الصمت مرآة لقوة الإرادة

د. عبد الجبار الرفاعي

إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس الحضور الواعي والامتناع المدروس. التحكم بالانفعالات يدل على ترويض متواصل للشخصية، وعلى ذكاء في تصريف الطاقات المكبوتة نحو منافذ آمنة، لا تترك جروحًا في النفس للإنسان أو لغيره. الصمت الذي ينبع من هذا الترويض لا يولد من ضعف، بل ينبع من قوة داخلية تنمو وتتجذر في لحظات التأمل، وتتحكم باللسان في لحظات التوتر، وتتجلى في المواقف التي تتطلب وعيًا لا ينفعل، وحكمة تحمي الإنسان من الطيش والنزق، وقرارًا لا يُملى من الخارج. مَن يجيد الصمت لا ينسحب من الحياة، بل يعيد بناء كيفية حضوره فيها، ويعيد تشكيل نمط وجوده في العالم، ويمنح ذاته فرصة لوعي أعمق، وتفاعل أنضج، واتخاذ مواقف لا يندم عليها.

الصمت غالبًا أصدق من الكلام، وأقرب إلى جوهر الإنسان الذي ينشد سلام الباطن. الإنصات موقف ذكي، يعكس حضورًا كاملًا، ويقظة لا تشتتها الرغبة في الرد أو الاستعراض أو الانتصار. حين ينصت الإنسان بهدوء يمنح للآخر فرصة في أن يكون، ويعطيه فرصة ليكشف عن ذاته، ويتيح للمعنى أن يتوالد في فضاء مشترك لا يهيمن عليه أحد. الإنصات فضيلة وجودية تعيد ترتيب صلة الذات بالعالم، وتعلّم الإنسان كيف ينصت إلى ذاته وصوته الداخلي، وما يعتمل في أعماقه من أسئلة مؤجلة، وأشواق لا تجد لغتها. في الإنصات يتعلّم الإنسان أن المعنى لا يُصاغ دائمًا بالكلمات، وأن الحقائق لا تدرك إلا حين يتوقف الضجيج، ويستطيع الإنسان أن يصغى إلى ما يتردد في صمت الكائنات، وفي ارتجاف القلب حين يتذوق المعاني التي لا تتسع لها الكلمات.

الصمت استراحة الذهن من الغرق بضوضاء الخارج، وعودة الإنسان إلى سبر أغوار ذاته، حيث تستيقظ منابع الإلهام والفاعلية التي طالما غمرها الضجيج. لا يقتصر الصمت على التوقف عن الكلام، بل يتجلى في فعل إرادي يتطلب عزيمة لا تقهر. إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام، وأعمق من مجرد ضبط اللسان، الإنسان حين يتكلم ينفعل وحين يصمت يتأمل ويشعر بالتواصل الوجودي مع ما حوله. الصمت يعكس قدرة الإنسان على التحكم بانفعالاته، وتحكيم العقل في لحظات التوتر. الصمت لا يعني انسحابًا وهروبًا، بل يعني انتصارًا داخليًا على الضجيج. الصمت ليس ضعفًا ولا انكفاء، وإنما هو تعبير عن يقظة تضيء الوعي. إنه عبور إلى ما وراء الظاهر، إلى حيث تتكلم الأشياء من دون صوت، وتضيء المعاني من غير ألفاظ. لا يتوقف الصمت عند حدود الامتناع عن النطق، إنما يتجسد في فعل إرادي يعكس عزيمة لا تنكسر، وإرادة لا تقهر. يستند الصمت إلى وعي يتجاوز الحاجة للكلام، وحاجة للتوغل في أعماق الذات. إرادة الصمت تنبع من يقظة العقل، وتغلب الإرادة لحظة الغضب، وقدرة على تحكم الإنسان بذاته حين يكون في مواجهتها، لا في مواجهة غيره.

بالصمت يتذوق الإنسان سكينة الروح، التي تجعله يرى الوجود بعيون مضيئة، ويشعر أن المعنى لا يُقتنص من كثرة الكلام، وإنما يولد من لحظة إنصات يلتقي فيها الفكر بالشعور، فيصير الصمت مرآة تعكس ما غاب عن البصر من أنوار البصيرة. هكذا يتحول الصمت إلى فعل إنساني يحرر الوعي من أسر العادة والتكرار، ويعيد للإنسان قدرته على رؤية ما وراء المألوف. بالصمت يكتشف الإنسان أن ضجيج الخارج صدى لاضطراب الداخل، وأن سلام العالم يبدأ من سلامة القلب، فيغدو الصمت طريقًا للسلام، وشجاعة تمكّن الإنسان من مواجهة ذاته.

حين يختار الإنسان الصمت، لا يهرب من العالم، بل يتهيأ للإنصات لما لا يسمع في صخب الكلام، ويمنح نفسه فرصة للعودة إلى ذاته، وايقاظ ما أهمله في أعماقه. الصمت لا يعني الخواء بل الامتلاء، إنه امتلاء بالمعنى، واستعداد لاستقبال ما لا يُدرك إلا في هدوء السكينة. في الصمت تتسع المسافة بين الفكرة ورد الفعل، إذ يجد الإنسان فسحة للتأمل، ومجالًا لإعادة النظر، وفرصة لتصفية الداخل من ردود أفعال التسرع والانفعال. الصمت الحكيم يولد في فضاء الصلة العميقة بالوجود، ويترسخ حين يتعلم الإنسان ألا يقول كل ما يعرف، ولا يرد على كل ما يسمع، ولا ينفعل بكل ما يثير انفعاله. في هذه الحالة يغدو الصمت موقفًا يعكس الحكمة، ومظهرًا من مظاهر السلام، وتجليًا لوعي لا يحتاج إلى الصخب كي يثبت حضوره، ولا إلى الجدل كي يبرر وجوده. الصمت الذي ينبع من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لحدود الكلام، هو صمت يحرره من الحاجة إلى الانتصار في كل حوار، ويمنحه طمأنينة لا يتلقاها من كثير من الكلمات.

مَن ينتصر حتى في المعارك، ليس من يصرخ أعلى أو يضرب أسرع، بل مَن يملك القدرة على تهدئة عواصفه الداخلية، وقراءة اللحظة الحرجة بوعي، سواء كانت لحظة حرب أو لحظة سلام. ومَن يدرك ما يتطلبه الواقع الذي يعيش فيه، ويبرع في حسابات الأرباح والخسائر، ويحسن إدارة التسويات حين لا يكون الانتصار ممكنًا، لئلا يخسر كل شيء. الانتصار الحقيقي يتحقق بالقدرة على التماسك في لحظة الانفلات، واتخاذ القرار الذي يحفظ الكرامة ويقلل الخسائر، ويمنح الإنسان فرصة جديدة للبدء من دون أن ينهار كل شيء. مَن يملك وعي اللحظة، ويقرأ ما وراء ظاهرها، يستطيع أن يختار متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يصمت ومتى يتكلم، ومتى يربح بالصبر ما لا يربحه بالعنف. في هذا المقام، لا يكون الانتصار مجرد غلبة، بل يكون حكمة في إدارة انفعالات الذات، وبصيرة في التعامل مع الواقع، وحنكة في صون ما تبقى، حين لا يعود النصر ممكنًا.

الصمت يدل على موقف حيال الواقع، يمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا لا منفعلًا، حكيمًا لا متهورًا، حاضرًا بكامل طاقته الذهنية والنفسية، لا غارقًا في ردود الأفعال والغضب. حين يختار الإنسان الصمت فإنه لا ينسحب من الواقع، بل يعيد تنظيم حضوره فيه، ويتهيّأ لرؤية العالم في العمق لا في السطح، ويتعامل مع ذاته كما يتعامل مع خصم نبيل: بذكاء، ويقظة. في هذا المقام، يغدو الصمت فعلًا من أفعال الوعي، ومظهرًا من مظاهر النضج، وتجليًا لقدرة الإنسان على أن يوازن بين ما يشعر به وما يعبّر عنه، وبين ما يراه وما يقوله، وبين ما يختلج في داخله وما يختار أن يظهره.

الصمت لا يعني الغياب عن الحياة، بل يدل على حضور مختلف فيها، حضور لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج ليؤكد ذاته، ولا إلى ردود حادةكي يبرر موقفه، بل يكفيه أن يصغي إلى المعاني التي لا تنطق بها الألسنة، ويتأمل الإشارات التي لا تبثها الكلمات، ويتلقّى ما لا يصل عبر قنوات التواصل المألوفة. في لحظات التوتر ينتصر مَن يصمت ليدرك الموقف المطلوب، ويصوغ الموقف في ضوء ما يفرضه الوعي والواقع. الصمت بهذا المعنى لا يعكس ضعفًا، بل يكشف عن قوة داخلية لا يمتلكها إلا مَن تمرّن على الإنصات، وتدرب على التجلي بلا صخب، وتعلّم كيف يحضر من دون أن يطغى، ويؤثّر في غيره من دون أن يكرهه على فعل معين.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=381349

 

الكتب التي توقظ الوعي نادرة

د. عبد الجبار الرفاعي

نادرة هي الكتب التي تمنحنا المعنى الذي نبحث عنه لوجودنا وحياتنا، وتعمل على تغيير وعينا وتغيّر مواقفنا وسوكنا، وقليلة هي الكتب التي تفسّر لنا طرائق عيشنا، ونكتشف فيها ذاتنا ونحقّقها، ونرى الواقع بوضوح، ونتعرف على العالم من حولنا، وكثيرة هي الكتب التي تكرّر المكرّرات المملّة حدّ الضجر.كتب نقرؤها من الغلاف إلى الغلاف أحيانًا، ولا نعرف منها إلا شيئًا واحدًا، هو: أن كتّابها لم يفكّروا بأي شيء لحظة كتابتها، فلا نحن نفهم ما يكتبون، وأظنهم لا يفهمون شيئًا ذا معنى لما كتبوه، نرى ركام ألفاظ لا ينتج معنى.

قراءة الفلسفة توقظ العقل وتعيد بناء الوعي، الفلسفة تأخذنا لقراءة كلّ كلمة وعبارة بدقة وتدبّر، وتأمل الفكرة وتمحيصها قبل عبورها. أعمال فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة شكّلت العقل الحديث، لولاها للبث العالم قابعًا في ظلام العصور الوسطى. ولدت في فضاء العقل الحديث الخلّاق اكتشافات: غاليلو، ونيوتن، وباستور، وتسلا، وجيمس واط، وأديسون، واختراعات واكتشافات آلاف المكتشفين والمخترعين في العلوم النظرية والطبيعية والتكنولوجيا.

الفلسفة تجعلنا نرى الذات والآخر والعالم من حولنا ببصيرة حاذقة، وتحطّم السلاسل المقيّدة بها أدمغتنا، أحيانًا قراءة فكرة لفيلسوف تفتح لك بابًا للعبور ومن ثم للنظر العميق في أفكار ومقولات ومعتقدات لبثت تتحكم بعقلك سنوات طويلة من عمرك. أتذكر عبارة لفيلسوف الأنوار إيمانويل كانط يصف فيه قراءته لديفيد هيوم بقوله: “أيقظني مِن سُباتي الدوغمائي”. وأتذكر رأيًا لجورج طرابيشي، قرأته قبل أكثر من 40 سنة، في مجلة الوحدة المغربية، في مراجعة كتبها بعد قراءته “تكوين العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، فقال ما مفاده: “هذا كتاب يغيِّر، خرجت منه بعد قراءته وانا غيري حين دخلته”، وإن نقد طرابيشي لاحقًا هذا الكتاب وغيره في كتابه الذي صدر في أربعة أجزاء: “نقد نقد العقل العربي”. أنا شخصيًا فتحت لي بابًا للعبور والنظر العميق في الأيديولوجيات الأصولية والقومية والبنى الواحدة لهما، وفضحتْ قناعات راسخة في ذهني، قراءةُ صفحة ونصف من كتاب محمد عابد الجابري: “الخطاب العربي المعاصر”، الذي قرأته بطبعته الأولى سنة صدوره 1982 عن دار الطليعة ببيروت، ففوجئت بحفرياته الحاذقة وكشفه التوافقَ حدّ التطابق، لتضخم الذات وتوهم “قيادة الإنسانية” في رؤية سيد قطب، وهو أشهر منظّر عربي للإسلام السياسي، في كتاباته، ورؤية منيف الرزاز وإلياس فرح وغيرهما من أبرز منظّري حزب البعث بكتاباتهم.كنت قبل ذلك على قناعة موهومة بالاختلاف الجوهري بين أيديولوجيا حزب البعث القومي العلماني وأيديولوجيا الإسلام السياسي الأصولية، إلى أن قرأت كلام الجابري فاستفقت، وحين رجعت إلى نصوص الأيديولوجيتين تمزّق الوهم تمامًا لحظة اكتشفت التطابق في البنية المشتركة للتفكير ومنطلقاتهما وما ينشدانه، ومنذ ذلك الوقت وأنا أرصد تطابق الرؤيتين والمسارين والتجربتين والمآلين، وأساليب التعبئة والتحشيد المحاكية لكلٍّ منهما، وما أحدثاه بتجربتَي حكمهما العنيفة لبعض بلادنا العربية من مصادرةٍ للحريات والحقوق، ومن مآسٍ وبؤس وكوارث لم نخرج منها حتى اليوم.

أما أعمال الأدباء الخالدة، فوهبتنا وعيًا نكتشف فيه ذاتنا ونحقّقها، ويمكّننا من النظر بعمق للإنسان والعالم من حولنا. نتعرف في هذه الأعمال على شيء من أسرار الطبيعة الإنسانية وما تنطوي عليه من دوافع متضادة، قارئ روايات دوستويفسكي مثلًا يتعرف فيها على شخصيات: فيلسوف، وعالم نفس، وعالم اجتماع، وأنثروبولوجي، وشاعر، ومؤمن وملحد، وأخلاقي ومنحط، ونبيل وقذر، وخيِّر وشرير، ومجرم وبرئ، وقاتل ورحيم، وشقي وسعيد، ومعذّب ومرفّه، وأمير وحقير، وسيد وعبد، وماكر وصادق، وخائن وأمين، وغادر ووفي. استطاع هذا الأديب العبقري أن يكتشف العناصر المتضادّة في طبيعة الإنسان الواحد، ويشرح لنا ما تختزنه الطبيعة الإنسانية من تناقضات حادّة. قارئ دوستويفسكي فضلا عن أنه يقرأ نفسه، يقرأ الإنسان من حوله، بقراءة روايات هي كنز ممتلئ بالمعارف الثمينة المختلفة. ربما يصاب القارئ البريء لدوستويفسكي بالذعر، إثر انكشاف حقائق مخيفة في أعماق الإنسان ظلت محجوبة عنه، ربما كان يرى براءة إنسان لبق، ولا يدري بما يستبطنه في أعماقه من شخصية مخيفة تتنكر بهذه الكلمات. زوال الجهل يبدّد الحيرة ويخفض الخوف والقلق، القارئ الذكي لهذه الروايات تتكشف له بعض الأسرار في أعماق شخصيات أقرب الناس إليه ويزول جهله بها، ولا يقع في صدمة وذهول صدور مواقف غدر لئيمة من هؤلاء تباغته فجأة.

ليس كل قراءة قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج التفكير النقدي، أعرف قراء يقرأون طيلة حياتهم، بعضهم في العقد العاشر من عمره، لم تلهمه القراءة رؤية تقوّض ما بذهنه من أغلال معتقداته المغلقة، ولم تزعزع مفاهيمه التي يحرسها كمومياء محنطة. عن نفسي لو سألتني أو سألني أي إنسان، ما الذي تعرّف نفسك به ثقافيًا؟ أعرّف نفسي بهاتين الكلمتين: “أنا قارئ”، هذا هو الشغف الذي كأنه ولد بولادتي، وسيلبث مقيمًا بداخلي مادمت قادرًا على القراءة. سألني صديق: لو وضعوك في حبس وسألوك ما الذي تود أن يرافقك في هذا السجن، أجبته: المرأة والكتاب، فقال لو خيّروك بأحدهما، قلت له: الكتاب. أعرف أن هذا الكلام يزعج المرأة، وإن نالت اهتمامي الأعلى بوضعها في خيارين لا ثالث لهما، غير أن المرأة لا ترضى إلا أن تكون لها الأولوية على كلّ شيء في حياة الرجل. لا أكذب على نفسي، ولا على المرأة، ولا على القراء، أنا إنسان صامت طوال الوقت، وحضور المرأة يكسر الصمت أحيانًا. الهاتف لا أستعمله إلا حالة الضرورة، ولا أحضر إلا نادرًا المناسبات الاجتماعية الخاصة لفرح أو حزن، وإن كانت تفرض حضورها في أعرافنا. ما يكسر صمتي ورطة صباح نهاية الاسبوع بملصقات: “جمعة مباركة”، هذه ظاهرة غريبة تفشت في السنوات الأخيرة، ففي يوم الجمعة تصل لي عشرات الرسائل أكثرها ملصقات. على الرغم من أن هذا ‏شيء مكرّر، مملّ يثير الضجر أحيانًا، هذه الملصقات لا تبوح بمعنى حين تدور على الجميع، أخجل من عدم الجواب، أعرف أن هؤلاء الذين يرسلون الرسائل يحتاجون إلى أية إشارة للتعبير عن التقدير والامتنان، فأجيب على الجميع بتحية أكتبها إكرامًا لمبادرتهم. لا أريد الحديث عن صمتي واعتكافي بعيدًا عن الصخب.

أعرف شبابًا اليوم يمتلكون رؤية واقعية للحياة لا ينشغلون بالقراءة ولا يقتنون الكتب، متابعة أفلام هوليود السينمائية وغيرها، واليوتيوب ووسائل التواصل المرئية، وخوض معارك الواقع، علّمتهم أعمق مما يتعلمون من الكتب. وعي هؤلاء الشباب أكثف وأدقّ وأشدّ بصيرة من وعيي وأمثالي من المهووسيين بالقراءة. اعترف بممارسة القراءة بوصفها هواية، لا تغويني هواية سواها كما ذكرت، لا لأنها المنبع الوحيد للمعرفة بالضرورة، ولا لأنها الوسيلة الأفضل لوعي الواقع المركب المعقد، ولا لآثارها المتنوعة النافعة. أمارس القراءة بوصفها هواية أنشرح بها، وليست مهنة أتكسب منها، أو أظفر فيها بمقام يعزّز مكانتي في مجتمعي، القراءة سلوة حين أفتقد أية سلوة تمنح حياتي المزيد من الهدوء والسلام، بعيدًا عن ضوضاء المجتمع وما يضجّ فيه من أصوات ناشزة مؤذية.

ما أقرأه عن وعود الذكاء الاصطناعي يذهلني، هذا الذكاء على وفق ما يقوله المتخصصون سيغيّر من كمية وكيفية القراءة والكتابة، وكلّ شيء نعرفه ونستعمله في حياتنا. تعاملت مع الجيل الأخير من ChatGPT الذي أُعلن عنه نهاية سنة 2022 فأدهشتني إجاباته عن أسئلتي المتنوعة في المعارف والعلوم المختلفة. قرأت عن أجياله اللاحقة أنها تحقّق قفزات نوعية لامحدودة بتزويدنا بما نحتاج إليه من إجابات مختلفة. قبل 40 سنة ما كنت أحلم إلا بكتاب أبحث عنه سنوات عديدة عسى أن يقع بيدي في أية مكتبة، لم أكن أتوقع العيش في عصر يخرجني رغمًا عني من فضاء الورق إلى عالم لا متوقع، تحضر فيه لي بيسر وسهولة سلة العلوم والمعارف والتكنولوجيا دفعة واحدة، وتحضر لغيري من الشغوفين بالمعرفة في شتى أرجاء الأرض، وكأنها مكتبة تتسع لما أنجزه الوعي البشري عبر تطوره بمراحله المتنوعة منذ فجر التاريخ حتى اليوم.

 

 

 

 

ليست كل قراءة قادرة على ايقاظ العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

القارئ أصناف، صنف سيء الفهم، لأنه يقرأ هذا النوع من الكتابة للمرة الأولى ولا يفهم لغة الكاتب، وصنف يكره النصّ الذي يقرأه بوصفه أنتجه كاتب ينتمي لدين ومعتقَد وأيديولوجيا وهوية مختلفة عنه يمقتها، وقارئ يحبّ الكاتب ويعشقه فيحبّ كتابته ويتفاعل معها، ونادرًا ما نرى قارئًا محايدًا. سوء الفهم لا ينجو منه القارئ المبتدئ غالبًا، وربما يتعرض له القارئ المتمرّس عندما يقرأ بعض الكتب. لا ينشأ سوء فهم الكتب دائمًا من وعورة التعبير، أو التباس وإبهام الفكرة في ذهن الكاتب، بل ينشأ من غرابة الفكرة على خلفيات ذهن المتلقي ومسبقاته وأفق انتظاره. سوء فهم الفلسفة الحديثة لدى الإسلاميين، في قراءة مؤلفات كانط، وهيغل، ونيتشه، وهايدغر، وأمثاهم، نشأ من كون مقولاتها ومصطلحاتها غريبة على دارسي علم الكلام وفلسفة فلاسفة الإسلام، ممن تشبعوا بمنطق أرسطو ومقولاته، وآراء الفلاسفة اليونانيين وفلاسفة مدرسة الإسكندرية. ‏ سوءُ الفهم أحيانًا نافذة تقود للتأويل إن كان القارئ ذكيًا، ربما ينتج سوءُ الفهم أسئلةً متنوعة تثري المعرفة وتتوالد منها أسئلة عميقة، ‏ سوءُ فهم بعض آراء الفلاسفة اليونانيين ومصطلحاتهم وآراء فلاسفة مدرسة الإسكندرية لاحقًا،كان له أثر ملموس في إثراء الأسئلة والمناقشات لدى بعض الفلاسفة المسلمين.

كقارئ أحاول قدر طاقتي أن أكون محايدًا في القراءة، أتلذذ بكلِّ كتابة ثمينة أتعلّم منها، أو تثير في ذهني أسئلة جديدة، أو تدعوني لإعادة النظر بواحدة من قناعاتي، وتقوّض شيئًا من وثوقياتي. يكتشف القارئ الخبير أحيانًا أن كتابًا ينقله إلى أفق بديل لم يألفه في كتابات مماثِلة طالعها من قبل، ويضعه في مواجهة أسئلة منسية ومجهولة، ورؤى مختلفة، تجعله يسائل قناعاته حيال التراث والواقع ويعيد النظر بجزمياته، إن قرأ هذا الكتاب على مهل وبتأمل. القراءة في حياتي أجمل الأسفار في عوالم المعنى، أنا قارئ وطالب علم ما دمت حيًا، عندما أكتب في أيّ موضوع أقرأ كلَّ ما يتوفر لدي حوله. أول كتاب يطالعه القارئ، إن تفاعل مع كلماته وتأثر بها، ترتسم هذه الكلمات في ذهنه، وتستفيق في ذاكرته كلّما تطلب استحضارها، كأنه الحبّ الأول الذي لن تمحوه ذاكرة الأيام مهما تقادمت.

فرضتْ عليّ طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفر محطاتِه. لعل محطة اليوم غير محطة أمس، وربما لا ألبث في هذه المحطة للغد. الثابت الوحيد لدي هو السفر الأبدي، والقيم الروحية والأخلاقية والجمالية الملهِمة لحياتي الإيمانية وضميري الأخلاقي، ومقدرتي على تذوق تجليات الجمال المتنوعة في العالم.كأني أنصت أحيانًا في النصّ لعزف يبوح بلوعة وجروح قلب عاشقة أقصتها الأيام عن معشوقها، وهي ترسم ما خطّه قلبها بكلمات تنزف مختنقة. عندما تتوطن صورة المعشوق قلب العاشقة يعزف القلب ألحان كلماته بأوتار منقوعة بالدم. مما ‏أعطتني قراءة الكتاب أنها أضافت لحياتي حياة أخرى، ولتجربتي تجارب اخرى، ولجروحي جروحا أخرى، ولأحزاني أحزانًا أخرى، ولأفراحي أفراحًا أخرى، ولفهمي لنفسي فهمًا أعمق، ولتفسيري لشخصية الإنسان تفسيرًا أدق، ولاكتشاف العالم الذي أعيش فيه اكتشافات أوضح، ولما أعرفه عن الواقع معرفة حررّتني من أوهام كثيرة وأحلام رومانسية، وأعادتني إلى الواقع المعيش.

تنامى عدد القراء في وسائل التواصل والتطبيقات الجديدة بشكل هائل، لم تعد القراءة تستأثر بها طبقة مميزة، صار كلُّ مَن يدخل على تويتر أو الفيس بك أو الانستغرام وغيرها قارئًا. شخصيًا أنا مهتمّ باكتشاف ذاتي، وباكتشاف طبيعة الإنسان الذي أعيش معه في الأرض، وسائل التواصل بحر زاخر يبوح فيه إنسان لإنسان لا يعرفه، بما لا يعرفه عنه، بلا أن يطلب ذلك منه. يحاول أكثر القراء كتابة انطباعاتهم وآرائهم وأحلامهم ورغباتهم وميولهم ومعتقداتهم، وإن كان بعضهم يلجأ للكتابة بوصفها قناعًا يحتمي فيه فيعلن غير ما يخفي، متسترًا على قناعات ومعتقدات مضطَهدة في المحيط الذي يعيش فيه.

التطبيقات تنشر كتابات متنوعة، فيها مادة غزيرة، لا تبدو ذات قيمة بنظرة عاجلة، يراها القارئ الجادّ هامشية وربما رثة وتافهة، هذه الكتابات فضلا عن أنها تمارين يحاول مَن يمارسها أن يتعلم الكتابة، فهي ثروة مهمة للباحثين في التخصّصات المختلفة وهو الأهمّ، يدلي فيه مَن يكتبها باعترافات مجانية عن شؤونه وشجونه واهتماماته وحياته الشخصية والمجتمعية، وهي نافذة يتكشف فيها شيء مما خفي عنا من الطبقات الغاطسة في أعماق الإنسان، بصورة أجلى مما يتكشف في الكتابات المفكّر فيها بدراية، وتعكس أحوال الإنسان وأمانيه وشجونه ومتاعبه فردًا ومجتمعًا، وتفاصيل مبعثرة للواقع الذي يعيش فيه بصورة مباشرة.

وسائل التواصل من أهمّ مكاسب العصر الرقمي، فقد مكنتني هذه الوسائل من التواصل مع الجيل الجديد، بوصفي إنسانًا نموذجي في المستقبل لا في الماضي، فمعظم أصدقائي هم من أبنائي وتلامذتي ومن يتواصل معي من الجيل الجديد، ويسرت لي شخصيًا الحضور اليومي الحار، والحوار المتنوع معهم. أقول بلا تردّد: والتعلّم المستمر منهم، أتعلّم التفكير على حافة الخطر كلّ يوم من الأسئلة المشاغبة للأذكياء والموهوبين منهم، أتعلّم الإصغاء لمن يعاند قناعاتي وكثير منهم يعاندها، أتعلّم التواضع المعرفي وقول: لا أعلم، إن كنت لم أعثر بعد تفكير طويل على جواب لشيء من أسئلتهم المحرجة، وليس قليلًا ما هو محرج وغريب من تلك الأسئلة. معهم تحرّرت من توهم: “لكل سؤال جواب”، رأيت الأسئلة الكبرى لا جواب نهائي لها، أتعلّم منهم المغامرة المعرفية والتوغل في فضاء لبث مسكوتًا عنه ونائمًا في ذهني، أتعلّم ضآلة وعيي للواقع والمديات اللامتناهية لجهلي بالعالم، أتعلّم أن الجيل الإنساني الجديد في عصرنا أكثر مخلوق لا يشبه آبائه وسلالته من بني آدم، أتعلّم حكمة الحياة وأكثّف خبراتي وأراكمها معهم، وكيف أني وجيلي ينبغي أن نكفّ عن دور المعلّم المغرور لكلِّ شيء في حياة هؤلاء الأبناء الأعمق دراية منا بشؤون الواقع الذي يعيشون فيه، ويدركون كيفية تشكل الصورة البديلة لعالمهم. هؤلاء الأبناء تفوقوا علينا نحن الآباء بأشياء كثيرة، أبرزها طريقة تفكيرهم وأساليب تعاطيهم مع الواقع، فلم تعد أسئلتهم أسئلتنا، ولا أجوبتهم أجوبتنا، ولا أحلامهم أحلامنا، ولا أمانيهم أمانينا، ولا رؤيتهم للعالم رؤيتنا، ولا أوهامهم أوهامنا، ولا متاهاتهم متاهاتنا، هم الأجدر بالحديث عن آلامهم وأحلامهم وطموحاتهم وأوهامهم، والأكثر دراية بوعي احتياجاتهم وواقعهم ورؤية العالم من حولهم. أظن أن الأبناء لو تخلصوا من مفاهيمنا المحنطة، وأيديولوجياتنا المهووسة بالأوهام والأماني الخيالية، لأنقذوا أنفسهم وأنقذونا من الواقع المزري الذي صنعته أيدينا. في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد القيم والمفاهيم تنطبق على كلِّ مصاديقها التقليدية المعروفة، فمفهوم الأمن السيبراني هو الأهمّ من كلّ شكل من أشكال الأمن، ‏بل تبدلت حتى مصاديق مفاهيم الكتاب والقراءة والتربية والتعليم والعائلة وغيرها.

واحدة من الآثار الموجعة للقراءة اليقظة أنها تفجر الأسئلة الحارقة لهدوء العقل ووثوقيات المعتقد الموروثة.بهذه الأسئلة، والحرص على جواب ما لا جواب له، يتصدع الانتماء للمعتقد والجماعة والطائفة والهوية، ويعيش الإنسان اغترابًا موحشًا في مجتمعه للعقل والروح والقلب. الإنسان الذكي، الذي يقرأ ويفكّر فيما يقرأ، يتنقل في محطات متنوعة بحياته، المحطة التالية لا تطابق بالضرورة المحطة السابقة، فيشتد تبعًا لتلك التحولات اغترابه الاجتماعي، وغالبًا ما تتزلزل شبكة علاقاته الاجتماعية بهذه التحولات، ويعجز عن اقناع الغير برؤيته الجديدة للعالم، ويشتد اغترابه حين يرفض أكثر مَن يعيش معهم القبول بتطور وعيه، وتقلقهم شجاعة عقله.

لو صار التفكير العميق حالة ملازمة لكلّ شيء في حياتنا يصير ضربًا من الهوس الموجع، الذي يضيّع على الإنسان المتعَ الحسية وحتى المعنوية، ويعزله في منفىً يعيش فيه هو وأفكاره، وينفر منه أقرب الناس إليه. في مواقف لافتة كان ينسحب بعض الأصدقاء فجأة بهدوء من لقاء ودي، إذا تغلب التفكير العميق على الحديث. كنت أتساءل عن دوافع ذلك، قدّمت افتراضات متعدّدة لتفسير هذه المواقف وتكرّرها، إلى أن انتهيت إلى قناعة مفادها: أن التفكير العميق ضدّ طبيعة الإنسان، لو لاحظنا كثيرًا من أفعال الإنسان ومواقفه وكلماته ومعتقداته نراها تنبعث عن عواطفه وانفعالاته ومصالحه واحتياجاته المتنوعة، وقلّما تصدر عن تفكيره المتأمل الصبور.

لا قيمة لقراءة لا يستفيق فيها العقل، ولا يستفيق فيها التفكير، ولا تنبعث منها أسئلة جديدة. القراءة ليست هدفًا بذاتها، تظل القراءة شيئًا والتفكير شيئًا آخر، قراءة الكتب تزود الإنسان بمعلومات متنوعة، وآراء متعددة. التفكير هو الأساس الذي يعيد بناء هذه المعلومات والآراء في سياق منطقي، وينتج رؤية خاصة في ضوء هذا السياق. لا أبالغ في أثر القراءة بتكوين المعرفة،كما أقرأ واستمع إلى إفراط ومبالغة وتهويل بالحديث عن ذلك، أظن الدعوة للقراءة اليوم صارت موضة للتباهي. أرى في وسائل التواصل شبابًا في مقتبل العمر يكدّسون عشرات الكتب المتنوعة نهاية السنة، بعضها فلسفية عميقة، تتطلب مطالعتها شخصية صبورة تفكر بهدوء، ولا تيأس من التوقف طويلًا لفهم النصوص عبر التفكير بها والتأمل بمضمونها. يحتاج مثل هؤلاء الشباب إلى اعتراف النخبة بمواهبهم وثقافتهم العالية فيلجؤون لهذا السلوك الاستعراضي، يعملون على الدعاية لأنفسهم قبل التكوين الرصين الذي يتطلب إنفاق سنوات طويلة في القراءة الجادة والتفكير الصبور.كانط فيلسوف الأنوار كان يفكّر بعمق وقتًا طويلًا ولا يقرأ إلا قليلًا، الفلاسفة يعكفون على قراءة النصوص الكلاسيكية بتدبر وتأمل وتفكير يسبر أغوارها، ولا يلاحقون كلّ شيء، ولا يمضغون الكتب كما تُمضَغ الشوكولاتة.

 

https://alsabaah.iq/103791-.html