لا محرم في التفكير الفلسفي

د. عبد الجبار الرفاعي

لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود الله سؤالًا أبديًا يواكب العقل الفلسفي منذ فجر التأمل الإنساني. وما من فيلسوفٍ كبيرٍ إلا وتوقف عند هذا السؤال، إثباتًا أو نفيًا أو نقدًا. في كتاب إيمانويل كانط “نقد العقل المحض” نقرأ أعمق المعالجات الفلسفية لمسألة وجود الله، إذ رأى كانط أن العقلَ النظري يعجز عن الحسم في إثبات وجوده أو نفيه، لأن الله ليس موضوعًا للتجربة الحسية ولا يُدرَك بالبرهان العقلي الخالص. نقدَ إيمانويل كانط الأدلة التقليدية على وجود الله، كالبرهان الأنطولوجي والكوني والغائي، ورأى أن العقل النظري يعجز عن الحسم في هذه المسألة، ثم انتهى إلى أن الإيمان بالله ضرورة أخلاقية، لأن اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني.

هناك فرق بين الفلسفة واللاهوت في الأديان، وعلم الكلام في الإسلام. في اللاهوت وعلم الكلام يوجد سقف نهائي وحدود للتفكير، أما في الفلسفة فلا حدود للتفكير. التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان خارج إطار دينه، مهما كان دينه، ولا يعني ذلك ضرورة التخلي عن انتمائه الديني، وإنما أن يفكر بعيدًا عما تفرضه عليه رؤيته الدينية في حيز الوعي، وأن يُخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص. وهكذا ينبغي أن يكون موقف صاحب أية عقيدة عندما يفكر تفكيرًا فلسفيًا. فإذا أراد البوذي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وإذا أراد المسلم أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته، وهكذا كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يعني ذلك التخلص من الانتماء الديني، وإنما التفكير بعيدًا عما تفرضه الرؤية الدينية من تحيزات في فضاء الوعي، كما يحدث باستمرار. أما تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، فهذه قضية ماثلة لكل قارئ متمرس بالفلسفة. غير أن ميزة العقل الفلسفي تكمن في أنه لا يصدر عن مرجعيات وتحيزات واعية تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، مع أن ذلك لا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية لدى كل إنسان، الناتجة عن البنية السيكولوجية لشخصية الفيلسوف، وتأثير كيفية تربية عائلته ومجتمعه وأحكامه المسبقة، وغير ذلك من العوامل المتنوعة في تكوين لاوعيه.

الفلسفةُ إيقاظٌ متواصلٌ للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والسلطات بمختلف أنماطها، ومن الإكراهات، والخرافات، والأوهام. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والمسلّمات المتوارثة غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي تفكيرُ نقدي، والتفكير النقدي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.

كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه في الفلسفة، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى توصيفَ وتصنيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.

الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. ‏هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام. تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعودُ سوءُ الفهم بين الفلاسفة، واختلافُ طرائقِ فهمهم إلى تأثيرِ العاطفةِ والروحِ والذاتِ في تفسيراتِ العقلِ وأحكامِه على نحوٍ خفي، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.

الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤال اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالد الأسئلة مجددًا من الإجابات التي يقدمونها.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=386182

 

ليست كل قراءة قادرة على ايقاظ العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

القارئ أصناف، صنف سيء الفهم، لأنه يقرأ هذا النوع من الكتابة للمرة الأولى ولا يفهم لغة الكاتب، وصنف يكره النصّ الذي يقرأه بوصفه أنتجه كاتب ينتمي لدين ومعتقَد وأيديولوجيا وهوية مختلفة عنه يمقتها، وقارئ يحبّ الكاتب ويعشقه فيحبّ كتابته ويتفاعل معها، ونادرًا ما نرى قارئًا محايدًا. سوء الفهم لا ينجو منه القارئ المبتدئ غالبًا، وربما يتعرض له القارئ المتمرّس عندما يقرأ بعض الكتب. لا ينشأ سوء فهم الكتب دائمًا من وعورة التعبير، أو التباس وإبهام الفكرة في ذهن الكاتب، بل ينشأ من غرابة الفكرة على خلفيات ذهن المتلقي ومسبقاته وأفق انتظاره. سوء فهم الفلسفة الحديثة لدى الإسلاميين، في قراءة مؤلفات كانط، وهيغل، ونيتشه، وهايدغر، وأمثاهم، نشأ من كون مقولاتها ومصطلحاتها غريبة على دارسي علم الكلام وفلسفة فلاسفة الإسلام، ممن تشبعوا بمنطق أرسطو ومقولاته، وآراء الفلاسفة اليونانيين وفلاسفة مدرسة الإسكندرية. ‏ سوءُ الفهم أحيانًا نافذة تقود للتأويل إن كان القارئ ذكيًا، ربما ينتج سوءُ الفهم أسئلةً متنوعة تثري المعرفة وتتوالد منها أسئلة عميقة، ‏ سوءُ فهم بعض آراء الفلاسفة اليونانيين ومصطلحاتهم وآراء فلاسفة مدرسة الإسكندرية لاحقًا،كان له أثر ملموس في إثراء الأسئلة والمناقشات لدى بعض الفلاسفة المسلمين.

كقارئ أحاول قدر طاقتي أن أكون محايدًا في القراءة، أتلذذ بكلِّ كتابة ثمينة أتعلّم منها، أو تثير في ذهني أسئلة جديدة، أو تدعوني لإعادة النظر بواحدة من قناعاتي، وتقوّض شيئًا من وثوقياتي. يكتشف القارئ الخبير أحيانًا أن كتابًا ينقله إلى أفق بديل لم يألفه في كتابات مماثِلة طالعها من قبل، ويضعه في مواجهة أسئلة منسية ومجهولة، ورؤى مختلفة، تجعله يسائل قناعاته حيال التراث والواقع ويعيد النظر بجزمياته، إن قرأ هذا الكتاب على مهل وبتأمل. القراءة في حياتي أجمل الأسفار في عوالم المعنى، أنا قارئ وطالب علم ما دمت حيًا، عندما أكتب في أيّ موضوع أقرأ كلَّ ما يتوفر لدي حوله. أول كتاب يطالعه القارئ، إن تفاعل مع كلماته وتأثر بها، ترتسم هذه الكلمات في ذهنه، وتستفيق في ذاكرته كلّما تطلب استحضارها، كأنه الحبّ الأول الذي لن تمحوه ذاكرة الأيام مهما تقادمت.

فرضتْ عليّ طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفر محطاتِه. لعل محطة اليوم غير محطة أمس، وربما لا ألبث في هذه المحطة للغد. الثابت الوحيد لدي هو السفر الأبدي، والقيم الروحية والأخلاقية والجمالية الملهِمة لحياتي الإيمانية وضميري الأخلاقي، ومقدرتي على تذوق تجليات الجمال المتنوعة في العالم.كأني أنصت أحيانًا في النصّ لعزف يبوح بلوعة وجروح قلب عاشقة أقصتها الأيام عن معشوقها، وهي ترسم ما خطّه قلبها بكلمات تنزف مختنقة. عندما تتوطن صورة المعشوق قلب العاشقة يعزف القلب ألحان كلماته بأوتار منقوعة بالدم. مما ‏أعطتني قراءة الكتاب أنها أضافت لحياتي حياة أخرى، ولتجربتي تجارب اخرى، ولجروحي جروحا أخرى، ولأحزاني أحزانًا أخرى، ولأفراحي أفراحًا أخرى، ولفهمي لنفسي فهمًا أعمق، ولتفسيري لشخصية الإنسان تفسيرًا أدق، ولاكتشاف العالم الذي أعيش فيه اكتشافات أوضح، ولما أعرفه عن الواقع معرفة حررّتني من أوهام كثيرة وأحلام رومانسية، وأعادتني إلى الواقع المعيش.

تنامى عدد القراء في وسائل التواصل والتطبيقات الجديدة بشكل هائل، لم تعد القراءة تستأثر بها طبقة مميزة، صار كلُّ مَن يدخل على تويتر أو الفيس بك أو الانستغرام وغيرها قارئًا. شخصيًا أنا مهتمّ باكتشاف ذاتي، وباكتشاف طبيعة الإنسان الذي أعيش معه في الأرض، وسائل التواصل بحر زاخر يبوح فيه إنسان لإنسان لا يعرفه، بما لا يعرفه عنه، بلا أن يطلب ذلك منه. يحاول أكثر القراء كتابة انطباعاتهم وآرائهم وأحلامهم ورغباتهم وميولهم ومعتقداتهم، وإن كان بعضهم يلجأ للكتابة بوصفها قناعًا يحتمي فيه فيعلن غير ما يخفي، متسترًا على قناعات ومعتقدات مضطَهدة في المحيط الذي يعيش فيه.

التطبيقات تنشر كتابات متنوعة، فيها مادة غزيرة، لا تبدو ذات قيمة بنظرة عاجلة، يراها القارئ الجادّ هامشية وربما رثة وتافهة، هذه الكتابات فضلا عن أنها تمارين يحاول مَن يمارسها أن يتعلم الكتابة، فهي ثروة مهمة للباحثين في التخصّصات المختلفة وهو الأهمّ، يدلي فيه مَن يكتبها باعترافات مجانية عن شؤونه وشجونه واهتماماته وحياته الشخصية والمجتمعية، وهي نافذة يتكشف فيها شيء مما خفي عنا من الطبقات الغاطسة في أعماق الإنسان، بصورة أجلى مما يتكشف في الكتابات المفكّر فيها بدراية، وتعكس أحوال الإنسان وأمانيه وشجونه ومتاعبه فردًا ومجتمعًا، وتفاصيل مبعثرة للواقع الذي يعيش فيه بصورة مباشرة.

وسائل التواصل من أهمّ مكاسب العصر الرقمي، فقد مكنتني هذه الوسائل من التواصل مع الجيل الجديد، بوصفي إنسانًا نموذجي في المستقبل لا في الماضي، فمعظم أصدقائي هم من أبنائي وتلامذتي ومن يتواصل معي من الجيل الجديد، ويسرت لي شخصيًا الحضور اليومي الحار، والحوار المتنوع معهم. أقول بلا تردّد: والتعلّم المستمر منهم، أتعلّم التفكير على حافة الخطر كلّ يوم من الأسئلة المشاغبة للأذكياء والموهوبين منهم، أتعلّم الإصغاء لمن يعاند قناعاتي وكثير منهم يعاندها، أتعلّم التواضع المعرفي وقول: لا أعلم، إن كنت لم أعثر بعد تفكير طويل على جواب لشيء من أسئلتهم المحرجة، وليس قليلًا ما هو محرج وغريب من تلك الأسئلة. معهم تحرّرت من توهم: “لكل سؤال جواب”، رأيت الأسئلة الكبرى لا جواب نهائي لها، أتعلّم منهم المغامرة المعرفية والتوغل في فضاء لبث مسكوتًا عنه ونائمًا في ذهني، أتعلّم ضآلة وعيي للواقع والمديات اللامتناهية لجهلي بالعالم، أتعلّم أن الجيل الإنساني الجديد في عصرنا أكثر مخلوق لا يشبه آبائه وسلالته من بني آدم، أتعلّم حكمة الحياة وأكثّف خبراتي وأراكمها معهم، وكيف أني وجيلي ينبغي أن نكفّ عن دور المعلّم المغرور لكلِّ شيء في حياة هؤلاء الأبناء الأعمق دراية منا بشؤون الواقع الذي يعيشون فيه، ويدركون كيفية تشكل الصورة البديلة لعالمهم. هؤلاء الأبناء تفوقوا علينا نحن الآباء بأشياء كثيرة، أبرزها طريقة تفكيرهم وأساليب تعاطيهم مع الواقع، فلم تعد أسئلتهم أسئلتنا، ولا أجوبتهم أجوبتنا، ولا أحلامهم أحلامنا، ولا أمانيهم أمانينا، ولا رؤيتهم للعالم رؤيتنا، ولا أوهامهم أوهامنا، ولا متاهاتهم متاهاتنا، هم الأجدر بالحديث عن آلامهم وأحلامهم وطموحاتهم وأوهامهم، والأكثر دراية بوعي احتياجاتهم وواقعهم ورؤية العالم من حولهم. أظن أن الأبناء لو تخلصوا من مفاهيمنا المحنطة، وأيديولوجياتنا المهووسة بالأوهام والأماني الخيالية، لأنقذوا أنفسهم وأنقذونا من الواقع المزري الذي صنعته أيدينا. في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد القيم والمفاهيم تنطبق على كلِّ مصاديقها التقليدية المعروفة، فمفهوم الأمن السيبراني هو الأهمّ من كلّ شكل من أشكال الأمن، ‏بل تبدلت حتى مصاديق مفاهيم الكتاب والقراءة والتربية والتعليم والعائلة وغيرها.

واحدة من الآثار الموجعة للقراءة اليقظة أنها تفجر الأسئلة الحارقة لهدوء العقل ووثوقيات المعتقد الموروثة.بهذه الأسئلة، والحرص على جواب ما لا جواب له، يتصدع الانتماء للمعتقد والجماعة والطائفة والهوية، ويعيش الإنسان اغترابًا موحشًا في مجتمعه للعقل والروح والقلب. الإنسان الذكي، الذي يقرأ ويفكّر فيما يقرأ، يتنقل في محطات متنوعة بحياته، المحطة التالية لا تطابق بالضرورة المحطة السابقة، فيشتد تبعًا لتلك التحولات اغترابه الاجتماعي، وغالبًا ما تتزلزل شبكة علاقاته الاجتماعية بهذه التحولات، ويعجز عن اقناع الغير برؤيته الجديدة للعالم، ويشتد اغترابه حين يرفض أكثر مَن يعيش معهم القبول بتطور وعيه، وتقلقهم شجاعة عقله.

لو صار التفكير العميق حالة ملازمة لكلّ شيء في حياتنا يصير ضربًا من الهوس الموجع، الذي يضيّع على الإنسان المتعَ الحسية وحتى المعنوية، ويعزله في منفىً يعيش فيه هو وأفكاره، وينفر منه أقرب الناس إليه. في مواقف لافتة كان ينسحب بعض الأصدقاء فجأة بهدوء من لقاء ودي، إذا تغلب التفكير العميق على الحديث. كنت أتساءل عن دوافع ذلك، قدّمت افتراضات متعدّدة لتفسير هذه المواقف وتكرّرها، إلى أن انتهيت إلى قناعة مفادها: أن التفكير العميق ضدّ طبيعة الإنسان، لو لاحظنا كثيرًا من أفعال الإنسان ومواقفه وكلماته ومعتقداته نراها تنبعث عن عواطفه وانفعالاته ومصالحه واحتياجاته المتنوعة، وقلّما تصدر عن تفكيره المتأمل الصبور.

لا قيمة لقراءة لا يستفيق فيها العقل، ولا يستفيق فيها التفكير، ولا تنبعث منها أسئلة جديدة. القراءة ليست هدفًا بذاتها، تظل القراءة شيئًا والتفكير شيئًا آخر، قراءة الكتب تزود الإنسان بمعلومات متنوعة، وآراء متعددة. التفكير هو الأساس الذي يعيد بناء هذه المعلومات والآراء في سياق منطقي، وينتج رؤية خاصة في ضوء هذا السياق. لا أبالغ في أثر القراءة بتكوين المعرفة،كما أقرأ واستمع إلى إفراط ومبالغة وتهويل بالحديث عن ذلك، أظن الدعوة للقراءة اليوم صارت موضة للتباهي. أرى في وسائل التواصل شبابًا في مقتبل العمر يكدّسون عشرات الكتب المتنوعة نهاية السنة، بعضها فلسفية عميقة، تتطلب مطالعتها شخصية صبورة تفكر بهدوء، ولا تيأس من التوقف طويلًا لفهم النصوص عبر التفكير بها والتأمل بمضمونها. يحتاج مثل هؤلاء الشباب إلى اعتراف النخبة بمواهبهم وثقافتهم العالية فيلجؤون لهذا السلوك الاستعراضي، يعملون على الدعاية لأنفسهم قبل التكوين الرصين الذي يتطلب إنفاق سنوات طويلة في القراءة الجادة والتفكير الصبور.كانط فيلسوف الأنوار كان يفكّر بعمق وقتًا طويلًا ولا يقرأ إلا قليلًا، الفلاسفة يعكفون على قراءة النصوص الكلاسيكية بتدبر وتأمل وتفكير يسبر أغوارها، ولا يلاحقون كلّ شيء، ولا يمضغون الكتب كما تُمضَغ الشوكولاتة.

 

https://alsabaah.iq/103791-.html

 

نفيُ الفلسفة ضربٌ من التفلسف

   د. عبد الجبار الرفاعي

عمليةُ التفكير وظيفةُ العقل، العقلُ لا غير هو الحاكمُ على صوابِ أو خطأ نتائجِ أيِّ تفكير. لا العلم ولا اللاهوت ولا الأدب ولا الفن يضع حدودًا للعقل، لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقل، إن كانت للعقل حدود. أيةُ محاولةِ نفي للفلسفة تتضمن التدليلَ على حضورِ الفلسفة في النفي مثلما تحضر في الإثبات. نفيُ الفلسفة ضربٌ من التفلسف، حتى الغزالي الذي حاول في “تهافت الفلاسفة” نفيَ الفلسفة أخفق،كما اعترف تلميذه أبو بكر ابن العربي بقوله: “شيخنا أبو حامد بلع الفلسفة، وأراد أن يتقيأها فما استطاع”. الفلسفةُ لا تموت ولن تموت مادام هناك إنسانٌ يتساءل الأسئلةَ الكبرى حول المبدأ والغاية والمصير، ولا يجد جوابًا نهائيًا لها.

إيقاعُ التقدّم المتسارع للذكاء الاصطناعي والروبوتات، والتكنولوجيات المتعدّدة التي تتحدث لغةَ الذكاء الاصطناعي وبرمجياته، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، يخلقُ طورًا وجوديًّا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء في المحيط الذي يعيش فيه، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدّمُ المتسارِع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقداتِ، والثقافاتِ، والاقتصاداتِ، والنظمَ السياسية، والسياساتِ المحلية والإقليمية، والعلاقاتِ الدولية، والعلاقاتِ الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخّم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى، وأزماتُ العقل والروح والعاطفة ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

التشديدُ على العلم، واختزالُ العقل والمعقولات والتفكير بحدوده، يشاكس العقلَ الفلسفي، وينتهي إلى افتقار العلم إلى إجاباتٍ لأسئلته الحائرة ومشكلاته العويصة، وكلِّ ما لا يجد له حلًّا في فضائه وسياقاته وحدوده. تختنق المعرفةُ حين توضع في الفضاء الذي يخضع لحدود العلم الطبيعي ومجاله الحسّي خاصة، وحين تعتمد مقاييسَه وأدواته التجريبية ووسائله ومنطقه ولغته وأحكامه. تلك هي أدلجة العلم عندما يتحول العلمُ إلى “أيديولوجيا علموية” تعطّل العقلَ الفلسفي. حدود العلم الطبيعي وحقله يتمثلان في كلّ شيء في الطبيعة والكون المادي، الفلسفة لا حدودَ لها، بوصفها فعلَ تفكير عقلي يتجاوز الظواهر للبحث في حقيقة العلم وماهية المعارف والموجودات.

الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‏‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالدها المتواصل من الإجابات.

من مظاهر افتقار الفلسفة لمعناها البدايةُ بمقدماتٍ فلسفية ومنطقية، بغيةَ ترسيخ اليقين بمسلمات لاهوتية. الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت، لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةُ حدوده. لا تلتهم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغةَ ومفاهيمَ اللاهوت والمتخيَّل والمثيولوجيا واللامعقول. العقلُ معيارٌ وسلطةٌ على كلِّ ضربٍ من أنشطةِ الذهن مهما كان. واحدةٌ من مشكلاتِ التفكير الديني التفكيرُ بالفلسفة ضدّ الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة إلا أنها ضدّ الفلسفة. يجري توظيفُ التصوف واللاهوت في الفلسفة، والتفكيرُ في فلسفة الدين بعقلٍ كلاميّ من شأنه أن ينقض كونها فلسفة،كما نقرأ لدى مَن يفكرون في التعدّدية الدينية بعقل متكلم، أو فقيه. يتسيّد تفكيرٌ لاهوتي بالعربية يكتب الفلسفةَ برؤية علم الكلام للعالم ومقولاته، وذوقٌ صوفي يكتب الفلسفةَ بمرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعة جماعة من المفكرين الذين نحتوا لهم أسماء كبيرة، أُغرم بهم شبابٌ عرب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتاباتُ هؤلاء المفكرين مواقعَ متقدّمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون في الفلسفة بعقلٍ كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصدرون مقولات كلامية وفتاوى فقهية لا صلة لها ‏بالتفكير الفلسفي، وإن تدثرت بلغة الفلاسفة. هذه المحاولات المتنوعة تسعى لخلع غطاء ديني على الفلسفة وتعمل على أسلمتها. أسلمة الفلسفة ضربٌ من التفلسف ضد الفلسفة، وإن كان مَن يدعو لذلك عبقريًّا. وهذا ليس غريبًا، فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجالٍ يقظٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في مجالٍ نائمٍ من عقله. يتراجعُ العقل وينزاح بالتدريج أحيانًا، بعد أن تتسعَ المساحة النائمة للعقل فتعطّل ما هو يقظ. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطاتِ المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغاتُ الذهنية والثغراتُ المنطقية في تفكير العباقرة تفسيرُها يتطلب الانتباهَ لوجود هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. هذا هو السرّ الذي يجعل هؤلاء يبدؤون بمقدماتٍ عقلية وينتهون بنتائجَ غير معقولة[1].

على الرغم من أن الفلسفةَ تستعمل العقل خارجَ الوصايات، إلا أن العقلَ وقع تحت وصاية علم الكلام، حين أجهضت المقولاتُ المغلقة لبعض المتكلمين العقلَ الفلسفي في الإسلام. وتسيّد عمليةَ التفكير بكلِّ شيء هاجسُ الحرام، فصار سؤال المسلم عن كلّ صغيرة وكبيرة في كلِّ شؤون حياته، حتى في نوع العلوم والمعارف والثقافة، وفي أيّ شأن كان، عن كونه حرامًا أو ليس بحرام، وانتهى هذا المسار إلى تحريم الفلسفة. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري (577 – 643 هـ/ 1181م – 1245م) التي جاء فيها: “الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرتُه عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلانُ والحرمانُ، واستحوذ عليه الشيطان… وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخلُ الشرِّ شرٌّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية”[2]. عندما وقع العقلُ تحت وصاية فتاوى الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكيرَ الديني في الإسلام التكرارُ والاجترار المملُّ، ونامت الأسئلةُ الكبرى، واضمحل حضورُ العقل النقدي الخلّاق.

يصعب جدًّا فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية،كلُّ محاولةٍ للفهم تفكر في إطارٍ معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الحديثة تفضي إلى نتائجَ تفرضها مقدماتٌ تصورية وبراهين وأشكال قياسات المنطق الأرسطي. وهو ما سقطتْ فيه محاولاتُ جماعة من المهتمين بهذه الفلسفة في معاهد التعليم الديني وغيرها من مؤسّسات التعليم التقليدي والحديث، ممن أتقنوا المنطقَ الأرسطي وتشبّع ذهنُهم بمقدّماته التصورية وبراهينِه وأشكالِ قياساته، وتمرّسوا في استعمالِ أدواتِه في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. هناك خبراءُ ممن يمتلكون تكوينًا أكاديميًّا جادًّا في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفةٌ جيدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، يتسيّدون المشهدَ الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيون متديِّنون، غير أنهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءاتٍ موهِمةً ومضلّلة للفلسفة الحديثة، تُلوّنها بألوان مشوّهة، وتُقَوِّلها ما لا تقول، القارئُ الخبير يدرك أنهم يتفلسفون ضدَّ الفلسفة.

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

[2] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ – ٢١٢) .

https://alsabaah.iq/101765-.html?fbclid=IwY2xjawE_uUJleHRuA2FlbQIxMAABHR2YMr4SR2hGeOyxQDzUUNCh407-V0LJUBEXvWHITvjLlfn-IKUc9I8k5Q_aem_7aj9T5YBw2KUOv7CB7gf7w