عجز العلوم عن قراءة لغة الغيب

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

يفتح النص الديني أفقا واسعا لفهم الطبيعة عبر مناهج التحقيق العلمي، إذ يمكن دراسة ما يتعلق بالطبيعة في آيات القرآن، من أرض وسماء، وشمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح ومطر، وجبال وبحار، ونبات وحيوان ومعادن، بمناهج تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظور علمي النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته، والشخصيات التاريخية، والأقوام مثل: قوم نوح وإبراهيم وموسى ولوط وعاد وثمود وقوم صالح وشعيب ويونس وغيرهم، ودراسة الأماكن، كأرض مدين وطور سيناء ومصر والمسجد الأقصى والمسجد الحرام والكعبة ومكة ويثرب وبدر وحنين وتبوك والحجاز، ليفتح أفقًا علميًا لتجديد التفسير، ويؤسس لفهم جديد للوحي. وتتيح مناهج علوم الإنسان المجتمع الحديثة فهم أحوال النفس البشرية، وما تحدثت عنه الآيات القرآنية من ضعف الإنسان وهشاشته وظمئه الأنطولوجي واغترابه الميتافيزيقي، ودراسة وتحليل عوامل نهوض الأمم وسقوطها، وأمثال ذلك فيما يخصّ الإنسان فردًا ومجتمعًا.

كل شيء تتسع له هذه الحقول يمكن دراسته في ضوء مناهج البحث العلمي وآخر معطيات العلوم والمعارف البشرية، لكن من العبث تطبيق هذه المناهج في اكتشاف الحقائق غير المادية وما هو خارج الطبيعة. عوالم الغيب حقائق تنتمي إلى ما وراء الطبيعة، لذلك لا يصح تطبيق مناهج علم النفس وعلم الاجتماع والانثربولوجيا وغيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية وأدواتها في الكشف عنها وتحليل مضمونها ومعرفة ماهيتها. عندما تحاول نظريات هذه العلوم تفسير البعد الغيبي في الوحي، فإن أول ما تبدأ به هو نزع مضمونه الغيبي، والنظر إليه في أفق الطبيعة والمادة. أخفقت محاولات اكتشاف الغيب بمناهج العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسان في متاهات، تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمن يحاول معرفة ذات الله وحقيقته وكنهه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الغيب لا يُدرك بالعقل التجريبي، ولا بالأدوات التي صُممت لفهم الظواهر المادية. الغيب يشعر به الإنسان بالتجربة الروحية، ويتجلى في لحظة صفائه الباطني، ويشهده الإنسان بالبصيرة، ويتذوقه بالقلب.

لا يمكن ترجمة الغيب إلى معادلات أو نظريات. إنه سرّ لا يُمسك ولا يُحاط به، ولا يُفهم إلا بعد تجليه على روح الإنسان وقلبه، حين تصفو بصيرته، وتستعد لتلقي إشراقات النور الإلهي. محاولة اختزال الغيب إلى موضوع للبحث العلمي بالمعنى التجريبي تنتزع منه محتواه الميتافيزيقي، وتختزل حضوره في الأرقام والحسابات والمعادلات. الغيب في حقيقته ليس شيئًا يُمتلك، بل معنى يُعاش، وحقيقة يشعر بها الإنسان الذي يؤمن به. الغيب يشهد تجلياته الإنسان في الطبيعة، فينبعث من تجلياته نور يضيء روح الإنسان ويبث السكينة في باطنه. ما لم ندرك أن الغيب لا يُعرف إلا بقدر ما ينكشف لمن يتأهل لمشاهدته، سنظل نبحث عنه في الموضع الخطأ، بأدوات لا توصل الإنسان إليه، ولن يبصر منه إلا ظلالًا باهتة لا تُضيء للإنسان الطريق إليه.

التعرف على الغيب في القرآن إنما يكون من خلال ما تتحدث به آياته، وهكذا في الكتب السماوية التي تتحدث عن الغيب. في الحياة الروحية تنكشف تجليات الغيب في حياة الإنسان وتنعكس تمثلاته، الأفق الذي يتجلى فيه الغيب، بوصفه منبعًا لإرواء الظمأ الأنطولوجي، لا يتحقق في العالم الحسي الذي تحكمه قوانين الطبيعة. لا يخضع الغيب في اكتشاف حقيقته ومعرفة كيفيته للعلم ومناهج البحث العلمي، وإن كانت العلوم هي الأداة الأساسية في التعرف على تأثير الغيب في الإنسان فردًا ومجتمعًا والواقع الذي يعيش فيه، ودراسة تمثلاته في الحياة الفردية والمجتمعية. حضور الغيب لا يُقاس بأجهزة قياس حسية، ولا يبرهن عليه بالبراهين التجريبية، بل يُعاش بالتجربة الروحية، ويُذاق بالتأمل، ويُشهد بالبصيرة. الغيب في حياة الإنسان لا يعبر عن ذاته بلغة الأرقام، بل بلغة المعنى. حين يتحدث الكتاب الكريم عن الغيب، فإنه لا يقدم تقريرًا وصفيًا، بل يوقظ شعورًا، ويبث تذوقًا، ويعيد تشكيل صلة الإنسان بالحقّ، ويهبه أفقًا يتجاوز المحسوس، وينقله من ظواهر الأشياء المادية إلى عمق معانى الوجود والحياة.

لغة الدين المختصة بالغيب ضرب من الترجمة لإشارات الغيب ورموزه، ومحاولة لرسم صورة عنه في لغة الإنسان، وتجلٍّ لكلمة الله بكلمات خلقه. الترجمة لا تطابق الأصل، ولا تعكس صورته كما هي، ولا تكشف كل ملامحه، إنها تومئ إليه، وتعكس شيئًا من ملامحه. يظل فهم الغيب في الكتاب الكريم نسبيًا، المفسّر الذي يمتلك أدوات التفسير لآيات الغيب لا يكون تفسيره لها نهائيًا، لأنه يخضع في تفسيره لمشروطيات الذات، وأحكامها المسبقة، وأفق انتظارها، والزمان، والمكان، والواقع، والعوامل والمعطيات المختلفة التي تؤثر في حياته بوصفه فردًا، وفي حياته بضمن المجتمع الذي ينتمي إليها، وليس بوسعه الإفلات النهائي من تأثير هذه العوامل المتنوعة على فهمه، مهما حاول أن يكون محايدًا. لا يمكن الحديث عن تفسير نهائي أبدي لنصوص الكتب المقدسة، ولا عن قراءة أخيرة لمعاني الغيب، بل نحن بإزاء معانٍ تتجدد بتجدد أدوات القراءة وشروط التلقي، وتنبسط كلما اتسعت الرؤية، وتنقبض حيث يضيق أفق الرؤية.كل فهم نوع من التأويل، وكل تأويل اجتهاد بشري في الإصغاء لما يبوح به النص من دلالات في حالات معينة، وظرف بعينه. هذا التأويل ليس نهائيًا في تفسير الغيب، إنه ليس سوى صورة من صور التلقي المحدود.

لغة الغيب عندما تشرح وتصف تنشد أن ترسم أفقًا للشهود. هذه اللغة رؤيوية، تسعى للقبض على معنى لا محسوس، ولا تاريخي، ولا زماني، ولا مكاني، ولا مرئي، ولا محدود، وإيداعه في قالب محسوس ومرئي وضيق ومحدود. لغة الغيب تتعدد مراتبها، وتنشد تلبية مستويات متنوعة من الفهم، ومراعاة درجات مختلفة للتذوق. هذه اللغة يتخطى نداؤها العقل، إنها نداء يتجه لإيقاد طاقات الروح، وإيقاظ الضمير، وإحياء القلب، وشحذ المشاعر، وإثارة الأحاسيس، وتغذية الروح. إنها لغة لا تشرح بقدر ما تلمّح، ولا تكتفي بإبلاغ المعنى، بل تفتح أفقًا للتأمل في المعنى، تنتقل من ظاهر الحرف إلى دلالاته المحتجبة، فيتحسسها الإنسان في شعوره قبل أن تبلغ عقله. لا تُفسَّر هذه اللغة تفسيرًا واحدًا، بل تتعدد تأويلاتها بتعدد اشراقاتها على القلوب، وتتنوع أنوارها بتنوع البصائر، وتتكشف أسرارها بحسب استعداد المتلقي وقدرته على التذوق. لما كان الغيب لا يتسع له العقل، فإن اللغة التي تحكي عنه تتعدد فيها طبقات المعنى، لذلك تتوسل بالمجاز والاشارة والرمز والإيحاء،كي تستنطق ما لا يُقال بالكلمات، وتوقظ ما خفي، وتفتح أفق الشهود لما لا يُرى.

حين تصير الكلمة مرآةً للغيب، تغدو العبارة طريقًا إلى المعنى، لا قيدًا عليه، وتتحول اللغة من أداة إخبار إلى وسيلة حضور. هذه اللغة لا تنتجها قوالب الجدل الكلامي، ولا تختزل في حدود مقولة اعتقادية، ولا تقف عند ظاهر اللفظ، بل تفيض من عمق التجربة الروحية، وتنبعث من الحاجة الأنطولوجية للإنسان إلى المعنى والسلام والسكينة والطمأنينة والمحبة والرحمة الإلهية. حين ينطق بها القلب، يتدفق من الكلمة دفء، وتنبعث من العبارة حياة، ويشع من النص نور يهدي الإنسان إلى الله، لا بالخوف بل بالشوق، لا بالرهبة بل بالمحبة، لا بالإكراه بل بالوجد.

اللغة التي تتحدث عن الغيب لا تعلّم فقط، بل تُلهم؛ لا تُقنع فقط، بل تُضيء، لا تشرح فقط، بل توقظ شيئًا خفيًا في باطن الإنسان.كل فهم للغيب تأويل، وكل تأويل للغيب هو سفر إلى ما لا يراه الإنسان ولا يدركه بحواسه الظاهرة، لا يُرشد إليه إلا القلب المستعد، والروح والبصيرة المتأهبة لاستقبال النداء الذي لا يسمع بالأذن، بل يدرك في لحظة انكشاف عميق. في هذه اللحظة، تنكشف الكلمة لا بوصفها علامة صوتية، بل ككائن ينبض بالمعنى، وتتحول العبارة إلى قناة للفيض، وتكون الآية مرآة لما وراء الظاهر. هنا لا يعود النص مجرد بنية لغوية، بل يُصبح نداءً روحيًا يشرق بنداء الغيب، ويعود إليه، ويتوسل بالقلب ليفهم، وبالذوق ليُذاق، وبالبصيرة ليُرى. في هذا الأفق، يتبدى الغيب لا كغربة، بل كحنين دائم إلى الحقّ، وسفر لا ينتهي في طلب المعنى، وانتظار مستمر لإشراق الكلمة في ليل الحيرة.

بهذه المناسبة أود الإشارة إلى أنه تأتيني بين حين وآخر أسئلة من قراء مختلفين، يتساءلون عن: التفسير الذي يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في فهم القرآن الكريم، ويثق برؤيته ثقة مطلقة؟ وغالبًا ما أكرّر الجواب ذاته، مؤكدًا أن الكتاب الكريم لا يختص به المفسرون دون غيرهم، ولا يمنح أحدًا امتياز احتكار معناه، لأنه نزل لكل الناس، في كل زمان، ولكل من يتلقاه بقلبه وروحه وعقله، من دون تمييز أو وصاية لفرد أو جماعة. لهذا وجه القرآن خطابه لعامة الناس من دون تخصيصه بفئة معينة، فورد بصيغة “يا أيها الناس” عشرين مرة، و”هدى للناس” ثلاث مرات، و”ذكرى للناس” ثلاث مرات أيضًا، و”بيان للناس” مرتين، و”بلاغ للناس” مرتين كذلك.

لما كانت لغة الغيب في القرآن رمزية، انفتح المعنى فيها على تعدد التأويل، وصار كل إنسان يستوحي من رموزها ما يلهمه روحيًا، وما يضيء بصيرته، ويغذي شعوره بصلته بالله. وحين يشكّل القرآن منبعًا أساسيًا للحياة الروحية، وتتفتح هذه الحياة في آفاق ما تلهمه للتجربة الروحية من معانٍ، وما تستلهمه من اللغة الحاكية عن الغيب، تتضح كيفية هذه التجربة بوصفها تجربة شخصية لا ينوب فيها أحد عن أحد، ولا يقدر إنسان أن يهبها لغيره، ولا أن يؤديها نيابة عنه. لذلك يغدو من الطبيعي أن يبني الإنسان صلته بالقرآن بنفسه، ويتلقى نداء الله كما ينكشف له، وينصت لصوته بوصفه نورًا ينبثق في داخله، لا كما يُملى عليه من خارج ذاته، ولا كما يتلقاه من وصيّ على الفهم.

التجربة الروحية تنبع في داخل الإنسان، وتتخلق بحسب تذوق قلبه، وبصيرة روحه، واستعداد وعيه، وما يتسع له وعاء وجوده. لا تنشأ هذه التجربة خارج الذات، ولا تهبها قراءة التفسير جاهزة، ولا يكتمل معناها بتكرار قراءة تفاسير آيات الغيب. يبني الإنسان صلته بالله بنفسه، في سياق آيات الغيب في كتابه بوصفها خطابًا شخصيًا موجهًا إليه، ويصغي لصوت الله كما يتردد صداه في أعماقه، ويتعرف عليه بقلبه، ويتذوق بهجة حضوره في روحه.

القرآن ليس كتابًا خاصًا بالمفسرين، ولا يحتكر معناه أحد، لأنه نزل لكل إنسان، ولكل من ينصت لصوت الله فيه. إذا استعصى عليك فهم بعض مفرداته، يمكنك الرجوع إلى معاجم اللغة لاستيضاح معناها، من دون أن تبتعد عن نداء الله في القرآن، أو تستسلم لفهم المفسّر، كما لو كان هو المتلقى الوحيد لكلمات الله. الرجوع إلى التفسير في كل آية، واستعارة معنى جاهز من خارج التجربة الروحية، يضعف صلتك المباشرة بالقرآن، ويحوّل اللقاء بالله إلى وعي مستعار لا ينبع من ذاتك. التفاسير اجتهادات بشرية متنوعة ومتباينة، تتعدد بتعدد ثقافات المفسرين، ومذاهبهم، وعصورهم، وآفاقهم المعرفية، وكيفيات انتظاراتهم من معاني الآيات.

لا يعني هذا الكلام دعوة إلى إهمال ما أنجزه المفسرون من جهود كبيرة، أو تجاهل الإفادة منها، إنما أنشد هنا التنبيه إلى أن الحياة الروحية لا تنبع من وصاية أحد، ولا يهبها أحد لغيره، ولا يكتمل معناها إلا إذا أنشأ الإنسان صلته المباشرة بالله، وتلقّى كتابه كما لو كان نازلًا عليه.

https://alsabaah.iq/118252-.html

 

رؤيا الغيب في لغة الدين

                                                                              د. عبد الجبار الرفاعي

لغة الدين المختصة بالغيب تعجز عن التعبير عن حقيقة الغيب بنحو تعكسه كما هو، وهذا العجز حكاية لعجز الإنسان عن تصور الحقيقة غير المحسوسة كما هي. يتصور الإنسان الغيب على شاكلته، لا على شاكلة الغيب، لأن إدراكه لا يتسع لحقيقة ما لا يُدرك بالحواس، كما يتصور الإنسان الغيب بكيفيته، لا بالكيفية التي عليها الغيب. إشراق الغيب رؤيا لا تبوح بما تكتنزه، وليس رؤية محسوسة تدل الإنسان على أبعاد صورتها، رؤيا لما لا يراه الإنسان ولا يسعه أن يحيط بحدوده.كل ما يقال عن الغيب يظل رمزيًا وتلميحيًا، لا يطابق ذات الغيب وما هو عليه. ما يكتب عن الغيب هو تقريب له بلغة الإنسان، لا لغة الغيب. لذلك تتكئ النصوص الدينية التي تتحدث عن الغيب على الرمز والمجاز، وتجنح إلى التعبير التمثيلي، فتستخدم لغة تشي بما وراءها، وتدعونا إلى التأمل في إشاراتها، لا التوقف عند دلالتها الحرفية. أية محاولة لتجسيد الغيب حسيًا، أو تحويله إلى صورة مرسومة بوضوح في العقل الكلامي، تعجز عن رسم صورة الغيب، ولا تكتنه معناه خارج الإشارة، وتفرغه من أثره في إثراء الروح، وايقاظ الضمير الأخلاقي. الغيب رؤيا لا تُمتلك، وليس بوسع الإنسان اكتشاف حدودها في ضوء المنطق الصوري، ولا تتسع لها مقولات علم الكلام. الغيب لمن يؤمن به، يبرق في البصيرة كضوء ساطع، يتذوق القلب ومضاته، ويعيش حالاته، وكل ما هو من جنس الحالات لا يمكن أن تتسع له الكلمات والمقولات الجاهزة. ما لم يتحرر العقل الديني من إسار الرؤية الكلامية والفقهية التي أحكمت قبضتها على فهم الغيب، يظل الغيب مجرد كلمات منطفئة، لا تفتح له أفقا على عوالم النور، ولا تسقي القلب ببهجة معانقة النور، وتعمل على خفض وتيرة قلقه الوجودي، وتعيد إليه سلامه، وللروح سكينتها.

إثر عجز الإنسان عن تصور الذات الإلهية كما هي، كانت لغة الدين المختصة بالغيب رمزية. الرموز لا تبوح بالمعنى، بل تؤشر إلى شيء مما يتذوقه الإنسان لحظة تجلي الغيب له، وغياب الإنسان في عالم الرؤيا عن أقواله، وكأن ما يحدث رؤية لمعان البرق في ليلة حالكة الظلام. لغة الإشارات لغة رمزية، يتذوقها من يتسامى من الحروف إلى الحالات، إنها لغة مشبعة بمعنى يبهج الإنسان الشغوف بالأنوار. اللغة الرمزية لا تصور الغيب كما هو، لكنها تلمح إليه، وتهمس به، وتشي بشهوده، إنها لغة لا تشرح بل توقظ، لا تفسّر بل تقودك للبصيرة. أي تعبير ديني عن الغيب مسعى لتصوير ما لا يمكن تصويره، واستيعاب ما لا يتسع وعاء الإنسان له، وترميز ما لا تدركه الحواس، ولا تبلغه اللغة العادية. لغة الغيب لا تستجيب لمقاييس البرهنة، ولا تخضع لموازين المحاججات العقلية، بل ترتوي من معين التذوق، وتستنير بما ينكشف للقلب في لحظة الصفاء من تجليات، وتنهل من إشراقة الروح حين تتخطى الحواس. تظل اللغة الدينية في تعبيرها عن الغيب محتجبة، لا تنفتح إلا لمن اتسعت آفاق رؤيا بصيرته، وتطهر من غشاوة الحرف، وتجاوز ظاهر الكلمات. حين تتجمد الرموز، وتختزل دلالاتها في معنى ظاهر، تفقد اللغة قدرتها على الإيحاء، ويتحول الغيب إلى مقولة كلامية بلا إيحاء، تعبر عنه لغة مقولات جاهزة، ويتحول التديّن إلى ممارسة شكلية لا أثر لها في تطهير النفس، ولا تهذيب الروح، ولا رعشة القلب، ولا بناء علاقة حب صافية بين الله والإنسان.

مصطلح “لغة الدين” غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من الزاوية ذاتها، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، عبر مقاربة ماهية هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعبّر عن معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، الرمزية تبرز حين تلامس هذه الكتب الحقائق الغيبية، فتصبح اللغة الدينية فيها مشحونة بالإشارة لا التصريح والإيضاح، وتلجأ إلى المجاز لا البيان الحرفي، إذ لا سبيل إلى التعبير عن الغيب إلا بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات. أما حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس طبيعية، وجبال، وبحار، وأنهار، وجغرافيا مناخية، أو تتحدث عن النباتات والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن الطبيعة البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد للكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظل ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

التمييز بين لغة الغيب بوصفها موضوعًا للغة الرمزية، وبين اللغة العرفية بوصفها موضوعًا للطبيعة وما فيها من كائنات وغيرها، وأحوال الإنسان وحياته الأرضية، في النصوص الدينية، ضرورة يفرضها فهم لغة الدين فهمًا ينأى عن التبسيط والتعميم، ويساعد على إدراك ما تنشده هذه اللغة من معانٍ تسعى إلى توصيلها، حسب اختلاف موضوعها. لا يصح تفسير اللغة الدينية التي تتحدث عن الغيب، كما تفسر ما يتحدث عن الأخلاق، أو المعاملات، أو أحوال الإنسان في الأرض، أو الطبيعة وغيرها. الغيب لا يُدرك بالحس، ولا تحيط به التجربة، ولا تشرحه اللغة العادية، بل يومئ إليه النص بإشارات لا يصح اختزالها بحرفية الألفاظ.

لغة الدين المختصة بالغيب بوصفها حكاية عن عوالمه، تخاطب روح الإنسان وقلبه وعواطفه ومشاعره، وتوقظ حواسه الباطنية، لذلك ينبغي البحث عن حضور آثارها في الشعور قبل غيره. لا تتحدث هذه اللغة عن الأشياء الملموسة إلا عندما تحاول رسم صورة لما هو مجردا، فتعمل على محاكاتها بالمحسوسات لتقريب المعنى المجرد بما هو ملموس،كما في آية النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” [النور: 35]. التمثيل في هذه الآية لا يراد به رسم صورة بأشياء مادية لله، بل يراد به تقريب المعنى المجرد بصورة تتقبلها المخيلة، وتتهيأ له الذائقة الباطنية، وتستعد له البصيرة، ويتذوق نوره القلب. المجاز وسيلة لتهذيب الحس، وفتح الأفق على دلالات لا تختزلها العبارة، ولا تقدر اللغة العادية على القبض عليها. حين تتكلم الكتب السماوية عن الغيب، فإنها لا تتحدث عنه كما تتحدث عن الظواهر الطبيعية، وأحوال الإنسان وحياته الأرضية، بل تشير إلى الغيب بلغة الرمز، وتقربه بلغة المشابهة، وتدعونا لاكتشافه لا بوصفه معلومة، بل بوصفه شهودًا يشعر به الإنسان، ويتجلى لمن صفا قلبه، وأشرقت روحه لترى فيه نورًا لا يراه غيرها.

في ضوء ما تقدم لا يصح أن يُفهم الغيب فهمًا حرفيًا، ولا ينبغي تفسير دلالاته بأدوات تفسير تغلقه على معنى واحد، أو مقولات علم الكلام، وكأنه شيئًا محسوسًا، بل يحتاج تلقي الغيب إلى لغة شعورية، ورؤيا باطنية، وشوق لا ينطفئ لمعنى لا يحدّه شكل، ولا تحيط به صورة. أية محاولة لإغلاق دلالة الغيب على معنى واحد، تنفي عنه عمقه الدلالي وتعدد وتنوع تجلياته، وتحوّله إلى مجرد مفهوم لا يبوح بمعنى يعيشه شعور الإنسان، ويضئ بصيرته. الغيب في لغة الدين أفق رحب، لا يتجلى إلا بحدود ما تتسع له البصيره، ولا يُمتلك، أو تتكشف أبعاد صورته، بل يُشار إليه، ويتذقه القلب حالة الصفاء، وترتوي منه الروح كلما اشتاقت إلى النور، واشتد اشتياقها إلى تجليات الجمال الإلهي.

 

https://alsabaah.iq/116161-.html

مفتاحُ تفسيرِ الكتاب الكتابُ نفسُه

د. عبد الجبار الرفاعي

مفتاحُ تفسير كلِّ كتاب هو الكتابُ نفسُه، لأن نصوصَه مُضاءٌ بعضها بالبعض الآخر، سواء كان كتابًا مقدّسًا أو غيره. آياتُ القرآن الكريم تفسِّر إحداها الأخرى، وذلك ما دعا أكثر من مفسِّرٍ لتبنى تفسير القرآن بالقرآن. ويعدّ هذا المنهج من أدق مناهج التفسير الموروثة، غير أن مَن اعتمده لم يكن استثناء، فكان اختيارُه لتفسير آيةٍ بآية وكلمةٍ قرآنية بآية وآيةٍ بكلمة يخضع لرؤيته للعالَم وتكوينِه المعرفي ومعتقده ولغته الأم.

القرآنُ الكريم ليس ديوانًا للشعر، أو كتابًا في الفلسفة، أو التاريخ، أو الجغرافيا، أو العلم، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو غير ذلك من أجناس الكتابة. القرآنُ كتابٌ متفرّدٌ ليس كمثله كتابٌ، لا يشبه غيرَه ولا يشبهه غيرُه، حقيقتُه أنه قرآنٌ وكفى. القرآنُ مفتاحُ بوابة الارتواء من منابع النور، وضوءٌ لبصيرة مَنْ ينشد بناءَ صلة وجودية بالله.كان وما يزال وسيظل هذا الكتابُ الكريمُ يوقظ صوتَ الله داخل الانسان. القرآن منجم عظيم، لا يفصح هذا المنجم عن كنوزه إلا بمفاتيح يمتلكها ذوي البصيرة النورانية. القرآنُ الكريم مرآةٌ يتجلى فيها الله، وذلك ما يقرأه كلُّ متدبّر لآياته “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”[1]، ويراه كلُّ مَنْ توقظ قلبَه الأنوارُ الإلهية، وتتذوق روحُه الإشراقاتِ الرحمانيةَ. ذلك ما يشير إليه قولُ الإمام جعفر الصادق “ع”: “لقد تجلى الله لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون”[2].

القرآنُ الكريم يركزُ على الغيب بشكل مدهش، وذلك يعني كثافة حضور ما هو ميتافيزيقي في دلالاته، عالَمُ الغيب لا نفقه منه شيئًا إلا بحدود ما تشير إليها لغةُ الغيب الرمزية. لا طريقَ للتعرّف على ما ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه. كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها[3].

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ “الله” 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة “رب” 124 مرّة. الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ “الله” وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى ضرورة وصل نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم، وخلص الإنسان من الشرِّ الأخلاقي. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. فهذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الكائن البشري، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال الهشاشة والتشظّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية. ‏

ابتكر القرآنُ نظامَه الدلاليَّ الخاص، فأسّس شبكةَ علاقات دلالية محورهُا الله والرؤيةُ التوحيدية للوجود، وكلُّ المفاهيم الأخرى مشبَعةٌ بدلالتها، لأنها تصدر عنها وتنتمي إليها. لا تحتفظ الكلماتُ العربية المستعملة في معجمِ القرآن بالضرورةِ بدلالاتها السابقة في اللغة، بعد أن وظّفها القرآنُ في حقله الدلالي، ودخلت في شبكة العلاقات الجديدة التي محورها اللهُ والرؤيةُ التوحيدية للوجود. يشرح توشي هيكو إيزوتسو (1914-1993) ذلك بقوله: “إن المفاهيم لا توجد منعزلة وحدها، بل تكون دائمًا منظمة إلى أقصى حد داخل نظام أو أنظمة… هذا يعني أن كلمة (كتاب) البسيطة بمعناها البسيط، حالما أُدخلت في نظام خاص، ومنحت موقعًا محددًا ومعينًا فيه، اكتسبت العديد من العناصر الدلالية الجديدة الناشئة عن هذا الوضع الخاص، وعن العلاقات المتنوعة التي شكلتها لتحملها إلى المفاهيم الرئيسية لذلك النظام. وكما يحدث غالبًا، فإن العناصر الجديدة تميل إلى التأثير بعمق في بنية المعنى الأصلي للكلمة، بل إلى تغييرها جوهريًا”[4].  ويكتب إيزوتسو في موضع آخر: “إن هناك نوعًا من التماسك المفهومي في الرؤية القرآنية للعالَم، وإحساسًا بنظام حقيقي يقوم على مفهوم الله ويتركز حوله، وهو ما لم يكن موجودًا في النظام الجاهلي. من أجل هذا كل الحقول الدلالية وتبعًا لذلك كل المصطلحات المفتاحية في هذا النظام الجديد تقع تحت سلطة هذه الكلمة – المركز العليا. وفي الحقيقة لا يمكن لشيء أن يفلت منها، ليس فقط تلك المفاهيم التي ترتبط مباشرة بالدين والإيمان بل كل الأفكار الأخلاقية، حتى المفاهيم التي تمثل الأوجه الدنيوية، مثل الزواج والطلاق والإرث والمسائل التجارية، كالعقود والديون والربا والمكاييل والمقاييس… إلخ، كلها قد تم إدخالها في علاقة مباشرة مع مفهوم (الله)”[5].

في ضوء ذلك، على مَنْ يريد أن يفسِّرُ القرآنَ أن يكتشف حقلَه الدلالي وشبكةَ علاقات الكلمات في سياق آياته، بوصفها اصطبغت برؤيتِه التوحيدية للوجود. وذلك ما لم يتنبه إليه بعضُ المفسّرين الذين ضاعوا في متاهات المعاني اللغوية للكلمات، أو الدلالات البديلة الغريبة على نظامه الدلالي، التي أسقطتها على الحقل الدلالي للقرآن بيئاتٌ ثقافية وقيمُ ومفاهيم مجتمعات متنوّعة دخلت الدينَ الجديد، بعد امتداد عالَم الإسلام من الأندلس إلى الصين، وتشبّع شيءٌ من كلماته بدلالات الفلسفة اليونانية وغيرها في عصر الترجمة، وبمرور الزمان خضع تفسيرُ آياته لحقل دلالي مشبع برؤية كلامية فقهية. في العصور التالية لعصر البعثة الشريفة تسيّدت الحياةَ الدينية، بكلِّ تجلياتها، لغةٌ مشتقةٌ من رؤية علم الكلام والفقه. تحضرُ الذهنَ غالبًا في عملية التفكير بالدين الكلماتُ المشبعة بدلالات لغة الكلام والفقه، وهكذا تحضرُ هذه الكلماتُ بكثافةٍ في التعليم الديني. في أحاديث خطباء الجمعة والمحاضرات على منابر المساجد ووسائل التواصل لا يخرج المتكلمُ عن الحقل الدلالي الكلامي والفقهي إلا في حالات محدودة، ولا يتبادرُ إلى ذهن المتلقي إلا المعنى الراسخُ في هذا الحقل الدلالي. في الحياة اليومية للمسلم، حينَ يتحدثُ عن أيِّ شأن يتصلُ بالدين، يتكررُ في أحاديثه ما تحيلُ إليه هذه الكلماتُ من مفاهيم كلامية وفقهية، وعندما يتناول أيُّ كاتبٍ موضوعاتٍ تتصلُ بالدين يستقي من هذا الحقل الدلالي. أكثرُ مفسِّري القرآن الكريم المتأخرين لا يرون معنًى لآياته خارج فضاء لغة الكلام والفقه، وقلّما تُستعمَل كلمةٌ أو مصطلحٌ في الحياة الدينية خارج أُفق رؤية المتكلمين والفقهاء للعالَم.

اللغةُ ليست محايدةً أو قوالبَ فارغة، ولا يصحُّ توصيفُها بوعاءٍ يمكن أن يُملأ بأيّ معنى. اللغةُ ترسمُ خارطةً للذهن، وتحدّدُ مساحةَ التفكير ومدياته وكيفيته. اللغةُ بوصلةُ توجيه الفهم والمولِّدة لوجهة عملية التفكير. اللغةُ ترسم الرؤية للعالَم، يقول فيلهم فون همبولد (1767-1835): “من خلال الارتباط المتبادل بين الفكر والكلمة يصبح بديهياً أن اللغات ليست وسائل لتمثيل حقيقة معروفة من قبل، بل هي أكثر من ذلك، إنها وسائل للكشف عن الحقيقة غير المعروفة بعد، وإن تنوع اللغات، إذاً، ليس تنوعاً في الأصوات والعلامات فحسب، بل تنوع في رؤى العالم”[6]. مادام مضمونُ لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علمَ الكلام والفقه، فحدودُ تعريف الدين ومفهومه وأدوات قراءة القرآن والسنة قلّما تتجاوز رؤيةَ المتكلم والفقيه.

 محمد، 24.[1]

 [2]  المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار، ج 89، ص 107، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

 الرفاعي، عبدالجبار، مناقشة الرؤى الرسولية لعبدالكريم سروش، جريدة الصباح، بغداد، الصادرة في 22-9-2022.[3]

 إيزوتسو، توشي هيكو، الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالَم، ترجمة، هلال محمد الجهاد، ص 66، ط1 ، 2007، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.[4]

 المصدر السابق، ص 78.[5]

 الزواوي بغوره، اللغة ورؤية العالم، في: كيف تعمل اللغة وتؤثر علينا، اعداد: عبد العزيز العوضي، ص 20، 2019، صوفيا حروف، الكويت. [6]

 

رابط النشر