الهوية المغلقة تتلاعب بالمعرفة

د. عبد الجبار الرفاعي

تعمد الهويةُ المغلقة إلى التلاعب بالمعرفة؛ فبدلًا من أن تكون المعرفةُ سعيًا متواصلًا لاكتشاف الحقيقة، والكشف عن المزيد من طرق الوصول إليها وتجليتها، وتظلَّ أفقًا مفتوحًا للأسئلة والمراجعات النقدية، تصير وظيفتُها الدفاعَ عن الهوية، وتبريرَ أخطائها وإخفاقاتها مهما كانت مفضوحة. ولا تقتصر هذه الهوية على تسخير المعرفة للدفاع، بل تستخدمها أيضًا لغلق منافذ التساؤل والنقد، ومنع أية محاولة لغربلة التراث وتمحيصه خارج رؤيتها، مع تنمية الحنين للماضي وترسيخه عبر التكرار والمبالغة، وتوليد صورٍ فاتنة له في المتخيل الجمعي، تُظهره بصورةٍ مضيئة لا يشوبها ظلام.

حقلُ العلم غيرُ حقل الدين، وحقلُ المعرفة غيرُ حقل الإيمان. وظيفةُ العلم غيرُ وظيفة الدين، ووظيفةُ المعرفة غيرُ وظيفة الإيمان، مهمةُ رجل العلم في الحياة غيرُ مهمة رجل الدين. العلومُ كونيّةٌ لا هويةَ دينية واعتقادية وأيديولوجية لها، وإلّا لو حاول كلُّ مجتمع أن يبتكر العلومَ من جديد، ويشتقّها في سياقات دينه ومعتقده وميراثه، بدعوى أن العلومَ تأسرها بيئاتُ وثقافاتُ ودياناتُ مَن ينتجها، فإن ذلك، فضلًا عن أنه مُتعذَّر، لأن البشريةَ احتاجت لآلاف السنين حتى وصلت العلومُ إلى هذه المرتبة، يفضي أيضًا إلى تعدّد العلوم والمعارف بعدد الأديان والمعتقدات والثقافات في المجتمعات البشرية، وهذا ما يكذِّبه الحضورُ المكثَّف للعلوم والمعارف في العالَم كلّه، إذ نجدها ذاتَها ماثلة في مراكز الأبحاث والتربية والتعليم والتكنولوجيا ومختلف مجالات الحياة، سواء أكانت في الولايات المتّحدة الأمريكية أو أستراليا أو بريطانيا أو روسيا أو فرنسا أو الهند أو الصين أو اليابان أو ماليزيا أو إيران أو تركيا أو مصر، وغيرها في العالم.

منطقُ التاريخ وقوانينه شاملان، لكن هناك شعورًا كامنًا في لاوعي كثيرٍ من الناس في مجتمعِنا بأنهم يشكّلون استثناءً في حضارتِهم وهويتِهم ومعتقدِهم وثقافتِهم وتاريخِهم، وكأن تاريخهم لا يخضع لما تخضع له تواريخُ المجتمعات الأخرى من قوانين، وثقافتهم تتفوق على كلِّ الثقافات، وتراثهم مختلفٌ عن كلِّ تراث، وهويتهم تنفرد بخصوصياتٍ استثنائيةٍ. ظلَّ هذا الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذي الهويةَ باستمرار، حتى تصلبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، إذْ تعتقد أن كلَّ ما تحتاجه في حاضرِها ومستقبلِها يمدها به ماضيها. صار تراثُها بمثابة منجمٍ زاخرٍ بكلِّ ما هو ضروري لأي عمليةِ بناءٍ ونهوضٍ، وباتت تتوهم بأن علومَها ومعارفها الموروثة تغنيها عن كلِّ علمٍ ومعرفةٍ تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، بدعوى أن هذه المعارف منتجاتٌ لمجتمعات أجنبية تنتهك خصوصيتَها، وتهدد هويتَها، وتؤدي إلى تغريبها.

في إطار الهوية المغلقة الساكنة، يخفق الإنسانُ في تحقيق حضورٍ حقيقي في عالمٍ يتغير فيه كلُّ شيء، لأن الحضورَ الفعلي في العالم يفرض عليه أن يتغير هو ذاته مع تغيّر العالم. لم تعد أسوارُ أيةِ هويةٍ تعاند التاريخَ قادرةً على حماية نفسها أو إبقاءِ كلِّ ما كان كما كان، في عالمٍ بات فيه التغييرُ شرطًا لازمًا للبقاء.

حين تنغلق الثقافةُ والهويةُ والحضارة على ذاتها وتتوهم أنها نهائية ومكتفية، تدخل مسارَ انحطاطها واندثارها وتعرضها للنسيان. لا معرفةَ حيّة مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ حيّة مكتفية بذاتها، لا هويةَ حيّة مكتفية بذاتها، ولا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها.كلُّ هوية حيّة مركبة تغتني بالانفتاح والتفاعل مع غيرها من الهويات.كلُّ ثقافة حيّة مركبة تغتني بالانفتاح والتفاعل مع غيرها من الثقافات، وكلُّ حضارة حيّة مركبة تنصهر فيها مكونات عدة حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا من خلال تفاعل خلّاق للخبرات الإنسانية العالمية المشتركة؛ إذ تلتقي هذه الخبرات في مركب أكثف لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحلي في الوقت الذي هو عالمي. العلوم الطبيعية والعلوم الصرفة علوم كونية، أما العلوم الإنسانية فالكوني فيها أكبر بكثير من المحلي، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته.

تعيد الهويةُ المغلقة بناءَ نظامٍ معرفي داخلي مغلقٍ يختص بها، تحرص على تميّزه بلغةٍ ومصطلحاتٍ خاصة، وتعمل على شيطنة المصادر الخارجية للمعرفة، خاصةً في الفلسفة والعلوم الإنسانية، من خلال تشويهها وتقويلها ما لا تقول. وأحيانًا تستعير شيئًا من نظرياتها ومفاهيمها وتخلع عليها تسميات تراثية، كما يحدث في محاولات “أسلمة علم النفس”، إذ يجري نسخ ما يقوله علم النفس الحديث، وإطلاق أسماء تعود للتراث الديني عليه، ومثل ذلك يجري في أسلمة غيره من علوم الإنسان والمجتمع.

كما يجري توظيف المقدّس كأداة احتكار معرفي، إذ يُوصَف ما يعود للتراث الديني بأنه مقدّس يلزم تبنّيه واعتباره مرجعيةً لمختلف أنواع المعرفة؛ وفي ضوء ذلك التراث تتحدد مشروعية المعرفة وقبولها، أو عدم مشروعيتها ورفضها. وتُستعمل لغةٌ عاطفيةٌ متوترةٌ مشحونةٌ بمصطلحات ذات إيقاعٍ حربي، مثل مصطلح “الغزو الثقافي” في توصيف أية معرفة يتلقاها الإنسان من خارج تراثه، مع تعبئة مشاعر المجتمع ضد خطرها وآثارها الفتاكة.

عندما تصبح المعرفةُ العلمية موضوعًا للإيمان أو الدين أو العقيدة، فإنها تخرج عن كونها معرفةً بالمعنى الدقيق. ما يُسمى بـ “أسلمة المعرفة” وأمثالها ليست سوى محاولات لإنتاج هوية دينية وعقائدية للمعرفة في مختلف المذاهب الإسلامية. في هذه الحالة، تتحول المعرفة إلى ذاتٍ مغتربة عن ذاتها، إذ ترفض الهوية الدينية والعقائدية للمعرفة التفكيرَ النقدي، وتعاند النقاش، وتنزعج من التساؤل، وتُقلقها المراجعة، ولا تقبل التأمل وإعادة النظر،كما تتنكر للغربلة والتمحيص. المعرفة العلمية تزلزل اليقينيات وتثير الشكوك والأسئلة، والشكوك والأسئلة يُجهضان التسليم المطلق الذي تفرضه الهويات المغلقة. حين تتدخل الهويات الدينية أو العقائدية في المعرفة العلمية، فإنها تفسدها من الداخل. أسوارُ الهوية المغلقة حين تسجن فيها المعرفة العلمية تخنقها وتميت روحها الحيّة. ما يُعرف بـ “الإعجاز العلمي” وأمثاله هو تعبير عن أيديولوجيا أسلمة العلوم والمعارف، وهو نموذج واضح لهذا التداخل الذي يفسد المعرفة العلمية.

كان التنكّرُ للأبعاد الكونية في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع أعقدَ مأزقٍ تورّط فيه العقلُ الدينيُّ والقوميُّ في عصرنا، خاصة في مجتمعاتنا. وقد ظهر ذلك بوضوحٍ في مشاريع استنزفت أموالًا طائلة وأهدرت عقولًا فذّة، وظلَّ وهمُها يلاحق عدةَ أجيال إلى اليوم، تلك المشاريع التي تسعى بلا جدوى منذ عقود لاكتشافِ هويةٍ دينية للعلوم والمعارف، أو التنقيب عن هويةٍ قوميّةٍ ضائعةٍ للعلم والمعرفة. نوستالجيا الهوية وأوهامها عن الذات الحضارية تدعو كثيرين للمطالبة بالكفّ عن استعارة المعرفة العلمية، بدعوى تحقيق الذات الحضارية بعيدًا عن هيمنة الآخر الغربي. لكن ألا يجدر بهؤلاء أن يتساءلوا: أين هي علوم الذات الحديثة؟! كيف يمكننا أن نقطع الصلة بالعلوم الطبيعية والعلوم البحتة والعلوم التطبيقية والذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية الحديثة، وهي علوم تطورت وتوالدت وازدهرت في مجتمعات أخرى خارج المجتمعات الإسلامية؟

إدمانُ مديح الماضي والحنين إليه في أحاديثنا وكتاباتنا ليس إلا تعبيرًا عن الإخفاق في الحضور الفعلي في عالم اليوم من خلال منجز حقيقي.كلُّ من يعجز عن الحضور عبر منجزه يلجأ إلى تعويض ذلك بفعلٍ يوهمه بالحضور. مديحُ الماضي هو شكلٌ من أشكال استجداء الاعتراف من الآخر الذي يفرض حضوره في عالم اليوم بمنجزه. هذا الحنين يفضي إلى المزيد من الضياع في أنفاقِ التراث، والغرقِ في متاهاته، وتقليدِ القدماءِ في كلِّ شيء، ومع التقليد يكفُّ العقلُ عن أن يكون عقلًا، ويتوقف التفكيرُ عن التساؤل والنقد.

https://alsabaah.iq/114451-.html

الهوية المغلقة تتلاعب بالذاكرة

د. عبد الجبار الرفاعي

التقيتُ ببعضِ الأصدقاءِ ممن هاجروا إلى بعضِ الدولِ الغربية، إثرَ اختناقِهم بالانغلاقِ والتشدُّدِ في مجتمعاتِهم، وأقاموا هناك سنواتٍ طويلةً، اكتسبوا فيها جنسيةَ تلك الدول. كان لديهم شغفٌ شديدٌ للعيشِ في دولةٍ غربيةٍ، يترقَّبون أن توفِّرَ لهم ضمانًا للعيشِ والصحةِ، ويَحميَهم فيها القانونُ، الذي يساوي بينهم وبين المواطنين غيرِهم، ويوفِّرَ لهم حريةً فكريةً وسياسيةً وحريةَ تعبيرٍ، ويحرِّرَهم من الإكراهِ على الولاءِ والطاعةِ العمياء. رأيتُ هؤلاء بعد سنواتٍ طويلةٍ من الإقامةِ في تلك البلدان، ينظرون لكلِّ شيءٍ في آفاقِ الحنينِ لهويتهم الموروثة، إلى درجةٍ بدأوا فيها يبجِّلون ما كانوا يعلنون كراهيتَهم له ونفورَهم منه، وصاروا مفتونين بما كان يثير اشمئزازَهم في بلادِهم، حتى أمسَوا أكثرَ تعصُّبًا وانغلاقًا وتشدُّدًا مما هربوا منه.

تساءلتُ عن هذا الانقلابِ كيف حدث بهذه الكيفيةِ المثيرة، على الرغم من معرفتهم بأن لا شيءَ تغيَّر نحو الأفضل مما هربوا منه. أدركتُ أن الإنسانَ عندما يغترب عن وطنه، ويعيش في فضاءِ هويةٍ مختلفةٍ عن هويته، تحذفُ ذاكرته ما كابده في مجتمعه من بؤسٍ وشقاءٍ، ولا تحتفظ إلا بصورٍ فاتنةٍ من طفولته وصباه وذكرياتٍ مريحةٍ من حياته الماضية، يعيد متخيِّلُه إنتاجَها بأبهى أشكالها، ويَبتكِرُ لها صورةً خلّابَةً. ما يستدعي حضورَ الهوية هو شعورُها بالاغتراب، وممانعتُها الاندماجَ بهويةِ المجتمع الذي يعيش فيه المهاجر، إثرَ ما يستفزه ويضاعف آلامَه من تمييزٍ مضمرٍ ضد المهاجرين، وما يشعره بالعزلة والعجزِ عن بناءِ روابطَ اجتماعيةٍ تعيد ما ألفه من روابطَ في مجتمعه ووطنه الأصلي. يستحثُّ ذلك هويتَه الدينيةَ والطائفيةَ والعرقيةَ والثقافيةَ على أن تعلن عن حضورِها بثقةٍ وفاعليةٍ، وتتصلَّبَ وتنغلقَ، ويستبدَّ به الشوقُ والحنينُ للصورةِ الآسرةِ المتخيَّلة للوطن والمجتمع الذي وُلِد وترعرع فيه، كما يستبدُّ به تضخُّمُ الشعور بتهديدِ هويته الدينيةِ والطائفيةِ والعرقيةِ والثقافيةِ وتذويبِها، فتصبح وظيفةُ المغتربِ حمايةَ هويته والاحتماءَ بها، ورفضَ أيةِ محاولةٍ لنقدها أو مسائلتها أو الإعلان عن ثغراتِها وأخطائها وإخفاقاتها وتعصُّباتها وانغلاقها، أو تذكيره بما كان ينهجُها فيه وكان سببًا لهجرته.

وفي ضوء ما يشرحه بيير بورديو في «الهابيتوس» (habitus)، يمكن أن نفسِّر هذا الاغترابَ الذي يعيشه بعضُ المغتربين عن أوطانهم، وكيف يمارس الحنينُ نسيانَ ذاكرةِ ألمِ الماضي، وبناءَ ذاكرةٍ بديلةٍ مبهجةٍ، وتكوينَ معرفةٍ فاتنةٍ متخيَّلةٍ بماضي المغترب وهويته. يرى بورديو أن الإنسانَ ينشأ في إطارِ هابيتوس يتشكَّل من معتقداتٍ وتقاليدَ وعاداتٍ ومفاهيمَ ورموزٍ، فيكون إطارًا عميقًا للهوية والسلوك والذوق، يترسَّخ في البنية اللاواعيةِ العميقة لشخصيته منذ الطفولة. وحين يغترب الإنسانُ ويعيش في فضاءِ هويةٍ مغايرةٍ لهويته، يحدث تنافرٌ بنيويٌّ بين: الجسدِ واللاوعي اللذين يواصلان الاستمرارَ في نمطِ هابيتوس هويةِ وثقافةِ مجتمعه، وهويةِ وثقافةِ مغتربِه، مما يخلق صراعًا حادًّا بين ما هو متجذِّرٌ في شخصيته، ورأسِ المالِ الثقافيِّ المفروض عليه في غربته، فيتسبب في اغترابٍ مريرٍ يشتدُّ ويتفاقم بمرور الأيام، وبموازاته حنينٌ حادٌّ لهوية الأمس. ويعمل العنفُ الرمزيُّ بخفاءٍ على إكراه الإنسانِ في مغتربِه على نسيانِ ماضيه ومحوِ ذاكرته والاندماجِ ببيئتِه اليوم. وهذا ما يُحفِّز المغتربَ على محوِ ما يثير النفورَ والخجلَ والألمَ والرفضَ من ذاكرةِ الأمس، واستبداله بصورٍ تجعل الذاكرةَ مصدرَ إغواءٍ فاتنةٍ، وهويةَ أمسَ مثارَ إعجابٍ واشتياقٍ.

بول ريكور تَحَدَّثَ في كتابه: “الذاكرة، التاريخ، النسيان”، عن نوعين مختلفين من الذاكرة، النوع الأول: ذاكرةٌ حقيقيةٌ تعمل على استحضار الماضي كما كان بأمانةٍ وصدقٍ قدر ما يتمكن الإنسان، وذلك يرتبط بمفهوم الشهادة عند ريكور، بما يعنيه من وفاءٍ للتجربة الإنسانية والحقيقة التاريخية. وهذه الذاكرة تحرص على الحديث عن الوقائع التاريخية كما وقعت، والتحدث عن الشخصيات كما كانت، بعيدًا عن الإضافات والتحريفات، والتأويلات المتعسفة، وإن كانت عمليةُ الاستذكار ذاتَها تعني إعادةَ بناءٍ، وهذه الإعادة لا تخلو من تأويلٍ، غير أنه ضربٌ من التأويل الذي لا يزيف. والنوع الثاني من الذاكرة: ذاكرةٌ موجَّهة، يجري ابتكارُها وتوجيهُها وفقًا لمطامحَ أيديولوجيةٍ، كما تفعل الهوياتُ المغلقةُ، عندما تعمل على صياغة الماضي لتوظيفه في مطامحَ تنشدها الهويةُ في الحاضر. الهويةُ المغلقةُ لا ترى التنوعَ والتعقيدَ في الهويات، وتكون منحازةً وأسيرةً لصورة تحلم بها وتشدد على خلقها، فتعمد لانتقاء ما يجعل هذه الصورة أجملَ، وإن كان لا تعرفه الهويةُ في ماضيها، وتحرص على تكريس “نحن” مقابل “هم” على الدوام.

الهوياتُ سردياتٌ تصوغ بها المجتمعاتُ صورتَها عن نفسها، فترسمها بالكلمات، في ضوء ما تحلم به ويحلُو لها وتتمناه. وتستبعد ما يخصُّ الآخرَ المختلفَ، بل وتعمل على تهميش روايةِ المختلفِ في داخل الهوية وتتجاهلها، ولا تمتنع عن تسويغ العنف الرمزي والجسدي ضدَّه في بعض الحالات. وحذفُ ذاكرة التنوع والتعايش في إطار الاختلاف داخل المجتمع في الماضي، واستحضارُ صورةٍ واحدةٍ للهوية لا غير. وبذلك تختزل الهويةُ المغلقةُ الماضي في ذاكرةٍ أيديولوجيةٍ، تنتقيها مما تتمناه وترغب فيه، وتستبعد ما لا ترغب فيه. في ضوء ذلك تكون الذاكرةُ الحقيقيةُ مزيجًا من الحقيقة والتأويل، وهو تأويلٌ بمعنى إعادة بناءٍ، لكن الذاكرةَ الأيديولوجية الموجَّهة لا تحرص على اكتشاف الحقيقة، قدر حرصها على توجيه الذاكرة لبناء روايةِ هويةِ جماعةٍ عن ماضيها، بحيث يجري توظيف الروايةِ بالكيفية التي تفرضها الأيديولوجيا.

الإنسانُ المغتربُ يتصرَّفُ بذاكرةِ الألمِ فيعيدُ تشكيلَها، بعد حذفٍ وإضافاتٍ يُمارسُها متخيِّلُه، في ضوءِ رغباتِه وأمانيه، بكيفيةٍ يحدثُ فيها تلاعُبٌ في الذاكرةِ بالخلاصِ من صُوَرِ آلامِ الأمس، وابتكارِ ذاكرةٍ تختزنُ صورًا جميلةً للماضي، إذ يجري إعادةُ خلقِ الذاكرةِ، فبدلًا من كونِها منبعًا للألمِ والإحباطِ تصيرُ منبعًا للثقةِ والأملِ. ويتَصاعدُ الحنينُ حدَّ الشغفِ بالماضي، بنحوٍ يُضيِّعُ الوعيَ النقديَّ، ويُعطِّلُ التساؤلَ، ويُعيدُ خلقَ الذاكرةِ ويستبدلُها بما يتمنَّى أن تكونَ عليه. عندما تنغلقُ الهويةُ تنظرُ لذاتها بوصفِها نهائيةً كاملةً مكتفيةً بنفسِها، وتُعيدُ صياغةَ ماضيها وحاضرِها، بحيثُ ترى ذاتَها على الدوام؛ إما متفوِّقةً على غيرِها أو مظلومةً مضطهَدةً، وكأنْ لا شيء آخرَ في تاريخِها سوى كونِها بطلةً، أو ضحيةً لأعداءَ متربصينَ بها، وتَخترعُ حكاياتٍ متنوِّعةً لكيفيةِ تآمرِ أولئك الأعداءِ عليها. يحرصُ على صناعةِ هذه الحكاياتِ وترويجِها الزعماءُ المستبدُّون وأجهزتُهم الدعائيةُ الفعّالةُ، بغيةَ تبريرِ استبدادِهم وتكريسِه، وخَلعِ المشروعيةِ على قمعِهم. وتَحتجبُ خلفَ ذلك مختلِفُ العواملِ الداخليةِ للإخفاقِ والفشلِ، فلا يُفكَّرُ في أثرِ الاستبدادِ السياسيِّ والدينيِّ، ولا في مصادرةِ حرياتِ وحقوقِ المواطنينَ، ولا في تفشِّي القيمِ والتقاليدِ المتحجِّرةِ، ولا في شيوعِ الأميةِ والتجهيلِ والتخلُّفِ.

ويجري تلاعُبُ الهويةِ المغلقةِ بالذاكرةِ بكيفيةٍ تُعلي من قيمةِ كلِّ شيءٍ ينتمي إليها، وتنتقصُ من قيمةِ كلِّ شيءٍ ينتمي لغيرها، فتعمدُ إلى حذفِ المظالمِ والهزائمِ من تاريخِها، وتضخيمِ الانتصاراتِ والإنجازاتِ وتصويرها بشكلٍ مُبهِر، وإعادةِ إخراجِها بشكلٍ يجعلُها تتنكَّرُ للواقعةِ المدونةِ في المراجعِ التاريخيةِ المتاخمةِ لعصرِها، وكثيرًا ما تنتقلُ الواقعةُ من كونِها حادثةً وقعت في زمانٍ ومكانٍ معينٍ وتلتحقُ بالأساطيرِ، يراها أتباعُ الهويةِ المغلقةِ بوصفِها مفارقةً لعصرِها ومتعاليةً على التاريخِ، وذلك ما يتجلَّى في الوقائعِ التاريخيةِ التي تَقترنُ بطولتَها بشخصياتٍ دينيةٍ في مختلفِ الأديانِ.كلُّ هويةٍ يَخترعُ متخيِّلُها أساطيرَها الخاصةَ، ويتمادى متخيِّلُها في افتعالِ ما يريدُ أن يراه من صورٍ مبهجةٍ لهويتِه المترسِّبةِ في أعماقِه. كل هوية يخترع متخيلها أساطيرها الخاصة، ويتمادى متخيلها في افتعال ما يريد أن يراه من صور مبهجة لهويته المترسبة في أعماقه.

تعملُ الهويةُ المغلقةُ على إعادةِ خلقِ ذاكرةٍ موازيةٍ لها، تَنتقي فيها من كلِّ شيءٍ، في تاريخِها وتراثِها، ما هو الأجملُ والأكملُ، ولا تكتفي بذلك، بل تَسلُبُ ما يمكنُها من الأجملِ والأكملِ في تاريخِ وتراثِ ما حولَها، فتستولي على ما هو مضيءٌ فيه. يَجري كلُّ ذلك في ضوءِ اصطفاءِ الهويةِ لذاتِها، لذلك تَعمَدُ إلى حذفِ كلِّ خساراتِ الماضي وإخفاقاتِه من ذاكرةِ الجماعةِ، ولا تتوقَّفُ عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي جماعاتٍ مجاورةٍ لها، والتكتُّمِ على مكاسبِها ومنجزاتِها عبرَ التاريخِ.

https://alsabaah.iq/114075-.html

الهوية في حالة صيرورة وتشكّل

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية علائقية بطبيعتها، تتحقّق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويُعاد تشكّلها في فضاء ما يجري على الهويات الموازية لها، وهذا ما يفرض عليها أن تعيد تكوينها في إطار ما يجري على الهويات الأخرى. الهوية تعني وجود هوية مقابلة لها، الهوية بطبيعتها علائقية، لا توجد في فراغ، انها نسيج صلات متشابكة، وصيرورة مستمرة تتحقق بها أنماط وجودها. الهوية ليست صخرة جامدة، الهوية الحيّة ديناميكية، تتفاعل وتنفعل، تستقي من غيرها وتسقي غيرها، تأخذ وتعطي، ويعاد تشكّلها على الدوام عبر الاستيعاب والتمثل.

تتشكل الهوية الحيّة تبعًا لكيفية صلاتها وعلاقاتها بالهويات الأخرى الموازية لها، فهي تصاغ في سياق: تضادها، تضامنها، تسوياتها، تساكنها، مع الهويات الأخرى. ففي سياق تضادها تتحقّق الهوية بإعادة تعريف ذاتها، كي تستجيب لنزوعها للتفرد والتميز، فتعمل على اكتشاف وتكريس مزاياها وميزاتها الثقافية والرمزية والحضارية، وتحاول تكريس ما هو حاضر منها، وإحياء ما هو منسي وما يمكن إحياؤه وتنميته منها. في سياق تضامنها تتحقّق الهوية بكيفية تتعلم فيها من هويات ديناميكية خلّاقة، استطاعت أن تراكم منجزات معرفية وعلمية وتكنولوجية وثقافية وحضارية، فرضت حضورها عالميًا، فتبحث الهوية عن المشتركات وما يمكن أن تتمثله ويدخل في نسيجها منها، من غير أن تنصهر في تلك الهوية الأخرى. وفي سياق التسويات تتحقّق الهوية بكيفية تتفادى فيها الصدام والصراعات المسلحة مع الهويات المنافسة، وتتمرن على سياسة الاحتواء ما أمكنها ذلك، ولا تتورط في المواقف الصفرية، التي تخسر فيها كل شيء. وفي سياق تساكنها تتحقّق الهوية بكيفية تعيد فيها تعريف ذاتها، واكتشاف حدودها بوضوح وحدود غيرها من الهويات المساكنة لها.

الهوية كائن حي في حالة صيرورة مستمرة، وكل صيرورة تحوّل متواصل، لا تولد أية هوية ناجزة مكتملة، الهوية تتخلق عبر الزمن، في سياق علاقاتها بالهويات الأخرى، وتجاربها وخبراتها، وقدرتها على التفاعل الخلّاق مع غيرها، فكل تجربة في تفاعل للهوية مع هوية مختلفة دينيًا وعقائديًا وثقافيًا ولغويًا تترك بصمتها في بناء هذه الهوية وإعادة إنتاجها لذاتها. وكما تحدث النجاحات والانتصارات أثرها في تكامل الهوية وتثريها، تحدث الصدمات العظمى والانكسارات والهزائم آثارها الموجعة وجروحها العميقة، عبر استفزاز الهوية الحيّة إلى إعادة النظر في: رؤيتها للعالم، وثقافتها، ومفاهيمها الأساسية، فتسارع إلى تفكيكها ونقدها وتمحيصها، والتحرر مما قادها لهذه الصدمات والانكسارات بشجاعة.

الهوية كائن اجتماعي ثقافي لغوي سياسي متحوّل، تعيش الهوية في عالم تتفاعل وتتصادم فيه هويات متعددة متنوعة. لا تستطيع أية هوية عزل نفسها عمّا يجري حولها من تحولات مختلفة في العالم، وإيقاع متسارع حاد التغيير في كل شيء، ولا يمكن أن يتغيّر كل شيء فيما تظل الهوية ساكنة. مهما حاولت الهوية أن تسجن نفسها في محيط خاص بها تفشل، وفي هذا العصر الرقمي يصير فشلها حتميًا، فهي أمام خيارين: أما أن تواكب ايقاع الواقع، أو تنسحب منه وتنكفئ في متحف الهويات القابعة في متحف التاريخ.

إذا تعطلت ديناميكية تفاعل الهوية مع العالم الذي تعيش فيه، وعاندت الواقع، وأنكرت ما يجري من حولها، فإنها تنغلق على نفسها، وتنكمش وتتصلب، وتندثر وتنسحب من العالم في خاتمة المطاف. ممانعة الهوية ومكوثها في أنفاق الماضي تفضي إلى انسدادها وتحجرها، ومن ثم خروجها من العصر؛ ذلك أن كل هوية تفشل في إعادة إنتاج ذاتها في سياق يواكب إيقاع التحولات المتسارعة في الواقع، وتعجز عن الإسهام في بناء الواقع، يفرض عليها التاريخ أن تغيب، إذ إن كل من يعجز عن صناعة التاريخ لا محل له في ذاكرته.

بنية الهوية في عالمنا اليوم لم تعد بسيطة، بل صارت مركبة عميقة تتألف من سلسلة طبقات متنوعة المكونات، وتتزاحم عليها صور متعددة. لا تلبث مكوناتها على الدوام في سلم ترتيبها، ولا تمكث في مواقعها، ولا تقف الصور المتعاقبة عليها عند صورة واحدة، لذلك تتطلب معرفتها تفكيرًا صبورًا، يتوغّل في طبقاتها، ويحلّل عناصرها، ويضيء صورها المتلاحقة. تسارعَ تحوّل الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية وتكنولوجيا النانو والمنعطفات والقفزات الهائلة في العلوم المختلفة والتكنولوجيات الجديدة، فقد تعددت وجوه الهوية وتنوعت أبعادها. الواقع الشديد التحوّل يفرض عليها أن تصير سيّالة متغيّرة، تتعدد عناصرها وتتنوّع مكوناتها تبعًا لتعدد وتنوع إيقاع حركة الواقع الشديد التركيب والتحوّل، لذلك يفرض الواقع الراهن على الهوية التي تتشبث بالبقاء طريقة للعيش تواكب إيقاعه، كي تبقى مسجلة على قيد الحياة، وإن كانت هذه المواكبة قلقة مضطربة مشوهة هشّة في مجتمعاتنا. لا خيار للهوية إلا أن تخرج من قوقعتها، كي لا يمحو وجودها واقع يتغيّر فيه كل شيء، ولتحتفظ بشيء من عناصر البقاء، حتى لو كانت مضطربة مشوشة.

الهوية المفتوحة تتفاعل مع الهويات المتنوعة بلا وجل، وبما أنها في حالة تشكّل متواصلة فهي في حالة تعلّم واستكشاف أبدي، لا ترى للمعرفة مديات نهائية، ولا تراها قارة ساكنة، بل ترى المعرفة أفقًا مضيئًا لانهائيًا، يستمد فيه الإنسان قدرته على تطوير ذاته فردًا ومجتمعًا، وإثراء هويته وإنضاجها. ولا تدعي الهوية المفتوحة احتكار الحقيقة مثلما تفعل الهوية المغلقة، وإنما ترى الحقيقة وطرق الوصول إليها أوسع من أن تحتكرها هوية خاصة، أو يحتكرها عقل واحد. وذلك ما يجعل الهوية المفتوحة مستعدة لمسائلة ذاتها، ونبش أرشيفاتها، واكتشاف ثغراتها، والنظر لتاريخها بوصفه محكومًا بما يخضع له تاريخ المجتمعات من صعود وهبوط، وانتصارات وهزائم، وتقدم وتخلف، ولا تراه تاريخًا استثنائيًا متفردًا، يتفوق على المجتمعات البشرية في مختلف مراحله وعصوره. ويفرض على هذه الهوية وعيها النقدي التمييز بين محطات الإخفاق ومحطات التفوق، وتتعامل مع ما حدث في تاريخها بجسارة، ولا تلجأ للتنكر لما حدث فيه من مظالم واضطهادات للمختلف أحيانًا والتنكيل به. الإنسان الذي يتربى في سياق هوية مفتوحة تتحلى شخصيته باحترام المختلف، وقبول التعددية الدينية والعقائدية والثقافية واللغوية والإثنية في المجتمع، والقدرة على العيش في فضاء الاختلاف والتنوع، بلا شعور بالاصطفاء والتفوق على غيره، مهما كان دينه ومعتقده وإثنيته وثقافته ولغته.

https://alsabaah.iq/113752-.html

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

د. عبد الجبار الرفاعي

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والفرَق والمذاهب، ليس هناك فرقٌ نوعيٌّ بين الاتجاهات السلفية للأديان والفرَق والمذاهب، سواءٌ أكانت سماوية أو أرضية. تتنوّع الأقنعةُ السلفية وتتعدّد إلا أن المضمونَ المتشدّد واحدٌ أيًّا كان دينُ السلفي ومعتقده. السلفية كالأصولية والتراثية، مهما تنوّعت التسميات، تعكس تصورًا لازمانياً للعلوم والهوية والمعارف الدينية، ورؤية خاصة للعالَم، وبنيةً فكرية وعاطفية وسيكولوجية، وقراءةً حرفية مغلقة متشدّدة للنصوص الدينية. الإسلام السلفي المتشدد أغلق العقل، وأطفأ جذوة الروح، وعبث بذائقة القلب.

أقصدُ بالسلفية تعطيلَ عقل الإنسان الفرد، أو تنازلَ الإنسان عن عقله واستسلامَه بشكل تام لما يقوله التفسيرُ المغلق المتشدّد لنصوص معتقده. لا أقصد بالسلفيةِ دينًا معينًا أو مذهبًا خاصًّا أو فرقةً بذاتها. السلفيةُ كأنها وعاءٌ يمكن أن تشغله أيةُ عقيدة أو أيديولوجيا، سواء أكانت دينيةً أو دنيوية، سواء أكانت يسارية أممية، أو يسارية قومية، أو يسارية أصولية. المواقفُ متشابهة، كلُّ سلفي مغلَق، بغضّ النظر عن عقيدته والأيديولوجيا التي تحرّكه، كلٌّ منهم يشعر بالاصطفاء لمعتقده وتراثه وهويته وماضيه وجماعته، وغير مستعد للاستماع إلا إلى صوته.

لعل أدقّ تصوير لرؤية السلفي للعالَم هو ما كتبه هربرت جورج ويلز في قصة “بلد العميان” الصادرة سنة 1904، التي شرح فيها مصيرَ جماعةٍ من البشر معزولين عن الناس، يعيشون في وادٍ تحتضنه جبالٌ منيعة، يتفشى بينهم مرضٌ يفتك بأبصارهم، يتوارثُ هذا المرضَ الأبناءُ من الآباء، ويحيل الكلَّ إلى عميان. بعدَ أن يختفي من حياتهم البصرُ نهائيًّا يموتُ المعنى الذي يدلّ عليه البصرُ في أذهانهم. عندما يصيرُ العمى شاملًا يترسخُ حضورُه بما هو معنىً لا مقابلَ له ينفيه، فيشعرون جميعًا أن العمى هو الحالة الطبيعية، وأن واديهم هو العالَم الذي لا عالَم خارجه.

السلفيةُ طريقةُ تفكيرٍ ورؤيةٌ للعالَم يسكنها التوهم ويغيب عنها الواقع، التربيةُ السلفية في الأديان تجعلُ الإنسانَ يُضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل ماضٍ رومانسي متخيَّل لم يتحقّق أمس، ويعتقد بأن وظيفتَه استئنافُ الماضي كما رسمته المخيلة، ومناهضةُ كلّ شيءٍ لم يقع في الماضي لأنه ابتداعٌ.

لا يحدثُ تطورٌ في حياة المجتمع من دون إبداع، فإذا كان كلُّ إبداع ابتداع كيف يتطورُ المجتمع. هذه التربيةُ تُشعِر مَنْ يتشبّع بها وينحبس في إطارها بأنه الوكيلُ الحصريّ للحضرة الربوبية، والسلطانُ المتوّج بعناية إلهية استثنائية، والحاكمُ المفوّض بتفتيش الضمير الديني للناس ومعتقداتهم. يورّطُ هذا الشعورُ السلفيَّ بإصدار حكمه على مَنْ يشاء، يُدخِل للدين مَنْ يشاء، ويُخرِج من الدين مَنْ يشاء. وأحيانًا يقوده هذا الشعورُ لاستخدام العنف مع مَنْ يشاء، سواء أكان عنفًا لفظيًّا، أو رمزيًّا، وربما جسديًّا.

الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرطٌ في التاريخ ومشروطياته، يخضع الدينُ في الحياة لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة الحاضنة له. تختلف تمثلاتُ الدين باختلاف المجتمعات وثقافاتها ولغاتها ودرجة تطورها الحضاري، ويختلف التعبيرُ عنه باختلاف المدن والأرياف والإثنيات واللغات والثقافات في بلد واحد. إذا أردنا إنتاج فهمٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ وجماليٍّ للدين ونصوصه، وخفض وتيرة العنف الناتج عن القراءة المغلقة للنصوص الدينية، يجب العملُ على تغيير وعي الإنسان وظروفه المعاشية وثقافته، واعتمادُ المناهج الحديثة لتفسير النصوص الدينية. في المجتمعات المتحضرة المكفول عيش أفرادها ويحكمها قانون عادل صارم، يحدث أيضًا فهم عنيف للدين لكنه يظل محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ مجتمعي يعصف بالبناء الاجتماعي، ويزلزل ركائز الدولة ويهشِّم مؤسساتها،كما يحدث في الدول الفاشلة والمجتمعات القلقة.

السلفية في كلِّ الأديان والمعتقدات والمذاهب تعمل على تعطيلِ إيقاع الزمان، وإيقافِ صيرورة التاريخ، ومحاولة تحويلِ الحاضر والمستقبل إلى ماضٍ يتكرّر فيه كلُّ شيء إلى ما لا نهاية. السلفية في الإسلام تريد أن يخرج المسلمُ من القرن الواحد والعشرين، ويرحل ليعيش في عصر الصحابة وظروفه وأحواله وملابساته، ويستنسخ كيفيةَ عيشه شكلًا ومضمونًا، وطريقةَ إدارته لكلِّ شيء في الحياة. إنها ترى وظيفة كلّ مسلم يعكسها استعداده لاقتباس نمط عيشه من عصر الرسالة وكأنه أحدُ الصحابة، بنحو يتحوّل إلى نسخة مماثلة تعيد انتاجَ أنماط العلاقات والمعاملات والثقافة والفنون والآداب، وتقلّد الصحابةَ حتى في الذوق واللباس والأزياء.

من نتائج هذه الرؤية توسيع دائرة المحرمات في الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، بنحو يضيق فيه فضاء حريته، ويختنق الإنسان فلا يرى من حوله إلا ممنوعات، لا يسمح له بالاقتراب منها. حدث ذلك بعد عدة قرون من عصر البعثة، حتى صار الحرام كأنه هو الأصل. فمثلًا أضحت الفنون الجميلة بكل تعبيراتها السمعية والمرئية محرمة عند أكثر الفقهاء في مختلف المذاهب، واتسع التحريم عند بعضهم ليستوعب كل ما ينتج مرحًا وفرحًا وابتهاجًا.

التحريم موقف ديني حيال العالم، اتساعه بمرور الزمان في الأديان والمذاهب، يتطلب دراسات معمقة في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والديني للمجتمعات، وتوظيف علوم الاقتصاد والسياسة، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والميثيولوجيا وعلم النفس والألسنيات الحديثة، لكشف الصلة العضوية بين حدود التحريم وتمدّده وحدود السلطة الروحية والسياسية وتمدّدها. هذا النوع من القراءة ضروري للكشف عن كيفية الاختباء خلف رداء المقدّس، وتوظيفه بوصفه قناعًا، في صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة السياسية للمجال السياسي والاستحواذ عليه، والسلطة الروحية للمجال الديني، والعمل على تمديده على الدوام، عبر استملاك المجال العام رمزيًّا. حدود السلطة الروحية حدود المقدّس، فكلما اتسعت حدود المقدّس اتسعت حدود هذه السلطة.

‏ الإنسان يخاف المجهول، المستقبل مجهول. ويتوجس الإنسان مما هو مباغت، الحاضر الذي يعيش فيه لا يخلو من المُباغتات. الماضي صار في الذاكرة، والذاكرة تمحو الصورَ المؤلمة، وتحتفظ بالصور الجميلة. تكمن قوةُ السلفية في امتلاكها للمتخيّل، وفي قدرتها البارعة على إعادة إنتاج صورة آسرة خلّابة للماضي في المتخيّل. ‏من يتحكم بالمتخيّل يتحكم بنظام إنتاج السلطة بأنماطها المختلفة.

تعطل السلفيةُ في الأديان إيقاعَ العصر، وتجهض صيرورةَ التاريخ؛ إذ تعمل على توظيف سلطة الحرام وتكريس سطوته، بنحو يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الفردية والمجتمعية. مثل تحريم الفنون الجميلة بتعبيراتها السمعية والمرئية، وما جاء متأخرًا بعد اتساع دائرة الحرام عن عصر الرسالة. الابتهاج بهذه الفنون يجعل الإنسان أقل عرضة للاكتئاب والحزن، الإنسان غير الكئيب أقل خوفًا، والإنسان غير الخائف أكثر قدرة على الجرأة واستعمال عقله الخاص في التفكير. الخوف أداة عنيفة في ترويض الناس وإخضاعهم للسلطة السياسية والروحية.

أكثر الكتابات السلفية وسلوك السلفيين يجعل القلبَ ينفر من الله. طبيعة الإنسان ضدّ صورة الله المظلمة الكئيبة التي رسمتها السلفية. لا أظن هناك إنسانًا يستغني عن الله، لو رأى صورةً مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورَها. لحظة يرى الإنسانُ صورةَ الله كما رسمها هو لذاته: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: 35)، ينصت لصوت الله في الوجود ويبتهج بالوصال معه.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الإسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجال الدين وحدوده، ومجال الدنيوي وحدوده، ويكفُّ أكثر الكتّاب في الدين عن التلفيق، ولصق كل ما يغويهم بالدين. لن نكتشف طريق الخلاص مالم يكن الدين دينًا لا غير، والمقدّس مقدسًا لا غير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرة آخرة لا غير، والفلسفة فلسفة لا غير، والعلم علمًا لا غير، والأسطورة أسطورةً لا غير، والمتخيل متخيلًا لا غير، والأدب أدباً لا غير، والفن فناً لا غير. لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كُلّ منها، وإنما بمعنى رسم خارطة الحدود لكلّ واحدٍ منها، وصورة تضيء ملامحه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد إطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته. خلط الدين بكل شيء يُفْسِد ذلك الشيء، وقبل ذلك يُفسد الدين.

https://altanweeri.net/15176/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%90%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84%D9%90%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A/