتي من المنفى، الذي أمضيت فيه نحو ربع قرن، زرت الشطرة، وذهبت إلى محل ذلك المصور، فوجدت أحد أبنائه. حدثته عن أنني كنت زبونًا لأبيه قبل أكثر من خمسين عامًا، وأعربت له عن أملي في العثور لديهم على نماذج من صوري القديمة، بعد أن فقدتها كلها. لم أعثر من صور السبعينيات إلا على ثلاث: الأولى تعود إلى العام الدراسي 1971، والثانية التقطت لي في الشطرة عام 1972 مع زميلي في الثانوية، جبار هزل من مدينة الفهود، وقد احتفظ بها وقدمها لي بعد عودتي إلى الوطن، أما الثالثة فكانت مع صديق العمر المرحوم صالح هادي عودة السعيدي، حين زرته في الموصل خريف عام 1973، وكان يؤدي خدمته العسكرية الإلزامية.

إشارة:كان هذا المقال فقرة كتبتها منذ سنوات في مسودات مذكراتي، وأنشرها اليوم تعبيرًا عن امتناني للدكتور عدنان طعمة، ,مبادرة الدكتور عبد الكريم الشيخ ودعوته، ولمدينة الشطرة العزيزة على قلبي وأهلها الكرام. الكرم من أبرز ما يتميز به مجتمعنا، حيث يمنح الإنسان العراقي عواطفه وكل شيء مجانًا. وقد اعتذرت عن دعوة الدكتور عبد الكريم الشيخ، كعادتي السيئة في تكرار الاعتذار عن الدعوات، على الرغم من حضوري المتواصل عبر كتاباتي.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387437

محطات القراءة المبكرة

  د. عبد الجبار الرفاعي

لم أرَ في المرحلة الابتدائية كتابًا غير الكتب المدرسية، ولا أتذكرُ أني رأيتُ كتابًا في بيتِ أحدٍ في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون. عندما كان أخي الكبير يذهب لزيارة العتبات المقدّسة، يجلب معه كراساتٍ لقصص تُباع في أروقة العتبات، وكراساتِ الدعاء والزيارة. قرأتُ قصصَ: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وغزوة بئر ذات العلم، وعنترة بن شداد… وغيرها. أول قصة قرأتُها أشعرتني بسحرٍ غريب للقراءة يتغلغل في كياني، وأغرقتْ ذهني برحلةٍ خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. منذ ذلك الحين هيمنت القراءةُ على مشاعري، بشكلٍ لا أقوى معه على التخلصِ منه والانصرافِ إلى شؤون حياتي المتنوعة. المطالعة سياحةٌ مؤنِسة،كلّما قرأتُ كراسةً من هذه القصص يتضاعف ولعي بالقراءة، بنحوٍ صار هذا الولعُ يتعاظم إلى درجة عطّل معه ولادةَ الاستعدادات المتنوعة الكامنة بداخلي. بدأ احتياجي للكتابِ يتنامى، وصرتُ أشعر بأنه يحميني من الوحدةِ ووحشةِ الحياة واكتئابِ غياب الأحبة. هذا النوعُ من تغلّب الكتاب على كيانك يجعل امتلاكَه أحدَ الأماني وأمضاها أثرًا في حياتك. نشأت مكتبتي بهذه الكراساتِ وأشباهِها، أصبحتُ أكرّر مطالعتَها، وأضيف لها ببطءٍ وعلى فترات متباعدة ما أظفر به. ما يُضاف لمجموعتي الفقيرة من كراساتٍ أطالعها، استظهر شيئًا من عباراته وفقراته. أكرّر التحدّثَ بهذه القصص لأمي وأهلي وزملائي التلامذة،كأني تلبستُ حرفةً حكواتي القرية. لم تكن توجد في ستينيات القرن الماضي مكتبةٌ لبيع الكتب في مدينتَي: قلعة سكر أو الرفاعي حيث يكون تسوّقنا. فالتسوق متباعد الفترات، لا يحدث إلا بضعةَ مرات في السنة، لا مالَ لدى الفلاحين، لا طريقَ مواصلات يربط القريةَ بالمدينة، لا وسائلَ نقلٍ غير الخيل، ولا يصطحب الآباءُ الأبناءَ للمدينة إلا في حالات الضرورة القصوى.

في الشطرة بدأتُ المطالعةَ الجادة، وفيها ولدتُ ثقافيًا، وتشكلت النواةُ الجنينية للوعي في هذه المدينة المعروفة منذ منتصف القرن الماضي بفاعليتها السياسية والثقافية. اكتسبتُ بفضل العيش فيها شيئًا من تقاليد المدن وتحضرها، وتذوقتُ بهجةَ ألقها تلك الأيام. وفّر لي السكنُ المخصّص للتلامذة، وتأمينُ متطلبات الطعام والاحتياجات الأساسية بشكل مناسب، نمطًا بديلًا لعيش الكفاف الذي لازمني وأنهكني منذ بداية حياتي. وجدتُ نفسي وسط فضاءٍ شبابي حيوي، تثريه مواهبُ متنوعة لتلامذةٍ وفدوا من مختلف أقضية ونواحي وقرى محافظة ذي قار جنوب العراق. ثانوية زراعة أكَد في الشطرة هي الثانوية المهنية الوحيدة في المحافظة ذلك الوقت. تتفاعل الحياةُ الثقافية في سكن طلابها بدينامية خلّاقة، تتنافس فيها اهتماماتٌ أدبية وفنية وثقافية بهامش حرية رحب، فتحفّز من لديه شغفٌ بالمعرفة وحرصٌ على القراءة للاندماج في إطار هذه الدينامية. عفوية هذه الحركة جذابة، لا التزامات غير الدراسة، لا اجتماعات، لا حلقات منظمة تفرض واجباتِها الرتيبة، لا أحزاب معلنة تحتكر المواهبَ وتعطلها، وتسكب التفكيرَ وتجمده في أدبياتها المغلقة وقوالبها الأيديولوجية، قلّما كان أحدٌ من الطلاب بدايةَ المرحلة الثانوية ينتمي لحزبٍ سياسي ذلك الزمان. القراءة حرّة، الصداقات تولد بعفوية، وتترسّخ بمزيدٍ من الشوق والعطاء، تحرسها المودة، ولا يهدّدها فهمٌ عميق لتناقضات الإنسان والواقع. يكرّسها الصدقُ والوفاء، ويرسّخها الفهمُ المبسّط لكلِّ شيء. أظن أن هذا النوعَ من الفهم أحدُ ضمانات الصداقة الصادقة، وأظن أن الفطنةَ والفهم العميق لتناقضات الإنسان والواقع، بقدر ما يجعلا الإنسانَ أكثرَ معرفة بالحياة، يمكن أن يفسدا عليه الصداقةَ أحيانًا. الذكاء الفائق يمحو البراءة، عندما يجعل الإنسانَ يتأمل بدقةٍ أبسطَ المواقف والكلمات العفوية، ويحاول أن يفتش عن بواعثها العميقة، وما يمكن أن تضمره من دوافع خفية ونوايا شريرة. الأخلاق الفطرية من عطايا بيئة طلاب الريف التقليدية، كانت هذه الأخلاقُ تحرس الصداقاتِ من العواصف الطائشة والمواقف النزقة، وضمنت حتى اليوم استمرارَ بعضها، وصمودَها أكثر من نصف قرن في مختلف الأحوال والتقلبات والعواصف. ما يربحه الإنسانُ من صداقات المراحل الدراسية الأولية وأيام الشباب أنها الأطول عمرًا؛ فأكثر الصداقات اللاحقة تمحوها الأيامُ بنرجسياتِ بعض الأشخاص المتضخمة، وانفعالاتِهم الطائشة، والتوقعاتِ المبالغ فيها بقدرة الآخر على العطاء العاطفي والمادي اللامحدود مجانًا.

فوجئتُ بداية المرحلة الثانوية سنة 1971 بوجود مكتبةٍ عامة في مدينة الشطرة جنوب العراق، تقع في أقرب محلة لمدرستنا. فرحتُ بالعثور عليها بدايةَ السنة الأولى من إقامتي في السكن الطلابي. الكتبُ الجديدة الواردة للمكتبة، قبل إيداعها ووضعها على الرفوف، تلبث مدةً معروضة ليتعرّف عليها القراء، تناولتُ كتابًا لمحتُه على رفوف عرض الجديد الوارد للمكتبة. قرأتُ عنوانَه على الغلاف: “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث”، الجزء الأول، تأليف: د. علي الوردي. لم أسمع بهذا المؤلف من قبل، جلستُ أطالع هذا الكتاب، بهرتني لغةُ الكاتب الواضحة المباشرة،كأنه حكواتي، وشجاعةُ عقله، وتحليلُه للظواهر الاجتماعية المختلفة، وتفسيرُها بطريقة علمية أتعرّف عليها أول مرة في حياتي. آفاق هذا التفسير تتوكأ على عقلانيةٍ نقدية، وجرأةِ تسمية الأشياء بأسمائها، تحاول اختراقَ سطح الظاهرة واكتشافَ ما هو خفيّ من عوامل توليدها. لم يكن في المكتبة العامة غيرُ الجزء الأول تلك الأيام، عندما أكملتُه تنقلتُ بين كتب عديدة. ‏أبلغني أحدُ الأصدقاء أن هذه المكتبة تمت تسويتها بالأرض،كي يشاد على أطلالها مستشفى، تألمت كثيرًا لمصيرها. هذه المكتبة أحد مكونات ذاكرة الثقافة والمثقفين، شخصيًا تقترن الصورةُ الآسرة للشطرة في ضميري بهذه المكتبة. الأرضُ واسعةٌ في هذه المدينة،كان ينبغي أن يُشادَ المستشفى في مكان آخر، وتمكث هذه المكتبة بوصفها مرآة الذاكرة المضيئة للشطرة.كنت أتمنى زيارتها لأجدد نكهة أيامي الجميلة في مدينة حيّة يتدفق فيها الإبداعُ والثقافة والسياسة.

لا أتذكر كتابًا فرضَ حضورَه بعد قراءة الجزء الأول، من “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث”، غيرَ كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب، الذي قرأتُه بعد سنةٍ من قراءة كتاب الوردي، كنتُ أقرأ أيَّ كتابٍ أراه أو يدلني شخصٌ عليه، أدركتُ متأخرًا أن “معالم في الطريق” كان نفقًا مظلمًا ومتاهة خطيرة، ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيالٌ في متاهاتٍ مخيفة، لم يستطع بعضُهم الخروجَ منها كلّ حياته. بعضُهم استدرجه الافتتانُ بمقولات هذا الكتاب وشعاراته وأشباهه فانخراط بجماعات قاتلة.

في الشطرة مكتبةٌ صغيرة لبيع الصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية صاحبها حميد ناصر المكنى “حميد أبو الجرايد”، لا تعرض هذه المكتبةُ إلا قليلًا من الكتب للبيع.كثيرٌ من زملائي في الثانوية يهتمون بقراءة المجلات، وقليلٌ منهم يهتمون بالكتب،كأنها موضةُ شباب ذلك الزمن. في هذا الفضاء شاهدتُ مجلاتٍ لم أسمع بها من قبل، لا أزهد بأية ورقة مطبوعة، يدعوني فضولُ المعرفة لقراءة ما يقع بيدي، لا أتريث بإعلان رغبتي لزملائي باستعارة ما لديهم، ولو لبضعة ساعات. اكتشفتُ مجلات فنية كـ “الشبكة” و”الموعد” و”الصياد” وأشباهها، فلم يصطدني شيء منها، فما انجذبتُ يومًا لموضوعاتها أو أغوتني اهتماماتُها بحياة نجوم الفن وتقلبات حياتهم وأحوالهم الخاصة، أدركتُ مبكرًا أن حياةَ الفنان ككلِّ إنسان شأنٌ شخصي. يزعجني التلصّصُ على الحياة الخاصة لأيِّ إنسانٍ واقتحامُ شؤونه الشخصية، مع أن هذا السلوك يتفشى في علاقاتنا الاجتماعية بأساليب مؤذية أحيانًا. وما كان يعنيني الدورُ الفني الذي يقوم فيه اليوم أو غدًا أيُّ فنان أو فنانة، ذلك ما نأى بي بعيدًا عن أن أكون أحدَ مدمني قراءة الأسبوعيات الفنية،كما هي عادةُ أقراني ممن غرقوا فيها، وعجز أغلبُهم عن الخروج منها لاحقًا إلى عالم الكتاب المتنوع الجميل.

أفتّش عن الكتب لكن لا كلّ كتاب، أقع في فتنة بعضها، ولا أنجذب لبعضها الآخر، لا أعرف البواعثَ الخفية لقبول هذا الكتاب والإعراض عن كتابٍ غيره. لا أعرف من أين يأتي الصبر على قراءة كتبٍ لا أتفاعل معها. كنتُ أحيانا أقرأ كتابًا من أوله لآخره ولا أفهم أكثرَ مضمونه، والأغرب من ذلك أن بعضَ هذه الكتب، وهي قليلة جدًا، جربتُ العودةَ إلى مطالعته في مراحل لاحقة من حياتي، فلم أتفاعل معها، فتنبهتُ إلى أن عدمَ التفاعل ينشأ من لغتِها الملتبسة، ومضامينِها المضطربة، وتشوشِ رؤية ومرامي كتابها.

بالتدريج أضحتْ تتراكم لدي مبالغُ بسيطة تمكنني من شراء بعض المطبوعات. العدد الأول الذي اشتريتُه من مجلة “العربي” كتب افتتاحيتَه د. أحمد زكي في رثاء الزعيم جمال عبد الناصر، مازلتُ أحفظ بعضَ عباراته، والفقرات المرسومة بخط مميز، أتذكر منها مثلًا: “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”. أصبحتُ أحدَ المثابرين على متابعة العربي، أقرأ كلمةَ التحرير، والاستطلاعات، ومقالات كتّاب أترقب نصوصَهم، وأشهد بالفضل لهؤلاء الكتّاب عليّ وعلى جيلي من الشباب. مؤسِّس مجلة العربي يستحقّ التبجيل، وهكذا رؤساء التحرير الذين خلفوه، لحماية هذه المطبوعة من السقوط بفخّ التشدّد والانغلاق، في زمن تضامن أيديولوجيا الإخوان المصريين والسلفيين في الخليج والسعودية. ذلك الزمن الذي تسلطوا فيه على وزارات التربية والتعليم، وأسّسوا البنيةَ التربوية التحتية العميقة لها، عبر توجيه المقررات والمناهج في مدارس وجامعات معظم هذه الدول في سياق رؤيتهم المغلقة ومقولاتهم المتشدّدة، فسقطت المدارسُ بعد منتصف القرن الماضي في قبضتهم، وكان أغلبُ المعلمين والمدرسين دعاةً لمقولاتهم.

في الوقت الذي يدين قراءُ مجلة العربي بالفضل لمؤسّسها، إلا أنه أغلقها لحظةَ انطلاقها واحتكرها لأقلامٍ اختارها بشروطه. لا أشكّك بمواهب وبراعة تلك الأقلام، إلا أن المحرّرَ أرسى تقليدًا في النشر مازالت هذه المطبوعةُ مكبلةً به منذ تأسيسها قبل 65 سنة. مللتُ من الأبواب الثابتة المحتكرة لأقلام تتناوب على الكتابة بإيقاعٍ منتظم في أعداد العربي الشهرية المتوالية لعشرات السنين، قلّما يحضر كاتبٌ غيرهم، مهما كانت موهبتُه وإبداعُه الأدبي ومقامُه الفكري،كأن لا كاتب ولا أديب ولا مفكراً عربياً سواهم. وهذا تقليدٌ استبدَّ بصحف ومجلات بلدان أخرى في الخليج خاصة ذلك الزمان. مجلة العربي مازالت حتى اليوم أسيرةَ هذا التقليد الرتيب الذي بدأ بولادتها، فمازالت مغلقةً بنحوٍ يضجر القارئَ من الحضور المزمِن لكتابٍ لا تجذبه نغمةُ أصواتهم الأبدية المتشابهة.

 

رابط النشر: