الشطرة محطة الوعي الأولى

د. عبد الجبار الرفاعي

المدن ذات الشخصية الفريدة تعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته وثقافته وأحلامه. حتى إن بعض الفقهاء غيّر فتاواه تبعًا للمدينة التي توطنها؛ فكان له في العراق مذهب، وفي مصر مذهب آخر. لكل مدينة شخصيتها وروحها وذاكرتها وإيقاعها الثقافي، الإنسان الذكي الحساس يتشكل وعيه على شاكلتها، تبعًا لاستعداده ووعاء شخصيته.

شهدت حياتي أربع محطات أساسية أسهمت في تكوين وعيي وإعادة تشكيل رؤيتي للعالم: كانت الأولى إعدادية أكد في الشطرة، والثانية حوزة النجف، والثالثة حوزة قم، والرابعة بغداد، حيث توطنت بعد عودتي من المنفى، ورأيت في سمائها ألا سماء كسماء وطني.

كانت حياتي في القرية مريرة منذ طفولتي حتى مرحلة المراهقة. لا أتذكر أنني شبعت من طعام في القرية؛ فلم يكن لدينا من الطعام إلا الخبز، وكان الشاي شرابنا الوحيد، وقد أدمنته أمي. كان أبي يذهب على فرسه كل بضعة أشهر إلى سوق مدينة قلعة سكر، التي تبعد عنا خمسة عشر كيلومترًا، فيشتري السكر والشاي والتبغ فقط، ويجلب معه برتقالة واحدة أحيانًا. كنت أشمها طويلًا، وكانت رائحتها أعذب عطر عرفته في تلك الأيام. تحتفظ أمي بقشر البرتقالة، وتجففه وتطحنه، ثم تستعمله دواء لعلاج سوء الهضم وأمراض الجهاز الهضمي. كنت أعتقد أن البرتقال فاكهة طبية خاصة، توصف للعلاج، ولا تؤكل إلا في حالات المرض.

بعد اكمالي الدراسة المتوسطة بمدينة “قلعة سكر” في محافظة ذي قار جنوب العراق، انتقلت إلى مدينة الشطرة، وأقمت فيها ثلاث سنوات حتى تخرجت في الدراسة الثانوية. أول مرة شبعت فيها من الطعام كانت سنة 1971، في إعدادية زراعة أكد في هذه المدينة، حين أقمت في السكن الطلابي المعروف بـ “القسم الداخلي”. كان يقدم لنا ثلاث وجبات يوميًا، تتضمن وجبة الغداء الرز والمرق، ومعهما اللحم أو الدجاج أو السمك المقلي، وبرتقالة أو تفاحة أو موزة. كانت تلك أول مرة أعرف فيها الشبع، وأرى الفاكهة جزءًا من الطعام اليومي، بعد أن ظل البرتقال في مخيلتي دواء لا يؤكل إلا عند المرض.

كانت الشطرة، قبل أكثر من نصف قرن، تمتلك شخصية مدينة لا تخلو من فرادة في محيطها الإقليمي. هذه المدينة تشهد عروضًا سينمائية ليلية، وفيها استوديو حديث للتصوير الفوتوغرافي، أسسه مصور محترف، ومكتبة عامة غنية. في تلك المكتبة قرأت الجزء الأول من كتاب “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” للدكتور علي الوردي، وكتبت تعليقات على حواشي صفحاته. لا أعرف اليوم مدى أهمية تلك التعليقات، بوصفها تمارين أولى على الكتابة، غير أنني أتمنى العثور عليها، كي أتعرف إلى منطق التفكير الذي كان يستحوذ على عقلي في ذلك الوقت. الافتقار إلى الأرشيف الشخصي حرمان من أهم الأدوات التي نكتشف من خلالها تاريخ تشكل وعينا، ومسار تطور أفكارنا، وتحولات طرائق التفكير، والمنعطفات التي عبرها العقل في رحلته.

في هذه المدينة كان بعض الشباب يهتمون بمطالعة الكتب والصحف والمجلات، ويحاولون الانفتاح على عصرهم ومواكبة كل جديد في حدود إمكاناتهم الضيقة. تتردد في أحاديثهم أسماء بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء والكتاب، ويشيرون إلى ما ترجم من مؤلفاتهم إلى العربية. وقد وصف بعضهم “الشطرة” آنذاك بـ”موسكو الصغرى”، لاتساع القاعدة الشبابية للحزب الشيوعي العراقي فيها.

لم أكن يومًا شيوعيًا، ولن أكون شيوعيًا فيما تبقى من عمري، وإن كنت صديقًا قريبًا للشيوعيين في كل مراحل حياتي حتى اليوم، حتى ظن أحد مسؤولي الاتحاد الوطني للطلاب في الإعدادية أنني شيوعي أتكتم على انتمائي. على الرغم من تطبيق الشيوعية للضمان الاجتماعي الشامل، وهو ما يغويني فيها، فإنني لا أطيق محو ذاتي. الشيوعية تمحو الذات حين تختزل الإنسان الفرد إلى ترس في ماكينة كبرى هي المجتمع، وتتجاهل ذاته واحتياجاته الروحية والعاطفية العميقة. وأنا إنسان مؤمن، لا أستطيع أن أعيش من دون إشباع حاجتي إلى المعنى الروحي.

كان للحضور الواسع للحزب الشيوعي في الشطرة أثر واضح في إكساب المدينة طابعًا ثقافيًا مميزًا، ظهر في شيوع القراءة، وتداول الكتب، والاهتمام بالأدب والفن والمسرح والسينما. نقل لي صديق شيوعي أن عدد المنتمين إلى الحزب في الشطرة بلغ عشرة آلاف في سبعينيات القرن الماضي، قبل انهيار الجبهة الوطنية في العراق. وبصرف النظر عن دقة هذا الرقم، فإنه يكشف عن اتساع نفوذ الحزب في المدينة، وعمق أثره في تشكيل حياتها الثقافية والسياسية.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت “الشطرة” أكثر تحضرًا من المدن الصغيرة المجاورة لها. انفردت هذه المدينة بمكتبة لبيع الصحف والمجلات،كان صاحبها، وهو رجل كهل آنذاك، معروفًا بميوله اليسارية. تبيع مكتبته مجلة “العربي” الكويتية، وغيرها من المجلات والصحف العراقية. في الشطرة مطاعم تقدم أكلات شهية لم أذقها من قبل، وصالة لعرض الأفلام، دخلت فيها السينما لأول مرة، وشغفتني رومانسية الأفلام الهندية. كنت أغرق في انفعالات حادة حين يتصاعد التمثيل إلى ذروة المواقف العاطفية والتراجيدية، فتشتعل الكلمات بالمشاعر. أكثر من مرة كانت دموعي تباغتني وأنا أغرق في حزن مشاهدها وآلامها، وهي تثير في داخلي مشاهد موجعة وكأنها تحكي مواجع البؤساء في قريتي. كثير من الأفلام الهندية تصور حياة بؤساء الهند، وكأنها تتحدث بلغة تستأنف شيئًا من مرارات طفولتي وفتوتي ومواجعهما وجروحهما.

بعد أقل من عامين امتنعت عن دخول السينما، وهجرت مشاهدة الأفلام، ونفرت من الاستماع إلى الموسيقى، ولم أعد أتذوق فتنة الألوان في الصور الجذابة. حدث ذلك بعد أن طالعت كتابات الإسلام السياسي في الصف الخامس الثانوي. شغفت مشاعري الصورُ المتخيلة للمدينة الفاضلة في كتاباته، فكنت كلما غرقت في مطالعتها، سجلت غيابًا جديدًا عن الحياة. وكلما أوغلت فيها، ابتعدت عن تذوق صور الله المضيئة ورحمته وتجليات جماله في الوجود.

في الشطرة بدأت الصور تتراكم في أرشيفي الشخصي؛ فقد كان بعض زملائي يمتلكون كاميرات تصوير عادية، وكان في المدينة مصور يكاد يحتكر هذه الحرفة، ولا يكف عن التفنن في تلوين الصور وتجميلها. بالتدريج اجتمعت لدي مجموعة من الصور شكلت أول ألبوم اقتنيته مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين كنت في السادسة عشرة من عمري، ثم أضفت إليه ألبومًا آخر بعد سنوات. غير أن مسلسل إحراق صوري تكرر في العراق، حين اضطررت إلى الهرب من مطاردة أجهزة الأمن الصدامية، ثم في الكويت. ولحرق صوري ومكتبتي هناك قصة أخرى، أشرت إليها في كتابي “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”.

بعد عودتي من المنفى، الذي أمضيت فيه نحو ربع قرن، زرت الشطرة، وذهبت إلى محل ذلك المصور، فوجدت أحد أبنائه. حدثته عن أنني كنت زبونًا لأبيه قبل أكثر من خمسين عامًا، وأعربت له عن أملي في العثور لديهم على نماذج من صوري القديمة، بعد أن فقدتها كلها. لم أعثر من صور السبعينيات إلا على ثلاث: الأولى تعود إلى العام الدراسي 1971، والثانية التقطت لي في الشطرة عام 1972 مع زميلي في الثانوية، جبار هزل من مدينة الفهود، وقد احتفظ بها وقدمها لي بعد عودتي إلى الوطن، أما الثالثة فكانت مع صديق العمر المرحوم صالح هادي عودة السعيدي، حين زرته في الموصل خريف عام 1973، وكان يؤدي خدمته العسكرية الإلزامية.

إشارة:كان هذا المقال فقرة كتبتها منذ سنوات في مسودات مذكراتي، وأنشرها اليوم تعبيرًا عن امتناني للدكتور عدنان طعمة، ,مبادرة الدكتور عبد الكريم الشيخ ودعوته، ولمدينة الشطرة العزيزة على قلبي وأهلها الكرام. الكرم من أبرز ما يتميز به مجتمعنا، حيث يمنح الإنسان العراقي عواطفه وكل شيء مجانًا. وقد اعتذرت عن دعوة الدكتور عبد الكريم الشيخ، كعادتي السيئة في تكرار الاعتذار عن الدعوات، على الرغم من حضوري المتواصل عبر كتاباتي.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387437

الإبداع النقدي والترتب المنهجي في كتاب: “هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي: لمحات حول المشروع الفكري”

علي المحمد علي[1]

تعود قراءاتي للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي يوم كنت طالبا في المرحلة الجامعية. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على تلك القراءة الفاحصة، نقرأ اليوم إصدارًا جديدًا لكاتبة من بلادنا تجدد مشروع القراءة لكتب الرفاعي، هذا المفكر الملهم الذي شغل الساحة الفكرية بكتاباته الفلسفية والفكرية والتجديدية في علم الكلام الجديد. فقد وجدت في كتاب «هكذا قرأت عبدالجبار الرفاعي» للكاتبة رجاء البوعلي مادة مفيدة وقراءة فاحصة تحكي قصة مفكر عاش في أروقة الحوزات العلمية الدينية والجامعات والمعاهد الإسلامية على مدى نصف قرن تقريبا، هو أستاذ ملهم عاش تجارب فكرية متنوعة، وهذا الكتاب يتحدث عن تجربته في رحلة الفكر والفلسفة وعلم الكلام الجديد، فكيف يعيش المفكر ويطرح الفيلسوف الأسئلة الوجودية، وكيف يستثمر عقله في الإجابة عنها بعمق وأصالة وتحرر من قيود الذات، وهذا ما حدا القراءة في فكر الرفاعي -مشروعًا بحد ذاته- بالكاتبة المبدعة رجاء لتُصدر هذا العمل كمشروع حي وناهض للتعريف بعطاءات مفكرًا أبدع في تقديم مشروعا معمقا لبناء حضارة إنسانية وعطاء متحرر لبقاء هذا الإنسان الذي يكافح من أجل وجوده على هذه الأرض الفسيحة.

قبل البدء في الحديث عن الكتاب، لفتتني الفرحة الكبيرة التي أعرب عنها المفكر الرفاعي على موقعه الإلكتروني، إبان صدور هذا الكتاب رغم كثرة ما كتب عنه من رسائل ماجستير ودكتوراه في أكثر من بلد عربي،حيث تُقدر هذه الإصدارات والأطروحات بالعشرات حسب اطلاعي القاصر. فيما جاء كتاب الأديبة رجاء كقراءة جادة انطلقت بها لتحرير أوراق عن أطروحاته حول تحرير الذات الفردية وبناء الفكر الإنساني في سياق علاقة إيمانية متينة تمتد من أعماق الروح الباطنية لتصل ظاهر الممارسات والسلوك للإنسان في مختلف ميادين حياته، وهذا ما استشفته الكاتبة من صفحات كتبه التي عكفت على سبرها، كما نرى من خلال عرضها المقتضب في هذا الكتاب، فقد جاء كتاب الأديبة رجاء في وقت مهم للأجيال الواعدة للتعرف على فكر رجل عملاق يقدم مشروعا إنسانيا هادفا وحضاريا للبشرية جمعاء، ويحدد مسيرة الإنسان على هذه الأرض الفسيحة بأسلوب أدبي حاذق وبليغ، حيث حاولت الكاتبة توظيف عنصرالأدب- بعد أن تخصصت في دراسة الأدب الانجليزي – حيث قرأت العشرات من كتب الأدب العالمي وحاولت بذكاء أن توظف هذا الأدب الخلاق في هذا الكتاب، فجاء مستوعبًا لحياة المفكر العربي العراقي عبدالجبار الرفاعي.

وهنا أعتقد أن عمق القراءة الجادة والتحليل الذكي لمنطلقات الكاتبة هي التي جعلت من الدراسة التي كتبتها مزيجا من الإبداع النقدي والترتب المنهجي، وهذا في مجال البحوث والدراسات يتطلب من القارئ الحصيف ذهنية وقادة وتتبع لمعرفة كل أبعاد النصوص التي يتعرف من خلالها على أطروحات الكاتب والمفكر، ومدى نجاحه في عرض الفكرة نقدا وطرحا والوصول إلى مفهوم الذات من خلال ما يعرضه للقارئ.  ومما استوقفني في هذا الكتاب قراءة عبدالجبار الإنسان والمفكر على حد سواء، والتطرق لسيرته الحياتية المبكرة منذ طفولته الواعدة إلى أن أصبح أستاذًا وواحدا من كبار المفكرين المجددين في العالم الإسلامي والعربي، وقد أشارت الكاتبة للطريق الذي أودى بها لتتعرف على فكر عبدالجبار، عبر كتبه المنشورة في أرجاء المعمورة مثل الدين والظمأ الانطولوجي، والدين الكرامة الإنسانية، والدين والنزعة الإنسانية، وغيرها من الكتب التي يصدرها سنويا. ختامًا أقول: لقد قرأت الكتاب وتعرفت على فكر الرفاعي من خلال قلم الكاتبة الأديبة، وبالرغم أني قارئٌ لنتاجه قديمًا وحديثًا، وهنا أُشير إلى كثافة الكتابات وتعدد الدراسات حول مشروع الرفاعي الفكري على مستوى البحث العلمي والأوراق الفكرية النقدية والثقافية التجديدية، في حين يأتي هذا الكتاب كإضافة للمكتبة العربية والفكرية، وكمشاركة ناهضة تعيد للفكر الإنساني حضوره الباعث لبناء حضارة روحية وإيمانية واقعية واعدة. وهنا نفتخر بصدور دراسة كتبتها أديبة من بلادنا بقلم مشرق وسيال، ولغة مفهومة بعيدة عن التكلف، ومقاربة موضوعية جادة، ومحاولة تؤكد أن القراءة الجادة العميقة هي التي صنعت هذا الكتاب. فجميل أن يقرأ الإنسان ويتابع كل إصدار، ولكن الأجمل أن يقرأ المشروع بنقد وتحليل وتعريف للقارئ وهذا ما قدمته الكاتبة رجاء، ويبقى أملي وطيدا بأن تكتب دراسات أخرى لمفكرين ومبدعين آخرين من العالم العربي.

[1] كاتب من المملكة العربية السعودية.

قراءة تبعث المسرات وأخرى تثير الاكتئاب

د. عبد الجبار الرفاعي

الكتب نوعان، نوع يعزّز ثقتَك بنفسك، ويمنح حياتَك معنى أنت بحاجة ماسة إليه، سواء أكان هذا المعنى يوقظ عقلك، ويوسّع معرفتك ويثريها بنفسك والإنسان والعالم الذي تعيش فيه، أو يهبك هذا المعنى بصيرة وسكينة للروح، أو طمأنينة للقلب وسلامًا، أو يفرغ عليك حكمة توجه عاطفتك وتستثمرها فيما يجعل حياتك وحياة غيرك أجمل. النوع الثاني من الكتب يقذفك في العدم والفراغ الكلي، يوقد في نفسك الاغتراب الوجودي، ويبث في داخلك الاكتئاب والتشاؤم والقرف من كلِّ شيء مما حولك، ويحرضك على كراهية الكائنات في الطبيعة، ويغذّي عدوانيتك حيال الإنسان، ‏ويدعوك للتخلص من الحياة بأية وسيلة.

أندهش كلّما شاهدت إغراقَ المكتبات بمؤلفات فرانز كافكا وإميل سيوران، وأمثالها من الكتب النكدية للكتّاب المتشائمين المكتئبين، ممن لا يرون أيَّ شيء في حياة الإنسان إلا في الظلام. يحتجّ بعضهم بأن هذه النوع من الكتب ضروري ليرى القارئ ما هو محتجب داخل ذاته، وشرور الإنسان الآخر الذي يعيش معه، وخفايا العالم من حوله. قرأت بعض الكتب النكدية فلم أجد ذاتي فيها، رأيتها حافلة بالدعوة للموت، وتحريض الإنسان ضد الإنسان، ولا تخلو من ترغيب بالانتحار. لم أقرأ فيها ما يدعو للمحبة والإيمان والتراحم، وإيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. أتحدث عن تسمّم الروح بانحصار القراءة بالكتب التشاؤمية فقط لأمثال أولئك المؤلفين دون سواها. لا أعني كتب الفلاسفة الذين تأملوا كلَّ شيء بعمق، ولا أعمال علماء النفس والإجتماع والعلوم الإنسانية، وتشريحها العلمي للنفس الإنسانية ومنابع الشر الكامنة في أعماقها.

كنت ومازلت أهتمّ غاية الاهتمام بكتب علم النفس والعلوم الإنسانية والفلسفة والأديان، والروايات الثمينة لديستوفيسكي وأمثاله. الإدمان على قراءة هذا النوع من الكتب كشف لي شيئًا من المختبئ في أعماق نفسي وغيري من البشر، وتعلمت منها أحوال المجتمعات والثقافات والإثنيات والأديان المتنوعة.كذلك أحرص على قراءة الشذرات المضيئة للعرفاء، في “المثنوي” لجلال الدين الرومي “والمواقف والمخاطبات” للنفّري، وماكس إكهارت، وأمثالها من النصوص الخالدة التي تنظر للوجود بعيونٍ مضيئة، تداوي جروح الروح، وتشفي نزيف القلب، ولا تجهل الطبيعة الإنسانية. أغلب ما نقرأ ونسمع ونشاهد من أخبار تثير الكوابيس والأرق، قلما يصادفنا خبر ينعش الروح. أهرب من مشاهدة التلفزيون أيام الحروب والأهوال وهي كثيرة، أقرأ الأخبار في الصحافة اليوم التالي، لو شاهدت طفلًا أو شيخًا أو عجوزًا أو دمًا مسفوكًا في التلفزيون لا أطيق النوم تلك الليلة.

مواجع الحياة وآلامها لا تُطاق، يشكو لي بعض الشباب من أن حياتهم يعصف بها القلق والاكتئاب. أحد الشباب مولع بمطالعة الكتب النكدية، أصبح يائسًا متشائمًا قانطًا محبطًا ممزقًا من الداخل، بسبب انحصار مطالعاته بهذه الكتب. استشارني فنصحته بالعودة إلى كتب تداوي جروح الروح، وتشفي نزيف القلب. عندما قرأها أخبرني بحدوث تحول استثنائي في حياته، إذ انخفضت وتيرة القلق الوجودي لديه، وبدأ يمارس عمله بحيوية وفاعلية خلّاقة، ويخطط ويعمل من أجل مستقبل أفضل. أظن لو لم يكن محور رواية ‏أليف شفق: “قواعد العشق الأربعون”، الحياة الروحية لجلال الدين الرومي، وكيف استطاع هذا المعلم الملهِم أن يجعل من الإيمان حبًا والحب إيمانًا، لما تلقاها القراء بذلك الشغف. عندما صدرت الترجمة العربية للرواية كنت في بيروت، قرأتها مباشرة، وكتبت عنها رسالة لمن يتواصلون معي، من الأشخاص الذين يعانون من انهيارات روحية وجروح نفسية، فأخبروني أنها كانت خير علاج أسعفهم بعد الفراغ من مطالعتها. بعضهم أخبرني أنه يضع الرواية كل ليلة تحت وسادته حين ينام ليشعر بالأمن الروحي والسلام النفسي.كلّ إنسان يحتاج أن ينام بسكينة، ويتعطر بنكهة الأمل والتفاؤل والرجاء أول الصباح، وذلك يدعونا لانتقاء ما يبث السكينة والسلام من النصوص في مساء الأيام وصباحها.

الكتاب أغزر منبع للمعنى ساعدني للاستغناء عن العلاقات العشوائية، وحماية نفسي منها، احتلت الكتب النوعية مكانة هذا النوع من العلاقات العبثية. الكتاب رافقني في محطات حياتي المتنوعة، وعمل على إنقاذي من الشعور بالعزلة ومكابدة الأرق، وأغناني عن التخبط في العلاقات. لا أعني الاستغناء عن علاقات العمل المهني المفروضة على الإنسان، وإن كان يمكنه الاكتفاء بما هو أساسي وضروري منها.

لا أخرج من البيت إلا نادرًا، أنشغل بالقراءة والكتابة الوقت كله. أُعرّف نفسي بثقة واعتزاز بهاتين الكلمتين: “أنا قارئ”، هذا هو الشغف الذي كأنه ولد بولادتي، وسيلبث مقيمًا بداخلي مادمت قادرًا على القراءة. العالم يتغير بسرعة تفوق كثيرا تفكير الإنسان وتخطيطه للمستقبل. أقرأ الصحافة كلَّ يوم، أقرؤها لأرى كيف يرحل العالم للغد، ويرحّلنا معه “رغمًا عنا”، عساني ألمح ضوءًا في مصائره ومصائرنا. أقرأ ما أعثر عليه في المكتبات من جديد العلم والمعرفة، أقرأ ما لم أتعرّف عليه من كتابات عن الأديان والفلسفة والآداب والفنون والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. لدي صلة عاطفية بالورق والكتب منذ المرحلة الابتدائية، وهذا ما يجعلها تملأ بالتدريج كلّ بيت أسكنه، وتتكدّس في غرف المنزل، حتى عند وسادتي بشكل فوضوي يزعج عائلتي أحيانًا. لا أبالغ عندما أقول إني اتحسّس الكتب ككائنات حية ينعش بنبضها شيءٌ من روحي.

‏شيوع القراءة في المجتمع يحرّر الإنسان من التشدّد ويخفض وتيرة العنف، ويعمل على اكتشاف المشتركات بين البشر، واحترام اختلاف الهويات وتنوع المعتقدات والثقافات، ويراها منجمًا للإبداع والتكامل. القراءة مسرات وأفراح، إن قرأنا الكتب الجادة المبهِجة. القراءة رحلة أعود فيها إلى الذات، لأنصت بهدوء إلى ما تقوله على إيقاع تشاكلها مع معاني ما أقرأ من كلمات. القراءة تحميني من خوض معارك الواقع ومعاناته. أنا إنسان بطبعي أحاول ما أمكنني الهروب من الندوات والمؤتمرات والفضائيات، أمتنع عن الحضور في منتديات الثقافة ومقاهيها، والأسواق، والمناسبات الاجتماعية، وغيرها. طالما اعتذرت عن دعوات محترمة، أعترف أن حالتي استثنائية ولعلها غريبة، وربما هي من عيوبي، لذلك لا يتفهمها كثيرون. حرصي على صيانة وتحصين السلام بداخلي يفوق أيّ شيء نفيس أعتزّ به، لو تصدّع هذا السلام تتبدّد طاقتي ولا أقوى على إنجاز أيّ عمل. الواقع يزدحم بالتهافت على الشاشات والمنتديات والخوض مع الخائضين في كلّ نشاط. وأنا؛ لا أقول أزهد بذلك، لئلا يقال أمنح نفسي تفوقًا على غيري، بل أقول أنا أحتاج إعجاب الناس وتسويق أعمالي بالحضور، إلا أني لا أعيش سكينة إلا في وحدتي وصحبتي للكتاب والكتابة. أعرف أن هذه حالة تزعج غيري عندما لا أستجيب لدعوته، غير أني لا أستطيع التضحية بذاتي من أجل رضا غيري. أحيانًا أشعر بحرج أخلاقي لحظة أعتذر من دعوات مهذبة تسعى للاحتفاء بمنجزي. نحن بحاجة لمحبة الإنسان، المحبة الأصيلة رصيد يثري سكينة الروح، وهي قيمة عاطفية إنسانية نبيلة لا توهَب لنا مالم نكن مستثمرين جيدين في المحبة. ذلك ما يدعوني للاستثمار في هذه الثمرة الطيبة، وينعكس بكثافة عبر تواصلي الفردي، ومبادراتي المتنوعة للاهتمام بغيري، وقوة حضوري في فضاء الصلات العائلية، والأصدقاء الصدوقين، ممن ظفرت بهم في رحلة الحياة المنهِكة ومحطاتها المضنية. المفارقة أن الأصدقاء لا يتنبهون في الغالب للدوافع الكامنة وراء العزوف عن التواصل الجمعي والحضور الجماهيري. يبهرني حماس أحد الأصدقاء، وهو كاتب وناشط سياسي وثقافي على مشارف العقد التاسع من عمره، عاش أكثر حياته خارج وطنه العراق، يبعث لي هذا الصديق روابط نشر باستمرار لكتاباته وعلاقاته المتشعبة ولحضوره الواسع في منتديات بلدان متنوعة عديدة، والمشاركة الفاعلة بتكريم الأدباء والكتاب. الطريف أن إنتاجه لم ينل الاهتمام الذي يتناسب مع حضوره المكثف، ولا يترصد القراء، ومنهم أنا،كتاباته.

 

https://alsabaah.iq/104581-.html

من أسلمة الإنسانيات إلى أنسنة الإسلاميات

الدكتور ضياء خضيّر

يظل الخطاب الديني الذي بدأه الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ أكثر من أربعين عاما مثيرا للاهتمام والمتابعة، بسبب من تميّزه وغزارته وروحه الإنساني المتسامح، وحرارة اللغة التي يجري التعبيرُ بها عنه. وقد شدّني، كما شدّ الكثيرين من الذين تابعوا هذا الخطاب وكتبوا عنه، إعجابي بالرجل، وليس فقط بجِدة هذا الخطاب واختلافه، لأنه يجسّد في خلقه الرفيع وسلوكه العملي أنموذجا للشخصية العراقية المثقفة، والمتحررة من الإلزامات التقليدية التي تميل برجل الدين عادةً نحو هذا الطرف أو ذاك. فنحن هنا أمام رجل دين عراقي آخر، يمتلك خطابا قادرا على اجتياز الحواجز الموضوعة في طريق كل الناس الذين يمارسون حياتهم في مجتمعات إسلامية ما يفتأ رجل الدين فيها يحتكر سلطة المعرفة الدينية والفقهية والتشريعية التي تحدد ما هو محلل، وما هو محرم في سلوك “المكلفين” من أتباعه في هذا المذهب أو ذاك. ومن النادر الوقوف بين ركام هذه الخطابات القديمة والمعاصرة، الشفوية والمكتوبة، على هذا النوع الذي يجعل الدين في خدمة الإنسان، بصرف النظر عن مذهبه ولونه وعرقه، ولا يجعل الإنسان خادمًا لهذا الدين وأصحابه.

عبد الجبار الرفاعي يجعل من نفسه مكمّلا ووريثًا لسلسلة من المفكرين ورجال الدين الذين أنجبتهم أو احتضنتهم الحوزةُ النجفية في عهود مختلفة من عصرنا الحديث مثل محسن الأمين، وهبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد البلاغي، ومحمد رضا المظفر، ومحمد تقي الحكيم، ومحمد باقر الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم ممن أشار إليهم الرفاعي نفسه لتميّزِهم ومحاولتهم الخروجَ بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يحضر في خطابه النقل أكثر من العقل.

وهو إذ يتفق مع رجال الدين هؤلاء، الذين يخرجون على “خطاب تبجيل كلّ شيء في التراث، وفي سعيهم لاستيعاب شيء من عناصره استيعابا نقديا، والجرأة في نقد بعض المقولات والآراء، وعملهم في البحث عن آفاق لقراءة النص وتفسيره في سياق الواقع ومعطياته واستفهاماته، ومحاولتهم الكشف عن شيء مما هو نسبي في ميراث المتكلمين والفقهاء”، لا يخفي معرفته بأن بعضَ محاولاتهم تلك لم تغادر المناهجَ التقليدية الموروثة بشكل كامل، فيما نجح هو في فعل ذلك، وحاول منذ البدء أن يجعل من خطابه الديني مختلفا، يمدُّ به إلى شريحة أوسع من الناس، كما لو كان  جسرا  يعبُرُ من خلاله نحو أولئك الفقراء مثله في حياته المبكرة، التي تشكلت فيها بوادرُ وعيه الديني ويقظته الروحية الأولى. يستنهض الغنى الكامنَ في نفوسهم، ويحرّك بلغته البسيطة المؤثرة ما ينطوون عليه من عوالم خير داخلية لا حدود لثرائها واستعداداتها الفطرية التي وُجِد الدينُ في الأصل لإرواء ظمئها الأنطولوجي، وتوفير كرامتها، وتخليصها من الاغتراب الميتافيزيقي الملازم لحياتها، وغير ذلك مما يرافق حياتنا جميعًا من قلق وارتباك وجودي ظاهر أو مضمر.

وهو يقول إن أكثر من سبقوه على هذا الطريق كانوا غيرَ قادرين على توظيف مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث في فهم الدين ونقد التراث، وما هو مستتر من نظم إنتاج المعنى الكامن فيه.

وعلى الرغم من أننا لا نكتفي في هذا الكتاب، كما سيرى القارئ، بعرض ما نظنّ أنه يمثل المفاصل الأساسية في خطاب الدكتور الرفاعي، ونحاول أن نقدم له قراءةً نقدية فاحصة، نعتقد أن لا جدوى من الاكتفاء بعرض جوانب من فكر الرجل من دونها، فإننا ندرك أيضًا أن التناول العقلي أو المنطقي المجرد لهذا الخطاب الموزّع على عدد كبير جدا من الكتب والمباحث، قد لا يتمثل بشكل صحيح روحَ هذا الخطاب، وربما يسيءُ إلى صورته العامة التي تشيع فيها فيها روحُ التسامح والمحبة، وتحيل مجملُ المباحث الكلامية الجديدة فيه إلى رؤية عرفانية صريحة أو مقنعة غير قابلة في نفسها لأي مقاربة نقدية لا تراعي طبيعتها الأخلاقية والروحية، أو المشاعر الوجودية الخاصة لأصحابها. وهي،كما سنرى، مطروحةٌ ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية تكرهُ الخضوعَ لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس وغير المقدس في موضوعات محددة تقتضي وجوبَ التسليم بنوع من العلاقة الخاصة والاستثنائية بين البشري والإلهي الذي يجسْده الوحيُ النبوي، وقدسيةُ النص القرآني، وما يتصل بذلك من أمور إشكالية يتمّ بحثها باستمرار في كتابات الدكتور الرفاعي، كالعلاقة بين الدين والأيديولوجيا، أو بينه وبين الدولة، والطريقة التي يجري فيها (تحيين) النصوص القرآنية على الطريقة الهرمنيوطيقية التي جرت عند الغربيين للكتاب المقدس منذ زمن طويل. وأسفرت عن نتائج حاسمة في علاقة المجتمعات الغربية بديانتها المسيحية، التي جعلت من عبارة السيد المسيح في إنجيل مرقص التي تقول “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” معيارًا ومثالًا للعلاقة المزدوجة بين الديني والدنيوي. وهي، كما نعرف، عبارة تمَّت مناقلتُها من سياقها التاريخي الخاص بسؤال بعض اليهود للسيد المسيح عن جواز دفع الجزية لقيصر، لتكون إجابتُه عليها دليلًا على هذه العلاقة التي لا يجب أن يتدخل فيها الإلهي المقدس في الدنيوي الخاص بمجريات الحياة المدنية، مثلما لا يتدخل الدنيوي في حياة المقدس ذي الطبيعة الروحية المختلفة. في حين ما زالت هذه العلاقة الخاصة ببناء الدولة والسلطة السياسية الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية مختلطة غامضة، على ما أصابها من عدوى التأثر بالنظام السياسي الغربي خلال العهد الاستعماري لبلادنا أو بعده. حيث ينفصل القول النظري فيها عن الواقع العملي، وتكتسب فيه عبارة السيد المسيح السابقة معنى آخر قد يكون فيه “ما لله وما لقيصر لله وحده” في إطار الرؤية الدينية المتسلطة، و”ما لقيصر وما لله كليهما لقيصر وحده” في إطار الرؤية الدنيوية المنفلتة. وكل ذلك يحدث في إطار ما نقرؤه ونشهده من مفارقات وغرائب مرافقة لتكوين الدولة وأمثلتها الواقعية التي يمتلئ بها تاريخنا الإسلامي القديم والحديث.

وفي الوقت الذي لا يجري فيه الاعتراض عندنا على وجود عنوان (الإسلام دين الدولة) من الناحية الدستورية، لا نجد أحدا يبالي بغياب هذا الإسلام أو عدم حضوره، ولو بروحه الأخلاقي والتربوي في مفاصل هذه الدولة. وهو ما يشير إلى جانب من بنية الانفصام العميقة القائمة بين النظرية والواقع لدى نخبِنا الدينية وأحزابها السياسية بشكل خاص، ومجتمعنا العربي الإسلامي بشكل عام.

الدعوة إلى “أنسنة الإسلاميات، لا أسلمة الإنسانيات”، التي أطلقها الدكتور الرفاعي تظل شعارًا لدى المتنورين القلّة من رجال الدين في هذه الدولة، ولكنه شعار غيرُ قابلٍ للاشتغال لدى آخرين غيرهم، ما زالوا يتدخلون في حكم هذه الدولة ويعبثون بمصالح الناس فيها تحت عناوين وشعارات إسلامية وديمقراطية مضلّلة.

وما ينطوي عليه خطابُ الدكتور الرفاعي في هذا الشأن من شفافية وغنى دلالي، وما يوفره لقارئه من عناصر اتزان عقلية ونفسية، هو الذي يحفّزنا على جعل بعضِ جوانبه موضعَ نقاش واستفهام من أجل تعميقه وإثارة الأسئلة المعترضة أو المحفّرة للحوار والنقاش حوله. وصاحبُ هذا الخطاب لا يضيق بالأسئلة، ويقول إنه لا يملك، مثل أصحاب التدين السياسي، إجاباتٍ جاهزة تتكرر فيها الشعارات التي لا معنى لها، ولا قيمة.

ومنطلقُنا في كلِّ ذلك يظل هو الإيمان المشترك بالدين عنصرًا لا غنى عنه في حياة كل إنسان، وبالحق سبحانه وتعالى خالقًا ومدبرًا لهذا الكون، لا ينتج من المواقف والآراء الفكرية التي تتبع القول برفعه من دواخلنا غيرُ أن يصبح كلُّ شيء مباحًا في هذا العالم، كما كان ديستويفسكي يقول.

وكوني أديبًا أو ناقدًا غيرَ متخصص بالشأن الديني لا يكفي للقول بأني أتدخل هنا فيما لا يعنيني، بل ربما يمنحني، على العكس من ذلك، ميزةَ رؤية هذا الخطاب من زاوية أخرى قد لا تتوفر بنفس القدر والدرجة لمتلقي هذا الخطاب من علماء دين ومتخصصين. فالمنهج ونظرية المعرفة الخاصة بنظم التفكير في إطرها العامة ليست حكرا على رجال دين ومثقفين دون غيرهم، لاسيما في خطاب يتعدى الأساليب التقليدية، ويحاول أن يستخدم المناهج العلمية والفلسفية في مقاربة موضوعاته الدينية. إضافةً إلى وجود علاقة خاصة بيني وبين الدكتور الرفاعي قد لا يعرفها غيري وغيرُه، تدفعني إلى إعارة مزيد من الاهتمام لما يكتبه ويقوله دون خوف من التجاوز على النظرة الموضوعية المحايدة. فهذا الرجل الذي هو أستاذ ومعلم في هذا الشأن للكثيرين في العراق وخارجه على نحو مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك المتكلم نفسه، كان في يوم ما تلميذا من تلاميذي!

نعم، تلميذ من التلاميذ الكثر الذين لا أعرفهم، ولا يعرفونني أحيانا إلا في وقت متأخر تقود إليه أحيانًا نوعٌ من الصدفة المحض. وليس غريبًا في تاريخ العلم أن يصبح الطالبُ أستاذا لأستاذه في هذا الجانب أو ذاك من العلم. وهو شيء أتشرف به ولا أنكره، لأن قراءتي المتأخرة لعبد الجبار الرفاعي واطلاعي على سيرته الذاتية قد أضافت لي الكثير، وعلمتني درسا آخر من الدروس الأخلاقية والتربوية الجديرة بالتقدير والاعتبار، يقدمها رجلُ دين عرفاني ومثقف استثنائي في واقعنا العراقي والعربي المعاصر. وأنا لا أتردد من الاعتراف بذلك وتقديم الشكر والعرفان بالجميل لصاحبه. فضلًا عن أن تلك التلمذة لم تكن تزيد في الواقع على الصورة الرسمية والشكلية التي لا علاقة خاصة فيها بين التلميذ وأستاذه، حينما كنت أنا وإياه في ثانوية قلعة سكر بمحافظة ذي قار التي انتقل إليها عبدالجبار الرفاعي بعد إكماله الابتدائية في مدرسة القرية القريبة من قضاء الرفاعي نهايةَ الستينات من القرن الماضي، فيما كنتُ قد بدأتُ حياتي الوظيفية مدرسًا للغة العربية، ثم مديرًا لهذه الثانوية الكبيرة خلال الأعوام ١٩٦٧و١٩٧٠ نفسها، ثم في مدينتي ومسقط رأسي (الشطرة) التي أصبحتُ مديرًا لمتوسطتها في نفس السنة التي انتقل عبد الجبار الرفاعي هو الآخر إلى المدينة، التي ألّفت مرحلة تكوينيّة بالغة الأهمية في حياته الفكرية واتجاهه الديني اللاحق، كما في حياتي واتجاهي الأدبي السابق واللاحق. وقد عمدت إلى وضع نص القصيدة التي نشرتها بمجلة الآداب اللبنانية عام ١٩٧٠ أثناء وجودي في مدينة قلعة سكر لأشير إلى أني كنت أنا الآخر مشغولًا منذ ذلك الوقت الذي مضى عليه الآن أكثرُ من نصف قرن بالبحث عن طريق مناسب للإيمان والمعرفة.

كلُّ هذا ونحن لم نلتق ولَم نتعرف على بعضنا بشكل مباشر بعد، مع أن ما قرأناه فيما بعد من سيرة بعضنا البعض في كتب متبادلة كان بالنسبة إليّ على الأقل صادمًا، أحيانًا، فيما يتصل بالظروف المتشابهة لمعاناتنا المشتركة، شأنَ الكثيرين من أمثالنا من أبناء الجنوب العراقي الفقراء؛ وما يواجهونه من ضيق وعَنَتٍ لا يغطي مع ذلك على طموحاتهم الأدبية والفكرية ورغبتهم في الخروج إلى عالَم أوسع من الحياة والفكر، على ما هنالك من اختلافات فردية طبيعية في الأهداف والتطلعات والظروف الشخصية والعائلية المرافقة.

وحين أجرينا أولَ اتصال بالتلفون بيننا بعد سنين طويلة من ذلك التاريخ البعيد، الذي لم نلتق فيه حتى الآن وجها لوجه، لم ينكر الدكتور الرفاعي أن صوتي مألوفٌ بالنسبة إليه، ويكاد أن يعرفه من نبرته كما قال لي. في حين أشعرُ أنني حين أكتب عنه الآن فإنني اكتبُ عن جانب غائب أو مفقود في حياتي نفسِها.

وقد كان لخالي المرحوم عطا القزاز مدرس العربية المعروف في الكرخ أؤخرَ القرن الماضي وبداية القرن الحالي، دخلٌ في هذا التعارف المتأخر الذي حدث بيني وبين الدكتور الرفاعي. فقد أُولعَ هذا الرجل في سنواته الأخيرة بفكر الدكتور الرفاعي الديني على نحو استثنائي، وجعل من قراءة البحوث التي تنشرها مجلته (قضايا إسلامية معاصرة) وكتاباته رفيقا ملازما له خلال قعوده الطويل في بيته، على نحو عجيب تحول فيه من حال إلى حال. وقد كان التبدّل الذي طرأ على حياته وفكره الذي انتقل فيه من يساري ماركسي إلى متدين مؤمن بسبب من تلك القراءات مثيرًا للحيرة والتساؤل بالنسبة إليّ ولكل من يعرف الأستاذ عطا من أفراد عائلته وأصدقائه. وقد أخبرني الدكتور عبد الجبار فيما بعد أنه كان يبعث بكتبه بيد المهندس فراس ابن المرحوم عطا المقعد في بيته في الإسكان غربي بغداد، بعد أن نقل له تحيات أبيه وشغفه بقراءة كتاباته. وينقل إليّ الدكتور عبد الجبار متأثرا كيف أن المرحوم عطا كان يعبر له عن امتنانه وشكره في كل مرة يتصل فيها به عن طريق الهاتف قائلا له: “إنك أنقذتني، وجعلتني أعثر ُعلى نفسي، وعلى المعنى الذي كنتُ أبحث عنه لحياتي”.

وأنا أروي هذه الحادثة الصغيرة التي يظهر من خلالها مدى التأثير الذي مارسه فكرُ الدكتور عبد الجبار الرفاعي الديني الجديد على الكثير من الناس الذين يعرفهم أو لا يعرفهم، لأبيّنَ، كما ذكرت، جانبًا من السبب الشخصي الذي عزّز فيّ الرغبة والفضول للتعرف على الرجل وفكره، ثم الكتابة عنه وأنا في مقامي البعيد في كندا.

وقد سبق للناقد العراقي المعروف الدكتور عبد الله إبراهيم أن التقى قبلي بالدكتور عبد الجبار، وكتب عن تأثيره فيه، على ما بينهما من اختلاف، مقالا في جريدة الصباح وصف فيه ما رآه في شخصية الرفاعي من نبل ونقاء وتواضع وطيبة، وكيف أن تعليم الدكتور عبد الله الدنيوي الحديث لم يمنعه من أن يخصه الدكتور الرفاعي باهتمامة وتكوين علاقة خاصة معه. بعد أن كان كما يقول شديدَ النفور من ذلك النمط من رجال الذين تخمّرت كتلتها في الأروقة المعتمة، وعلى نحو لا يختلف كثيرا عما كنتُ اشعر به، أنا الآخر، إزاءَ بعض رجال الدين قبل أن أتبيّن حقيقة عديدين منهم من خلال هذا الرجل الذي تتلمذ إليهم وعاش بين ظهرانيهم وخرج عن منهج الكثيرين منهم. فللرّفاعي، كما يقول الدكتور عبد الله “شيوخٌ معمّرون، أثقلت رؤوسهم العمائمُ السّود والبيض، وأطالوا المقام في الظّلال، وتلقّف عنهم أصول الفقه، وعلم الكلام، والعقائد، فضلاً عمّا كان يتلقّاه طلبة علوم الدّين عن شيوخهم من دروس المنطق الصّوري، والنّحو القديم، والبلاغة المدرسيّة، بوصفها من الوسائل الضروريّة لمقاربة العلوم الدّينيّة، كما انحدر إليهم ذلك من شِعاب الماضي، فالمرجّح أن يكون قد أوغل في كلّ ذلك حتّى حاز درجة الدكتوراه فيه، وأحسب أنّه تآلف مع تلك الأجواء بفعل المعاشرة، ودوام التعلّم، والتّعليم، والمدارسة، مدّة طويلة، قبل أن ينأى بنفسه عن ذلك”. (د عبد الله إبراهيم، جريدة الصباح، ٢٩/١١/٢٠٢٣)

والدكتور الرفاعي يشير في أحد كتبه إشارةً دالة إلى أن أكثر الباحثين ممن يمتلكون خبرةً بمناهج القراءة الجديدة عندنا في العراق يهربون من توظيفها في قراءة النص الديني، وغالبا ما يوظفونها في قراءة النص الأدبي والأعمال الفنية والإبداعية المختلفة الأخرى.

وتلك حقيقة من حقائق الثقافة العراقية التي يغلب عليها الطابعُ الأدبي والشعري أكثرَ من الطابع الفكري والعقلاني. وعبارة محمود درويش التي تقول “كن عراقيًا لتكون شاعرًا”، لا ينبغي أن تُقرأ وفق جانبها الإيجابي الجميل فقط، بل هناك جانب سلبي لا يجب إغفاله، هو أننا، نحن العراقيين، كثيرا ما نفكر ونتصرف بطريقة شعرية لا تراعي الضرورات الواقعية.

وربما كان واحدٌ من نتائج غياب الكتابات الفلسفية والاجتماعية الفاعلة في المجال الديني في وسطنا الثقافي العراقي قد دفع عديدا من الكتاب والأدباء إلى تولّي زمامِ المبادرة، ومحاولة تناول يوميات الواقع العراقي، وما فيه من إشكالات فكرية واجتماعية ونفسية، وما خلّفته الحروب الخارجية والداخلية في هذا الواقع على الذات العراقية الجريحة من ندوب غير قابلة للشفاء بسهولة.

وهذه الكتابات غيرُ معنية في جملتها بوجود الدين والروح الإيماني، أو عدم وجودهما فيما تكتب. فالمهم والأكثر إلحاحا في سنوات الجمر والجبهات الملتهبة هو وجود البشر أحياء، وتوفر حاجاتهم الأساسية، وليس كيفية ما سيكونون عليه من ماهية في هذا الوجود. والتقى المفاجئُ والعودة إلى الله يمثّل نوعا من ردة الفعل والخوف من المصير المجهول أحيانا أكثر من الإيمان المتولد عن قناعة وتأمل بالموضوع الديني، الذي ما فتئ الدكتور الرفاعي يكافح من أجل البحث عنه والتأكيد عليه ونشره ممزوجا بهذه المسحة الخفيفة من التصوف العرفاني أو ما يقع في دائرته.

وما يضيفه الدكتور الرفاعي إلى عبارته السابقة من تفسير لانصراف الباحثين عن استخدام أدواتهم المنهجية في الكتابة عن الأمور الدينية، يتمثّل في انهم “يبحثون عن ملاذ يحتمون فيه من غضب أنصار التراث” قد لا يكون صحيحًا قدْرَ صحةِ اختلاف التوجهات الناتجة عن نوع التعليم والمواد المقدمة في المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية العراقية التي كان نقلُ المناهج الأدبية التراثية والغربية الحديثة الخاصة بالنقد الأدبي والفني يزيد على ما سواه من برامج ومواد دينية وفلسفية متوفرة. ولم تكن الحوزة الدينية الشيعية في النجف الأشرف، كالأزهر الشريف في مصر، منفتحةً على تعليم ديني ودنيوي يغطي كامل التراب الوطني ويصنع كوادر دينية مثقفة بثقافة دينية وعصرية متوازنة. وقد خرّجت النجف وبقيةُ مدن الجنوب العراقي الشيعية أعدادًا من الشيوعيين أو المنتمين للفكر اليساري الماركسي أكثرَ مما خرجت من رجال دين ومتدينين.

ولذلك فإن الموقف الذي عبّر عنه الدكتور عبد الله إبراهيم في هذا المقال يعبّر بالفعل عن موقف الغالبية العظمى من هؤلاء الأدباء والكتاب العراقيين من ذوي التعليم العام والثقافة الأدبية والنقدية الحديثة، التي يغلب عليها طابعُ الفكر اليساري الذي لا يميل، ولا نقول يعادي، إلى صورة رجل الدين التقليدي كما عرفها هؤلاء الأدباء في تعليمهم المدرسي وحياتهم الثقافية العامة.

وعنوان كتابنا هذا الذي يجمع بين (التصوف العرفاني) و (علم الكلام الجديد) في إطار واحد، ناتجٌ عن طبيعة التركيب أو المزج الذي حاول الدكتور الرفاعي نفسُه إدخاله على مجمل مدونته والفكرية والكلامية التي لم يكتفِ فيها برفض أغلب ما رآه فيها من تراث الفقهاء والمتكلمين القدماء، وإنما أراد أن يضفي عليها مسحةً أخلاقية وروحية متمثلة في ما يسميه تصوف العرفان والعرفاء. وسنكرّس الكلام في الفصل الأول من الكتاب للجانب الفقهي والكلامي وفلسفة الدكتور الرفاعي في النظر إليهما، فيما سيجري تناولُ الجانب العرفاني التصوفي في كل فصل من فصول الكتاب الأربعة، نظرا لحضوره الكثيف في كل منظومة الدكتور الرفاعي الدينية، التي لا شك عندنا في أن التصوف في صورته العرفانية الموجودة في كلّ كتب الدكتور تقريبًا، هو حصيلة شخصية ونتاجٌ لتجربة فردية، وتأثر بقراءات رجال دين وعرفاء آخرين حسب تسميته، مثل محي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، والعلامة الإيراني محمد حسين الطبطبائي (١٩٠٤ – ١٩٨١)، الذي منحه الدكتورُ الرفاعي على صعيد الدراسة والتدريس قدرًا من الاهتمام لم يمنحه لآخر سواه من المفسرين والفلاسفة والعرفاء المعاصرين. ولعلّ التشابه الذي وجده الدكتور الرفاعي بين حياة هذا الرجل (الإلهي) وبين حياته نفسها أن يكون ملهما ومعينا له على فهمه، والارتباط الصميم بفكره وآرائه الكلامية ومواقفه الصوفية أو العرفانية. فقد عاش الطباطبائي رحمه الله بين تبريز والنجف وقم، مثلما عاش الرفاعي نفسه، في رحلة معاكسة، بين مدينة الرفاعي والنجف وقم، حياةَ نضال وكفاح لا شبيه لها في قسوتها وقدرتها على معاندة الظروف الاجتماعية والسياسة المحيطة. ولكن ذلك لم يثنه، كما لم يثنِ تلميذه العراقي عن موصلة الدراسة والتحصيل العلمي الذي أنتج هذا القدر من الوعي والإحاطة بالمعارف الدينية والفلسفية، التي فتح الله عليهما فيها بما ينير بصيرتهما وبصيرة الكثيرين من بعدهما، ولنرى في حصيلتها هذا النوع من الرجال الذين يعدلون في ثقلهم المعرفي والروحي والأخلاقي الآلافَ من الذين خرجوا من بينهم، فأعانوهم أو وقفوا في وجوههم، ولكن ما أودعه الله فيهم من أدبٍ وسماحة خلق يقتضيهما الدينُ الحق، لا يجعلهم بعيدين عن أن يكونوا في الموضع الذي يكون فيه أيُّ واحد من أولئك الفقراء في المادة والروح من الذين خرجوا من بينهم، ولم يتسنَ لكثير منهم أن يقرأوا أو يسمعوا مثل هذا الصوت الذي يمكن ان يتسرب بيسر إلى أعماقهم.

وتلك، في تقديري المتواضع، هي القيمةُ الأساسية لخطاب الدكتور الرفاعي الروحي والأخلاقي، أعني سعة أفقه وانتشاره وقدرته على ملامسة جوانب حاضرة أو غائبة عن حياة كثير من الناس، بما في ذلك البسطاء منهم.

واللهَ تعالى نسألُ التوفيقَ والسداد.

الدكتور ضياء خضير

تورونتو/ كندا/٢٠٢٤

 

ملاحظة: تنشر هذه المقالة بالتزامن مع نشرها في العدد الجديد من مجلة الأقلام “العدد الرابع، السنة الثامنة والخمسون، ٢٠٢٤”، التي تصدرها دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد.

 مقدمة الدكتور ضياء خضيّر لكتاب: “الرؤية العرفانية والكلامية الجديدة: قراءة نقدية في مشروع عبد الجبار الرفاعي الديني”، تحت الطبع. الدكتور ضياء خضيّر ناقد وباحث وأستاذ جامعي عراقي متقاعد يقيم في كندا حاليا؛ يحمل شهادة دكتوراه دولة في الآداب من جامعة أكس اون بروفانس الفرنسية، وبكالوريوس وماجستير من جامعة بغداد. له أبحاث وكتب أدبية ونقدية عديدة، من بينها ثنائيات مقارنة، والقلعة الثانية، والمقامات العمانية، والتشكل التاريخي الكاذب، والأثر الأجنبي في المسرح العراقي خلال مائة عام.