صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

د. عبدالجبار الرفاعي

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. ينبغي ألا يُقرأ بوصفه حكمًا أخلاقيًا عن سلوك نساء أثينا، ولا حكمًا معياريًا على الرغبة أو الجسد، بل بوصفه تحليلًا ثقافيًا لبنية مدينة صاغت علاقتها بالجسد واللذة والاقتصاد ضمن أفق رمزي خاص؛ فالإشارة إلى التوق الجنسي واقترانه بالمقابل المادي لا تهدف إلى الصدمة لذاتها، وإنما تكشف عن انتقال الرغبة من مجالها الإنساني الحميم إلى مجال التداول الاجتماعي، حيث يغدو الجسد لغةً ضمن شبكة من العلاقات والقيم والمعاني. الصدمة هنا لا تصدر من الفعل، بل من تعرية المسكوت عنه في الوعي الاجتماعي، ذلك أن المدينة التي تنتج فلسفة العقل والجمال والرموز لا تنفصل عن اقتصاد الرغبة، وإنما تنظّمه وتؤطره وتمنحه رؤية ثقافية مخصوصة. بهذا المعنى، لا يتحدث النص عن انحراف أخلاقي، وإنما عن نظام رمزي يلتقي فيه الجسد بالمدينة، والرغبة بالسوق، واللذة بالمعنى، كاشفًا أن ما يبدو صادمًا للوعي اللاحق كان جزءًا من بنية حضارية لم تفصل بين التفكير والعيش، ولا بين الفلسفة والجسد. القراءة التحليلية هنا لا تدين ولا تبرر إنما تفسر، وتُظهر كيفية تشكل الأخلاق داخل سياق ثقافي تاريخي، وكيفية انتاج المجتمع معاييره من داخل بنيته لا من خارجها، فتتحول الصدمة من حكم أخلاقي إلى أداة لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بجسده، ولعلاقة المدينة برغباتها المكبوتة والمعلنة معًا.

مضى سيكوندوس في اختبار أخلاقي مثير مع أمه الأرملة، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام[1].

قصة سيكوندوس مع أمه لا تُقرأ بوصفها حكاية فضائحية عن كسر محرَّم، بل بوصفها تمثيلًا رمزيًا مكثفًا للذنب حين يبلغ أقصاه، وللضمير الأخلاقي حين يُنتهك في مستواه المؤسس للمعنى؛ فالأم هنا ليست مجرد شخصية سردية، بل رمز للمنبع الأول للحياة، ولأصل القيم، وللنظام الرمزي الذي تنتظم فيه القرابة والهوية والاستمرارية، لذلك لا يغدو الفعل خطيئة عابرة قابلة للاعتراف أو الترميم، بل هتكًا لبنية العائلة والمجتمع القيمية. لا تأتي استجابة سيكوندوس بالصراخ أو التبرير أو الهروب، بل بالصمت الأبدي بوصفه تحمّلًا صارمًا للمسؤولية. إذ يتحول الصمت من عقوبة اجتماعية مفترضة إلى قرار يفرضه الضمير الأخلاقي؛ وصمت سيكوندوس هنا ليس توبة دينية خالصة، ولا عقوبة جسدية، بل قرار وجودي بتحويل الذنب إلى وعي دائم، يعي فيه الفاعل أن اللغة ذاتها تواطأت مع الخديعة وانتهاك الحرمة حين استُعملت أداة للإغواء، وأن الكلام بعد هذا الحد سيكون انتهاكًا آخر، فيختار سيكوندوس تعليق حضوره اللغوي في العالم، لا إنكارًا للفعل، بل اعترافًا باستحالة قوله، ورفضًا لتحويل الذنب إلى مادة سردية للاستهلاك أو إلى فضيحة قابلة للتداول. هكذا تنقلب القصة من حكاية صادمة إلى أيقونة فلسفية، تكشف أن الصمت، في لحظات قصوى، قد يكون أصدق أشكال الأخلاق حين تعجز اللغة عن استيعاب سعة المعنى.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس [2].

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

اجابات سيكوندوس عن هذه الأسئلة الحائرة درس تربوي ثمين للاقتصاد في الكلمات. إذ يغرق الإنسان اليوم في فائض أسئلة وإجابات المنصات الرقمية، ويتعجل كثيرون للتعليق وإبداء الرأي في كل شيء، وإن كان لا يخصهم بوصفه علامة حضور. في هذا الواقع يصبح الامتناع عن الكلام فعلًا مقاومًا للهوس بالكلام، لا عجزًا عن التعبير، ويغدو الصمت اختيارًا واعيًا.مثلما علّق سيكوندوس حضوره اللغوي بعد إدراكه تواطؤ الكلام مع الانتهاك، يختار الإنسان الحكيم أحيانًا الصمت، إدراكًا لتواطؤ اللغة الرقمية مع التضليل والتسطيح والتعبئة الانفعالية، فيتحول الامتناع عن التعليق إلى احتجاج معرفي يرفض تحويل القضايا الأخلاقية والروحية والمعرفية إلى محتوى سريع الاستهلاك، ويقاوم اختزال التجربة الإنسانية في ردود أفعال آنية. بهذا المعنى لا يكون الصمت انسحابًا من المسؤولية، بل شكلًا متقدمًا منها، إذ يقدم مثالًا تربويًا للاقتصاد في الكلام، ويحمي الحقيقة من الابتذال، ويصون سعة المعنى من الانهيار. صمت سيكوندوس يجد صداه اليوم في كل وعي يفضّل التأمل على الضجيج، والامتناع الذكي عن الانغمار في الثرثرة المستفزة.

[1] عثمان، صلاح، “سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2″، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

[2] المرجع السابق.

الصمت بوصفه عقابًا

د. عبد الجبار الرفاعي

كثيرًا ما يلجأ بعض الأشخاص إلى الصمت بوصفه عقابًا، حين يضرب أحدهم عن الكلام داخل العائلة، أو في مكان العمل، أو مع مَن تربطه بهم علاقات اجتماعية، احتجاجًا على موقف يراه مزعجًا أو جارحًا. هذا النوع من الصمت ينتشر في الحياة الزوجية، إذ تختار الزوجة أحيانًا الصمت خوفًا من ردود الأفعال العنيفة للزوج، أو عقابًا له على ما تعتبره إساءة إليها، ويصمت الزوج احتجاجًا على ما يراه ثرثرة أو تجاوزًا من الزوجة. وغالبًا ما تتشابه دوافع الصمت بين الطرفين، وتنبع من رغبة في التعبير عن الغضب أو الامتعاض من دون الدخول في مواجهة مباشرة. أحيانًا يتحول الصمت إلى موقف يدل على الإهمال أو عدم الاكتراث، أو يحمل إيحاء بالإهانة والاحتقار، حين يتعمد أحد الطرفين تجاهل الآخر، ويمتنع عن التواصل معه، وكأن وجوده لا يستحق الرد أو الإصغاء. هذا الصمت لا ينتمي إلى الصمت الحكيم، بل يعكس توترًا داخليًا، ويعبّر عن انفعال لم يجد طريقه إلى التعبير الصريح، لذلك يختار الامتناع بدل المواجهة.

الصمت الذي ينطلق من الغضب أو الخوف أو الرغبة في الإيذاء لا يعزز العلاقة، بل يزيدها تعقيدًا، ويحول التواصل إلى ساحة صراع صامت تتراكم فيها الجراح، وتغيب عنها فرص الفهم والتصالح. مَن يختار هذا النوع من الصمت لا يعكس حكمة، بل يعبر عن إهمال مؤلم، أو عن رغبة في فرض عقوبة من دون إفصاح. الصمت الذي يتحول إلى وسيلة للإيذاء لا يداوي بل يجرح، لا يصلح بل يفسد، لأنه يمزق وشائج التواصل، ويزرع شعورًا بالنبذ والرفض، ويغلق أبواب الحوار التي لا تفتح إلا بالكلمة الواثقة، والإنصات المتبادل، والرغبة الصادقة في المودة.

يجد الإنسان نفسه أحيانًا غارقًا في كثافة تواصل بعض الأشخاص، وتعبيرهم المتكرر عن الثقة والإخلاص والمحبة، فيبادر إلى التجاوب الصادق معهم بعواطف تتناغم مع عواطفهم، وربما تتجاوزها. بعد زمن ليس بقصير، ينقطع هذا التدفق فجأة، ويتوقف كل شكل من أشكال الإعراب عن التقدير والاحترام والمحبة، من دون مقدمات تفسر هذا الصمت أو تبرر برود العلاقة الحميمية الحارة. يلتمس الإنسان العاقل الحكيم العذر لمن يتوقف عن التواصل بسبب ظرف معلوم للطرفين، لكنه يعجز عن تفسير الانقطاع حين يغيب عنه التفسير. يمكن التماس العذر إذا كان منشأ هذا التوقف عن التواصل اضطرابات نفسية، أو مشكلات حياتية تقذف بالإنسان في بئر الحيرة والذهول. أما إذا نشأ هذا الانقطاع بهدف استفزاز الآخر أو إيذائه، فلا سبيل إلى تفهمه، ولا مبرر يخفف من وطأته.

الصداقة ليست مجرد تواصل عابر، بل هي تعاقد وجداني غير مكتوب، يتأسس على الثقة والاحترام والوفاء، وحين تتصدع هذه القيم يتصدع البناء الداخلي للصداقة، ويغدو الصمت جدارًا يفصل بين قلبين كانا يتقاسمان الحب. ليس من السهل ترميم ما تهدم حين يهمل أحد الطرفين ما كان يربطه بالآخر، لأن ما يُكسر في الروح لا يصلحه الاعتذار وحده، ولا تجبره الكلمات المتأخرة. الثقة حين تتصدع لا تعثر على مَن يرممها، والمحبة حين تُهان تنكفئ، والإنسان حين يهمله من ظنه قريبًا منه يشعر بالأسى. يظل القلب يترقب احتمال اللقاء، لأن الإنسان الأخلاقي لا تموت إنسانيته، ولا يكفّ عن الأمل في ترميم ما تهشم، حين يلوح له في الأفق ما يوقظ الحنين ويستدعي العذر. الغياب لا يقاس بالمسافة المكانية والزمانية، بل يقاس بما يخلفه من فراغ في الروح، وما يتركه من أسئلة معلقة لا تجد مَن يصغي إليها.

الصمت الذي يعقب الغياب لا يكون دائمًا علامة على النسيان، بل قد يكون وجعًا لا يمكن البوح بآثاره، أو خيبة لا يمكن التعبير عنها، أو انتظارًا لا يفصح عن مضمونه. في العلاقات الإنسانية التي تتأسس على الصدق يكون الصمت أحيانًا أكثر فتكًا من الكذب، لأنه لا يمنح فرصة للتفاهم، ولا يتيح مجالًا للتفسير أو الترميم، بل يقذف العلاقة في وضع مبهم، لا هو وصل ولا هو قطيعة، ويجعل الإنسان في مواقف متذبذبة تتأرجح بين الأمل واليأس، بين التماس العذر واستشعار الإهانة. حين يطول هذا الصمت، يتحول إلى جدار من الغموض والابهام، يعيد تشكيل صورة الآخر في الذهن، ويعمل على ترتيب أولويات القلب. لكن لا ينطفئ الرجاء في القلب الذي تعلم أن يفيض الحب، الإنسان الأخلاقي لا يتخلى عن إنسانيته حتى حين يُخذل، ويبقى الأمل في أن يعود الغائب، وأن يتكلم الصامت، وأن تُستأنف العلاقة بما يليق بها من وضوح وصدق وحنو. العلاقات الأخلاقية التي تبنى على المحبة الصادقة لا تموت بسهولة، لكنها تحتاج إلى رعاية دائمة، وإلى حضور لا يختزل في الكلمات، بل يتحدث في الأفعال، ويترجم في لحظات الإنصات والاهتمام. الحضور ليس مجرد وجود جسدي، بل هو استجابة لنداء القلب، واعتراف ضمني بأن الآخر لا يزال يسكن فيه، مهما طال الغياب.

أتحدث عن ضرورة الصمت في مقام يتطلب الصمت، وضرورة الكلام في مقام يتطلب الكلام. لا أدعو إلى الإضراب عن الكلام مطلقًا، ولا تعني الدعوة إلى الصمت الحكيم الكفّ عن كل أنواع الكلام، الصمت لا يتحقق إلا في موضعه، حين يكون أثمن من الكلام، وأقدر على التعبير من أي لفظ. الصمت الذي أدعو إليه لا ينطلق من موقف عدمي، ولا ينبع من رغبة في الانسحاب والانكفاء على الذات، بل يتجذر في وعي اللحظة، وتمييز ما يليق بها من حضور أو غياب، من كلام أو إنصات. ضروري الحرص على الصمت حين تقتضي اللحظة الصمت، والحرص على الكلام حين يتطلب المقام الكلام. الصمت الذي أنشده ليس امتناعًا مطلقًا عن النطق، ولا عزوفًا عن التعبير، بل هو وعي بما يتطلبه المقام، وتمييز لما يليق بالإنسان من حضور أو غياب، من كلام أو إنصات. يتحقق الصمت حين يغدو أبلغ من أي لفظ، وأقدر على الافصاح من أي بيان، وأعمق أثرًا من أي خطاب. لا ينبع هذا الصمت من فراغ داخلي، ولا يتغذى على العدم، بل يتجذر في يقظة القلب، وفي إدراك أن بعض الأوقات لا تحتمل الضجيج، بل تحتاج إلى صمت يتناغم معها بحنو، ويصغي إلى ما تبوح به الذات في حوارها مع الذات، وينصت بهدوء لما يصدر عنها من نداء خفي.

حين يتكلم الإنسان في غير موضع الكلام يهدر المعنى، ويربك الذات، ويفوّت فرصة الإنصات إليها، ويطفئ ما كان يمكن أن يتوهج داخلها لو صمت. حين يصمت الإنسان في غير موضع الصمت، يخسر الأثر الذي يحدثه الكلام مع الآخر، ويخسر ما يتخلل اللحظة من كلمات توقظ الوعي وترسخ أواصر الصلة بالإنسان الذي يتكلم معه. الكلام حين يقال في غير وقته يشوه المعنى، والصمت حين يفرض في غير موضعه، يغلق أبواب الابداع والتلاقي. لا يتحقق الصمت الحكيم إلا حين ينبع من تمييز دقيق بين ما ينبغي أن يقال، وما ينبغي أن يصغى إليه، وما ينبغي أن يصمت لحظته الإنسان، كي يسمح للسكينة أن تتوطن الروح. الصمت الذي أدعو إليه ليس انسحابًا من الحياة، بل هو شكل من أشكال الحضور العميق فيها. إنه إنصات لما يتجاوز الضجيج، وتوقف عن الكلام حين يغدو الكلام تكرارًا لما لا يضيف شيئًا مفيدًا، أو ينتهك سكينة الروح. أدعو للصمت عندما يكون فسحة للتأمل، ومساحة لإلهام لرؤية وانبثاق البصيرة، والإعتراف بأن بعض المعاني لا تتسع لها الكلمات، وبعض المشاعر لا تنبعث إلا في فضاء الصمت الذي تستجيب له.