حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة. الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.

الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.

في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها. دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.

مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا،كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي. هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.

واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.

الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.

غيابُ أيِّ أفقٍ للتربية على المواطنة في أدبيات الإسلام السياسي السني والشيعي يُفضي إلى إضعاف الضمير الوطني، ويطفئ في وعي الإنسان إحساسه العميق بالانتماء إلى هويته الوطنية. حين تستبدل الهوية الوطنية بهوياتٍ مستعارة، يتآكل الشعور بالمصير المشترك، ويغدو الوطن كيانًا باهتًا في الوجدان، لا يوقظ ولاءً ولا يستدعي تضحية. عندئذٍ تتبدد رمزية الوطن في المخيلة، ولا يكترث أبناؤه بما يعكس حضوره ويكرسه في الوجدان، بل يزدرى بعضهم رموزه، كالميراث الحضاري العريق، والعلَم، والنشيد الوطني، والفنون، والرياضة، وأمثالها. مثلًا ‏التأهل لكأس العالم يمثل قيمة ثمينة، تعزز رصيد الوطن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلتقي عليها الهوية الوطنية لكل أبناء الوطن، وتحتجب الهويات الطائفية والعرقية وكل ما يتسبب في الانقسام.

التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه. لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120,000,000,000$ من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم. إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.

 

https://alsabaah.iq/132252-.html

لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس بوسعنا بناء تفسير علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا من دون العودة إلى تجربة دول الخلافة وأمثالها، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية للمسلم، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. تشكلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسة للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيل الذي تشكل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، وللسلطة، والحكومة، وشكل الدولة.

يتحول الإنسان في دولة الخلافة وأمثالها إلى رعية خاضعة، لا إلى مواطن معترف بكرامته وحريته وحقوقه، ويفرض عليه السمع والطاعة المطلقة للخليفة مهما كانت أفعاله وقراراته. في هذا النمط من الحكم لا يُعامل الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، وإنما يستعمل أداةً للسلطة وتأبيدها. تنتقل الخلافة داخل العائلة الحاكمة منذ لحظة التأسيس الأولى، ويُمنح هذا الانتقال غطاءً دينيًا يوهم الناس أن شرعية الحكم مستمدة من الله، لا من إرادتهم الحرة أو اختيارهم الواعي. ويتشكل لاهوت سياسي للطاعة كآلية لاحتكار الحديث باسم الله، حيث يجري استدعاء السماء لتبرير القهر في الأرض، ويُوظف الدين لإسكات الضمير، وتعطيل السؤال، ومصادرة حق المواطن في المشاركة والمراقبة والمحاسبة. في هذا الواقع تتحول الطاعة من التزام أخلاقي نابع من القناعة إلى خضوع مفروض بالقوة والقداسة المصطنعة، ويُستعمل الدين ذريعة لإلغاء كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. الرؤية التي تنتصر لإنسانية الدين تقوم على الاعتراف بحق الإنسان في الاختيار، ومسؤوليته عن مصيره، ورفض أي سلطة تدعي تمثيل الله، وتنكر على البشر حقهم في أن يكونوا شركاء في تقرير شؤون حياتهم العامة في إطار مصالحهم ومصائرهم.

الخلافة وأمثالها، في ضمير أكثر المسلمين تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيلون أنها تعبر عن هويتهم السياسية، وقد تكرست صورتها في المتخيل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، لكنه يظل رمزًا ما دامت تلقى خطبة الجمعة على المنابر بوصفه خليفة، والدعاء يرفع له، والنقود تسك باسمه، ذلك ما أسهم في تجذر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية للمسلم. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظام رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمد قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، كما تشكلت في المتخيل الجمعي، فتعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والهوية السياسية.

في دول الخلافة وأمثالها، كان بإمكان المسلم أن يتنقل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، ما دام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دول الخلافة وأمثالها، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية الشعبية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث.

الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيلة لدولة الخلافة وأمثالها ما زالت تشكل أرضية خصبة ذات تأثير فعال في التمهيد لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين اليوم. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمض عليه سوى قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة بوصفه مكونًا أساسيًا للهوية السياسية. معنى “الوطن” في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.

ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثل لهم شعورًا بالتماهي مع كل مسلم يقطن أرضها، وتغذي خيالهم بوحدة عقائدية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظل المتخيَّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكونًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالات، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيَّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيَّل تمثل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.

بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظل ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حية في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظل المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرون على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكونات هوية المسلم السياسية، فتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم كلما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. ما يزال عدد غير قليل من المسلمين إلى اليوم عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية، ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس دولة الخلافة، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام تلك الدولة.

من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمض سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركنًا من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية). لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام قبل حسن البنا يقول إن “الحكومة ركن من أركان الإسلام”، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب المتنوعة والفرق المختلفة. الماوردي “ت 450هـ” يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني “ت 478هـ” إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. لكن في العصر الحديث جعل أكثر من منظّر من منظري الإسلام السياسي الحكم من أركان الدين.

في سياق أدبيات هذه الجماعة وشعاراتها وأهدافها تشكلت رؤية تمجد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد قرونًا عديدة في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيَّل السياسي توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كل منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن ما لم يدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًا سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيَّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة إنتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. حين يتحول الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيَّل، لا حضور له خارج الذاكرة.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384689

الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصابُ الهوية الوطنية الانتماءُ إلى رقعة جغرافية، ومصير واحد، ومصالح يلتقي فيها الكل، وتاريخ مشترك، وذاكرة جمعية، تتجسد في ثقافة جامعة، ورموز مشتركة، بغض النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية. تتمثل ملامح الثقافة المشتركة والرموز الجامعة في ما تراكم في العقل الجمعي من سردية تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل حاضره بجذوره الممتدة في الزمن.كما تتجلى في الشخصيات المؤسسة، وكل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في مسيرة الوطن، وأسهمت في بناء كيانه السياسي والرمزي والمعنوي. وتنعكس في: اللغة، والآداب، والفنون السمعية والبصرية، والأديان والمعتقدات، والأمثال، والأساطير، والعلَم، والشعار الرسمي للدولة، والنشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتمنح ما هو جميل في الماضي حضورًا مستأنفًا. وتظهر كذلك في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وكل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية. ويغذّي الإحساس بالارتباط الوجداني العميق بالوطن، ويُعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي، يلتقي فيه المواطنون على أنهم جزء حيّ من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركون في مصيره، ومسؤولون عن حمايته وتنميته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تقبل الانغلاق على مكوّن واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لجماعة دون سواها. هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وترى بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بالاختلاف في إطار كيان سياسي واحد، وشراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته. تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتكرس المساواة في الحقوق، والمساواة في الفرص، على أساس “العدالة بإنصاف”، وفقًا لما عبر عنه جون رولز (1921 ــ 2002): في كتابه: “نظرية في العدالة”. وتُخضع الجميع للقانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تُصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد، ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تُعيد بناء الانتماء، وتُحرّر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة، التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيدُ توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات للدين أو المذهب أو القومية، وتُرسخه في الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فرعًا.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، بعد أن يتحوّل هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية بالانغلاق، إذ تقسم العالم إلى: مَن ينتمي إليها، ومَن لا ينتمي إليها. وهي تتوهم الاصطفاء، وتكرّس شعورًا بالتفوّق الزائف، وتبني هويتها الجمعية على نفي الآخر وإقصائه. في ظل هذه الهوية، يُلغى الوطن لصالح الجماعة، وتُختزل الدولة في كيان هشّ، وتُستبعد المصلحة الوطنية لحساب الولاءات الضيقة. تنتج هذه الهوية خطابًا تعبويًا، لا يقبل التنوع، ولا يطيق الاختلاف، ولا يقرّ بحقّ الآخر في العيش المشترك. الهوية الوطنية مشروع بناء كيان سياسي، يتسع للجميع، ويقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار، يختزل الحقيقة في تفسير واحد، ويختطف الوطن لحساب جماعة، ويهدد وحدة المجتمع، ويقوّض أسس الدولة.

حين يتحوّل الدين إلى أيديولوجيا، يُنتَزع من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُزج به في صراعات السلطة والثروة، كما هو حال الأيديولوجيات القومية واليسارية والأصولية. في سياق هذا التحوّل، يفتقد الدين رسالته السامية، ويتحوّل إلى وسيلة للاستحواذ، ويُختزل في صراع النفوذ والسيطرة، ويُستخدم لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم، باسم الدفاع عن العقيدة. وذلك ما نراه ماثلًا في تجارب الأصوليات في سائر الأديان، سواء أكانت هذه الأديان سماوية أم أرضية. الأصوليات تهبط برسالة الدين من معناه السامي وغايته في إرواء الظمأ الأنطولوجي وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتصيّره أداة أيديولوجية، لا تكترث بالهوية الوطنية، ولا تعترف بشرعية الدولة المؤسسة على هذه الهوية، وما تكفله من استيعاب للتنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، بل تنزع إلى تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل مَن لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية.

حدود دولة المواطنة الحديثة ترسمها خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، وتنهض على المصالح المشتركة، والمصائر الوحدة، والشعور بالانتماء لهذا الوطن بوصفه الملاذ الذي يأوي إليه الجميع. وتتجلى دولة المواطنة في مساواة المواطنين في الحقوق وأمام القانون، وتكافؤ الفرص لكل منهم، وإناطة المسؤوليات بكل مواطن بحسب طاقاته وإمكاناته. أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء للعقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بغض النظر عن انتمائه لوطن آخر، حتى إن كان في أقصى أطراف الكرة الأرضية. الحدود الوطنية تحمي الدول من أيّ شكل من أشكال النفوذ لدولة أخرى مهما كانت، ولا تسمح باستغلال موارد الوطن وثرواته لغير أبنائه، تحت أيّة ذريعة. أما الحدود الأيديولوجية، فلا تحمي الأوطان، بل تجعلها كيانًا عامًا، لا يختص بمواطنيها، بل يتسع لكل مَن يعتنق أيديولوجيا حكّامها، كما حدث في الأنظمة اليسارية والقومية والأصولية، وكما يحدث اليوم في دولٍ متعدّدة. الحدود الأيديولوجية تعدّ الأجنبي الذي يتبنى الأيديولوجيا ذاتها شريكًا شرعيًا، يتمتع بالحقوق الكاملة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وربما تمادى هذا الشريك، فاستغل شراكته، وأضحى سيّدًا على الحاكم والمواطن.

السياق الوطني لتشكّل الهوية ينبغي أن يتسلسل في ضمير كلّ مواطن في بلدنا على أساس أنه: عراقي أولًا، وعربي أو كردي أو تركماني ثانيًا، ومسلم أو مسيحي أو مندائي أو إيزيدي ثالثًا، وشيعي أو سنّي أو كاثوليكي أو بروتستانتي أو أرثوذكسي رابعًا، وهكذا. هذا هو التسلسل الذي يمكّننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، والمواطنة الدستورية بوصفها أساسًا لبناء دولة حديثة، تتوحّد فيها الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي، ينتمي فيه الجميع لأرض واحدة، وتاريخ ومصائر مشتركة، ويتضامن على مصالح جامعة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتصبح الطائفة أو القومية أولًا، والدين ثانيًا، والوطن ثالثًا، فإننا نفشل في بناء دولة المواطنة بمعناها السياسي، ونخفق في إقامة الدولة الحديثة، مهما فعلنا.

اختلال سُلّم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يُقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية، لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية أو الطائفة هي الهوية الأصلية، وتتفرّع عنها سائر الانتماءات، لا يعود للوطن معنى ينطبق على المواطنين كلهم، وليس للمصالح والمصائر والتاريخ المشترك أثرٌ في بناء الدولة. تختفي عندئذ المواطنة خلف الانتماء القومي أو الطائفي، وتتحوّل إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة، لا عن مصالح الوطن. ويغدو حضور الدولة هشًّا، لأن الولاء لها مشروط بولاء موازٍ أو سابق للجماعة، لا يسمح ببناء عقد اجتماعي يجتمع عليه المواطنون. حين تتسيّد الهوية القومية أو الطائفية، وتختزل الهوية الوطنية فيها، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذّر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بأبناء بلده. ويغدو الوطن ساحة صراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المشتركة.

تفشّت في جيلنا، والجيل الذي سبقنا، اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي قبل أن ينتمي لوطنه ينتمي إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية المنضوية في محوره، أو إلى الصين والدول الاشتراكية التي تدور في فلكها. وكان القومي العربي، قبل أن ينتمي لوطنه، ينتمي إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي كان أكثر الحكّام العرب براعةً في تجييش الجماهير، وأمهرهم في ابتكار الشعارات الصاخبة. وأخيرًا، صار مَن ينتمي إلى الإسلام السياسي ينتمي إلى الدول الدينية، كلٌّ على وفق مرجعيته المذهبية، لا على وفق انتمائه الوطني.

اضطرابات الهوية السياسية عشتها بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، بعدما كنا نتخيّل أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية هو الهوية الأصلية، وبأن العقيدة لا أرضَ لها كما تعلمنا في أدبياتها. لم نكن ننتمي إلى الأوطان بما هي أرضٌ وثقافة وتاريخ ومصالح ومصائر مشتركة توحّدنا مع أبناء بلدنا الذين نتقاسم العيش معهم.كان انتماؤنا يتجه إلى أيديولوجيا سياسية عابرة للجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة واللغة والمصير والمصالح المشتركة مع أبناء الوطن، حتى صار مَن يعتقد بهذه الأيديولوجيا، وإن كان في أقصى الأرض، أقربَ إلينا من ابن البلد الذي نشترك معه في الأرض والتاريخ والثقافة والمصالح والمصير الواحد. لم أكتشف هويتي الوطنية العراقية، ولم يتكرّس انتمائي الحقيقي إلى وطني، إلا بعد تشردي في المنافي، وعيشي سنوات طويلة في أكثر من دولة،كنت أعاني فيها كلها من نظرة الآخر إليّ كأجنبي. استفاقت هويتي الوطنية، حين تذوقت متعةَ الخلاص من الغربة تحت سماء وطني، وألهمني الشعور بالانتماء إلى أرض ولدت عليها ونشأت فيها.

ليس بوسعنا بناءُ تفسيرٍ علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا، من دون العودة إلى تجربة الخلافة، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة، منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. تشكّلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسةً للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيَّل الذي تشكّل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذّر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، والسلطة، والحكومة، وشكل الدولة.

الخلافة، في ضمير أكثر المسلمين، تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيّلون أنها تعبّر عن هويتهم السياسية، وقد تكرّست صورتها في المتخيّل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، يظل رمزًا، ما دامت تُلقى خطبة الجمعة على المنابر بعنوانه كخليفة، والدعاء يُرفع له، والنقود تسكّ باسمه، مما أسهم في تجذّر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظامٍ رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمدّ قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، بوصفها مرجعية متخيّلة، تعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والحكومة، والدولة، والهوية السياسية.

في دولة الخلافة، كان بإمكان المسلم أن يتنقّل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدّة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، مادام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسّخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دولة الخلافة، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبّل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث.

الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيّلة لدولة الخلافة مازالت تشكّل أرضية خصبة، ذات تأثير فعّال في التمهيد، لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيّل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمضِ عليه قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة كمكون أساسي للهوية السياسية. معنى “الوطن” في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسّس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.

ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثّل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثّل لهم شعورًا بالتماهي مع كلّ مسلم يقطن أرضها، وتغذّي خيالهم بوحدة رمزية وعقائدية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظلّ المتخيّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكوّنًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرّد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالة، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيّل تمثّل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.

بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظلّ ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حيّة في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرّر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيّلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظلّ المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرونٍ على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكوّنات هوية المسلم السياسية، فتتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم، كلّما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. وما يزال عدد غير قليل من المسلمين، إلى اليوم، عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية. ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس الدولة السلطانية، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام دولة الخلافة.

من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمضِ سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية، حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي، عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البناء في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركناً من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية)[1]. لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام، قبل حسن البنا، يقول: إن “الحكومة ركن من أركان الإسلام”، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب والفرق. الماوردي “ت. 450هـ” يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني “ت. 478هـ” إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. لكن في العصر الحديث، جعل أكثر من منظّر من منظّري الإسلام السياسي، الحكم من أركان الدين.

وفي سياق أدبيات هذه الجماعة، وشعاراتها، وأهدافها، تشكّلت رؤية تمجّد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد عدة قرون في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيّل السياسي، توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كلٌّ منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن ما لم يُدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًأ سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة انتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. حين يتحوّل الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيّل، لا حضور له خارج الذاكرة.

[1] الرسالة منشورة على موقع الإخوان المسلمين.

https://alsabaah.iq/115728-.html