لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس بوسعنا بناء تفسير علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا من دون العودة إلى تجربة دول الخلافة وأمثالها، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية للمسلم، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. تشكلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسة للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيل الذي تشكل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، وللسلطة، والحكومة، وشكل الدولة.

يتحول الإنسان في دولة الخلافة وأمثالها إلى رعية خاضعة، لا إلى مواطن معترف بكرامته وحريته وحقوقه، ويفرض عليه السمع والطاعة المطلقة للخليفة مهما كانت أفعاله وقراراته. في هذا النمط من الحكم لا يُعامل الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، وإنما يستعمل أداةً للسلطة وتأبيدها. تنتقل الخلافة داخل العائلة الحاكمة منذ لحظة التأسيس الأولى، ويُمنح هذا الانتقال غطاءً دينيًا يوهم الناس أن شرعية الحكم مستمدة من الله، لا من إرادتهم الحرة أو اختيارهم الواعي. ويتشكل لاهوت سياسي للطاعة كآلية لاحتكار الحديث باسم الله، حيث يجري استدعاء السماء لتبرير القهر في الأرض، ويُوظف الدين لإسكات الضمير، وتعطيل السؤال، ومصادرة حق المواطن في المشاركة والمراقبة والمحاسبة. في هذا الواقع تتحول الطاعة من التزام أخلاقي نابع من القناعة إلى خضوع مفروض بالقوة والقداسة المصطنعة، ويُستعمل الدين ذريعة لإلغاء كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. الرؤية التي تنتصر لإنسانية الدين تقوم على الاعتراف بحق الإنسان في الاختيار، ومسؤوليته عن مصيره، ورفض أي سلطة تدعي تمثيل الله، وتنكر على البشر حقهم في أن يكونوا شركاء في تقرير شؤون حياتهم العامة في إطار مصالحهم ومصائرهم.

الخلافة وأمثالها، في ضمير أكثر المسلمين تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيلون أنها تعبر عن هويتهم السياسية، وقد تكرست صورتها في المتخيل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، لكنه يظل رمزًا ما دامت تلقى خطبة الجمعة على المنابر بوصفه خليفة، والدعاء يرفع له، والنقود تسك باسمه، ذلك ما أسهم في تجذر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية للمسلم. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظام رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمد قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، كما تشكلت في المتخيل الجمعي، فتعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والهوية السياسية.

في دول الخلافة وأمثالها، كان بإمكان المسلم أن يتنقل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، ما دام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دول الخلافة وأمثالها، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية الشعبية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث.

الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيلة لدولة الخلافة وأمثالها ما زالت تشكل أرضية خصبة ذات تأثير فعال في التمهيد لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين اليوم. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمض عليه سوى قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة بوصفه مكونًا أساسيًا للهوية السياسية. معنى “الوطن” في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.

ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثل لهم شعورًا بالتماهي مع كل مسلم يقطن أرضها، وتغذي خيالهم بوحدة عقائدية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظل المتخيَّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكونًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالات، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيَّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيَّل تمثل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.

بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظل ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حية في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظل المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرون على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكونات هوية المسلم السياسية، فتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم كلما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. ما يزال عدد غير قليل من المسلمين إلى اليوم عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية، ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس دولة الخلافة، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام تلك الدولة.

من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمض سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركنًا من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية). لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام قبل حسن البنا يقول إن “الحكومة ركن من أركان الإسلام”، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب المتنوعة والفرق المختلفة. الماوردي “ت 450هـ” يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني “ت 478هـ” إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. لكن في العصر الحديث جعل أكثر من منظّر من منظري الإسلام السياسي الحكم من أركان الدين.

في سياق أدبيات هذه الجماعة وشعاراتها وأهدافها تشكلت رؤية تمجد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد قرونًا عديدة في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيَّل السياسي توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كل منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن ما لم يدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًا سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيَّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة إنتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. حين يتحول الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيَّل، لا حضور له خارج الذاكرة.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384689

المواطنة شراكة متكافئة

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم “مسلم” الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم “مواطن” الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي “الخليفة” حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.

المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم “المجتمع” بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم “الأمة” في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.

سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.

فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.

بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384068