الصمت بوصفه عقابًا

د. عبد الجبار الرفاعي

كثيرًا ما يلجأ بعض الأشخاص إلى الصمت بوصفه عقابًا، حين يضرب أحدهم عن الكلام داخل العائلة، أو في مكان العمل، أو مع مَن تربطه بهم علاقات اجتماعية، احتجاجًا على موقف يراه مزعجًا أو جارحًا. هذا النوع من الصمت ينتشر في الحياة الزوجية، إذ تختار الزوجة أحيانًا الصمت خوفًا من ردود الأفعال العنيفة للزوج، أو عقابًا له على ما تعتبره إساءة إليها، ويصمت الزوج احتجاجًا على ما يراه ثرثرة أو تجاوزًا من الزوجة. وغالبًا ما تتشابه دوافع الصمت بين الطرفين، وتنبع من رغبة في التعبير عن الغضب أو الامتعاض من دون الدخول في مواجهة مباشرة. أحيانًا يتحول الصمت إلى موقف يدل على الإهمال أو عدم الاكتراث، أو يحمل إيحاء بالإهانة والاحتقار، حين يتعمد أحد الطرفين تجاهل الآخر، ويمتنع عن التواصل معه، وكأن وجوده لا يستحق الرد أو الإصغاء. هذا الصمت لا ينتمي إلى الصمت الحكيم، بل يعكس توترًا داخليًا، ويعبّر عن انفعال لم يجد طريقه إلى التعبير الصريح، لذلك يختار الامتناع بدل المواجهة.

الصمت الذي ينطلق من الغضب أو الخوف أو الرغبة في الإيذاء لا يعزز العلاقة، بل يزيدها تعقيدًا، ويحول التواصل إلى ساحة صراع صامت تتراكم فيها الجراح، وتغيب عنها فرص الفهم والتصالح. مَن يختار هذا النوع من الصمت لا يعكس حكمة، بل يعبر عن إهمال مؤلم، أو عن رغبة في فرض عقوبة من دون إفصاح. الصمت الذي يتحول إلى وسيلة للإيذاء لا يداوي بل يجرح، لا يصلح بل يفسد، لأنه يمزق وشائج التواصل، ويزرع شعورًا بالنبذ والرفض، ويغلق أبواب الحوار التي لا تفتح إلا بالكلمة الواثقة، والإنصات المتبادل، والرغبة الصادقة في المودة.

يجد الإنسان نفسه أحيانًا غارقًا في كثافة تواصل بعض الأشخاص، وتعبيرهم المتكرر عن الثقة والإخلاص والمحبة، فيبادر إلى التجاوب الصادق معهم بعواطف تتناغم مع عواطفهم، وربما تتجاوزها. بعد زمن ليس بقصير، ينقطع هذا التدفق فجأة، ويتوقف كل شكل من أشكال الإعراب عن التقدير والاحترام والمحبة، من دون مقدمات تفسر هذا الصمت أو تبرر برود العلاقة الحميمية الحارة. يلتمس الإنسان العاقل الحكيم العذر لمن يتوقف عن التواصل بسبب ظرف معلوم للطرفين، لكنه يعجز عن تفسير الانقطاع حين يغيب عنه التفسير. يمكن التماس العذر إذا كان منشأ هذا التوقف عن التواصل اضطرابات نفسية، أو مشكلات حياتية تقذف بالإنسان في بئر الحيرة والذهول. أما إذا نشأ هذا الانقطاع بهدف استفزاز الآخر أو إيذائه، فلا سبيل إلى تفهمه، ولا مبرر يخفف من وطأته.

الصداقة ليست مجرد تواصل عابر، بل هي تعاقد وجداني غير مكتوب، يتأسس على الثقة والاحترام والوفاء، وحين تتصدع هذه القيم يتصدع البناء الداخلي للصداقة، ويغدو الصمت جدارًا يفصل بين قلبين كانا يتقاسمان الحب. ليس من السهل ترميم ما تهدم حين يهمل أحد الطرفين ما كان يربطه بالآخر، لأن ما يُكسر في الروح لا يصلحه الاعتذار وحده، ولا تجبره الكلمات المتأخرة. الثقة حين تتصدع لا تعثر على مَن يرممها، والمحبة حين تُهان تنكفئ، والإنسان حين يهمله من ظنه قريبًا منه يشعر بالأسى. يظل القلب يترقب احتمال اللقاء، لأن الإنسان الأخلاقي لا تموت إنسانيته، ولا يكفّ عن الأمل في ترميم ما تهشم، حين يلوح له في الأفق ما يوقظ الحنين ويستدعي العذر. الغياب لا يقاس بالمسافة المكانية والزمانية، بل يقاس بما يخلفه من فراغ في الروح، وما يتركه من أسئلة معلقة لا تجد مَن يصغي إليها.

الصمت الذي يعقب الغياب لا يكون دائمًا علامة على النسيان، بل قد يكون وجعًا لا يمكن البوح بآثاره، أو خيبة لا يمكن التعبير عنها، أو انتظارًا لا يفصح عن مضمونه. في العلاقات الإنسانية التي تتأسس على الصدق يكون الصمت أحيانًا أكثر فتكًا من الكذب، لأنه لا يمنح فرصة للتفاهم، ولا يتيح مجالًا للتفسير أو الترميم، بل يقذف العلاقة في وضع مبهم، لا هو وصل ولا هو قطيعة، ويجعل الإنسان في مواقف متذبذبة تتأرجح بين الأمل واليأس، بين التماس العذر واستشعار الإهانة. حين يطول هذا الصمت، يتحول إلى جدار من الغموض والابهام، يعيد تشكيل صورة الآخر في الذهن، ويعمل على ترتيب أولويات القلب. لكن لا ينطفئ الرجاء في القلب الذي تعلم أن يفيض الحب، الإنسان الأخلاقي لا يتخلى عن إنسانيته حتى حين يُخذل، ويبقى الأمل في أن يعود الغائب، وأن يتكلم الصامت، وأن تُستأنف العلاقة بما يليق بها من وضوح وصدق وحنو. العلاقات الأخلاقية التي تبنى على المحبة الصادقة لا تموت بسهولة، لكنها تحتاج إلى رعاية دائمة، وإلى حضور لا يختزل في الكلمات، بل يتحدث في الأفعال، ويترجم في لحظات الإنصات والاهتمام. الحضور ليس مجرد وجود جسدي، بل هو استجابة لنداء القلب، واعتراف ضمني بأن الآخر لا يزال يسكن فيه، مهما طال الغياب.

أتحدث عن ضرورة الصمت في مقام يتطلب الصمت، وضرورة الكلام في مقام يتطلب الكلام. لا أدعو إلى الإضراب عن الكلام مطلقًا، ولا تعني الدعوة إلى الصمت الحكيم الكفّ عن كل أنواع الكلام، الصمت لا يتحقق إلا في موضعه، حين يكون أثمن من الكلام، وأقدر على التعبير من أي لفظ. الصمت الذي أدعو إليه لا ينطلق من موقف عدمي، ولا ينبع من رغبة في الانسحاب والانكفاء على الذات، بل يتجذر في وعي اللحظة، وتمييز ما يليق بها من حضور أو غياب، من كلام أو إنصات. ضروري الحرص على الصمت حين تقتضي اللحظة الصمت، والحرص على الكلام حين يتطلب المقام الكلام. الصمت الذي أنشده ليس امتناعًا مطلقًا عن النطق، ولا عزوفًا عن التعبير، بل هو وعي بما يتطلبه المقام، وتمييز لما يليق بالإنسان من حضور أو غياب، من كلام أو إنصات. يتحقق الصمت حين يغدو أبلغ من أي لفظ، وأقدر على الافصاح من أي بيان، وأعمق أثرًا من أي خطاب. لا ينبع هذا الصمت من فراغ داخلي، ولا يتغذى على العدم، بل يتجذر في يقظة القلب، وفي إدراك أن بعض الأوقات لا تحتمل الضجيج، بل تحتاج إلى صمت يتناغم معها بحنو، ويصغي إلى ما تبوح به الذات في حوارها مع الذات، وينصت بهدوء لما يصدر عنها من نداء خفي.

حين يتكلم الإنسان في غير موضع الكلام يهدر المعنى، ويربك الذات، ويفوّت فرصة الإنصات إليها، ويطفئ ما كان يمكن أن يتوهج داخلها لو صمت. حين يصمت الإنسان في غير موضع الصمت، يخسر الأثر الذي يحدثه الكلام مع الآخر، ويخسر ما يتخلل اللحظة من كلمات توقظ الوعي وترسخ أواصر الصلة بالإنسان الذي يتكلم معه. الكلام حين يقال في غير وقته يشوه المعنى، والصمت حين يفرض في غير موضعه، يغلق أبواب الابداع والتلاقي. لا يتحقق الصمت الحكيم إلا حين ينبع من تمييز دقيق بين ما ينبغي أن يقال، وما ينبغي أن يصغى إليه، وما ينبغي أن يصمت لحظته الإنسان، كي يسمح للسكينة أن تتوطن الروح. الصمت الذي أدعو إليه ليس انسحابًا من الحياة، بل هو شكل من أشكال الحضور العميق فيها. إنه إنصات لما يتجاوز الضجيج، وتوقف عن الكلام حين يغدو الكلام تكرارًا لما لا يضيف شيئًا مفيدًا، أو ينتهك سكينة الروح. أدعو للصمت عندما يكون فسحة للتأمل، ومساحة لإلهام لرؤية وانبثاق البصيرة، والإعتراف بأن بعض المعاني لا تتسع لها الكلمات، وبعض المشاعر لا تنبعث إلا في فضاء الصمت الذي تستجيب له.