لغة الغيب غير لغة العلم

د. عبد الجبار الرفاعي

نتحدث عن لغة الدين الحاكية عن الحقائق الغيبية، وهي لغة تسعى لتصوير ما لا صورة له، وتعتمد على التلميح والإشارة والكناية والمجاز والتمثيل والتشبيه والترميز. هذه اللغة تختلف عن لغة العلم، فمهمة لغة العلم الكشف والتفسير والتوصيف والبيان بأوضح العبارات وأصرح الكلمات وأبسط التراكيب. لغة العلم تنأى عن التلميح والإشارة والمجاز والترميز، وتحرص على أن تبوح بمعانيها بجلاء، وتحذر من المواربة والغموض والالتباس، وتستبعد ما لا يصرّح بما يريد قوله. تسعى ألفاظها لأن تتطابق مع مفاهيمها، بما لا يفسح المجال لانصرافها إلى معنى بديل. لغة العلم تنشد التطابق، ما أمكن، بين الدال والمدلول، وبين اللفظ والمعنى. وهي لغة مباشرة في التعبير عن مراميها، واضحة في قوانينها ومعادلاتها وحساباتها. ولشدة وضوحها يوازي تصورها وفهمها التصديق بها، لأن موضوعاتها لا تفارق عالم المادة، كما هو الشأن في الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها من العلوم الطبيعية.

أما لغة الدين التي تتحدث عن الغيب، فلا تشبه لغة العلم، لا في بنيتها ولا في وظيفتها. هذه اللغة لا تهدف إلى الكشف عن حقائق قابلة للاختبار أو المشاهدة أو الفحص التجريبي، بل تسعى إلى إيقاظ الحنين لما وراء العالم المحسوس، وتغذية التوق إلى الوجود المطلق، وتكثيف حضور المعنى في حياة الإنسان، وبث الرجاء في قلبه، وشحنه بطاقة روحية تضيء عتمة وجوده. لغة الغيب لا تفسِّر بل تتذوق، لا ترسم خرائط ولا تضع حدودًا، بل تلمّح وتوحي وتومئ. لا تستغرق في البراهين، بل تشرق لحظة صفاء روحي، حين تتسع آفاق البصيرة لإدراك شيء مما لا صورة له، وتتهيأ الروح لمشاهدة الأنوار. هذه اللغة لا تبوح بمعانيها لمن يقرأها بعين العقل المجرد فقط، بل تنفتح على من يسكنه شوق لا يخبو إلى معنى لا ينطفئ، وعلى من تجاوز ظاهر الألفاظ إلى ما وراءها. محاولة تسوية لغة الدين بلغة العلم، وقراءة الغيب بأدوات العلم ولغته، تفضي إلى تفريغ الدين من بعده الغيبي، وتجعل النص الديني نصًا تقريريًا فاقدًا لسحره وأفقه ورؤياه وثرائه الرمزي. الدين، في جوهره، تجربة وجودية عميقة، لا تشرحها المعادلات، ولا تختصرها القوانين، بل تسكن القلب، وتضيء الداخل، ويعيشها الإنسان في أفق البصيرة، لا بأدوات النظر كما يرى الأشياء المحسوسة.

مدلولات كل كلمة تتحدث عن الغيب تشي بحقائق مفارقة للمادة، خارج فضاء الحس، تنشد اتساع قدرة النسبي لاكتشاف آفاق المطلق، وتحاول ترجمة المحدود للامحدود، وتجلي الإلهي في البشري، وحضور الغيب اللامادي وانعكاسه في العالم المادي، وتجسيد اللامرئي في المرئي، واستيعاب اللامحسوس في المحسوس، ومحاولة تصوير ما لا صورة له، ورسم ملامحه كأبعاد الصور الحسية، واستكناه ما لا يكتنه، ورؤية ما لا يُرى، ومعرفة الحواس بما لا يمكن اكتشافه بالحواس. إنها رؤيا تتخطى مشاهدة العين البصرية، ومعرفة ذوقية عابرة للعقل وبراهينه ومحاججاته، وضرب من صلة أنطولوجية يتجلى فيها الغيب بشكل يستطيع معها أن يتذوقه مَن يؤمن به، إذ يتمكن مَن يؤمن عبر هذه اللغة أن يحقق شكلًا من أشكال الاتصال المباشر وشهود الغيب.

لا يتحقق شهود الغيب إلا إذا استطاعت اللغة أن توقظ الروح، وتتكلم بكلمات القلب، وتبعث في الإنسان بصيرته الباطنية. الغيب لا يشهد آفاقه من حبس نفسه في حدود الحواس وحدها، ولا يتذوقه من جف قلبه عن نور المعنى، واغترب عن ذاته، وغابت عنه دهشة الوجود. اللغة الحاكية عن الغيب ليست أداة توصيل بين إنسان وإنسان، بل وسيلة تواصل مع الله، وبوابة عبور، ونافذة إلى عوالم لا تفتح إلا لمن أعدّ نفسه للتذوق، وصاغ قلبه بوجد واشتياق لا يهدأ إلى الوجود المطلق. تكتسب اللغة الدينية، حين تحكي عن الغيب، وظيفة إنشائية إضافية، لا إخبارية فقط، فهي لا تكتفي بالإخبار، بل تنشئ صلة وجودية، وتعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته، وتكشف له موقعه في الوجود، وتعيد ترتيب سلم الموجودات، وترسم إمكانات وحدود الموجود، وتعيد إنتاج معنى الحياة والموت والخلود. إنها لغة ترشد الإنسان إلى موقعه ومكانته بالنسبة إلى الوجود الحقّ، وتمنحه إشراقة نور، ونداء عميقًا يوقظه من سباته، ويستحثه على السفر الروحي إلى الله.

لغة الدين المختصة بالغيب تتكشف فيها مراتب أعمق من الوجود لا تتكشف للإنسان باللغة العادية، وتشير إلى معانٍ متعالية على الواقع المادي وحدوده الحسية الضيقة، ولا ييتحدث عن المعاني المحسوسة التي تختنق فيها اللغة. لغة الدين هي اللغة الوحيدة القادرة على التعبير عن حقائق العالم الأخرى اللامرئية، بنحو تعجز فيه كل أشكال اللغة الأخرى عن الإفصاح عنها. لا لغة كلغة الغيب تبوح بشيء من أسرار الوجود المطلق، وتتجلى فيها إشراقاته. لا تتحدث هذه اللغة عن الغيب بوصفه موضوعًا منفصلًا عن الذات، بل تكشفه كعلاقة حيّة تتجلى في القلب، وتتكشف في أعماق الروح. اللغة هنا ليست أداة خارجية، بل شيفرة للوجود ينفذ بها الإنسان إلى ما وراء الحس، وينصت عبرها إلى النداء الخفي للعالم اللامحسوس. وكلما تسامى الإنسان وارتقى من مضايق الحرف الجامد، وانفتح على الإيقاع الباطني لكلمة الغيب، تسرب إليه المعنى من حيث لا يدري، فاستحال النص مسارًا للعبور إلى ما لا يُحاط به، وأفقًا يتنفس فيه القلب دفء الطمأنينة. في لغة الغيب، لا معنى خارج ما تتذوقه، ولا دلالة بدون شعور باطني، ولا فهم بدون حضور وجداني. الغيب لا يُدرك بعقل خالص، بل بروح حيّة، ولهذا تظل لغة الغيب، في أعمق تجلياتها، نداءً لما هو أسمى من كل وصف، وإنصاتًا لمن هيأ قلبه لسماع الهمس الخفي في كلمات الله.

لا تنشد لغة الدين المختصة بالغيب التطابق بين الدال والمدلول، واللفظ والمعنى، لضيق الدال وقصوره، إذ يعجز اللفظ أن يتسع لما يختنق فيه فضاؤه، ويستوعب ما لا يمكنه تصويره كما هو، وتمثّل ما لا يمكنه تمثّله، ويفشل في نقل ما يضيق به ظرفه، واحتواء ما لا يتسع له وعاؤه. لغة الدين المختصة بالغيب يتنزل بها المعنى من نشأة أعلى إلى نشأة أدنى، لأن اللغة البشرية من شؤون العالم المادي، وليست من شؤون عوالم الغيب، وظرفها لا يتسع لمعاني تلك العوالم. إن السعة الوجودية للغيب يضيق بها كل ما ينتمي إلى العالم المادي، أي إن هذه اللغة لا يتجلى فيها المعنى إلا بكيفية تماثل حقيقتها البشرية، على نحو تنزّل على شاكلتها. ولأنها تنزل، فهي تلبس المعنى ثوبها، وتكسوه بألفاظ محدودة، وتجعل ما لا يُحدّ قابلًا للفهم بمقدار ما تسمح به أدوات الإنسان في هذا العالم. لا يمكن للغة أن تنقل المعنى الغيبي كما هو، بل تشير إليه بقدر ما تحتمله طبيعتها المادية، وقدرة الإنسان على التلقي. وما لم يتنبه القارئ إلى هذا الفرق الجوهري بين المعنى في ذاته، والمعنى كما يتجلى في اللغة، ينغلق عليه باب التأويل، ويحبس فهمه ظاهر النص، ولا ينتبه إلى ما يشير إليه الرمز أو المجاز. وما الرمز إلا قنطرة، يعبر منها من ألهمته رؤيته وأشرقت بصيرته، إذا تحرر من أسر الحرف، وتطهر قلبه من ظلمة التكرار، فغدا النص لديه كائنًا حيًا، ينبض بالمعنى، ويشع بالأنوار. ذلك هو ميدان التذوق لا الحفظ، ومجال الحضور لا الغياب. في هذا المقام، تصير اللغة مرآة لما وراءها، ومظهرًا لما خفي عن دلالاتها المتبادرة من كلماتها، وشاهدًا على أن الغيب لا يُدرَك بالكلام، بل يُشهد بالبصيرة.

 

https://alsabaah.iq/116562-.html

رؤيا الغيب في لغة الدين

                                                                              د. عبد الجبار الرفاعي

لغة الدين المختصة بالغيب تعجز عن التعبير عن حقيقة الغيب بنحو تعكسه كما هو، وهذا العجز حكاية لعجز الإنسان عن تصور الحقيقة غير المحسوسة كما هي. يتصور الإنسان الغيب على شاكلته، لا على شاكلة الغيب، لأن إدراكه لا يتسع لحقيقة ما لا يُدرك بالحواس، كما يتصور الإنسان الغيب بكيفيته، لا بالكيفية التي عليها الغيب. إشراق الغيب رؤيا لا تبوح بما تكتنزه، وليس رؤية محسوسة تدل الإنسان على أبعاد صورتها، رؤيا لما لا يراه الإنسان ولا يسعه أن يحيط بحدوده.كل ما يقال عن الغيب يظل رمزيًا وتلميحيًا، لا يطابق ذات الغيب وما هو عليه. ما يكتب عن الغيب هو تقريب له بلغة الإنسان، لا لغة الغيب. لذلك تتكئ النصوص الدينية التي تتحدث عن الغيب على الرمز والمجاز، وتجنح إلى التعبير التمثيلي، فتستخدم لغة تشي بما وراءها، وتدعونا إلى التأمل في إشاراتها، لا التوقف عند دلالتها الحرفية. أية محاولة لتجسيد الغيب حسيًا، أو تحويله إلى صورة مرسومة بوضوح في العقل الكلامي، تعجز عن رسم صورة الغيب، ولا تكتنه معناه خارج الإشارة، وتفرغه من أثره في إثراء الروح، وايقاظ الضمير الأخلاقي. الغيب رؤيا لا تُمتلك، وليس بوسع الإنسان اكتشاف حدودها في ضوء المنطق الصوري، ولا تتسع لها مقولات علم الكلام. الغيب لمن يؤمن به، يبرق في البصيرة كضوء ساطع، يتذوق القلب ومضاته، ويعيش حالاته، وكل ما هو من جنس الحالات لا يمكن أن تتسع له الكلمات والمقولات الجاهزة. ما لم يتحرر العقل الديني من إسار الرؤية الكلامية والفقهية التي أحكمت قبضتها على فهم الغيب، يظل الغيب مجرد كلمات منطفئة، لا تفتح له أفقا على عوالم النور، ولا تسقي القلب ببهجة معانقة النور، وتعمل على خفض وتيرة قلقه الوجودي، وتعيد إليه سلامه، وللروح سكينتها.

إثر عجز الإنسان عن تصور الذات الإلهية كما هي، كانت لغة الدين المختصة بالغيب رمزية. الرموز لا تبوح بالمعنى، بل تؤشر إلى شيء مما يتذوقه الإنسان لحظة تجلي الغيب له، وغياب الإنسان في عالم الرؤيا عن أقواله، وكأن ما يحدث رؤية لمعان البرق في ليلة حالكة الظلام. لغة الإشارات لغة رمزية، يتذوقها من يتسامى من الحروف إلى الحالات، إنها لغة مشبعة بمعنى يبهج الإنسان الشغوف بالأنوار. اللغة الرمزية لا تصور الغيب كما هو، لكنها تلمح إليه، وتهمس به، وتشي بشهوده، إنها لغة لا تشرح بل توقظ، لا تفسّر بل تقودك للبصيرة. أي تعبير ديني عن الغيب مسعى لتصوير ما لا يمكن تصويره، واستيعاب ما لا يتسع وعاء الإنسان له، وترميز ما لا تدركه الحواس، ولا تبلغه اللغة العادية. لغة الغيب لا تستجيب لمقاييس البرهنة، ولا تخضع لموازين المحاججات العقلية، بل ترتوي من معين التذوق، وتستنير بما ينكشف للقلب في لحظة الصفاء من تجليات، وتنهل من إشراقة الروح حين تتخطى الحواس. تظل اللغة الدينية في تعبيرها عن الغيب محتجبة، لا تنفتح إلا لمن اتسعت آفاق رؤيا بصيرته، وتطهر من غشاوة الحرف، وتجاوز ظاهر الكلمات. حين تتجمد الرموز، وتختزل دلالاتها في معنى ظاهر، تفقد اللغة قدرتها على الإيحاء، ويتحول الغيب إلى مقولة كلامية بلا إيحاء، تعبر عنه لغة مقولات جاهزة، ويتحول التديّن إلى ممارسة شكلية لا أثر لها في تطهير النفس، ولا تهذيب الروح، ولا رعشة القلب، ولا بناء علاقة حب صافية بين الله والإنسان.

مصطلح “لغة الدين” غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من الزاوية ذاتها، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، عبر مقاربة ماهية هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعبّر عن معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، الرمزية تبرز حين تلامس هذه الكتب الحقائق الغيبية، فتصبح اللغة الدينية فيها مشحونة بالإشارة لا التصريح والإيضاح، وتلجأ إلى المجاز لا البيان الحرفي، إذ لا سبيل إلى التعبير عن الغيب إلا بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات. أما حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس طبيعية، وجبال، وبحار، وأنهار، وجغرافيا مناخية، أو تتحدث عن النباتات والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن الطبيعة البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد للكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظل ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

التمييز بين لغة الغيب بوصفها موضوعًا للغة الرمزية، وبين اللغة العرفية بوصفها موضوعًا للطبيعة وما فيها من كائنات وغيرها، وأحوال الإنسان وحياته الأرضية، في النصوص الدينية، ضرورة يفرضها فهم لغة الدين فهمًا ينأى عن التبسيط والتعميم، ويساعد على إدراك ما تنشده هذه اللغة من معانٍ تسعى إلى توصيلها، حسب اختلاف موضوعها. لا يصح تفسير اللغة الدينية التي تتحدث عن الغيب، كما تفسر ما يتحدث عن الأخلاق، أو المعاملات، أو أحوال الإنسان في الأرض، أو الطبيعة وغيرها. الغيب لا يُدرك بالحس، ولا تحيط به التجربة، ولا تشرحه اللغة العادية، بل يومئ إليه النص بإشارات لا يصح اختزالها بحرفية الألفاظ.

لغة الدين المختصة بالغيب بوصفها حكاية عن عوالمه، تخاطب روح الإنسان وقلبه وعواطفه ومشاعره، وتوقظ حواسه الباطنية، لذلك ينبغي البحث عن حضور آثارها في الشعور قبل غيره. لا تتحدث هذه اللغة عن الأشياء الملموسة إلا عندما تحاول رسم صورة لما هو مجردا، فتعمل على محاكاتها بالمحسوسات لتقريب المعنى المجرد بما هو ملموس،كما في آية النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” [النور: 35]. التمثيل في هذه الآية لا يراد به رسم صورة بأشياء مادية لله، بل يراد به تقريب المعنى المجرد بصورة تتقبلها المخيلة، وتتهيأ له الذائقة الباطنية، وتستعد له البصيرة، ويتذوق نوره القلب. المجاز وسيلة لتهذيب الحس، وفتح الأفق على دلالات لا تختزلها العبارة، ولا تقدر اللغة العادية على القبض عليها. حين تتكلم الكتب السماوية عن الغيب، فإنها لا تتحدث عنه كما تتحدث عن الظواهر الطبيعية، وأحوال الإنسان وحياته الأرضية، بل تشير إلى الغيب بلغة الرمز، وتقربه بلغة المشابهة، وتدعونا لاكتشافه لا بوصفه معلومة، بل بوصفه شهودًا يشعر به الإنسان، ويتجلى لمن صفا قلبه، وأشرقت روحه لترى فيه نورًا لا يراه غيرها.

في ضوء ما تقدم لا يصح أن يُفهم الغيب فهمًا حرفيًا، ولا ينبغي تفسير دلالاته بأدوات تفسير تغلقه على معنى واحد، أو مقولات علم الكلام، وكأنه شيئًا محسوسًا، بل يحتاج تلقي الغيب إلى لغة شعورية، ورؤيا باطنية، وشوق لا ينطفئ لمعنى لا يحدّه شكل، ولا تحيط به صورة. أية محاولة لإغلاق دلالة الغيب على معنى واحد، تنفي عنه عمقه الدلالي وتعدد وتنوع تجلياته، وتحوّله إلى مجرد مفهوم لا يبوح بمعنى يعيشه شعور الإنسان، ويضئ بصيرته. الغيب في لغة الدين أفق رحب، لا يتجلى إلا بحدود ما تتسع له البصيره، ولا يُمتلك، أو تتكشف أبعاد صورته، بل يُشار إليه، ويتذقه القلب حالة الصفاء، وترتوي منه الروح كلما اشتاقت إلى النور، واشتد اشتياقها إلى تجليات الجمال الإلهي.

 

https://alsabaah.iq/116161-.html