الدرس الفلسفي في المدارس الدينية: الواقع وآفاق الانتظار[1]

عبداللطيف حاج قويدر[2]

يحرصُ عبد الجبار الرفاعي في كلِّ فرصة سانحةٍ على بيان أهمية الفلسفة وضرورتها، وتبايُن مجالها عن مجالَيْ العلم والدين، وانفرادِها بخصائص تفكيرها من خلال تجرُّدها وموضوعيتها، وتوليدها الأسئلة التي بها تتنوَّع وتغتني وتتطوَّرُ الرؤى والآراء، وغايتُها الحقيقةُ من حيث هي الحقيقةُ فقط. وهي ابنة عصرها وبيئتها وظروفها، لذا فاهتماماتها وإشكالياتُها وبناء أفُقِها من صميمِهمْ، وتتماهى المعرفة الإنسانية بها في حالتيْ بسطِها وقبضها، وكلُّ محاولةٍ لتدجينها آيلةٌ بصفة حتميةٍ إلى الفشل،

وفرَّق الرفاعي بينها وبين علم الكلام الذي يُصدِر به البعضُ كتاباته مسوِّقاً إياها تحاليلَ فلسفيةً، ثمَّ انتقل إلى بيان حالِ الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية، فذكرَ أنَّه لم يكن في ماضي العصور على وفاقٍ مع الدرس الفقهي، فقد كان للأخير حضورٌ متسيِّدٌ جعل الكلَّ يتودد إليه، والكلُّ يريدُ الحصول على أكبر نصيب منه، كان أسداً بين الدروس يصول بكل أريحية، فإذا ما أطلَّ الدرسُ الفلسفي لوَّحَ به بعيداً مُخرجاً إياه من دائرةِ الاهتمام، فيلجأ الدرسُ الفلسفي إلى التقيَّة والتخفِّي منتظراً أن تتهيَّأ له ظروفٌ أفضل وشروط أحسن، كان الدرس الفلسفي بين ظهورٍ محتشمٍ وتخفٍّ مُتَحَيِّنٍ، لكنَّ العجيبَ أنَّه مع كلِّ هذا التضييق والازدراء أدَّى ـ في فترات استرخاء الدرس الأصولي ـ دورَه في تحصين العقول وبناء التفكير المنطقي، وإرساء آلة السؤال، نجح في تكوين أصوليين فلاسفة آحادٍ من كلِّ جيلٍ، شهد لهم أقرانُهم بعمق ما يطرحون، وجودة ما يقدمون، وحلَّ العصر الحديث، وحلَّتْ معه آلياتُه الجديدة وتحدياتُه غير المسبوقة، وأسئلتُه المربكة، وأصابتْ ألسِنةُ لهبِه اللافحةُ أروقة الدرس الحوزوي، الذي بدا عليه الإحراجُ، فلم يكن له بدٌّ من الاستعانة بالآلية الفلسفية. أدركت المدرسة الدينية أنَّ الدرس الفلسفي هو وحده المخوَّلُ له مثل هذه المواجهات، فلم تلبث أن اعترفتْ له بقيمته، وبوَّأتْهُ مكانته.

وفي فترة التحول هذه كان الرفاعي يدرجُ أولى خطواته في نهْل دروس الحوزة، فاغترف منها ما شاء له الاغترافُ، ونال من علوم الأصول وسائر العلوم ما جعله فارساً فيها، ونال مثلها من الدرس الفلسفي، ونالَ منه الأوَّلُ حظَّ التَّأليفِ فيه، واستغرَقهُ الثاني تدريساً ومناقشةً حواليْ أربعين عاماً، وترجم له كتباً إلى العربية ككتاب “شرح المنظومة المبسوط” في أربعة أجزاء، و”محاضرات في الفلسفة الإسلامية” ص47.

وبحكم المعرفة ومراكمة الخبرة والتجربة، عرف مكامن القوة والضعف في كلٍّ من الدرسيْن: درس الأصول ودرس الفلسفة، ووفاءً منه لحوزته، واعترافاً بمقامها، وحرصاً على جودة معارفها، وردّاً لبعض أفضالها استقلَّ بالدَّرس الفلسفي، يدرسُه من جميع زواياه، مخضعاً إياه لعملية الجَرْح والتعديل على طاولة النقد بمنهجية الباحث الموضوعي المتجرد، بدأ بالدرس القديم، فأشار إلى أنَّ منهجه المُعدَّ للتدريس مرهِقٌ معقَّدٌ يستنزف جهداً عقلياً مضنياً ووقتاً يُعدُّ بالسنوات، بسبب اعتماده المتونَ الشعرية، التي يُطلق عليها اسمُ “المنظومات”، وهي ملغزة الاصطلاحات متشعبة المقولات ص31، أو كتبٍ نثرية كَالأسفار الأربعة لصاحب “مدرسة الحكمة المتعالية” ص35.

أمَّا بالنسبة للدرس الفلسفي الجديد، فأشار الرفاعي إلى أنه وإنْ تخلص من المنظومات لكنه لم يتمكن من الاستغناء عن “الأسفار الأربعة” وهي مع علُوِّ شأوِها وعمق معارفها، ما زالتْ تستنزفُ العمر لاستيعابها، وهو ما لا يسمحُ به العصر الحديثُ، كما تنتمي بعض مقولاتها وأسلوب صياغتها لزمانٍ آخر غير هذا الزمن، ولفَت النظرَ إلى تغييبٍ غيرِ مبرَّرٍ لأعمال فلاسفةٍ مسلمين من أمثال الكندي والفارابي وابن باجة وابن رشد ص49.

وهالَه افتقارُ أساتذة الدرس الفلسفي للغات الأجنبية، وبالتالي جهلهم لفلسفاتها ومفاهيمها، ومقولاتها ومناهجها، ومقارباتها وطرق تحاليلها واختلاف زوايا نظرها. جهلُهُم هذا جعلهم ينكفئون على اجترار مقولاتٍ تاريخية قديمةٍ ضئيلة الفائدة، أوْ على ترجماتٍ هاويةٍ متفاوتةٍ، قدْ لا تفي بالغرض، أو قد يختلطُ سمينُها بغثِّها، كما أَشارَ إلى غيابِ الحاسَّة النقدية ـ آلةِ الفلسفة ـ التي تُصاحبُ الدَّرسَ مصاحبة الظلِّ، مع إضفاءِ حالة تعظيمٍ مبالَغ فيها للفلسفة الصدرائية ص69. شدَّد على ضرورة تحلِّي دارس الفلسفة بحاسَّة النقد التي هي صنوُ الفهم والتجديد والإبداع، ولكيْ لا تكون ملاحظتُه حبيسة إطارٍ نظري، تقدَّم بمثال عن رؤيته النقدية إزاء كتاب الأسفار الأربعة، فأبدى تأييده لبعض مقولاته، وتحَفَّظَ عن مقولات أخرى، وبيَّنَ السَّقطاتِ التي وقع فيها كاتبُها ص128، وقام بنقدِ رؤى وأفكار هنري كوربان التي طرحها في حلقة الطباطبائي الفلسفية في طهران ص130، مع أن الطباطبائي نفسه كان معجباً بها، وتناول أيضاً بالدَّرسِ والنَّقد كتاباً ذائع الصيت، وهو “فلسفتنا” لمحمد باقر الصدر معلِّلاً ومستدلاًّ ص 58. ص129.

ثم عرج على مدرسة النجف العريقة، صنيعةِ الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري، والمتجدِّدة على يد السيد حيدر الآملي في القرن الثامن الهجري. هذه المدرسة العصيَّةُ على الدرس الفلسفي، لم تكنْ تحملُ له أيَّ ودٍّ، لذا اضطرَّ العالمُ العارف حسين قلي الهمداني صاحب المدرسة السلوكية إلى مزجه بالدرس العرفاني ص167، لكنَّهُ لمَّا كان التشدُّدُ أجذرَ وأقوى اضطرَّ المشتغلون به إلى الهجرة.

وأفرد له الرفاعي فصلاً مبيِّناً ريادة العلامة الطباطبائي للفلسفة الشرقية منتصف القرن العشرين، ترعرعت ملَكَتُهُ العلمية في النجف وأكملها في قم. أحبَّ الفلسفة ونبغ فيها، وأينعتْ ثمارُها فيه، وعمل على جنْيِ قطوفها في مدرسة قم، ونجح في الذَّبِّ عن حياضها ورفْع الحواجز ومجاوزة المصدَّات، وأحدث في تدريسها ثورةً في مناهجها التعليمية وبيداغوجية إيصالها.

اعتبر محور “المعرفة” أولى وأسبقُ في الاهتمام من محور “الوجود”، وألَّف للطلبة منهجاً دراسياً جديداً، يتمثل في كتاب “بداية الحكمة” بديلاً عن منظومة السبزواري المعقدة، وكتاب “نهاية الحكمة” بديلاً عن أسفار ملا صدرا الشيرازي الأربعة. وأسَّس في قم “حلقة قم الفلسفية” رشَّح لها خِيَرَةَ طلبته، يعقدون أسبوعياً تحت إشرافه لقاءيْن مستغرَقَيْن مناقشةً وحواراً في إشكاليات يختارُها الطباطبائي، أسفرتْ عن إنجاز سَفْرِ “أصول الفلسفة والمذهب الواقعي” في خمسة أجزاء ص126. 127، وتخرَّج على يديْه جيلٌ فلسفي رائدٌ بنى الصَّرحَ الفلسفي المعاصر في حوزات وجامعات إيران.

ويقوم نهجه الفلسفي على: اعتماد البرهان، وفصل الإدراكات الحقيقة عن الاعتبارية، ومنهجة المسائل الفلسفية وإيضاحها وإيجازها، وتجاوز المنهج الطبيعي الكلاسيكي الفلسفي، واستلهام الحكمة الإلهية من الكتاب والسنة، واعتماد المنهج المقارن، ومن آرائه الفلسفية التي أبدعها وارتبطتْ به: تقرير برهان الصديقين، وإيجاد الفرق بين الإدراك الحقيقي والاعتباري، واستخلص ثمرات نظرية الحركة الجوهرية التي لم يستطعْ مكتشفُها جني ثمراتها، فقال بالبعد الرابع، والحدوث الزماني لعالم المادة والطبيعة ص131، وأشار الرفاعي إلى تميُّزه “عن معظم رجال الدين بنزعته الإنسانية المعنوية الأخلاقية” وتمتُّعه “بحرية عقلية رحبة في التفكير” ص144.

فإذا كان الدرسُ الفلسفي المضَيَّقُ عليه والمطاردُ قد استطاع إنجاز مدرسة متكاملة الأركان، مدرسة “الحكمة المتعالية”، ومذهبٍ فلسفي تجاوز به محمد باقر الصدر في كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء” المذهبيْن العقلي والتجريبي ص36، واستطاع صناعة فلاسفةٍ بقياسات عالمية، فما الذي سينجزه هذا الدرسُ في هذه المدرسة إذا أتيح له الحرية والانعتاق وحسن التقدير والاحترام؟ أعتقدُ أنَّ هذه هي رسالةُ الرفاعي التي نستشفها من بين ثنايا هذا الكتاب.

[1]مراجعة  كتاب الدرس الفلسفي في المدارس الدينية. الواقع وآفاق الانتظار. تأليف:  د. عبد الجبار الرفاعي. منشورات تكوين الكويت. ط1 يوليو 2024.

[2] كاتب جزائري.

https://altanweeri.net/15904/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%a7%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7/

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

د. عبد الجبار الرفاعي

رحيلُ صفوةِ الأخوةِ يهدم ركنًا أساسيًا بداخلي، أشعر كأن أحدَ أعضاءِ جسدي يرحلُ معه إلى القبر. لحظةَ أقرأ نبأَ وفاةِ إنسانٍ يحتضنه القلبْ أبكي، ويسعفني القلمُ لأرسمَ صورةَ الحزنِ الذي يباغتني بفقدانِه. نادرًا ما أعيشُ صدمةً تحبسُ البكاءَ، وتُخرسني عن الكلامِ والكتابة كما حدث برحيلِ أخي العلامة السيد محمد حسين الأمين، فقد غرقت في حالة ذهولٍ أنستني الكلمات وعطلت قلمي عن الكتابة، لم أكابدْ مثلَ هذه الحالةِ من قبل. كنت أفتش عن دمعةٍ تطفئ جمرةَ القلب، فلا تسعفني عيناي، البكاءُ المؤجلُ أقسى أنواع البكاء مرارةً. لم أكن أدرك حجمَ حضورِ هذا الإنسان بداخلي، ولم أتحسس قبلَ ذلك ما يفرضه رحيلُه المفاجئ المفجع من صدمة عنيفة تكفُّ فيها الكلماتُ عن الإصغاء لوجع القلب، وتصمت الحروفُ عن النطق. أعرف غزارةَ ما تجودُ به عيناي من دموعٍ لحظاتَ الحزن وحتى الفرح، لكن لم أكن أعرف كيف تحتجبُ الدموع.

لن أنسى في حوزة النجف السيدَ الشهيدَ محمد باقر الصدر ولن ينطفئ ألقُ حضورِه العاطفي في ضميري، ملأ فكرُه الدنيا وشغل الناسَ في عصره، ووجّه التعلقُ بفكره وشخصيته بوصلةَ مستقبلي في الحوزة منذ سنة 1978، ولن أنسى في لبنان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. قلما عاشرتُ رجلَ دينٍ فرض حضورَه في قلبي بلا حدود، واحتلَّ هذه المكانةَ في مشاعري بلا حدود كالسيد محمد حسن الأمين، الذي يجهلُ مواهبَه وتكوينَه الفكري والثقافي والأدبي كثيرون ممن لا يعرفون إلا اسمَه وشخصَه.كان الأمين أخلاقيا نبيلًا، مفكرًا موسوعي الثقافة، أديبًا وناقدًا ذكيًا، وشاعرًا مطبوعًا، يمتلك ذائقةً فنية ورؤيةً جمالية للعالَم، لم أشهد صفاتَه تلتقي لدى أكثر مَن تعرفت عليهم.كان الأمينُ أمينًا على الأخوة بلطفٍ وذوق متفرّد يختصّ به،كان أعذبَ معمّم صادقتُه في حياتي.كنت أتذوقُ الجمالَ في طريقة تفكيره وعقله الخلّاق، ولطفه، ومشاعره الدافئة، ولغته الآسرة، وأدبه وشعره الرقيق. هذا رجلٌ كبير، خسرتُ برحيله صديقًا صدوقًا لا يمكن أن يعوضني شيءٌ بفقدانه. سيدرك مَن يقرأ فكرَه بتأمل، وتتكشف له سيرتُه لاحقًا: أنه كنبيٍ ضيّعه قومُه. قلّما عاشرتُ إنسانًا كان مرآةً أرى فيها كثيرًا مما أتمناه وأحلم به وأطمح إليه في حياتي كهذا الرجل المهذب. صلتي العميقة بالسيد الأمين كشفتْ لي مثالًا فريدًا تجلّت في تفكيره ومواقفه نسخةٌ نادرةٌ من الإنسان. لم يكن الأمين نصفَ عالمٍ، ولا نصفَ أخلاقيٍ، ولا نصفَ مفكرٍ، ولا نصفَ شاعرٍ، ولا نصفَ ناقد. لم يكن مراوغًا، لم يكن زئبقيًا، لم يكن هشًا في كلماته وكتاباته ومواقفه.كان مفكرًا عقلانيًا حرًا جسورًا صلبًا، يمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا.

مازالت بصمةُ بعض اللبنانيين العامليين[1]من جيل الأمين مضيئةً، لم تنطفئ آثارُها تمامًا في الحياة العلمية والأدبية والثقافية في النجف، مازالت تضيء حيثما رحلوا وأقاموا في الأرض. ما كان عددُهم كبيرًا مقارنة بغيرهم من طلاب الجنسيات الأخرى، غير أن دورَهم كان أثرى وأوسع من عددِهم. فاعليةُ حضورهم على الدوام كانت لافتةً في حلقاتِ الدرسِ الحوزوي وكليةِ الفقهِ والرابطةِ الأدبيةِ والمنتدياتِ والأنشطةِ الثقافيةِ النجفية. صدرت مجلةُ “الأضواء” استجابةً لتحديات الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي الجديد وأعاصيرِه بعد ثورة 14 تموز 1958، كانت المبادرةُ ذكيةً بتوقيتِ صدورها، ونمطِ الكتابة الجديد فيها، ونوعِ موضوعاتها المبتكرة، صوتُها لم يكن صدىً لما يُدرس في المدارس الدينية. طالعتُ المجموعةَ الكاملةَ لأعداد الأضواء، عندما كنتُ أدرس في حوزة النجف أواخرَ سبعينيات القرن الماضي. اكتشفتُ أن كلمةَ تحريرِ المجلة كان يكتبها في بعض أعدادها السيدُ محمد حسين فضل الله، وصدرت لاحقًا في كتابه “قضايانا على ضوء الإسلام”، وكانت المحاضراتُ النوعية للشيخ محمد مهدي شمس الدين على طلاب كلية الفقه لافتةً بتفسيرها التحليلي للتاريخ، مضافًا إلى كتاباته المتميزة المنشورة في هذه المطبوعة وغيرها.كما طالعتُ معظمَ أعدادِ مجلةِ النجف الصادرةِ نهايةَ ستينيات القرن الماضي عن كلية الفقه، رأيتُ هيئةَ تحريرِ هذه المطبوعة تألفت من: السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم.

لا أتذكر لقاءً جمعني بالأمين غابتْ فيه أطيافُ ألقِ النجف وحوزتِها ومنتدياتِها، كأن النجفَ تتحدث إليك في قلبه. سكنتْ روحُه نجفَ أمير المؤمنين “ع”، وتغذّت بفضائها الرمزي عواطفُه، واتسع لعلومها عقلُه، كأن ذاكرتَه ارتوت حتى فاضت بما في النجف من ثروةٍ رمزيةٍ وروحيةٍ وعلميةٍ وأدبية. غادر الأمينُ النجفَ المكانَ، إلا أن ذاكرةَ النجف الحيّة لم تصمت في ضميرِه يومًا. غالبًا ما أدهشني ألقُ حضورِ النجف الطاغي في وجدانه، وحماسُه المتدفقُ وبهجتُه لحظةَ الحديثِ عن النجف. بعد 12 سنة من الدراسة والتدريس في الحوزة وكلية الفقه عاد السيد الأمين إلى بلده، وكان صوتُه أصفى ما يعبّر عن رسالة النجف الثمينة، بكلِّ ما تجلّى في مدرسة النجف من تنوعِ عميق للاجتهاداتِ الفقهية والأصولية، وإبداعٍ أدبي غزير، وألوانِ طيفٍ فكري تتجاورُ فيه مدوناتُ التراثِ الواسع، ومفاهيمُ وأفكارُ أحدثِ الكتب والمجلات الأدبية والثقافية الصادرة في بغداد وبيروت والقاهرة وغيرها.

يعتزّ الأمين بدينِه وتشيّعه، ودراستِه في مدرسة النجف، ويعتزّ بتاريخِه الشخصي وانتمائِه لعائلةٍ دينية عريقة، أنجبتْ السيدَ محسن الأمين العاملي الذي كان شجاعًا في الدعوة لتنقية الشعائر الحسينية وتنزيهِها في النصف الأول من القرن العشرين. لم تشغل السيدَ محمد حسن الأمين صغائرُ الأمور، ظلّ كبيرًا على الدوام، عابرًا للهموم الطائفية الضيقة.كان وطنيًا قبل أن يكون طائفيًا، لبنانيًا قبل أن يكون مذهبيًا،كان بارعًا في التنقيب عن المشتركات والإصغاء للنداء الإنساني الذي يوحّدها. لم يكن عبورُ الأمينِ بمعنى الهجران، حين يعبرُ من لبنان إلى العروبة يظلّ يحمل لبنانَ وهمومَه معه حيثما كان، لا يختنق وعيُه بالأيديولوجيا القومية المتعصبة للحصري وأمثالِه، بل ينتمي للعربية بوصفها لغةً وثقافة وتاريخًا مشتركًا، لا يقف عند آفاقِ العروبةِ المحدودة، بل يتجاوزُها إلى آفاقِ الإنسانية الرحبة. حين يعبرُ من التشيّع إلى الإسلام يظل ضميرُه يحتضنُ كلَّ همومِ التشيعِّ الكبرى، وحين يعبر من الإسلام إلى الأديان يظلّ وعيُه يحتضنُ الروحَ والأخلاق وقيمَ التراحمِ والسلام في الإسلام، وحين يعبر من الأديان إلى الإنسانية يظلّ يحتضنُ أغنى ما يتكشفُ في جوهر الأديان، كان الأمين إنسانيًا قبل وبعد كلِّ شيء.

فرض العامليون بعد عودتهم إلى وطنهم حضورَهم على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ملأ صوتُهم الآفاقَ بلبنان وغيرها من البلدان. جهودُهم متنوعة بتنوع الأديان والطوائف اللبنانية، مُبادِرة بإرادةٍ واثقة حيثما كان مَن يترقب مبادراتِها في ترسيخ السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي. عدة مرات حضرنا معًا، السيد الأمين وأنا، مؤتمراتٍ وندوات ومناسبات ثقافية واجتماعية، خارجَ فضاءِ الاجتماع الشيعي، أتفاجأ باحتفاءِ النخبة اللبنانية بالأمين وبمن معه. قبل نحو 30 عامًا فوجئتُ بظهور جماعة من الشباب العامليين من جيل تلامذتي في حوزة قم، زاروني يحملون معهم مطبوعةً كثّروها بالاستنساخ تعدُ بوعي جديد. أتذكر منهم: الشيخ حيدر حب الله، والسيد مهدي الأمين، والشيخ أحمد أبو زيد، تحسّستُ في أحلامهم ما يشي باستفاقةِ وثبةِ الروح العاملية في مدرسة النجف وانبعاثِها لديهم مجددًا. ثابر هؤلاء الشبابُ على الدراسة والتدريس عدة سنوات، وانشغلوا بالبحث والكتابة، وكانت لهم إسهاماتٌ في مجالات متنوعة. إلا أن الرياحَ شاكستهم، فلم تفرض جهودُهم حضورَها في موطنهم، ولم نسمع بأصداء لمنجزِهم، تتناسبُ وحجمَ ونوعَ العطاءِ الجديرِ بالاهتمام الذي قدموه.

نحن مدعوون لإعادة اكتشافِ فكرِ العلامةِ الأمين غيرِ المنشور، وتوجيهِ طلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة والعلوم الإسلامية للكتابة عن آثاره. أشهدُ أن فكرَه يمكن أن يُحدِثَ أثرًا إيجابيًا طيبًا في إيقاظ الحياةِ الروحية والأخلاقية للشباب، وتقديمِ صورةٍ ناصعةٍ للدين، الجيلُ الجديد في عالَم الإسلام بأمسّ الحاجة إليها اليوم.كان الأمين مفكرًا شفاهيًا، لم يحرص على تدوينِ أفكاره، والتعريفِ باجتهاداته في الفقه والقضاء، ولم يجمع شعرَه الغزير في ديوان بحياته. أدعو العزيز السيد مهدي الأمين والعائلةَ الكريمةَ للمبادرة بجمع آثاره، من: محاضراتٍ، وندواتٍ، ومقابلاتٍ وحواراتٍ صوتية، ومقالاتٍ متناثرةٍ في صحفٍ ومجلات متنوعة، وإعادةِ تحريرِها وتنقيحِها، وإصدارِها عاجلًا عن دار نشر عراقية لبنانية؛ لئلا يغيبَ إنتاجُه الفكري عن النجف، ويقرأ المهتمون وفاءَ الأمين لمدرسة النجف التي حمل رسالتَها بكفاءة استثنائية كلَّ حياتِه؛ لبثت النجفُ مقيمةً بقلبه ولم يبرد حنينُه إليها في مختلفِ مراحلِ حياتِه.

لم تحتبسْ عقلَ الأمين أسئلةُ: الإيمان والإلحاد، والمادية والدين، والاشتراكية والإسلام، وأشباهُها من أفكار تصارعت منتصفَ القرن الماضي، أسئلةٌ اندثرت ونسيتها الأجيالُ اللاحقة، واختفت من اهتماماتِ أكثرِ الباحثين والدارسين والمثقفين، ونادرًا ما تحضر تلك الاهتمامات في أسئلة الجيلِ الجديد. واكب الأمينُ الأسئلةَ الجديدة، وتحدث بلغة تتناغمُ ومنطقَ الواقعِ وآفاقَ أسئلةِ اليوم. استمعتُ إلى شيء من حواراتِه ومداخلاتِه في ندوات اشتركنا فيها معًا، وتحدثنا ساعاتٍ طويلةً في جلسات كثيرة بمختلفِ قضايا: الحداثةِ والتراثِ، والأصالةِ والمعاصرة، والدولةِ والسلطةِ، والهويةِ، والتعدديةِ والاختلافِ، والتسامحِ، وأسئلةِ الفكر الديني العربي والإيراني الحديثِ والمعاصر، وغيرها.كنا نقضي أثرى الليالي في بيروت وصيدا ودير كيفا في جنوب لبنان بحوارٍ مثمر. انشغل الأمين بقضايا: العقلانيةِ النقديةِ، والدعوة للانتقالِ إلى عصر أنوار إسلامي، وتجديد مناهج الاجتهاد، وإعادةِ بناء الفكر الديني ليكون من أجل الإنسان، واقتراحِ صيغةٍ إسلامية للعيش المشترك بين الأديان، وتحريرِ الوعي الديني من التشوهات الطائفية، وبناءِ رؤيةٍ تكاملية للوحدة، والتثقيفِ على الحقوق والحريات وتعزيزِها، وتكريس الشعور بالكرامةِ، والحقِ في الاختلافِ، والتنوعِ، والتعدديةِ، والعيشِ المشترك، والتسامحِ، والاحترامِ المتبادل، والهويةِ، والدولةِ المدنية، والمشروعية الشعبية، والتداولِ السلمي للسلطة، والتنميةِ، والتحديث.

شهد الأمين تزعزعَ الكيان اللبناني، وعواصفَ الحرب الأهلية المريرة، وما أعقبها من تداعياتٍ ومواجعَ في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. لم يكن متفرجًا ولا محايدًا في عصر تفجرت فيه التناقضاتُ الطائفية والنزاعات، وسادته ظروفٌ بالغةُ التعقيدِ والتوتر. ظل صوتُه وفيًا للحرية والوضوحِ والصراحةِ والصرامةِ بمختلف محطات حياته، وتقلباتِ السياسة والفكر في وطنه.كرّس جهودَه للعيش المشترك في إطار التنوعِ والاختلاف. في ضراوة لهيبِ الحربِ وأنينِ الدم المسفوحِ لم يكف صوتُه عن إعلان رسالة السلام في الإسلام، في تلك الظروف الكئيبة كان يصرّ على ضرورةِ إيقاظ جوهرِ رسالةِ الأديان في التراحم والتضامن والسلام، بوصفها فريضةً دينية وضرورةً أخلاقية واجتماعية وسياسية لحماية المجتمعِ من العنفِ والحربِ الأهلية.

[1]لعامليون تسمية اشتهر بها اللبنانيون في حوزة النجف.

 

رابط النشر: