صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

د. عبدالجبار الرفاعي

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. ينبغي ألا يُقرأ بوصفه حكمًا أخلاقيًا عن سلوك نساء أثينا، ولا حكمًا معياريًا على الرغبة أو الجسد، بل بوصفه تحليلًا ثقافيًا لبنية مدينة صاغت علاقتها بالجسد واللذة والاقتصاد ضمن أفق رمزي خاص؛ فالإشارة إلى التوق الجنسي واقترانه بالمقابل المادي لا تهدف إلى الصدمة لذاتها، وإنما تكشف عن انتقال الرغبة من مجالها الإنساني الحميم إلى مجال التداول الاجتماعي، حيث يغدو الجسد لغةً ضمن شبكة من العلاقات والقيم والمعاني. الصدمة هنا لا تصدر من الفعل، بل من تعرية المسكوت عنه في الوعي الاجتماعي، ذلك أن المدينة التي تنتج فلسفة العقل والجمال والرموز لا تنفصل عن اقتصاد الرغبة، وإنما تنظّمه وتؤطره وتمنحه رؤية ثقافية مخصوصة. بهذا المعنى، لا يتحدث النص عن انحراف أخلاقي، وإنما عن نظام رمزي يلتقي فيه الجسد بالمدينة، والرغبة بالسوق، واللذة بالمعنى، كاشفًا أن ما يبدو صادمًا للوعي اللاحق كان جزءًا من بنية حضارية لم تفصل بين التفكير والعيش، ولا بين الفلسفة والجسد. القراءة التحليلية هنا لا تدين ولا تبرر إنما تفسر، وتُظهر كيفية تشكل الأخلاق داخل سياق ثقافي تاريخي، وكيفية انتاج المجتمع معاييره من داخل بنيته لا من خارجها، فتتحول الصدمة من حكم أخلاقي إلى أداة لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بجسده، ولعلاقة المدينة برغباتها المكبوتة والمعلنة معًا.

مضى سيكوندوس في اختبار أخلاقي مثير مع أمه الأرملة، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام[1].

قصة سيكوندوس مع أمه لا تُقرأ بوصفها حكاية فضائحية عن كسر محرَّم، بل بوصفها تمثيلًا رمزيًا مكثفًا للذنب حين يبلغ أقصاه، وللضمير الأخلاقي حين يُنتهك في مستواه المؤسس للمعنى؛ فالأم هنا ليست مجرد شخصية سردية، بل رمز للمنبع الأول للحياة، ولأصل القيم، وللنظام الرمزي الذي تنتظم فيه القرابة والهوية والاستمرارية، لذلك لا يغدو الفعل خطيئة عابرة قابلة للاعتراف أو الترميم، بل هتكًا لبنية العائلة والمجتمع القيمية. لا تأتي استجابة سيكوندوس بالصراخ أو التبرير أو الهروب، بل بالصمت الأبدي بوصفه تحمّلًا صارمًا للمسؤولية. إذ يتحول الصمت من عقوبة اجتماعية مفترضة إلى قرار يفرضه الضمير الأخلاقي؛ وصمت سيكوندوس هنا ليس توبة دينية خالصة، ولا عقوبة جسدية، بل قرار وجودي بتحويل الذنب إلى وعي دائم، يعي فيه الفاعل أن اللغة ذاتها تواطأت مع الخديعة وانتهاك الحرمة حين استُعملت أداة للإغواء، وأن الكلام بعد هذا الحد سيكون انتهاكًا آخر، فيختار سيكوندوس تعليق حضوره اللغوي في العالم، لا إنكارًا للفعل، بل اعترافًا باستحالة قوله، ورفضًا لتحويل الذنب إلى مادة سردية للاستهلاك أو إلى فضيحة قابلة للتداول. هكذا تنقلب القصة من حكاية صادمة إلى أيقونة فلسفية، تكشف أن الصمت، في لحظات قصوى، قد يكون أصدق أشكال الأخلاق حين تعجز اللغة عن استيعاب سعة المعنى.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس [2].

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

اجابات سيكوندوس عن هذه الأسئلة الحائرة درس تربوي ثمين للاقتصاد في الكلمات. إذ يغرق الإنسان اليوم في فائض أسئلة وإجابات المنصات الرقمية، ويتعجل كثيرون للتعليق وإبداء الرأي في كل شيء، وإن كان لا يخصهم بوصفه علامة حضور. في هذا الواقع يصبح الامتناع عن الكلام فعلًا مقاومًا للهوس بالكلام، لا عجزًا عن التعبير، ويغدو الصمت اختيارًا واعيًا.مثلما علّق سيكوندوس حضوره اللغوي بعد إدراكه تواطؤ الكلام مع الانتهاك، يختار الإنسان الحكيم أحيانًا الصمت، إدراكًا لتواطؤ اللغة الرقمية مع التضليل والتسطيح والتعبئة الانفعالية، فيتحول الامتناع عن التعليق إلى احتجاج معرفي يرفض تحويل القضايا الأخلاقية والروحية والمعرفية إلى محتوى سريع الاستهلاك، ويقاوم اختزال التجربة الإنسانية في ردود أفعال آنية. بهذا المعنى لا يكون الصمت انسحابًا من المسؤولية، بل شكلًا متقدمًا منها، إذ يقدم مثالًا تربويًا للاقتصاد في الكلام، ويحمي الحقيقة من الابتذال، ويصون سعة المعنى من الانهيار. صمت سيكوندوس يجد صداه اليوم في كل وعي يفضّل التأمل على الضجيج، والامتناع الذكي عن الانغمار في الثرثرة المستفزة.

[1] عثمان، صلاح، “سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2″، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

[2] المرجع السابق.

الصمت بوصفه تغافلًا حكيمًا

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الأشخاص مصابون بما يشبه مرض يدعوهم للكلام المتواصل بلا انقطاع، لحظة يعثرون على من يستمع لهم، يشعر مَن يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير. يتكلمون بلا مناسبة عن أي شيء بكلِّ شيء. عندما يهاتفون أحدًا أو يهاتفهم أحدٌ يتورط، يتكلمون بنبرة حادة وصوت مرتفع. يصاب المستمع بالانزعاج من التدفق السريع الغزير لكلماتهم، وعدم تلقي ما يبهج أو ينفع فيها. لا يسمحون لمن يحدثونه بالجواب، يسألونه فيجيبون أسئلتهم، عندما يطلب منهم المستمع السماح له بالكلام ولو بجملة واحدة، يشاكسون بلا ذوق، ويتجاهلونه، من دون رعاية لمقامه وعلمه وعمره، وما تفرضه آداب المجالس من الانصات والتحدث. يشعر من يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير، فيكون همّ مَن ينصت البحث عن طريقة لبقة للهروب وانهاء المكالمة.

يتعلم الإنسانُ من الصمت التغافلَ الحكيم، أحيانا يتورط الإنسان في جواب أشخاص لجوجين، بمجرد يتفوه بكلمة، يشغلونه في سلسلة هذيانات مملة، لا يتوقفون لحظة واحدة. هم يبحثون عن الشهرة والفات نظر الغير بأي ثمن، وهو يريد تركيز تفكيره وتكثيف قدراته للانشغال بعمله. بارعون في ترديد شعارات مبتذلة، فلو تورط مَن يصغي إليهم بجواب عقلاني، يواجهونه بردود أفعال عاصفة غير مهذبة. الصمت يعلّم الإنسانَ التغافل، وتجاهل كل مَن يحاول اشغاله بمعاركه الشخصية وانفعالاته وغضبه وهوسه. ‏الصمت يخلق هالة تطرد عن الإنسان الشخصيات الطفيلية، وكلِّ مَن يعتاش على غيره، ويستنزف وقته وأمواله، وطاقته النفسية والعصبية والجسدية.

كثير من المشاكل تحدث في العائلة بين الزوجة والزوج تنشأ في فضاء مساجلات لفظية وأسئلة تافهة مكررة، وإلحاح ممجوج وتقريع بكلمات عشوائية، تصدر عن نوبات توتر عصبي وهيجان غاضب، إثر تأويل موقف أو سلوك أو كلمة خارج سياقها. أحيانًا يحاول كلا الزوجين الخروج من المأزق بمزيد من الكلام، وهو لا يدري أن أية كلمة يمكن أن تتوالد من سوء فهمها سلسلة لا تتوقف من ألفاظ الجدل العقيم، قد يتصاعد إلى سجالات تفوح منها رائحة كراهية منفرة، تنبعث مما هو مختزن ومتراكم لسنوات طويلة من مواقف خلافية مدفونة في أعماق الذاكرة، إلى الحد الذي تفجّر حالة من الصخب،كأنه كرة نار توقدها كلمات عنيفة. ربما تؤول إلى الطلاق، لو لم يبادر أحد الزوجين بإطفاء الحريق والكفّ عن الكلام.

كان أحد الأطباء يقضي يومه بين المستشفى والعيادة، ولا يصل البيت إلا بعد أن يمضي أربعة عشر ساعة، منهمكًا بتشخيص حالات المرضى في العيادة، وكتابة العلاج لهم، واجراء عمليات في المستشفى، تتطلب الكبرى منها ساعات طويلة من اليقظة والانتباه والدقة الحاذقة. لحظة يصل البيت تبدأ زوجته تتكلم بلا توقف، قبل الترحيب بقدومه، وتقديم الطعام له، وتأمين وسائل راحته. يقول: كنت أجيب على أسئلتها المكررة المؤذية، وعتبها على كلِّ شيء، فينطلق لسانُها كشلّال هادر بغضب شديد. أحيانًا نستنزف الليل بجدل عقيم، لا ينتج إلا مزيدًا من الألم والاضطراب في البيت، وتأجيل وقت الهدوء والنوم الذي أنا بأمس الحاجة إليه.  صار ذلك السلوك ينعكس بشكل مقلق على الأبناء، إذ أراهم يغرقون في حالة قلق ووجوم وذعر، مثلما كنت ألمحه حين تنطق فيه عيونُهم، وهي حائرة كأنها مصابة بحول، وتعبر عنه بحرقة آهاتهم المحبوسة. نصحني معالج نفساني، بعد أن عرضت عليه المأزق الذي يختنق فيه بيتي، أن أصمت ولا أجيب عن أي سؤال، ولا أنطق بأية كلمة مع زوجتي بالبيت، وأدعها تهذي إلى أن ينهكها الإعياء. بعد مخاض مرير من المعارك الكلامية الليلية التزمت بتوصية المعالج فورًا.كعادتها زوجتي تترقب وصولي، لتبدأ الكلام لحظة دخولي، وكأنها تبتهج عندما تصطاد طريدتها فتتلذذ وهي ترهقها بهذرها. لم تصدر مني أية إشارة أو كلمة، تشي بالقبول أو الرفض أو الاستنكار لما تقول، وهي تصب كلماتها كسيل متدفق. أنشغلت بشأني الخاص، وحاولت تأمين ما أحتاجه من طعام وغيره، بلا أن أكلمها أو أطلب منها أي شيء. وإن فوجئت زوجتي بهذا الموقف الطارئ، إلا أنها استمرت في الليلة التالية على عادتها، وكانت تطالب بالجواب وأنا جامد كحجر. تنظر لي بعينين ساهمتين، يعلنان الدهشة من سكوتي الغريب. في الليلة التالية لم تتوقف عن الكلام، اشتد إلحاحها على الجواب، وأحدثت صخبًا وضجيجًا، وواصلت سكوتي، فاضطرت أن تتلمس وجهي، وتحرك أطرافي، لم أتفاعل مع ذلك، وافتعلت عدم الاكتراث بما تفعل. انتابها قلق من إصابتي بالبكم، ورأيت عينيها تعرب عن شعور بذنب. في الليالي الخمسة الموالية صار يقل كلامُها بالتدريج. أخيرًا صمتت، التصقت بي وهي تقبلني وتجهض بالبكاء، وتطلب أن أنطق ولو بكلمة واحدة، واصلت الصمت، فأعلنت انها نادمة على عبثها، وعدم اكتراثها بمتاعبي وعملي اليومي المرهق، وطلبت الغفران بتوسل ذليل استمر إلى النوم، وكررت طلب الغفران، والتعهد بعدم العودة لثرثرتها الليلية، وهي تجهش بالبكاء وتولول وتقسم: والله العظيم، أعرف أنا غير مهذبة، أنا عبثت بأمن العائلة وسلامها الضروري للعيش بمودة وتراحم، والله لو فعلت مرة واحدة في أية ليلة يمكنك التخلص مني وتطليقي.

لا أعني بالصمت الخمول، الخمول غير الصمت، الخمول يعكس حالة انهزام، وشعور بفراغ مطلق، وانطفاء للمعنى بباطن الإنسان، ‏وغرق الذات في بحر السأم والضجر والعدمية. كما أن الصمت الذي أتحدث عنه ليس مرضًا عضويًا يحتاج مراجعة طبيب مختص بالنطق، أو نوعًا من المرض النفسي والاكتئاب الذي يتطلب علاجًا، أو الصمت الناشئ من الشعور بالخوف من الأفراد والمجتمعات والسلطات، أو من الشعور بالخجل، أو من الضجر والاغتراب الوجودي والاجتماعي. وهكذا لا أعني الصمت الذي يشوبه هروب من الخارج والانطواء على الذات، ولا هروب الذات من الذات، فهذا نوع من الصمت يعكس حالة خواء واكتئاب، وسأم من كلِّ شيء حتى من الكلام. وهو مرض نفسي يتطلب عيادة نفسانية للشفاء منه.

أحيانًا ضريبة كلمات طائشة خسارة كلّ شيء، يظل الندم يطارد الإنسانَ كلّ عمره لو نطق بكلمات قاتلة في مقام يتطلب الصمت. الصمت ينقذ الإنسان من الهلاك، كما نرى أثره في الخلاص من بعض الخصومات والأحقاد والعداوات والنزاعات والمعارك، وحتى من جرائم القتل، الناتجة عن كلمات متهورة وردود أفعال حمقاء، حين يعجز المتكلم عن التحكّم بلسانه. لو صمت إنسانٌ في بعض الحالات دقائق معدودة لتخلص من التورط بجريمة قتل. استمعت إلى اعتراف يعلن فيه مجرم قتل أحد الشباب الأبرياء، إثر كلمات خرقاء صدرت لحظة غضب عنيفة. يوصي هذا القاتل غيره بتجنب الكلمات النزقة المتهورة، وكظم الغيض، وردود الأفعال الخارجة عن السيطرة لحظة الغليان الداخلي. ‏يقول: عندما استمعت إلى أمرٍ من شخص لديه تخويل حكومي، يطلب مني الامتناع عن ممارسة عمل ممنوع بلا ترخيص من السلطات المسؤولة، اشتعلت أعصابي، وصرخت بكلمات هوجاء، وأنا في هذه الحالة اخرجت مسدسي وأطلقت النار فورًا على رأسه. ثم يعقب هذا القاتل بحسرة ولوعة: لو كنت قادرًا على مسك لساني، والسيطرة على غضبي وكبته بداخلي دقائق معدودة، لتخلصت من ارتكاب هذه الجريمة الرعناء، والغرق في عار أبدي. أدركت بعد قليل أني أزهقت روحي لحظة أزهقت روح الضحية، قتلته إلا أني واصلت قتل نفسي كل يوم مادمت حيًّا، هكذا ضاعت حياتي بفعل فشلي في السيطرة على الصمت مدة قليلة جدًا. مضافًا إلى احتراق ضميري بنزيف الخطيئة المزمن، ضاع حاضري ومستقبلي، وتحملت عائلتي بغيابي الأبدي عنها، وخسرانها لمصدر عيشها، ما لا طاقة لها على تحمله.

https://alsabaah.iq/95072-.html