خذلان الجغرافيا لبلاد الرافدين

     د. عبد الجبار الرفاعي

قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.

لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.

مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.

أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.

لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.

لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.

الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.

 

https://alsabaah.iq/130095-.html

 

 

الهوية والمواطنة

د. عبد السلام فاروق[1]

لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه “الهوية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.

يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية – تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.

 معادلة المواطنة

يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟

إن انقلاب هذه المعادلة – بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن – هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.

يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر “أدنى” من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.

يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى “غنيمة يتقاسمها المنتصرون”. هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.

إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.

إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.

الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.

الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة

تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته “صناعة الهوية” – وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.

المواطنة المشروطة

أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة – سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.

هذه “المواطنة المشروطة” تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي. وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.

الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل

تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:

– نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة

– نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة

– نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية

والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث – رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.

 الثنائية المنسية

قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟

 من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة

إن تحول الوطن من “غنيمة” للجماعة الغالبة إلى “شركة” بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟

[1] كاتب مصري.

https://almothaqaf.org/readings-2/984331

دعوة لإعادة اكتشافِ فكر العلامة الأمين

د. عبد الجبار الرفاعي

رحيلُ صفوةِ الأخوةِ يهدم ركنًا أساسيًا بداخلي، أشعر كأن أحدَ أعضاءِ جسدي يرحلُ معه إلى القبر. لحظةَ أقرأ نبأَ وفاةِ إنسانٍ يحتضنه القلبْ أبكي، ويسعفني القلمُ لأرسمَ صورةَ الحزنِ الذي يباغتني بفقدانِه. نادرًا ما أعيشُ صدمةً تحبسُ البكاءَ، وتُخرسني عن الكلامِ والكتابة كما حدث برحيلِ أخي العلامة السيد محمد حسين الأمين، فقد غرقت في حالة ذهولٍ أنستني الكلمات وعطلت قلمي عن الكتابة، لم أكابدْ مثلَ هذه الحالةِ من قبل. كنت أفتش عن دمعةٍ تطفئ جمرةَ القلب، فلا تسعفني عيناي، البكاءُ المؤجلُ أقسى أنواع البكاء مرارةً. لم أكن أدرك حجمَ حضورِ هذا الإنسان بداخلي، ولم أتحسس قبلَ ذلك ما يفرضه رحيلُه المفاجئ المفجع من صدمة عنيفة تكفُّ فيها الكلماتُ عن الإصغاء لوجع القلب، وتصمت الحروفُ عن النطق. أعرف غزارةَ ما تجودُ به عيناي من دموعٍ لحظاتَ الحزن وحتى الفرح، لكن لم أكن أعرف كيف تحتجبُ الدموع.

لن أنسى في حوزة النجف السيدَ الشهيدَ محمد باقر الصدر ولن ينطفئ ألقُ حضورِه العاطفي في ضميري، ملأ فكرُه الدنيا وشغل الناسَ في عصره، ووجّه التعلقُ بفكره وشخصيته بوصلةَ مستقبلي في الحوزة منذ سنة 1978، ولن أنسى في لبنان السيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. قلما عاشرتُ رجلَ دينٍ فرض حضورَه في قلبي بلا حدود، واحتلَّ هذه المكانةَ في مشاعري بلا حدود كالسيد محمد حسن الأمين، الذي يجهلُ مواهبَه وتكوينَه الفكري والثقافي والأدبي كثيرون ممن لا يعرفون إلا اسمَه وشخصَه.كان الأمين أخلاقيا نبيلًا، مفكرًا موسوعي الثقافة، أديبًا وناقدًا ذكيًا، وشاعرًا مطبوعًا، يمتلك ذائقةً فنية ورؤيةً جمالية للعالَم، لم أشهد صفاتَه تلتقي لدى أكثر مَن تعرفت عليهم.كان الأمينُ أمينًا على الأخوة بلطفٍ وذوق متفرّد يختصّ به،كان أعذبَ معمّم صادقتُه في حياتي.كنت أتذوقُ الجمالَ في طريقة تفكيره وعقله الخلّاق، ولطفه، ومشاعره الدافئة، ولغته الآسرة، وأدبه وشعره الرقيق. هذا رجلٌ كبير، خسرتُ برحيله صديقًا صدوقًا لا يمكن أن يعوضني شيءٌ بفقدانه. سيدرك مَن يقرأ فكرَه بتأمل، وتتكشف له سيرتُه لاحقًا: أنه كنبيٍ ضيّعه قومُه. قلّما عاشرتُ إنسانًا كان مرآةً أرى فيها كثيرًا مما أتمناه وأحلم به وأطمح إليه في حياتي كهذا الرجل المهذب. صلتي العميقة بالسيد الأمين كشفتْ لي مثالًا فريدًا تجلّت في تفكيره ومواقفه نسخةٌ نادرةٌ من الإنسان. لم يكن الأمين نصفَ عالمٍ، ولا نصفَ أخلاقيٍ، ولا نصفَ مفكرٍ، ولا نصفَ شاعرٍ، ولا نصفَ ناقد. لم يكن مراوغًا، لم يكن زئبقيًا، لم يكن هشًا في كلماته وكتاباته ومواقفه.كان مفكرًا عقلانيًا حرًا جسورًا صلبًا، يمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا.

مازالت بصمةُ بعض اللبنانيين العامليين[1]من جيل الأمين مضيئةً، لم تنطفئ آثارُها تمامًا في الحياة العلمية والأدبية والثقافية في النجف، مازالت تضيء حيثما رحلوا وأقاموا في الأرض. ما كان عددُهم كبيرًا مقارنة بغيرهم من طلاب الجنسيات الأخرى، غير أن دورَهم كان أثرى وأوسع من عددِهم. فاعليةُ حضورهم على الدوام كانت لافتةً في حلقاتِ الدرسِ الحوزوي وكليةِ الفقهِ والرابطةِ الأدبيةِ والمنتدياتِ والأنشطةِ الثقافيةِ النجفية. صدرت مجلةُ “الأضواء” استجابةً لتحديات الواقع الفكري والاجتماعي والسياسي الجديد وأعاصيرِه بعد ثورة 14 تموز 1958، كانت المبادرةُ ذكيةً بتوقيتِ صدورها، ونمطِ الكتابة الجديد فيها، ونوعِ موضوعاتها المبتكرة، صوتُها لم يكن صدىً لما يُدرس في المدارس الدينية. طالعتُ المجموعةَ الكاملةَ لأعداد الأضواء، عندما كنتُ أدرس في حوزة النجف أواخرَ سبعينيات القرن الماضي. اكتشفتُ أن كلمةَ تحريرِ المجلة كان يكتبها في بعض أعدادها السيدُ محمد حسين فضل الله، وصدرت لاحقًا في كتابه “قضايانا على ضوء الإسلام”، وكانت المحاضراتُ النوعية للشيخ محمد مهدي شمس الدين على طلاب كلية الفقه لافتةً بتفسيرها التحليلي للتاريخ، مضافًا إلى كتاباته المتميزة المنشورة في هذه المطبوعة وغيرها.كما طالعتُ معظمَ أعدادِ مجلةِ النجف الصادرةِ نهايةَ ستينيات القرن الماضي عن كلية الفقه، رأيتُ هيئةَ تحريرِ هذه المطبوعة تألفت من: السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم.

لا أتذكر لقاءً جمعني بالأمين غابتْ فيه أطيافُ ألقِ النجف وحوزتِها ومنتدياتِها، كأن النجفَ تتحدث إليك في قلبه. سكنتْ روحُه نجفَ أمير المؤمنين “ع”، وتغذّت بفضائها الرمزي عواطفُه، واتسع لعلومها عقلُه، كأن ذاكرتَه ارتوت حتى فاضت بما في النجف من ثروةٍ رمزيةٍ وروحيةٍ وعلميةٍ وأدبية. غادر الأمينُ النجفَ المكانَ، إلا أن ذاكرةَ النجف الحيّة لم تصمت في ضميرِه يومًا. غالبًا ما أدهشني ألقُ حضورِ النجف الطاغي في وجدانه، وحماسُه المتدفقُ وبهجتُه لحظةَ الحديثِ عن النجف. بعد 12 سنة من الدراسة والتدريس في الحوزة وكلية الفقه عاد السيد الأمين إلى بلده، وكان صوتُه أصفى ما يعبّر عن رسالة النجف الثمينة، بكلِّ ما تجلّى في مدرسة النجف من تنوعِ عميق للاجتهاداتِ الفقهية والأصولية، وإبداعٍ أدبي غزير، وألوانِ طيفٍ فكري تتجاورُ فيه مدوناتُ التراثِ الواسع، ومفاهيمُ وأفكارُ أحدثِ الكتب والمجلات الأدبية والثقافية الصادرة في بغداد وبيروت والقاهرة وغيرها.

يعتزّ الأمين بدينِه وتشيّعه، ودراستِه في مدرسة النجف، ويعتزّ بتاريخِه الشخصي وانتمائِه لعائلةٍ دينية عريقة، أنجبتْ السيدَ محسن الأمين العاملي الذي كان شجاعًا في الدعوة لتنقية الشعائر الحسينية وتنزيهِها في النصف الأول من القرن العشرين. لم تشغل السيدَ محمد حسن الأمين صغائرُ الأمور، ظلّ كبيرًا على الدوام، عابرًا للهموم الطائفية الضيقة.كان وطنيًا قبل أن يكون طائفيًا، لبنانيًا قبل أن يكون مذهبيًا،كان بارعًا في التنقيب عن المشتركات والإصغاء للنداء الإنساني الذي يوحّدها. لم يكن عبورُ الأمينِ بمعنى الهجران، حين يعبرُ من لبنان إلى العروبة يظلّ يحمل لبنانَ وهمومَه معه حيثما كان، لا يختنق وعيُه بالأيديولوجيا القومية المتعصبة للحصري وأمثالِه، بل ينتمي للعربية بوصفها لغةً وثقافة وتاريخًا مشتركًا، لا يقف عند آفاقِ العروبةِ المحدودة، بل يتجاوزُها إلى آفاقِ الإنسانية الرحبة. حين يعبرُ من التشيّع إلى الإسلام يظل ضميرُه يحتضنُ كلَّ همومِ التشيعِّ الكبرى، وحين يعبر من الإسلام إلى الأديان يظلّ وعيُه يحتضنُ الروحَ والأخلاق وقيمَ التراحمِ والسلام في الإسلام، وحين يعبر من الأديان إلى الإنسانية يظلّ يحتضنُ أغنى ما يتكشفُ في جوهر الأديان، كان الأمين إنسانيًا قبل وبعد كلِّ شيء.

فرض العامليون بعد عودتهم إلى وطنهم حضورَهم على الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ملأ صوتُهم الآفاقَ بلبنان وغيرها من البلدان. جهودُهم متنوعة بتنوع الأديان والطوائف اللبنانية، مُبادِرة بإرادةٍ واثقة حيثما كان مَن يترقب مبادراتِها في ترسيخ السلم الأهلي والتضامن الاجتماعي. عدة مرات حضرنا معًا، السيد الأمين وأنا، مؤتمراتٍ وندوات ومناسبات ثقافية واجتماعية، خارجَ فضاءِ الاجتماع الشيعي، أتفاجأ باحتفاءِ النخبة اللبنانية بالأمين وبمن معه. قبل نحو 30 عامًا فوجئتُ بظهور جماعة من الشباب العامليين من جيل تلامذتي في حوزة قم، زاروني يحملون معهم مطبوعةً كثّروها بالاستنساخ تعدُ بوعي جديد. أتذكر منهم: الشيخ حيدر حب الله، والسيد مهدي الأمين، والشيخ أحمد أبو زيد، تحسّستُ في أحلامهم ما يشي باستفاقةِ وثبةِ الروح العاملية في مدرسة النجف وانبعاثِها لديهم مجددًا. ثابر هؤلاء الشبابُ على الدراسة والتدريس عدة سنوات، وانشغلوا بالبحث والكتابة، وكانت لهم إسهاماتٌ في مجالات متنوعة. إلا أن الرياحَ شاكستهم، فلم تفرض جهودُهم حضورَها في موطنهم، ولم نسمع بأصداء لمنجزِهم، تتناسبُ وحجمَ ونوعَ العطاءِ الجديرِ بالاهتمام الذي قدموه.

نحن مدعوون لإعادة اكتشافِ فكرِ العلامةِ الأمين غيرِ المنشور، وتوجيهِ طلاب الدراسات العليا في كليات الشريعة والعلوم الإسلامية للكتابة عن آثاره. أشهدُ أن فكرَه يمكن أن يُحدِثَ أثرًا إيجابيًا طيبًا في إيقاظ الحياةِ الروحية والأخلاقية للشباب، وتقديمِ صورةٍ ناصعةٍ للدين، الجيلُ الجديد في عالَم الإسلام بأمسّ الحاجة إليها اليوم.كان الأمين مفكرًا شفاهيًا، لم يحرص على تدوينِ أفكاره، والتعريفِ باجتهاداته في الفقه والقضاء، ولم يجمع شعرَه الغزير في ديوان بحياته. أدعو العزيز السيد مهدي الأمين والعائلةَ الكريمةَ للمبادرة بجمع آثاره، من: محاضراتٍ، وندواتٍ، ومقابلاتٍ وحواراتٍ صوتية، ومقالاتٍ متناثرةٍ في صحفٍ ومجلات متنوعة، وإعادةِ تحريرِها وتنقيحِها، وإصدارِها عاجلًا عن دار نشر عراقية لبنانية؛ لئلا يغيبَ إنتاجُه الفكري عن النجف، ويقرأ المهتمون وفاءَ الأمين لمدرسة النجف التي حمل رسالتَها بكفاءة استثنائية كلَّ حياتِه؛ لبثت النجفُ مقيمةً بقلبه ولم يبرد حنينُه إليها في مختلفِ مراحلِ حياتِه.

لم تحتبسْ عقلَ الأمين أسئلةُ: الإيمان والإلحاد، والمادية والدين، والاشتراكية والإسلام، وأشباهُها من أفكار تصارعت منتصفَ القرن الماضي، أسئلةٌ اندثرت ونسيتها الأجيالُ اللاحقة، واختفت من اهتماماتِ أكثرِ الباحثين والدارسين والمثقفين، ونادرًا ما تحضر تلك الاهتمامات في أسئلة الجيلِ الجديد. واكب الأمينُ الأسئلةَ الجديدة، وتحدث بلغة تتناغمُ ومنطقَ الواقعِ وآفاقَ أسئلةِ اليوم. استمعتُ إلى شيء من حواراتِه ومداخلاتِه في ندوات اشتركنا فيها معًا، وتحدثنا ساعاتٍ طويلةً في جلسات كثيرة بمختلفِ قضايا: الحداثةِ والتراثِ، والأصالةِ والمعاصرة، والدولةِ والسلطةِ، والهويةِ، والتعدديةِ والاختلافِ، والتسامحِ، وأسئلةِ الفكر الديني العربي والإيراني الحديثِ والمعاصر، وغيرها.كنا نقضي أثرى الليالي في بيروت وصيدا ودير كيفا في جنوب لبنان بحوارٍ مثمر. انشغل الأمين بقضايا: العقلانيةِ النقديةِ، والدعوة للانتقالِ إلى عصر أنوار إسلامي، وتجديد مناهج الاجتهاد، وإعادةِ بناء الفكر الديني ليكون من أجل الإنسان، واقتراحِ صيغةٍ إسلامية للعيش المشترك بين الأديان، وتحريرِ الوعي الديني من التشوهات الطائفية، وبناءِ رؤيةٍ تكاملية للوحدة، والتثقيفِ على الحقوق والحريات وتعزيزِها، وتكريس الشعور بالكرامةِ، والحقِ في الاختلافِ، والتنوعِ، والتعدديةِ، والعيشِ المشترك، والتسامحِ، والاحترامِ المتبادل، والهويةِ، والدولةِ المدنية، والمشروعية الشعبية، والتداولِ السلمي للسلطة، والتنميةِ، والتحديث.

شهد الأمين تزعزعَ الكيان اللبناني، وعواصفَ الحرب الأهلية المريرة، وما أعقبها من تداعياتٍ ومواجعَ في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. لم يكن متفرجًا ولا محايدًا في عصر تفجرت فيه التناقضاتُ الطائفية والنزاعات، وسادته ظروفٌ بالغةُ التعقيدِ والتوتر. ظل صوتُه وفيًا للحرية والوضوحِ والصراحةِ والصرامةِ بمختلف محطات حياته، وتقلباتِ السياسة والفكر في وطنه.كرّس جهودَه للعيش المشترك في إطار التنوعِ والاختلاف. في ضراوة لهيبِ الحربِ وأنينِ الدم المسفوحِ لم يكف صوتُه عن إعلان رسالة السلام في الإسلام، في تلك الظروف الكئيبة كان يصرّ على ضرورةِ إيقاظ جوهرِ رسالةِ الأديان في التراحم والتضامن والسلام، بوصفها فريضةً دينية وضرورةً أخلاقية واجتماعية وسياسية لحماية المجتمعِ من العنفِ والحربِ الأهلية.

[1]لعامليون تسمية اشتهر بها اللبنانيون في حوزة النجف.

 

رابط النشر: